أحرار الشام وهيئة تحرير الشام (جذور الصراع وإشكالية البنية)

Tags:

لم يكن القتالُ بين أحرار الشام وهيئة تحرير الشام مُستغربًا بقدر ما كان مُؤجّلًا، بسبب العوامل الأديولوجية المختلفة والاحتقان القديم، وما ولّده اتفاق خفض التصعيد من فرصة للفصائل لإعادة ترتيب أوراقها؛ إضافة إلى ازدياد حضور مفهوم “العدو الداخلي” وضرورة التعامل معه.
إن البنية القلقة والمضطربة لأحرار الشام، والبنية المتماسكة لهيئة تحرير الشام، وتحريكُها للكتلة الصلبة أديولوجيًا للقيام بالهجوم؛ كان لها الدورُ الأبرز في ترجيح كفة الهيئة بشكل خاطف في الأيام الأولى للحرب الساخنة بعد شهور من الحرب الباردة؛ ثم لينتهي الهجوم بتاريخ 21/7/2017، بعد أربعة أيام من المعارك، بسيطرة الهيئة على عموم إدلب ومعبر باب الهوى، وخروج الأحرار باتجاه الغاب و ريف حلب الشمالي.

ملخص

  • لم يكن القتال الأخير بين أحرار الشام وهيئة تحرير الشام مُستغربًا بقدر ما كان مُنتظرًا ومُؤجّلًا، بسبب العوامل الإيديولوجية والاحتقان القديم، وما ولده “خفض التصعيد” من فرصة للفصائل لإعادة ترتيب أوراقها، والتسابق إلى المجتمع الدولي لتثبيت وجودها السياسي؛ والشعور بالخوف من التصفية البينية للحسابات.
  • التعامل بطريقة مبالغٍ فيها مع الخلافات البينية البسيطة بين الفصائل، صار أكثرَ حضورًا بعد اتفاق خفض التصعيد، لكونه أجّلَ مفهوم “العدو الخارجي” وشجّع حضور مفهوم “العدوّ الداخليّ” وضرورة التعامل معه.
  • تدركُ جبهة فتح الشام، العمود الفقري لهيئة تحرير الشام، بأنها تمثل العبء الأكبر على التفاهمات الإقليمية والدولية لأي تسوية سياسية محتملة في الشمال السوري، وعليه فقد جاء تحرّكها ضد الأحرار كإعادة تموضع استباقي، تأهُّبًا لأي مواجهة محلية مدعومة إقليميًا.
  • لطالما حاولت أحرار الشام التمايز عن القوى الخاضعة للتصنيف، وتقديم نفسها خارجيًا كحركة قادرة على ضبط أمن الشمال ومحاربة “الإرهاب” وداخليًا كبديل لسلطة الدولة بغالب مؤسساتها الخدمية.
  • تُعَدُّ هيئةُ تحريرِ الشّام، الحالةَ الأكثرَ تطرّفًا من بين المشاريع الهامشية التي طرأت واستغلّت الظروف لتخلقَ نفسها وتعطّل على المشروع الأصل، مستغلّة الثغرات في الجدار الثقافي والديني للمجتمع، وانسداد الأفق السياسي للقضية، حيث اعتمدت على البراغماتية في حشد المنتسبين والأنصار على اختلاف انتماءاتهم وصفّهم التنظيمي “كتائب ثورية، أجانب مهاجرين”، بهدف توسيع النفوذ على الأرض، وتسجيل الحضور الدولي.
  • في ظل عدم قبول فتح الشام دوليًا، فإن “أحرار الشام” باتت تعي أن وجود قوى محلية خارج المشاريع الإقليمية لم يعد مُتاحًا ضمن التسويات التي تتم للتهيئة لحل سياسي شامل، الأمر الذي شجّعها على التعامل بمفهوم “العدو الداخلي”.
  • إن البنية القلقة لأحرار الشام، والبنية المتماسكة لتحرير الشام، كان لها دورٌ بارز في ترجيح كفة الهيئة بشكل سريع في الأيام الأولى للهجوم.
  • شكّل غياب المرجعية الدينية والمحورية الاجتماعية للحاضنة الشعبية في محافظة إدلب بيئة خصبة لبقاء المدنيين بصيغة غالبة في إطار الحياد بسبب دورها البالغ في التأثير بالرأي والحراك العام.

منهجية الدراسة:

إن الدراسة هي تحليلية أكثر من كونها استقصائية، وستكون حاجتها للأسماء والتواريخ بقدر ما تخدم فكرة التحليل.

مدخل:

لم تهدأ محافظة إدلب بعد أن تنفست الهدنة في اتفاق خفض التصعيد، حتى لاحت بوادر صراع جديد بين الفصائل، والذي اندلعت شرارته بين أحرار الشام وهيئة تحرير الشام بتاريخ 19/7/2017 في عدة مناطق في المحافظة؛ وعلى الرغم من أنه كان متوقًعا كمحطة للعلاقة بين الطرفين، إلا أنّه يعتبر الأضخم لحدوثه في ضوء أن بعض المتغيرات الإقليمية والدولية ضمن الملف السوري قد تخلقُ بعضَ السيناريوهات المُؤهَّلّة لاستثمارها في إطار التفاهمات والتوافقات الإقليمية والدولية حول الشمال السوري.

تحاول هذه الورقة دراسة جذور الصراع، ومدى دور البُنى لدى الطرفين في التمهيد له، وعوامل الحشد والعقلية التنظيمية لدى كلا الطرفين، وأحداث الصراع نفسه، وأثره على التماسك التنظيمي لديهما، وتكريس الفوضى العامة للثورة، وتلمُّس مواقف بعض الجهات المحلية من هذا الصراع، وارتداداته على مختلف الأصعدة.

الأحرار – البنية الفكرية وجذور التشكل:

تشكّلت الحركة من اندماج عدد من الفصائل المقاتلة”[1]” وتميزت البنية الفكرية لأحرار الشام منذ تشكيلها بتاريخ 11/11/2011بأنها كانت تفتقر لاستقرار القيم المحرّكة لخطّها العام؛ وأنها تقوم على التفاعل مع متغيرات الواقع والمتغيرات المحلية والإقليمية، دون اعتماد دوائر صلبة ومرنة في التفاعل والتأثر؛ الأمر الذي جعلها في وقتٍ لاحق أكثر قابليّة لقبول عناصر تحمل مشروعًا وفكرًا معارضًا لمشروع الثورة، وقُبولِ تحالفاتٍ وربما الاندماج مع قوى جهادية محلية غير مقبولة دوليًا ولا ثوريًا.

كان يوم 9/9/2014 الأكثر فجيعة في تاريخ الحركة، حيث شهد قتل 14 قائد من الصف الأول والثاني للحركة، وعدد أكبر من نوابهم ومستشاريهم في انفجار لا تزالُ ظروُفه غامضة في مستودع سلاح في إدلب؛ وتميّز القادة الذين قضوا بالتفجير بأنهم كانوا قد قاموا بالفترة الأخيرة في ضوء حالة القلق الفكري الذي اتّسمت به الأحرار.. بالعدولِ عن كثيرٍ من أفكارِهم الجهادية، وميولهم إلى فكرة إذابة الأحرار في جسد الثورة، وتقديم الثورة كواجهة لحراك الشعب وقضيته؛ الأمرُ الذي كانت ملامحه قد بدأت تنعكسُ على جسد الحركة، وهوامش تمايزها المفتعل عن قوى وفصائل محلية أخرى.

بقيت حالة القلق والاضطراب الصفة الأقرب لدائرة القرار السياسي والعسكري في الحركة بعد اغتيال القادة، وانتقالها لشخصيات متعددة، وتبدّلِ قيادة المكاتب التنظيمية المؤثرة في الحركة عدة مرات؛ الأمر الذي أدى إلى تعمّق التجاذبات داخل تلك المكاتب، وتوليد صراعٍ باردٍ فيما بينها، في التأثير على قرار الحركة.

لدراسة البنية الفكرية لأحرار الشام، يجب التمييز بين شريحتين رئيسيتين، البشرية المُؤلفة للحركة، وبين مراحل زمنية متعددة، تواردَت فيها عدة شخصيات على قيادة الأحرار ومفاصِلها الرئيسية، وتطوّرَت خلالها القيمُ المُحدِّدة لسياسة الحركة على الصعيد المحلي والدولي.

تعتبر دائرة اتخاذ القرار العسكري والسياسي في الحركة بعد اغتيال القادة حيّزًا خاضعًا للتعتيم، ومأخوذًا بتجاذبات داخلية بينية صامتة، تلعبُ فيها رغبات بسط النفوذ، والسعيُ البينيُّ المتبادل لامتلاك القدرة الأكبر على التأثير بقرار الحركة دورًا بارزًا في رسم عقلية دائرة اتخاذ القرار.

ويمكن القول أن البنية الفكرية لذاك الحيز المُعتم؛ لم تكن عاملًا مهمًا في رسم سياسة تلك التيارات المختلفة بالمقارنة مع أولويّة العقلية السياسية وأهمية تفعيلها في استمرار سباق المَصالح بين تلك المكاتب دون إبراز حقيقة تلك الصراعات على العلن، والاستمرار بتصدير صكوك من الشرعية على ارتدادات الصراع، حفاظًا على الطابع العام للحركة أمام جمهورها والمجتمع المُحتضن لها.”[2]

العمق الثوري لدى بعض الشخصيات في مكاتب الحركة، كان يدفعها على المدى الطويل للتعامل معه كقيمة يجب الدفاع عنها بمختلف الوسائل المتاحة، ومحاولةِ دفع الحركة نحو المشروع الثوري ما أمكن، وتترجم ذلك بالتعامل ببراغماتية مع التيارات البينيّة المنافسة.

هذه البراغماتية جعلت الشخصيات الثورية جزءًا من هذا الصراع البارد، ومهدت لتحوُّل جزءٍ لا بأس به من سياساتها إلى ردود أفعال واستدراك ثغرات، وأضافت إلى صراعها مع النظام صراعًا آخر بينيًّا، وهو الدفع بالحركة نحو المشروع الثوري، وهذا يعدُّ تحديًّا كبيرًا.

وهنا نلحظُ أن التركيز ينصبُّ على عقلية العمق التحكّمي وبناء التحالفات وكسب الولاءات داخل الحركة”[3]” بتلك المرحلة، مقابل غيابٍ واضحٍ لذكر البنية الفكرية لتلك التيارات ودورها في رسم المسار الحركي؛ وذلك بسبب مثالية المبادئ الزائدة، وعدم أهليتها لتقديم التنازلات اللازمة المواكبة لإدارة الحرب الباردة، في ميدان الصراع المتسارع بين ترسيخ الانتماء الوطني وترسيخ الانتماء الإيديولوجي.

تعتبر شريحة العناصر الميدانيين الثقل الأساسي المُكوِّن للأحرار، وتألّفت في البداية من أفراد المجتمع المحلي ثقافة وجسدًا، ممن يحملُ فكر الثورة، وأدبيات الحراك العامة التي أفرزَتها النخوة والفزعة الشعبوية بفعل القهر المتراكم كردة فعل طبيعية؛ وهذه بالضرورة تعبر عن الانتماء الوطني للعناصر، والتي كانت أبرز عوامل حشد التظاهرات في بداية الثورة رغم قسوة رد النظام.

سؤال الدولة:

مع بداية عام 2014 بات سؤالُ شكل الدولة أكثر إلحاحًا، خصوصًا بعد تمدد التنظيمات التي تتبنى إيديولوجيا السلفية الجهادية لعدة مناطق في سوريا”[4]” كانت ذروتها في الشمال السوري، واجتذابها للعديد من أفراد المجتمع المحلي، وتركيزها على الجانب الجهادي في تربية المقاتلين؛ وتقسيم الحلفاء والأعداء وفق ميزان عقدي، وطرح شكل الإمارة كنموذج لإدارة المناطق المحررة أو شكل الدولة بعد التحرير، وإيجاد ممرات تصريفٍ للقهر الذي تولّد في المجتمع المحلي عامة، والعناصر خاصّة عن الانسداد السياسي والعسكري وطول فترة الصراع، مما أعطى فرصة ذهبيّة لجماعات السلفية الجهادية لتشكيل أرضية شعبية داعمة لها، ورجّحَ فرصتها في التغلغل في البنية المجتمعية والعسكرية للشمال، كونها تؤمّن عبر تصنيفاتها المُركبّة على أساس عقديّ، حلولًا جزئية يمكن أن تعتبر ممرًا وتصريفًا للقهر المتراكم، ساعد في تغلغلها عدم طرح الأطراف الثورية الأخرى برنامجًا ثوريًا مُقنعًا للتحشد حوله.

انقسام في البنية:

ولقد أدّى ذلك إلى حصول انقسام في البنية الاجتماعية لجسد الثورة، وانتشر بشكل أفقي بين عدة فصائل كانت الأحرار من بينها، وكان تأثّرها هو الأشدّ؛ باعتبار أنها تمثلُ الثقل الأكبر في الشمال، وتعاني قلقًا فكريًا، كما تحتضن في قياداتها شخصيّات إيديولوجية تُحسبُ على السلفية الجهادية”[5]“؛ سيما من أُفرِج عنهم من سجن صيدنايا أول الثورة، وتمكنوا من الوصول لهذه المراكز بفعل سرديّة معاناتهم والأفضلية والمكانة التي اكتسبوها من عداوتهم السابقة مع النظام، هذا الأمر أدى إلى انتشار أفكار السلفية الجهادية بشكل أفقي بين عناصر الأحرار، وولّد حالة من القلق الهويّاتي؛ تجلّت آثارها في أكثر من موقف”[6]“؛ وهذا لا يُلغي بالفعل وجود كتائب من الأحرار، تحملُ فكر الجيش الحر بشكل خالص، والانتماء الوطني كهوية، تمكنت من تحصين نفسها كونها قامت على العصبيات المناطقية، وركّزت على تتريس نفسها والحيلولة دون تسلل أي انتماء مخالف إليها.

فيما يظهر التداخل مع فكر الجيش الحر والانتماء الوطني لدى كتلة أخرى من القيادات وأصحاب المراكز المؤثرة، والتي تمكنت من ترسيخ وتثبيت وجودها فيها؛ وصارت أحد أطراف الصراع البارد في جسم الحركة القيادي، وعملت على دفع الحركة باتجاه نموذج الحركات السياسية المعاصرة؛ على خلاف إرادة الطرف الآخر الذي أراد لها أن تكون ذات إيديولوجيا تعبوية قائمة على الحكم الديني؛ الأمر الذي أدّى لحدوث اضطرابات انعكست على موقف الحركة من المتغيرات الدولية عدة مرات.”[7]

عوامل الحشد لدى أحرار الشام:

ترتبط عوامل الحشد بهوية الانتماء، وعند الحديث عن هوية مُضطربة وقلقة فإن عوامل الحشد تكون مضطربة كذلك، إن البنية الفكرية الخليطة لعناصر الأحرار، وصراع التيارات والأجنحة داخل القيادة، انعكس بدوره على طبيعة الخطاب المُعتمد؛ بالنظر إلى التجاذبات الداخلية بين مراكز التأثير، والتي تريد الدفع بالأحرار نحو اتجاهين مختلفين.

وعلى الرغم من تلك الاضطرابات، إلا أن الجانب السياسي في الحركة، استمرّ بالتطوّر بشتّى أطيافه، من حيث التركيز والحضور والإمكانات خلال مرحلة ما بعد اغتيال القادة، وازداد حضور “المكتب السياسي” في خطاب الحركة وبياناتها، والذي تطور لاحقًا إلى الجناح السياسي، وقد ساعد على نمو المكتب السياسي التوسع الذي شهدته الحركة باندماج لواء الحق والجبهة الإسلامية الكردية بالحركة 9/2/2014.

تنقّلت الأحرار منذ بداية تشكّلها مرورًا باغتيال قادتها، وانتهاء بولاية هاشم الشيخ في خطابها الحشدي بين عدة أصناف؛ حيث تبنت الحركة في بداية تشكلها الخطاب الشعبوي العام المعبر عن قيم الحرية والعدالة، أسوةً بالطابع العام للحراك الاجتماعي؛ ثم إلى خطاب أضيق محصور خاضع للأسلمة متأثرةً بالفضاء العام أواخر 2013 ثم ليعتدل الخطاب الرسمي في مطلع 2014 بعد تطور المكتب السياسي؛ وتطور واتساع بنيته لتضمّ فيها خليطًا متنوعًا.

حافظت الأحرار بعد عام 2014على النبرة السياسية في خطاباتها الخارجية مع الدول الداعمة للثورة، ومع الفصائل داخليّا، لكنها ظلّت تحمل معها في كل مراحلها تجاذبات التيارات الداخلية، ولم تتمكن من فرضِ فكرة “الثورية” على حساب “الجهادية” أو العكس، لكن هويّتها الداخلية ظلت مجهولة، الأمر الذي أدّى لاحتفاظ العناصر والكتائب بهويّتها المحلية، سواء كانت ثورية أو جهادية؛ وسهّل انتقالهم من انتماء لآخر؛ وأحدث تشتيتًا للبنية الفكرية، وروابطها مع قيادة الحركة، وأبقى على الروابط التنظيمية القوية.

دخلت الأحرار مع غرفة عمليات جيش الفتح 24/3/2015 والتي تشترك فيها النصرة وجند الأقصى كجماعات تنتمي للسلفية الجهادية، كما تشترك فيها فصائل مُصنّفة على الجيش الحر مثل فيلق الشام، وساعد في انسجام الفصائل داخل هذا التكوين، كون الأحرار التي تشكل الثقل الأكبر فيه تحملُ في بنيتها من كلا الخليطين؛ الأمر الذي ساعد بجعلها قاعدة رئيسية في جيش الفتح.

الخطاب الخارجي ذو المنطلق السياسي، والخطاب الداخليّ القلق، والاعتماد على المفاهيم العامة في الهوية الفكرية، مثل الظلم والظالم والأرض والعدالة، دون الخوض في التفصيلات الجزئية، وتعريف الظلم بحد ذاته، وكيفية تطبيق العدالة بحقه، أفقد الغالبية من كتائب الأحرار القدرة على المبادرة الفردية عند حدوث الأزمات والانقطاع عن القيادة، الأمر الذي ستظهر آثارُه لاحقًا عند الحديث عن مهاجمة جبهة النصرة لفصائل الشمال السوري وتفكيكيها، فيما وقفت الأحرار موقف المتفرج، وأحيانًا اكتفت بالتدخل والدعوة لإيقاف القتال، دون متابعة المراحل القضائية لردّ الحقوق والأسلحة، ومحاسبة المتعدّي.

ما يمكنُ إجماله أن عوامل الحشد لدى الأحرار كانت ترتكز على الهويات الفرعية (عصبية – ثورية – جهادية –خليطة) للكتائب وأماكن تواجدها أكثر من الهوية العامة، وكان نوع هذه الهويات يختلف من منطقة لأخرى، وقد يتغيرُ ولاؤها أحيانًا استجابة لبعض المتغيرات.

منهجية الأحرار في إدارة الأزمات:

البنية القلقة، والهوية المضطربة، والتجاذبات الداخلية البينية للحركة؛ انعكست على منهاجها في التعامل مع الأزمات والنزاعات بين الفصائل، ليصيرَ من الناحية الرسمية مجمدًّا وأقرب إلى الحيادية؛ حيث وقفت كتائب الأحرار في عدة مناطق متفرجةً بينما كانت جبهة النصرة تهاجم فصائل الشمال السوري وتقومُ بتفكيكها، بدءاً من جبهة ثوار سوريا، وحركة حزم المدعومة أمريكياً، والفرقة 13 وجيش المجاهدين وصُقور الشام وجيش الإسلام وتجمع فاستقم، إضافة إلى الجبهة الشامية؛ لتقوم تلك الفصائل بإعلان انضمامها إلى الأحرار خوفًا من الحلّ والانفراط؛ دون أن تبادر الحركة بمهاجمة النصرة كردٍّ على اعتدائها، أو مطالبتها برد السلاح الذي سرقته من مستودعات الفصائل التي هاجمتها؛ لكنها وتحت الضغط الشعبي والثوري الكبير ، أطلقت نداءات للنفير العام ضد هجوم جبهة النصرة 25/1/2017 دون تحديد ماهية النفير، وأخطرت المقاتلين بضرورية الجاهزية لتنفيذ الأوامر، فيما كانت بنفس الوقت تتفاوضُ مع جيش المجاهدين وتجمع فاستقم وجيش الإسلام لينضم إلى صفوفها، ويحمي نفسه من الحلّ بشكل كامل.

بينما قامت كتائب أخرى من الأحرار منسوبة لهويات فرعية، وتحملُ الفكر الثوري بالخروج عن قرار قيادة الأحرار بالحياد، ومهاجمة جبهة النصرة في أكثر من منطقة “[8]“ردًا على هجومها على الفصائل؛ ولم تظهر مواقف علنية للقيادة من تلك الكتائب.

أهم القيادات والشخصيات المؤثرة:

  • أبو عمار العمر: القائد العام حتى تاريخ 2/8/2017، من بلدة تفتناز.
  • جابر علي باشا: نائب القائد العام، من بلدة بنش.
  • أنس نجيب: النائب الثاني للقائد، من بلدة أطمة.
  • حسن صوفان – القائد العام حاليًا، ورئيس مجلس شورى الأحرار حتى تاريخ 2/8/2017.
  • أبو عزام سراقب – قائد ميداني(مسجون لدى هيئة تحرير الشام حتى تاريخ صدور الورقة).
  • حسام سلامة من بلدة جرجناز.
  • أبو البراء معرشمارين (قائد قاطع البادية).
  • منير السيال – المكتب السياسي.
  • لبيب النحاس – المكتب السياسي.
  • كنان النحاس “أبو عزام الأنصاري”: المكتب السياسي.
  • الدكتور أبو حمزة: قائد جيش الإيمان.
  • ماهر علوش.
  • أبو المنذر (القائد العسكري العام).
  • موفق أبو الصادق الحموي (موجه شرعي عام).
  • مهند المصري (أبو يحيى الحموي): رئيس المكتب السياسي.
  • أبو خزيمة الفلسطيني: (قائد قاطع الحدود سابقًا).
  • أبو علي الساحل.

هيئة تحرير الشام – الجذور والتشكل:

هي تشكيل عسكري، يترأسه القائد العام السابق لحركة أحرار الشام هاشم الشيخ أبو جابر، أسسته عدة فصائل عسكرية منتشرة في شمال سوريا بتاريخ 28/1/2017 تضم كُلًا من جبهة النصرة وحركة نور الدين زنكي، وجبهة أنصار الدين، وجيش السنة، ولواء الحق، ثم انضمّت لها لاحقًا الكثير من الكتائب”[9]“والتي تحملُ انتماءات مختلفة، دفعتها للتعامل مع الاندماج بصيغة نفعية أو إيديولوجية، بعد أن انشقت عن حركة الأحرار.

بدأت الهيئة ببناء تحالفات لتحييد المناطق بالصراع المُجهّز والمُدار بين لاعبين فيها، ترافق ذلك مع تزاحم الأحداث الصعبة من سقوط حلب ومشاريع التغيير الديموغرافي حول دمشق، وفشل الاندماجات السابقة، ومشروع اندماج الفصائل الأخرى مع الأحرار والذي عُرف بـ “جبهة تحرير سوريا”.

البنية الفكرية لهيئة تحرير الشام:

تميزت الهيئة وعبر تعاملها ببراغماتية واسعة من استقطاب مختلف الانتماءات والإيديولوجيات ضمن صفوفها، حيث ضمّت السلفية الجهادية ممثلة بجماعة جبهة النصرة، والفكر الشعبي العام ممثلة بحركة نور الدين الزنكي، ولواء الحق وجيش السنة المنسوبين لنزعات محلية.

تمكّنت الهيئة بادئ الأمر من المحافظة على البُنى المتناقضة في بنية واحدة عبر إشغال عناصرها بالحشد بناءً على الاندماج وضرورة كسر حالة الفوضى والتشرذم، دون التركيز على التفاصيل والآليات التي قامت عليها الهيئة، والتي يمكن أن يشكّل الخوض فيها موقفًا محرجًا لقيادة الهيئة أمام أنصارها. عملت الهيئة في طور تشكلها على التقليل من الخطابات والبيانات الموجهة للخارج، وذلك لإخفاء توجهها والتمكن من ضم أكبر قدر ممكن من الكتائب العاملة، والتي تحملُ هويات مختلفة؛ وقد ساعد عدم وجود مركزية في القرار لدى الأحرار الهيئة بسحب عدد كبير من الكتائب المنضوية تحت الأحرار، وإغرائهم بخطاب أكثر وضوحًا كانوا يفقدونه لدى الأحرار.

تنوعت فسيفسائية البنية الفكرية للهيئة بتنوع الهويات المشكلة لها، والتي يمكن اختصارها بالسلفية الجهادية والحالة الشعبوية العامة، وبالرغم من محاولات القيادة توحيد البُنى المختلفة، إلا أنها لم تتمكن من ردم الفجوة، وحافظت غالبُ الفصائل المُشكّلة على كتلتها وبنيتها ضمن كتلة الهيئة، فيما عملت على تلطيف الفجوة الفاصلة بتلطيف الخطاب المتبادل دون إيجاد أيّة حلول جذريّة؛ وقد دلّ على ذلك قدرة الزنكي على الانشقاق بكتلته عن هيئة تحرير الشام بعد يوم من قيام الهيئة بالهجوم على أحرار الشام بتاريخ 19/7/2017م.

تعتمد الهيئة في جزء كبير من بنيتها، على الأجانب الوافدين “المهاجرين” مثل القوقازيين؛ فيما توفر أدبيات الهيئة الحضن المعرفيّ والروحي اللازم لبقاء الأجانب في صفوف الهيئة، إضافة إلى إحساس المقاتلين الأجانب باقتراب نهايتهم ضمن أي تسوية في الملف السوري، الأمر الذي يزيد تمسكهم والتفافهم حول “فتح الشام” ضمن الصراع الدائر، باعتبارها الملاذ الوحيد للأجانب بعد تنظيم الدولة. تشكّل كتائب المهاجرين تعزيزًا مهمًّا لتوجّه السلفية الجهادية، ومفاهيم الهجرة إلى الله، ومعسكرات الكفر والإيمان، داخل فسيفسائية البنية الفكرية لتحرير الشام؛ إضافة إلى اعتبارهم الكتلة الصلبة إيديولوجيا، والتي تتحركُ بها الهيئة.

إن أقرب وصف لبنية هيئة تحرير الشام، أنها بنية تشكّلَت على أساس ردّ الفعل، وليس على الفعل بحد ذاته، وقامت على أساس تقديم التنازلات فيما بينها بهدف فرض الوجود وبسط النفوذ والسيطرة؛ دون النظر بأهلية البُنى والأهداف الخاصة بكل فصيل على الصمود في الكتلة العامة بعد احتكاك البُنى والإيديولوجيات الجزئية للكتائب فيما بينها.

إلا أن الهدف العام المشترك بين تلك الفصائل كان البحث عن التمثيل السياسي الأفضل، وفرض أمر واقع يمكن من خلاله إجبار المجتمع الدولي والدول الإقليمية فتح قنوات تواصل معها، وتمرير أي تسوية للشمال السوري عبرها.

عوامل الحشد لدى هيئة تحرير الشام:

بالنظر إلى طبيعة البنية التي قامت على عدة هويات، وبالنظر إلى أن الهيئة لم تشنّ أي معركة ضدّ النظام بعد تشكلها، سيما لأنّ بداية تشكّل الهيئة كان في وقت كانت مفاوضات الأستانة واتفاقيات خفض التصعيد على وشك إتمامها، ولذلك فإنه لا يمكن رصد عوامل الحشد لدى الهيئة جيّدًا لعدم توفر المسافة الزمنية اللازمة؛ إلا أنّ مظلومية السلفية الجهادية كانت الأكثر حضورًا في الحشد؛ وذلك باستخدام خطاب المظلومية، وربط قيام الهيئة بضم كل تلك الكتائب المنشقة عن فصائلها الأم، بالمواقف الثورية المعادية للهيئة محلّيًا، وبالتالي وضع قيام الهيئة بتوحيد تلك الكتائب تحت ظلها وجهًا لوجه مع موقف الفصائل المعادي للهيئة، وإقناعُ العناصر بأنّ الحرب المُمارسة عليها هي نتيجة قيامها بالتوحّد، وبالتالي يتمُ نصبُ مظلومية يمكنُ الحشدُ حولها.

إن جيش النصرة يعد جسمًا رئيسيًا في كتلة هيئة تحرير الشام؛ ويعد الكتلة الأصلب إيديولوجيا؛ والمرتبطة بالجولاني مباشرة؛ وكان لها الدور الأكبر في الهجوم على الأحرار والفصائل الأخرى.

أهم الشخصيات المؤثرة:

  • أبو محمد الجولاني”[10]” (القائد العسكري لهيئة تحرير الشام).
  • أبو اليقظان المصري (شرعي).
  • أبو شعيب المصري (المكتب الشرعي).
  • أبو الخير المصري (موجه عام).
  • أبو يوسف الحموي (الأمني العام).
  • عبد الرحيم عطون (الشرعي العام).
  • عبد الله المحيسني (شرعي).
  • مصلح العلياني (شرعي).
  • عبد الرزاق المهدي (شرعي).
  • هاشم الشيخ (قائد حركة أحرار الشام سابقًا، وجيش الأحرار سابقًا، وقائد الهيئة).
  • أبو عبد الرحمن الزربي (الجناح الاقتصادي).
  • زيد العطار (المكتب السياسي).

منهجية الهيئة في إدارة الصراع:

تبنّت الهيئة منذ تأسيسها تفعيل العقلية السياسية في إدارة خطها العام بعيدًا عن المبادئ المنطلقة من البُنى الفكرية، وذلك لتعذر ذلك وسط تشابك عدة بُنى متعارضة في كيان واحد؛ فعمدت في الشمال السوري بأسلوب القضم البطيء، مُستغلّة عدم وضوح الأحرار، وعدم وجود مركزيّة قرار فعالة فيها، إضافًة إلى وجود الجناح الإيديولوجي داخل الأحرار، والذي يعدُّ مقرّبًا جدًّا من فكر السلفية الجهادية؛ الإيديولوجية الرسمية لجبهة النصرة العمود الفقري لهيئة تحرير الشام. 

تركّز الهيئة في إدارتها للصراع على تفعيل العقلية السياسية وتحييد الخصوم الكبار، والبدء بالفصائل الصغيرة، كونهم الأقل خطرًا، ثمّ الانتقال لخصوم آخرين، والعمل على زعزعة بنية أحرار الشام، بشراء الولاءات لصالحها في اللحظات الحرجة من عمر الصراع، لتحقيق نصر معنويّ إضافيٍّ وهزيمة نفسية للعناصر يسهّلُ في فرض الحلول عليهم.

كما عمدت الهيئة في صراعها مع الفصائل على لعب دور المظلومية دائمًا لتيسير حشد عناصرها على اختلاف انتماءاتهم، فقامت باختلاق مشاكل مع الفصائل، لتقوم هي بدورها بالهجوم على تلك الفصائل بذريعة فسادها، وقد حصل ذلك مع جيش الإسلام الذي أعلن انضمامه لأحرار الشام، ومع تجمع فاستقم بعد أن أعلن انضمامه للحركة، ومع صقور الشام في جبل الزاوية مؤخّرًا، إضافة إلى أحرار الشام.

هيئة تحرير الشام – دوافع التحرك:

بعيداً عن رواية الطرفين حول بدء شرارة الاقتتال ومن يتحمل مسؤوليتها، إلا أنه من المؤكد أن كل ما سبق الاقتتال من حوادث توتر بين الجهتين، سواء الاعتداء المتبادل على مقرات وحواجز الطرفين، أو نكث اتفاق منطقة تل طوقان، أو رفع علم الثورة قرب معبر باب الهوى، ليست كفيلة بإشعال اقتتال واسع يتجاوز حدود محافظة إدلب بسرعة كبيرة ليمتد إلى مناطق نفوذ الطرفين في ريف حماة الشمالي والشمالي الغربي و مناوشات في كل من درعا والبادية السورية؛ بل ويستدعي تجاوز “الفتاوى الشرعية” بالنسبة لجبهة “فتح الشام” واتخاذ قرار شبه فردي بمواجهة “أحرار الشام” وتجاوز إجماع الفصائل المنضوية تحت هيئة “تحرير الشام.

ولذلك فإن التحرك لا يبدو ارتجالياً لجهة الطرفين، وتحديداً جبهة “فتح الشام”، والتي على ما يبدو جاء تحركها العسكري في هذا الوقت بالذات وفقاً لعدة دوافع، أبرزها:

  1. التحرك التركي المحتمل:

 تشير جغرافية التحرك العسكري لهيئة “تحرير الشام” وعلى رأسها جبهة “فتح الشام” باتجاه المناطق الحدودية مع تركيا، إلى نية الهيئة في السيطرة على المعابر الحدودية، وذلك كعمل استباقي لأي تحرك تركي محتمل في إدلب يساهم في تقويض نفوذ الهيئة في الشمال ويشجع باقي الفصائل على قتالها، ويهيئ لمناطق “خفض توتر” بإدارة إقليمية ودولية، خاصة وأن التحرك التركي المحتمل بدأت تلوح بوادره؛ إن لم يكن من إدلب بشكل مباشر، فهو من ريف حلب الشمالي باتجاه إدلب، وذلك كجزء من أهداف عملية “سيف الفرات” المرتقبة في شمال حلب، والتي قد تؤمن في حال نجاحها فرصة لوصل ريف حلب بريف إدلب وفق تفاهمات “روسية تركية”، وهذا ما تؤكده تصريحات بعض القادة العسكريين في “درع الفرات” بأن “المرحلة اللاحقة لعملية “سيف الفرات” المرتقبة في شمال حلب هي إدلب، وتحديداً جبهة “فتح الشام” ضمنها.

  1. انهيار تنظيم الدولة:

 تدرك جبهة “فتح الشام” تماماً بأن نهاية تنظيم “الدولة الإسلامية” في العراق وسوريا باتت قاب قوسين أو أدنى، وأن المرحلة المقبلة للمجتمع الدولي هي استهداف الجبهة في إطار التحالف الدولي للحرب على الإرهاب، وأن السباق بين مختلف القوى سيبدأ لاحتكار نقاط اشتباك معها تمهيداً للمواجهة المؤجلة، كالسعي المحموم من قبل لاحتكار جبهات القتال مع تنظيم الدولة، وربما في هذا السياق يمكن فهم السعي التركي المدعوم روسياً لعملية “سيف الفرات” المحتملة، والتي تهدف بجزء منها لقطع الطريق على محاولات قوات “سورية الديمقراطية” في عفرين ومحيطها لإقناع الولايات المتحدة بخوض معركة إدلب ضد “النصرة” بعد الانتهاء من معارك تنظيم الدولة والوصول إلى المتوسط مروراً بإدلب بحجة قتال جبهة “فتح الشام”. خصوصاً بعد تصريح عدد من قيادات حزب الاتحاد الديمقراطي PYD عن نيتهم الوصول إلى الساحل السوري عبر إدلب بحجة محاربة جبهة “فتح الشام” بعد الانتهاء من داعش؟

  1. إزاحة المنافس:

 تعي جبهة فتح الشام بأن أي مواجهة محتملة بينها وبين فصائل المعارضة المسلحة، يتطلب جسم عسكري ضخم تلتف حوله تلك الفصائل كغطاء عسكري وشرعي لقتالها، وأن المرشح الأبرز للعب هذا الدور في إدلب تحديداً هو حركة “أحرار الشام”، لذلك يبدو أن الجبهة تعتقد بأن استهداف الحركة بهذا الوقت بالذات قد يقطع الطريق على أي تحالف محتمل ضدها محوره “أحرار الشام”.

  1. رفع الغطاء الإقليمي:

 يبدو أن شعور هيئة “تحرير الشام” وتحديداً جبهة “فتح الشام” ضمنها؛ بأنها قد تكون ضحية لتفاهمات إقليمية ناتجة عن “الأزمات السياسية” التي تشهدها المنطقة، وبالتالي احتمالية رفع الغطاء عنها؛ عزز دوافعها بضرورة التحرك في هذا التوقيت.

  1. تدرك جبهة “فتح الشام” بأنها تمثل العبء الأكبر على التفاهمات الإقليمية والدولية لأي تسوية سياسية محتملة في الشمال السوري، وعليه جاء تحركها وفق الدوافع أعلاه كإعادة تموضع استباقي وتوسيع مناطق نفوذ، تأهباً لأي مواجهة محلية مدعومة إقليمياً[11].

القتال بين الهيئة والأحرار:

منذ الإعلان عن تشكيلها اتّبعت الهيئة نهجًا استئصاليًا بحقّ باقي مكونات فصائل المعارضة المسلحة، حيث لم يمضِ سوى ساعات على تشكيلها لتبدأ حينها بالهجوم على مقرات حركة أحرار الشام في مدينة دارة عزّة بريف محافظة حلب الغربي، وسيطرت حينئذٍ على مبنى المحكمة في المدينة وعلى عدة مواقع للحركة.

تلا ذلك وبعد أقل من شهر قيام هيئة تحرير الشام، وبالأخص جبهة فتح الشام، بعملية عسكرية موسعة استهدفت خلالها الفصائل التي كانت تقاتل معها في مدينة حلب، ومن أهمها تجمع فاستقم كما أمرت وفصيل جيش المجاهدين، واستمرت هذه العملية قرابة أسبوع، وأدّت في نهايتها إلى سيطرة الهيئة على العديد من مستودعات وأسلحة الفصائل المستهدفة، وانضمام من تبقى من هذه الفصائل كرهاً وبهدف الحماية فقط إلى حركة أحرار الشام الإسلامية.

وفي الأحداث ما قبل الأخيرة لهذا الصراع الأيديولوجي قامت هيئة تحرير الشام بمحاولات لاستئصال فصيل جيش الإسلام في الشمال السوري بحجة تبعيته للفصيل الأم في غوطة دمشق، والذي خاضت الهيئة معه حروبا دموية هناك، وكحل للبقاء اتجه فصيل جيش الإسلام حينها إلى حركة أحرار الشام الإسلامية، والتي قبلت انضمامه وحمايته بشروط لم يصرح عنها، وكانت أقرب للابتلاع منها للاندماج.

حرب باردة:

الهدوء بين القطبين لم يدم طويلًا، حيث تفجر عدة مرات في مناطق محدودة، ليحل في كل مرة عبر لجنة شرعية، ويكون هذا الحل كمسكنات موضعية فقط، وليس رؤية شاملة للعلاج، بينما استمرت حرب البيانات وتبادل الاتهامات المختلفة بين الطرفين عبر تغريدات على تويتر، تارة بين قادة في الطرفين أو في قنوات التلغرام ووسائل التواصل الاجتماعي.

بداية فتيل الاقتتال:

منذ مطلع تموز 2017، بدأت هيئة تحرير الشام برفع جاهزية مقاتليها وتدريبهم على القتال لاستئصال مقاتلي الحركة، لتندلع اشتباكات محدودة بين الطرفين كان أهمها في محيط مدينة سراقب، وتحديدًا في قرية تل الطوقان، حيث سيطرت هيئة تحرير الشام على مقرات الحركة في القرية وطردتها منها، لتقوم الحركة باستعادة مواقعها في قرية تل الطوقان عبر عملية عسكرية، ووقعت اتفاقية بين الطرفين تقضي بإنهاء الاقتتال.

لم تصمد هذه الاتفاقية أكثر من 36ساعة، لتندلعَ الاشتباكات مجددًا في ريف إدلب الجنوبي وفي مدينة إدلب، على هيئة مشاحنات فردية أو جماعية بين عناصر الفصيلين لتتطور بشكل سريع في ريف إدلب الجنوبي حيث سيطرت هيئة تحرير الشام بشكل كامل على قرى وبلدات ريف إدلب الجنوبي، وتخلل ذلك قيام عناصر الهيئة بعمليات إعدام ميداني بحق قياديين وأفراد من حركة أحرار الشام في تلك المناطق، كان أبرزها في بلدة الهبيط في ريف ادلب الجنوبي، حيث أقدمت الهيئة على تصفية اثنين من القياديين العسكريين التابعين لحركة أحرار الشام، أحدهما عضو في غرفة عمليات ريف حماة.

قامت بعدها حركة أحرار الشام باستقدام تعزيزات عسكرية لمناطق ريف ادلب الجنوبي، واستعادت السيطرة على ما خسرته من مواقع لها وطردت عناصر الهيئة منها، لتعاود بعدها الهيئة الهجوم مستعملة الأسلحة الثقيلة والدبابات والصواريخ الحرارية المضادة للدروع مثل التاو والميتس، ما أدى إلى فرض سيطرتها بشكل كامل على ريف إدلب الجنوبي وريف حماة، باستثناء مدينة قلعة المضيق في ريف حماة الغربي والتي أعلنت حيادها عن الاقتتال، وإخراج عناصر الهيئة منها طوعًا وإخلاءهم لمواقعهم، وهو الأمر الذي قبلت به هيئة تحرير الشام، باعتبار مدينة قلعة المضيق تمثل ثقلًا بشريًا وعسكريًا لحركة أحرار الشام، واستفادت من ذلك بسحب عناصر الهيئة وزجهم في معارك اوتوستراد حلب دمشق وهي المرحلة الثانية من الاقتتال.

الصراع الأكبر:

بدأت الهيئة المرحلة الثانية من الاقتتال بمحاولة السيطرة بشكل كامل على الاستيراد الدولي حلب دمشق، بما فيه مدينة سراقب ومواقع الأحرار على الأوتوستراد، ومن أهمها ثكنة الإيكاردا وثكنة صوامع الحبوب والتي تمثل ثقلا حقيقيا للحركة، نجحت الهيئة وبشكل سريع في السيطرة على الأوتوستراد بسبب الانسحاب المفاجئ لعناصر جيش الإيمان وهو القوة الكبرى في الحركة، وإخلائه لمواقعه وانسحاب مقاتليه باتجاه مقرات أخرى في إدلب المدينة وباب الهوى، وجاء هذا الانسحاب بسبب رفض عناصر جيش الإيمان والمكوَّن من قرابة 4000 مقاتل المشاركة في الاقتتال، وفضّل المقاتلون إخلاء مواقعهم على القتال، وخلال هذه المرحلة، استعادت هيئة تحرير الشام سيطرتها على محكمة مدينة سلقين، وعلى عدة مواقع في مدينة حارم، والتي تعتبر ثقلا رئيسيًا لجبهة فتح الشام، المكون الأساسي لهيئة تحرير الشام.

أهم نتائج هذه المعركة، هو كشف “الهيئة”، وإن بشكل غير مباشر، عن أهدافها القريبة والبعيدة من هذه المواجهة، وهي نتائج تتجاوز عملياً ما أدت إليه المعارك من القضاء على قوة “أحرار الشام” كأكبر فصيل معارض، على الرغم من الثمن الباهظ الذي دفعته “الهيئة” شعبياً وإعلامياً، حتى وهي تنتصر.

البيان الذي أصدرته قيادة “تحرير الشام” رداً على مبادرة مجموعة من المشايخ والدعاة لوقف القتال بعد يومين على انطلاقته، ومن ثم الخطاب الذي ألقاه الشرعي فيها أبو اليقظان المصري، أمام مجموعة من مقاتلي “الهيئة”، كشفا وبوضوح عن استراتيجية “تحرير الشام” اليوم في المنطقة الممتدة من ريف حلب الغربي حتى ريفي حماة الشمالي والشرقي، وهي المنطقة الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة:

وهي القضاء على مشروع “حركة أحرار الشام” لإدارة المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، بالتعاون مع الفعاليات والقوى الثورية الذي بدأت “الحركة” بالترويج له منذ أسابيع، عقب اعتمادها لكل من علم الثورة والقانون العربي الموحد، بالإضافة إلى إفشال أي مشروع للتدخل العسكري التركي في هذه المنطقة، من خلال تقليم أظفار ما تبقى من الفصائل لاحقاً، ظهرا وبكل وضوح، كدافعين أساسيين لتحرك “الهيئة” الأخير عسكرياً ضد “أحرار الشام”، وما استتبعه ذلك من السيطرة على معظم الشريط الحدودي مع تركيا.

صحيح أن هذين الهدفين لم يكونا غائبين عن التصور عند الجميع تقريباً ومنذ البداية، وصحيح أن “الهيئة” تذرعت بالسعي للقصاص من جريمة قتل اثنين من تجار السلاح المرتبطين بها في منطقة جبل الزاوية، إلا أن ما جاء في بيان الرد على مبادرة وقف إطلاق النار، وفي كلمة أبي اليقظان المصري، كان بمثابة التصريح عن هذين الدافعين.

فالتعقيب على المبادرة التي أطلقها المشايخ، وهم عبد الرزاق المهدي وأبو محمد الصادق وأبو حمزة المصري، افصح وبشكل واضح عن امتعاض “هيئة تحرير الشام” من مشروع الإدارة والحكم الذي كانت تطرحه “حركة أحرار الشام”، والرغبة الحاسمة في تقويضه. البيان الصادر عن قيادة “الهيئة” بهذا الخصوص، اعتبر أن “المبادرة الحقيقية هي التي تطرح مشروعاً واقعياً للإدارة الذاتية للمناطق المحررة، مشروعاً يمتلك قرار السلم والحرب، ويتخذ القرارات المصيرية، بعيداً عن التغلب السياسي ومراهنات المؤتمرات، وبعيداً عن تلاعب القوى الدولية.

وبغض النظر عن تأييد قيادة “حركة نور الدين زنكي” لمبادرة المشايخ الثلاثة لوقف الاقتتال، ومن ثم انفصالها عن “هيئة تحرير الشام” بسبب رفض هذه المبادرة، إلا أن أحداً لا يمكن أن يتجاهل امتعاض “الزنكي” منذ ما قبل انفصالها، مثلها مثل جميع مكونات “الهيئة”، من إطلاق “أحرار الشام” التمهيدي لهذا المشروع.

فالجميع داخل “الهيئة”، كان يعتبر هذه الخطوة منفردة، وبمثابة تجاوز صارخ لـ “تحرير الشام”، ذات الثقل العسكري الوازن في المناطق الخاضعة لسيطرة الفصائل، واحتكار للقرار في هذه المناطق. وبالتالي فقد كان هناك رفض جماعي لم يكن خافياً داخل “الهيئة”، بل وحتى إرادة واضحة في المواجهة مع “أحرار الشام” على هذا الأساس.

صحيح أن “الزنكي” لم تستطع على أرض الواقع مجاراة بقية مكونات “هيئة تحرير الشام” في قتال “الحركة” عندما بدأت الدماء تسيل وردود الفعل الغاضبة تتسع، إلا أن الصحيح أيضاً أن الجميع في “الهيئة”  كان يريد وضع حد لما كانت “أحرار الشام” تقوم به، ويعتبرونه تجاهلاً لهم وإقصاءً لفصيلهم، الذي يعتبرون أنه الفصيل الأقوى على الأرض، والذي يحق له فرض ما يريد، وبالتالي فإن حالة الغضب والنقمة كانت جماعية على “أحرار الشام” داخل “الهيئة”، انطلاقاً من هذه النقطة بالتحديد، لكن الخلاف كان على آليات التعامل معها.

ومثل هذا يمكن تلمسه بوضوح أيضاً في موقف الشخصيات القيادية البارزة في “هيئة تحرير الشام”، والتي أعلنت معارضتها رفض قيادة “الهيئة” مبادرة وقف إطلاق النار الأولى، وفي مقدمتهم عضوا المجلس الشرعي فيها، السعودي عبد الله المحيسني، وأبو الحارث المصري، بل وكذلك تكتل “جيش الأحرار”، الذي كان قائده أبو صالح الطحان قد أعلن وعلى الفور، تأييده للمبادرة، وإن كان لم يصل إلى حد الانسحاب من “الهيئة” بعد رفضها. هؤلاء جميعاً، وبما يمثلونه من ثقل وتأثير داخل “الهيئة”، لم يكونوا بالطبع ضد مواجهة مشروع “حركة أحرار الشام”، بل وحتى تفكيكها، لكنهم مثل قيادة “حركة نور الدين زنكي”، لم يكونوا موافقين على الطريقة التي جرت بها العملية، أو لم يستطيعوا تحمل تبعاتها، على حد وصف الداعية السلفي الجهادي المؤيد لـ”هيئة تحرير الشام” أبي قتادة الفلسطيني، الذي علق، مثل غيره من منظري التيار، على هذه الأحداث، وكانوا بالمجمل مؤيدين لها.

اختلفت ردود الفعل داخل فضاء “هيئة تحرير الشام” تجاه مواقف المعارضين لاستمرار المواجهة مع “حركة أحرار الشام”، بل وشكل ذلك أرضية خصبة للإشاعات حول ذلك، والتي وصلت إلى حد نشر أخبار عن ملاحقة “الهيئة” للمحيسني وتهديده، وانفصال “جيش الأحرار” عنها.

 إلا أن الموقف الحقيقي من كل هذا، جاء متضمناً في خطاب الشرعي العسكري في “هيئة تحرير الشام” المصري محمد ناجي “أبي اليقظان”، أمام مجموعة من مقاتلي “الهيئة” المتجهين لقتال “أحرار الشام”، والذي كان أهم ما فيه، هو كشفه عن الاستراتيجية القادمة لـ”هيئة تحرير الشام” في شمال سوريا، وعلى الرغم من أن كل ردود الفعل الغاضبة والمنددة بما عبر عنه أبو اليقظان، حتى من قبل أنصار “الهيئة”، تركزت على تحريضه المقاتلين على عدم التردد في استهداف كل من يرفض الاستسلام من مقاتلي “أحرار الشام”، بطلقة في الرأس.

أبو اليقظان حدد ثلاثة ملامح أساسية لهذه المعركة مع حركة “أحرار الشام”:

  • الأول: إنهاء “الحركة” بسبب ما قامت به في الفترة الأخيرة الماضية من خطوات، وما تعمل عليه من مشاريع مدنية.
  • الثاني: وهو الهدف الأكثر أهمية في هذه المرحلة، ويتمثل في السيطرة على المنطقة الحدودية مع تركيا، وطرد “الحركة” منها كأولوية مطلقة، في حال لم يتم القضاء عليها بشكل كامل.
  • الثالث: بسط هيمنة “الهيئة” بشكل كامل على عموم المساحة الخاضعة لسيطرة الفصائل في الشمال لاحقاً، وتحجيم قوة هذه الفصائل وإبقائها تحت السيطرة.

لم يتم بالفعل القضاء على حركة “أحرار الشام” وتفكيكها بشكل كامل، لكن “هيئة تحرير الشام” نجحت في السيطرة على غالبية المواقع الحدودية التي كانت ترغب في إخراج “الحركة” منها، تحضيراً لمواجهة أي تدخل عسكري تركي محتمل.

فإلى جانب معبر باب الهوى، أحكمت “الهيئة” سيطرتها، وبشكل كامل، على مدن وبلدات إدلب وسلقين وحارم والدانا وأطمة وسرمدا ودارة عزة وجبل بابسقا وجبل بركات، وغيرها، بينما استعصى جبل الزاوية عليها مجدداً، حيث ساعدت تضاريس المنطقة أبناءها مقاتلي “لواء صقور الشام”، أحد مكونات “أحرار الشام” على التصدي لـ”الهيئة” فيه.

واقع جديد يتيح لـ “تحرير الشام” تعقيد حسابات الجانب التركي في حال أراد التوغل في إدلب وريفها بالفعل، فهي الوحيدة اليوم على طول الخط الحدودي تقريباً، ما يمنحها أريحية كبيرة على هذا الصعيد، ويفرغها للمواجهات الداخلية، وهو أمر لن تنتظر “الهيئة” حصوله، بل ستعمل على الإعداد له بشكل استباقي، حسب مضمون كلمة الشرعي العسكري فيها، أبي اليقظان المصري.

يؤكد المصري أنه، وبعد الانتهاء من “حركة أحرار الشام” فإن “هيئة تحرير الشام” ستفرض على بقية الفصائل حجم قوتها وعدد عناصرها، بما لا يسمح لها تشكيل أي تهديد لها، ويشمل ذلك “فيلق الشام” وما تبقى من تشكيلات “الجيش الحر” في ريفي إدلب وحماة بطبيعة الحال.

انتصارات كبيرة على الصعيد العسكري حققتها “هيئة تحرير الشام” في معركتها الأخيرة مع “حركة أحرار الشام” بلا شك، لكنها انتصارات لم تكن من دون ثمن، بل وبثمن باهظ على الصعد الأخرى الشعبية والإعلامية، خاصة مع بلوغ ردود الفعل الغاضبة ضدها، مستويات غير مسبوقة. إلا أن الأهم على الإطلاق ما تسببت به الحوادث الأخيرة من تصدع أصاب بيتها الداخلي للمرة الأولى، وما نتج عنه من انفصال ثاني أكبر فصيل فيها، حركة “نور الدين زنكي”، بالإضافة إلى تعليق شخصيات بارزة لعضويتهم فيها، قبل أن يأتي الخطاب المسرب لشرعيها العسكري، أبي اليقظان المصري، وهو يحرض عناصره على القتال والقتل، ليكون بمثابة الصفعة الأقوى التي ركزت “الهيئة” كل جهودها من أجل تلافي أثارها بعد ذلك.

فبعد أن أصدر المجلس الشرعي في “الهيئة” بياناً يتبرأ فيه من فتاوى المصري الدموية، أصدرت قيادة “تحرير الشام”، الأحد، بياناً أكدت فيه أنها “كانت وما زالت جزءا من الثورة السورية”، كما نشرت في اليوم ذاته، تعميماً مشدداً على قواتها، تأمرهم فيه بالتوقف عن ملاحقة “حركة أحرار الشام”، وعدم التعرض لعناصرها أو مقراتها، وذلك بعد يومين من إعلان وقف إطلاق النار.

وذهبت “الهيئة” خطوات أبعد في التقرب للحاضنة الثورية والرأي العام، حين أكدت “على ضرورة تأسيس مشروع سني ثوري جامع، يحفظ الثوابت ويحقق الأهداف المرجوة بمشاركة جميع أطياف الثورة وأبنائها”، ونبهت إلى أن “الكوادر المدنية والنخب السياسية في الداخل والخارج، إلى جانب الكتل العسكرية لجميع الفصائل، يجب أن تكون من نواة هذا المشروع”.

خطاب ليس جديداً على “هيئة تحرير الشام” التي ما فتئت تستخدمه عقب أي مواجهة لها مع الفصائل الأخرى، وبعد كل حادثة كانت تؤدي إلى مزيد من النقمة ضدها، وبالتالي فإنه لن يكون سوى من نافلة القول، إن تكراره اليوم لن يؤدي إلى نتائج جديدة غير التي حصلتها في السابق على هذا الصعيد، وهو أمر لا يبدو في النهاية أنه يشكل أولوية بالنسبة لـ “تحرير الشام”، التي تمضي مستفيدة من كل العوامل والظروف، على الطريق الذي اختارته نحو تحقيق أولوياتها.”[12]

وصلت هيئة تحرير الشام في 20/7/2017 إلى بابسقا بعد أن سيطرت على كامل مقرات أحرار الشام في عموم إدلب، لكنها تلقت مقاومة عنيفة في كل من جبل الزاوية بقيادة صقور الشام وبعض الكتائب الفرعية المتواجدة في جرجناز من أحرار الشام والتي خرجت عن قرار القيادة العامة للحركة، وانحازت لصقور الشام في جبل الزاوية، بالإضافة إلى كتائب من حركة أحرار الشام في بلدة سراقب، حيث قاومت بشكل عنيف هجمات الهيئة، لكن الهيئة تمكنت لاحقًا من دخول سراقب واعتقال قائد إحدى الكتائب “أبي عزام سراقب”، فيما قاوم أهالي الأتارب قوى الهيئة عند محاولتها الاقتحام، ومنعوها من الدخول للبلدة؛  وتمكنت الهيئة بعد اشتباكات طويلة من السيطرة على معبر باب الهوى، واتفقت مع قيادة الأحرار على الخروج من المعبر باتجاه الغاب في ريف حماه، أو باتجاه ريف حلب الشمالي وتسليم المعبر لإدارة مدنية بتاريخ 21/7/2017.

غياب المرجعية الاجتماعية:

أدى غياب المحورية الاجتماعية، مثل “المخترة”، كعامل مؤثر في الرأي العام للحاضنة الشعبية في الشمال السوري إلى تحييد المدنيين غالبًا، وتقليص تأثيرهم الجماعي في التدخُّل كعامل ردع؛ ما عدا المناطق التي تحركت بشكل جماعي من منطلق العصبية المناطقية التي تتوحّدُ فيها مواقف الأفراد؛ مثل سراقب وجرجناز ومعرة النعمان وجبل الزاوية؛ والأتارب إلى حدٍّ ما أيضًا؛ والتي شهدت تدخّلًا مباشرة من الأهالي؛ ووقفت إلى جانب الفصائل العسكرية العاملة في البلدة.

يحتضن الشمال السوري المهجرين من كُلٍّ من حمص وحماه وحلب والغوطتين الشرقية والغربية والتل؛ وهذه التجمعات تشكّلُ كتلة بشرية كبيرة؛ لكنها فاقدةٌ للتأثير بسبب عدم بقائها ضمن كتلة واحدة في الوسط الجديد؛ واندماجها بالمجتمع المحلي؛ وتفرقها بين المخيمات والبلدات بالنسبة للمدنيين؛ ومختلف الفصائل بالنسبة للعسكريين.

الخلاصة:

  • تمثّل أحرار الشام بنية قلقة تنظيميًا وعقائديًا، لم تتبن الإسلام السياسي بمرونته، ولا السلفية الجهادية بحدّتها، ولا تزالُ بغير هوية منحازة واضحة، تمكّنها من الحشد لها، وتمكن المجتمع من بناء موقف واضحٍ منها؛ هذا القلق والاضطراب انعكس على هشاشتها العقدية في الحروب البينية؛ قياسًا بفصائل أخرى أكثر تماسًكا من حيث البنية العقدية، مثل “جيش الإسلام”.
  • مثّلت الهوية القلقة لعناصر أحرار الشام السبب الرئيسي لتهاوي مقرات الحركة أمام هيئة تحرير الشام، حيث وقفت كثير من الكتائب موقف الحياد من قتال الهيئة على الرغم من بغيها عليها؛ فيما وجدت كتائب أخرى من الأحرار تحمل إيديولوجيا السلفية الجهادية بهذا البغي فرصة لإعلان الانشقاق والانضمام للهيئة.
  • مثّلت اللامركزية في قرار الحركة، ووجود التجاذبات داخلها سببًا فاعلًا في سرعة تهاوي كتائب الحركة دون مقاومة، وذلك لضعف التنسيق فيما بينها، وضبابية قرار قيادة الحركة إزاء الهجوم.
  • إن الفراغ الذي خلفه انعدام وجود مشروع ثوري جامع للفصائل تحت مظلة عسكرية واحدة، تكون ذراعًا لجسم سياسيّ يدير المناطق المحررة، نما وتمدد فيه آخرون أكثرُ تنظيًما وجرأة في التعبير عن مشروعهم.
  • إن الحضور الكثيف للمهجرين بالشمال السوري، مع غياب المرجعيات الدينية العامة، والمرجعيات الاجتماعية العامة للمهجرين أفرز حالة من انعدام المركزية في الرأي العام لدى المدنيين، وبالتالي إلى وقوفهم على الحياد في معركة كان بإمكانهم التدخل والتأثير بموازينها ربما.
  • تدركُ هيئة تحرير الشام أنها عبءٌ على التفاهمات الدولية، وأنّ فراغ المجتمع الدولي من الموصل والرقة، سيجعله يلتفت إلى ضرب آخر معاقل الجماعات المصنفة إرهابيًا، خصوصًا وأن المخرجات الأولية لبعض مراكز الدراسات المقربة من الخارجية الأمريكية، تتحدث عن اعتبار الإدارة التي دعت إليها هيئة تحرير الشام، امتدادًا لتنظيم جبهة النصرة المصنف دوليًا بأنه إرهابي.

[1] أسماء الكيانات المؤسسة للجبهة الإسلامية السورية حسب الميثاق:

  • كتائب أحرار الشام في كل محافظات سوريا.
  • كتائب الإيمان المقاتلة في محافظة دمشق وريفها.
  • كتيبة الحمزة بن عبد المطلب في دمشق وريفها.
  • كتيبة صقور الإسلام في دمشق وريفها.
  • سرايا المهام الخاصة في دمشق وريفها.
  • لواء الحق في حمص وريفها.
  • حركة الفجر الإسلامية في حلب وريفها.
  • كتيبة مصعب بن عمير في ريف حلب.
  • جماعة الطليعة الإسلامية في ريف إدلب.
  • كتائب أنصار الشام في محافظة اللاذقية وريفها.
  • جيش التوحيد في محافظة دير الزور وريفها.

[2] جرت محاولة انقلاب داخلية ضد قيادة الحركة، قادها المسؤول العسكري في “أحرار الشام” أبو صالح الطحان، بعد قرار عزله من منصبه في حزيران/يونيو 2016 بدعم من أبو محمد الصادق، المسؤول الشرعي الذي تم عزله من منصبه في الفترة ذاتها، والقائد السابق للحركة أبو جابر الشيخ، وأبو خزيمة الفلسطيني، أحد المسؤولين الأمنيين فيها. وذلك قبل أن تتم العودة عن قرار عزل الطحان وتسميته نائباً لقائد الحركة عن الشؤون العسكرية.

[3] عبر إدخال الأنصار في كتل الخصوم، ودعمهم سرًا ليصلوا لمناصب عليا مؤثّرة.

[4] جند الأقصى

  جبهة النصرة

[5] أبو محمد الصادق

أبو جابر الشيخ

أبو عمار العمر

[6] موقف الأحرار من مهاجمة جبهة النصرة لتجمع فاستقم وجيش الإسلام وجيش المجاهدين في 24/1/2017

[7]انعكاس الانقسام على القرار:

أصدرت الأحرار بيانًا بالانسحاب من مؤتمر الرياض 10/12/2015 بينما كان التيار التابع للأحرار والذي في الرياض لا يزالُ يشارك، لم تلبث بعدها الأحرار أن تراجعت عن بيانها الأخير، وأكدت مشاركتها بالمؤتمر.

رفضت الأحرار المشاركة في مؤتمر الأستانة 24/1/2017 فيما أكدت بالوقت نفسه تأييدها وموافقتها للفصائل الحاضرة فيه.

[8] سرمدا – الأتارب – جبل الزاوية – معرة النعمان – إدلب المدينة – بابسقا

[9] الفصائل المشكلة للهيئة: ويكيبيديا تحت عنوان “قائمة الفصائل المندمجة في هيئة تحرير الشام”

[10] موقع نور سوريا نقلًا عن تغريدات مزمجر الشام، وهو شخص مقرب من الشخصيات الجهادية السورية

[11] الهيئة والأحرار صراع الرايات لرسم مستقبل الشمال، صادر عن مركز عمران للدراسات الأحد 23 تموز 2017

[12] القتال بين الهيئة والأحرار من (المدن 25/7//2017 مقال بعنوان “بعد هزيمة الأحرار؛ ماذا كسبت وماذا خسرت تحرير الشام؟” لعقيل حسين).