إدلب المعقل الاستراتيجي و المصير المرتقب

إدلب المعقل الاستراتيجي و المصير المرتقب

تشكل مدينة إدلب في الشمال السوري أهمية كبيرة بالنسبة للأمن القومي التركي، لذلك ترى تركيا أن التجهيز لما يحضر لإدلب ضمن المنظومة الدولية وفق توقيتات مناسبة، أفضل من الانفراد بالقرار العسكري على المدينة، ومواجهتها لمعارضة كل من روسيا وإيران وأمريكا، وتعتمد في ذلك على جملة من التفاهمات الدولية والإقليمية، خاصة أنها تمتلك مقومات التحرك منفردة مستقبلا أكثر من بقية الأطراف وتتمثل هذه المقومات بنجاحها في خلق حالة من الاستقرار في ريف حلب الشمالي، والبدء بإنشاء قيادة عسكرية موحدة في الشمال السوري.

مقدمة

ما إن أعلن “تنظيم الدولة” في 29 من حزيران لعام 2014م، قيام ما سماها “الخلافة” ومبايعة أبي بكر البغدادي إماما وخليفة منشقا عن تنظيم القاعدة، حتى أعلن أوباما أنه أوعز ببدء شن الغارات في سوريا ضمن عمليات التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة دون انتظار  موافقة الكونغرس في 10 من أيلول 2014م، ظلت تركيا خارجه حوالي عام، لإصرارها أن يكون هذا الجهد في إطار مقاربة شاملة تؤدي إلى التعامل مع جذور الأزمة (نظام بشار الأسد) التي أدت إلى نشوء الظواهر التي يحاول التحالف معالجتها (تنظيم الدولة)، و ربطت مشاركتها بتحقق شروط ثلاث؛ ألّا تستثني عمليات التحالف النظام السوري، وإقامة منطقة “آمنة” تشمل حظراً للطيران شمال سورية، وتدريب المعارضة السورية المعتدلة وتسليحها لمواجهة النظام السوري وتنظيم الدولة معا[1].

تم الاتفاق في مؤتمر الأستانة 4 بتاريخ 4 أيار 2017م على تخفيف التصعيد في أربع مناطق في سورية، منها محافظة إدلب وريفا حلب الشمالي والغربي على أن يبدا سريان الاتفاق من 6/5 /2017م، إلا أن الاتفاق الذي تم توقيعه بين حركة أحرار الشام وهيئة تحرير الشام “جبهة النصرة” بتاريخ 21 تموز 2017م بعد هجوم الأخيرة على الحركة قضى بخروجها من آخر معاقلها في المدينة “معبر باب الهوى”، وعدم عودتها إلى المناطق التي انسحبت منها خلال المواجهات في مدينة إدلب، لتصبح “أكبر معقل لتنظيم القاعدة في العالم” بحسب ما قاله المبعوث الرئاسي الأمريكي في التحالف الدولي ضد داعش برت ماغورك،  و تنظر الهيئة بريبة لكافة فصائل المعارضة، وتعمل على اتهامهم بموالاة الكفار خاصة بعد انعقاد مؤتمر أستانة وقراءتها بعدم القبول أو الاعتراف بها، وبدأت بمواجهة كل من يتعارض مع مشروعها بدءا من فصائل المعارضة السورية وليس انتهاء بتركيا التي تسعى أن تكون في صلب أي عملية في الشمال السوري بشكل عام ومحافظة إدلب بشكل خاص، باعتبارها  أبرز المناطق الساخنة على الساحة السورية بعد وقوعها تحت القاعدة “هيئة تحرير الشام”.

طرحت هيئة تحرير الشام مشروع الإدارة المدنية دون أن يستجيب لها أحد من المحيط، بالمقابل طرحت تركيا مبادرتها للحل في محافظة إدلب، رد عليها القائد العسكري لهيئة تحرير الشام  مشترطا أن تحل بقية الفصائل نفسها ليعمل على حل الهيئة بدوره، فما هو كنه هذا الموقف؟ وما هي أبرز الأدوار والسيناريوهات المحتملة للأطراف في هذا الموقف؟

أهمية الموقع الجغرافي ودوره في الثورة:

تقع محافظة إدلب شمال غرب سورية، يحدها من الشمال تركيا “سهول لواء إسكندريون” بحدود يبلغ طولها (129) كم، ومن الغرب محافظة اللاذقية بحدود يبلغ طولها (29) كم، ومن الغرب والجنوب الشرقي محافظة حماة (158) كم، ومن الشرق والشمال الشرقي محافظة حلب (159) كم[2]، 

ويعتبر ريف مدينة ادلب من أول الأرياف التي تحررت من سيطرة قوات الأسد، وبقيت المدينة تحت قبضة الأسد إلى أن تم تشكل جيش الفتح من جبهة النصرة وحركة أحرار الشام وجند الأقصى وجيش السنة وفيلق الشام وصقور الشام ولواء الحق وأجناد الشام، وكان أول إنجاز له تحرير مدينة إدلب لتكون ثاني محافظة سورية خارجة عن سيطرة النظام السوري بتاريخ 24 آذار 2015م، أتبعه بتحرير العديد من المناطق والمعسكرات.

تمتد إدلب على مساحة 6100 كم2، وبلغ عدد سكانها نهاية عام 2000م (1484354) نسمة، موزعين على (11) مدينة، و(19)بلدة، و(421) قرية، و(500) مزرعة، وأصبح يقدر عدد سكانها في الوقت الحالي بمليونين و500 ألف، يغلب عليها الطابع الريفي، ويسكن فيها العرب السنة مع حضور محدود للغاية للشيعة في كفريا والفوعة وللدروز في جبل السماق، وللمسيحيين في إدلب المدينة، جسر الشغور، وتعتمد بشكل رئيسي على الزراعة التي تشكل العمود الفقري لاقتصادها، خاصة زراعة الزيتون، ومع الثورة السورية تغير حال المحافظة كثيرًا، ومن الناحية الاقتصادية لم تعد المحافظة تعتمد على الزراعة فحسب، بل برز اقتصاد الحرب[3] .

سمح لها عمقها الاستراتيجي  في منطقة وسطية داخل مثلث المُدن الرئيسة حلب – حماه – اللاذقيـــــة الممتد في رقعة جغرافية على شكل قرى متناثرة وريف واسع ومزارع كثيرة من الحدود التركية، لم يستطع النظام السيطرة عليها إلى ريف حماه الشمالي، والانشقاقات الكبيرة التي حصلت في هذه المحافظة، تُمكن مـــــن يُسيطر عليها من قطع الإمدادات بين حلب والساحل غرباً بشكل كامل، ويصبح على تخوم مدينة اللاذقية عبر الريف الشرقي للأخيرة، كما تمكنه من القيام بعمليات الإمداد والإخلاء للفصائل والمجتمع المحلي فيها خاصة أن نظام الأسد لم يتوقف عن رميها بالبراميل وغاز الكلور.

أولا: تطورات الهيئة والمواقف الدولية والمحلية منها

استطاعت جبهة النصرة تجاوز خلاف التيارات داخلها في مواقف مفصلية عديدة عكست خلالها نضج خطابها كحركة سياسية من جهة، وقابليتها على التحرك والانزياح تحت ضغط المجتمع الدولي أو المحلي، ورغم الخطاب الثوري فقد أكدت على وجود مسافة براغماتية بين الخطاب المعلن للجبهة وما بين الأيديولوجيا التعبوية وسلوكها واستراتيجيتها على أرض الواقع. كما أنها لم تعكس تطوراً فكرياً أو تحولاً استراتيجياً في سياسة الجبهة مع المجتمع المحلي والفصائل الثورية[4]، حيث عملت على تشكيل جيش الفتح مع  سبعة فصائل ثورية كبرى في الشمال السوري، وتشكّل القوة الضاربة فيه، لرغبتها بالابتعاد عن الواجهة الإعلامية للأحداث، وتخفيف حدّة الحساسية الغربية وحتى العربية منها خاصة بأنها تعرّف نفسها بـــــــــ (تنظيم القاعدة في بلاد الشام)، وتقديم نفسها كفصيل ثوري متعاون مع الآخرين[5]، ضمن مساعيها لحذفها من لائحة الجماعات الإرهابية كمقدّمة لإعلان انفصالها عن القاعدة وشطب اسمها من قوائم الإرهاب العالمية.                                                                                                           

 أعلنت “جبهة النصرة” بتاريخ 28 تموز من العام 2016م، عن تغيير اسمها إلى “جبهة فتح الشام”، وفك ارتباطها عن تنظيم “القاعدة”، والذي كان سببًا في تصنيفها كمنظمة إرهابية من قبل مجلس الأمن.  وقالت ليس لها أي علاقة أو ارتباط بالتنظيمات الخارجية، وأن هذه الخطوة يراد بها تفنيد “الذرائع التي يتذرع بها المجتمع الدولي وعلى رأسه أمريكا وروسيا في قصفهم وتشريدهم لعامة المسلمين في الشام بحجة استهداف “جبهة النصرة” التابعة لتنظيم قاعدة الجهاد[6].

وفي بداية العام 2017م أعلنت كل من “جبهة فتح الشام” و”حركة نورالدين زنكي” و”لواء الحق” و”جبهة أنصار الدين” و”جيش السنة” حل فصائلهم “واندماجها اندماجاً كاملاً ضمن كيان جديد تحت مسمى “هيئة تحرير الشام بقيادة المهندس أبو جابر هاشم الشيخ، القائد السابق لحركة أحرار الشام[7]، وسبق هذا الإعلان اندماج خمسة فصائل إلى حركة أحرار الشام (ألوية صقور الشام – جيش الإسلام قطاع إدلب – جيش المجاهدين – تجمع فاستقم – الجبهة الشامية قطاع ريف حلب الغربي) وأتت هذه الاندماجات في وقت تركز فيه الدول المؤثرة على الساحة السورية، وبشكل خاص تركيا وروسيا، على حل سياسي تبلور في مؤتمر أستانة ومشاركة فصائل من الجيش الحر فيه، وتعرض بعض فصائله كجيش المجاهدين في إدلب لهجوم من قبل جبهة فتح الشام بتهم المشاركة في أستانة.

وما إن بسطت سيطرتها على مدينة إدلب حتى أصدرت بشكل صريح بيانا دعت فيه إلى تشكيل إدارة مدنية للمناطق المحررة، استجابة لمطالب الشارع المحلي وصوناً للثورة[8].

 لم تنجح هيئة تحرير الشام على الرغم من اعتمادها على مبدأ الإيهام، ومحاولاتها نسج العلاقات مع المجتمع المحلي على مستوى إدارة المناطق والتنسيق مع قوى الثورة السورية في كل سلوكياتها في إطار منافستها على شرعية تمثيل الحالة الثورية عند كل تحول لها؛ من “جبهة النصرة” وصولاً إلى “هيئة تحرير الشام”. وهو ما تجلى في ردود الأفعال المحلية والدولية اتجاها، وخاصة بعد سيطرتها على مدينة إدلب وطرحها لتشكيل الإدارة المدنية سواء:

أ –  على المستوى المحلي الذي قابلها بالرفض الكامل ورأى فيها محاولة يائسة من الهيئة لامتصاص النقمة الشعبية التي تتصاعد باتجاهها وتوقف الحركة التجارية في المناطق المحررة، وتوقف الدعم الخارجي للمحافظة، بسبب سيطرتها على معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا ومعابر إنسانية أخرى، تعد شريان الحياة لمحافظة إدلب وريف حماة الشمالي وريف حلب الغربي، وتعطل عملهم وتوقف حركة الاستيراد والتصدير من تركيا وإليها[9]، الأمر الذي سينعكس سلباً على حياة ما يقارب مليوني نسمة في محافظة إدلب، وعبّرت فصائل من الجيش الحر خاصة المنضوية في “درع الفرات”، عن موقفها الرافض لهذه المبادرة. ولم تتبن الهيئات المدنية الأخرى كالمنظمات المحلية التي شارك عدد منها في اللقاءات الترويجية للمبادرة موقفاً صريحاً تجاهها.

ومن جانب آخر، رأت الهيئة في الموافقات المبدئية المشروطة التي يمثلها المعارض السوري حسن الدغيم ودعوته للحوار مع الهيئة من منطلق مصلحة الشعب أن قوى الثورة والمعارضة لا ينتظرها الكثير للتعامل بإيجابية معها مع فكرة الحل السياسي، ولكن بشروط صارمة، هو ما دفع قائد تحرير الشام” هاشم الشيخ ” إلى إعلانه استعداد “الهيئة” لحل نفسها[10]، دون أن يأخذوا بعين الاعتبار عداواتهم بحربهم ضد فصائل الجيش السوري الحر، وتضييقهم على الحاضنة الاجتماعية.

 ب – المستوى الدولي: ما لم تحظَ المبادرة به هو قبول الولايات المتحدة الأميركية، وقد أعادت الجهات الأوروبية تقييم سياساتها تجاه الوضع الناشئ في محافظة إدلب، وأوقف عدد منها دعمه للمناطق المسيطر عليها من قبل “الهيئة”. وأبقت أنقرة على تدفق المساعدات للمحافظة، مع اتخاذها تدابير أمنية وإعلانها الاستعداد للتدخل لحماية أمنها. وهددت “قاعدة حميميم” الروسية بتحويل مدينة إدلب إلى “موصل ثانية” في حال تمكنت هيئة “تحرير الشام” من السيطرة على كامل إدلب   [11]، كما سبق أن وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري حذر المعارضة السورية من أن ادلب ستتعرض لحرب إبادة ولن ينقذها أحد قبل أن تنتهي ولاية الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما. وأشار المبعوث الأميركي بريت ماغورك في خطاب بمعهد الشرق الأوسط في واشنطن بأن إدلب هي أكبر معقل لتنظيم (القاعدة) في العالم بعد 11 سبتمبر 2011م، وقال راتني: إن الهجوم الذي شنته هيئة تحرير الشام ضد حركة أحرار الشام في إدلب يعرض مستقبل شمال سوريا لخطر كبير، وفي حالة هيمنة (جبهة النصرة) على إدلب سيكون من الصعب على الولايات المتحدة إقناع الأطراف الدولية باتخاذ الإجراءات العسكرية اللازمة، ويجب أن يعلم الجميع أن الجولاني وعصابته هم المسؤولون عن العواقب الوخيمة التي ستحل بإدلب[12]. وسبق له أن قال في بيان: أن المكون الأساسي لهيئة تحرير الشام هي جبهة النصرة، وهي منظمة مدرجة على لائحة الإرهاب (في قرارات مجلس الأمن الدولي). وهذا التصنيف ساري المفعول بغض النظر عن التسمية التي تعمل تحتها وأي مجموعات أخرى تندمج معها، وأن هيئة تحرير الشام هي كيان اندماجي وكل من يندمج ضمنه يصبح جزءاً من شبكة القاعدة في سوريا.

لم تكن التحركات والتبدلات في سبيل التماهي مع الثورة التي أقدمت عليها هيئة تحرير الشام سوى مناورات تكتيكية لم ترق إلى المستوى الاستراتيجي، بل ساهمت في إضعاف الثورة السورية عسكريا وسياسيا، وأن ما سبق ذكره من مواقف داخلية وخارجية يدل بما لا شك فيه أنها استنفذت كل الفرص المتاحة.

ثانيا: أهداف ودوافع القوى الفاعلة مما يحضّر لإدلب

تقع إدلب ضمن النطاق الأساسي للنشاط الروسي وفق التفاهمات القائمة بين موسكو وواشنطن، إلا أن التطورات التي شهدتها محافظة إدلب من المحتمل أن تشكل نقطة تقاطع بين الجيشين الأمريكي والروسي باعتبار أن إدلب تتحول إلى مشكلة دولية وعلاجها يجب أن يكون دوليًا[13]، على اعتبار أن كل من روسيا وأمريكا تصنف هيئة تحرير الشام إرهابية، وأن لكل من أطراف الصراع أهدافه الخاصة به على النحو التالي:

أهداف روسيا:

1 – تأمين العمق الاستراتيجي لها المتمثل بامتلاكها لقاعدتين على بعد ليس كبير من إدلب، في اللاذقية وطرطوس.

2 – تحقيق السيطرة على خان شيخون وطمس معالم الجريمة المتورط بها كل من إيران وروسيا بتنفيذ أسدي، واتهام أمريكا لها بذلك[14].

3 – منع انهيار النظام وعدم تبعثر قواه، وخاصة أن روسيا ترى في الميليشيات الإيرانية غير التابعة لقيادة مركزية تهديدا لها، وتفضل التعامل مع وحدات عسكرية منضبطة كجيش النظام السوري، بالإضافة إلى اعتبار إدلب مجالا من مجالات الاهتمام المشترك على حد تعبير وزير الخارجية الأمريكي[15]، الذي رأت فيه موسكو تعبيرا مناسبا لترتيب أوراقها وفق مفهوم مكافحة الإرهاب من وجهة نظر الإدارة الأمريكية.

أهداف تركيا:

1 _تطهير وزيادة أمن الحدود من “المنظمات الإرهابية” سواء التنظيمات المتطرفة أو الميليشيات الكردية “قوات سوريا الديمقراطية “والحد من تمدد الأخيرة.

 2 _منع تدفق اللاجئين الذي يزداد مع كل عمل عسكري، لما يشكله هذا الأمر من ضغط على الدولة التركية.

أهداف الولايات المتحدة الأمريكية:

 توضحت في بيان وزير الخارجية الأمريكي وفق تسلسل مختلف للأمور كالتالي:

1 – هزيمة الإرهاب المتمثل بتنظيم الدولة والمنظمات الإرهابية الأخرى.   

2 – تقليص نفوذ إيران ووجوب مغادرتهم، سواء قوات الحرس الثوري الإيراني أو الميليشيات مدفوعة الأجر أو المقاتلون الأجانب، والرد على جهودها التوسعية لزعزعة استقرار المناطق.

3 – الضغط على الدولة التركية من خلال دعمها للقوات الكردية، حيث أعربت عن نيتها زجها في العمليات العسكرية باتجاه إدلب، وانتقاد المبعوث الرئاسي الأميركي في التحالف الدولي ضد «داعش» برت ماغورك لدورها في ترك السلاح يصل إلى التنظيم في إدلب عبر حدودها.

أهداف إيران:

1 – التعاون مع تركيا للوقوف في وجه المد الكردي، لدرجة أن رئيس الأركان الإيراني محمد باقري في زيارته لتركيا في 22 آب 2017م طرح القيام بعملياتٍ مشتركة على الحدود التركية الإيرانية ضد قوات حزب العمال[16].

2 – الترويج لنفسها كطرف فاعل في محاربة الإرهاب، والعمل على تأمين أبناء الطائفة الشيعية المتواجدين في بلدتي كفريا والفوعة، وتقديم نفسها أنها مسؤولة عن هذه الطائفة على المستوى العالمي.

أهداف الوحدات الكردية:

استثمار الصعود السياسي الكردي في المنطقة المتمثل بمشروع الاستفتاء المزمع اجراؤه في أيلول 2017م، ونمو الظاهرة الكردية المسلحة على الحدود السورية للمشاركة في عملية إدلب انطلاقا من عفرين والتوجه غربا ومحاولة الوصول إلى منفذ بحري للفيدرالية الكردية، والضغط على الجانب التركي الذي سبق بالتجهيز لدخول عفرين وهو ما عكسه تصريحات مسؤولين أكراد كـ “سيبان حمو”[17].

ثالثا: السيناريوهات المحتملة لأطراف الصراع

بناء على الأهداف السابقة الذكر لكل من الأطراف، وعلى ما صرح به راتني بأنه: من الصعب إقناع الأطراف الدولية بعدم اتخاذ الإجراءات العسكرية المطلوبة ضد إدلب، والتفاهمات حول الشأن السوري خلال الاجتماع الذي عقده الرئيس الأمريكي ترامب مع نظيره الروسي بوتين في مدينة هامبورغ خلال قمة مجموعة دول العشرين المرتبطة بقرارات الإدارة الأمريكية حول سوريا، وإطلاق يد روسيا في سوريا، وعدم إغفال حقيقة أن روسيا وإيران وقوات النظام هي المسؤولة إلى حد كبير عن إيصال الوضع في إدلب الى ما هو عليه، وأن أي عملية حساب على أسس عسكرية لحجم القوة المطلوبة للهجوم على إدلب ومحيطها يؤكد أنها تستدعي عدداً ضخما من العناصر وحجماً كبيراً من الدعم الجوي.

 يمكن الوقوف على السيناريوهات التالية:

السيناريو الأول، الخاص بهيئة تحرير الشام:

محاولة العمل على تأهيل نفسها من خلال ما دعت إليه من “إدارة مدنية للمدينة وريفها وللمعابر ” ولعب فيه العقيد رياض الأسعد دور الوسيط لتحقيق الاستقرار في إدلب، وفي حال الفشل قد تعمل على الاستفادة من مقدرات الفصائل التي انصهرت ضمنها (عشرات آلاف المقاتلين، وعدة مئات من العربات المدرعة والدبابات والمئات من السيارات المسلحة ومئات المدافع المختلفة الأنواع، إضافة لخبرة عسكرية وخبرات تقنية متعددة وعالية المستوى وخبرة في المعارك غير المتكافئة) وإطلاق معركة باتجاه أي منطقة رئيسية للنظام، سواء في حلب أو اللاذقية أو حماة[18]. فعلى سبيل المثال، أي تقدم لقوة عسكرية لمسافة 10 كيلومترات في ريف اللاذقية يجعل من القاعدة الجوية في حميميم ضمن مجال الرماية المباشر لصواريخ غراد، ما يعني أن الوضع العسكري للقوة الجوية الروسية في سوريا ليس في مأمن إطلاقا، وسيكون لذلك تأثير صادم على أداء قوات النظام والقوات الروسية في المنطقة ككل.

السيناريو الثاني، الخاص بالنظام السوري وإيران:

إن سحب النظام لجميع عناصره وتبريد جميع الجبهات، والاحتفاظ بالحد الأدنى من القوات فيها للسيطرة على مدينة دير الزور، قد يجد نفسه ومعه الايرانيون أمام ضغط كبير في حال عادت المعارك في إدلب إلى الواجهة، وبناء على ذلك سيسعى لأن يكون طرفا مشاركا إلى جانب التحالف الذي سيعقد من أجل السيطرة على المدينة، وليقدم نفسه على أنه محارب للإرهاب، كما فعل في مدينة دير الزور نظرا لعدم الاعتراف به وبشكل خاص من قبل أمريكا، وهو ما بدأ فعله من خلال التحضير والحشد لقواته في منطقة الحاضر في ريف حلب الجنوبي.

السيناريو الثالث، من منطلق التفاهمات الإقليمية والدولية:

نظرا لامتلاك موسكو لقواعد عسكرية في الساحل السوري وعفرين ولتلاقي أهدافها مع واشنطن في إدلب، فهي أمام أمرين: الأول تشكيل تحالف مشترك بينها وبين واشنطن وحلفاء كل منهما لقتال هيئة تحرير الشام في إدلب، على اعتبار أن روسيا غير موجودة في التحالف ضد داعش في الرقة، أما الثاني قبول العرض التركي الذي تم مناقشته في أنقرة خلال زيارة رئيس الأركان الإيراني وتشكيل تحالف جديد، وهو ما صرح به رئيس الوزراء التركي عند سؤاله عن مشاركة الدول الثلاث (روسيا وتركيا وإيران) بعمليات عسكرية في إدلب بقوله: “إن القيام بعمليات ضد المنظمات الإرهابية دائما ما كان على جدول الأعمال. وما يدعم هذا الاحتمال أن الفصائل العسكرية باتت تدرس كل الاحتمالات بشأن سيطرة النصرة على المدينة وقد تكون مبادرة المجلس الإسلامي لتشكيل جيش وطني بداية لهذا التوجه، ليكون هذا الجيش على غرار قوات سورية الديمقراطية التي تشكل الذراع الضارب على الأرض في مواجهة داعش نظرا لمركزية القيادة التي تمتعت بها تلك القوات.

خاتمة

تشكل مدينة إدلب في الشمال السوري أهمية كبيرة بالنسبة للأمن القومي التركي. وعلى الرغم من:

1 –  المطالب الأمريكية من تركيا مقابل كبح جماح الأكراد التي تتمثل بــــــــ (الموافقة على تشكيل قاعدة حربية بحرية دائمة في البحر الأسود تتبع لحلف الناتو، والعمل على فرض عقوبات على روسيا أسوة بالدول الغربية).

2 –  التفاهمات الروسية الأميركية المتمثلة بــــ (اتفاق أميركي روسي على محاربة تنظيم داعش والإرهاب ورفض ربط ذلك بمصير بشار الأسد، والدعم اللا محدود للقوات الكردية الانفصالية….)

3 – تهديد رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم بشن عملية عسكرية في شمال سوريا إذا اقتضت الضرورة.

إلا أنها ترى التجهيز لما يحضر لمدينة إدلب ضمن المنظومة الدولية وفق توقيتات مناسبة كعادتها معتمدة على جملة من التناقضات الدولية والإقليمية كي لا تنفرد بالقرار العسكري على إدلب وتواجه بمعارضة من روسيا وإيران وأمريكا، خاصة أنها تمتلك مقومات التحرك منفردة مستقبلا أكثر من بقية الأطراف، وتتمثل هذه المقومات نجاحها في خلق حالة من الاستقرار في ريف حلب الشمالي، والبدء بإنشاء قيادة عسكرية موحدة في الشمال السوري.

[1] المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام – المسألة السورية ما بعد انقلاب تموز الفاشل في تركيا- النقيب رشيد حوراني

[2] الظاهر والمدفون في بلد الزيتون – المجلد الأول – تأليف عبد الحميد مشلح

[3] مركز توثيق الانتهاكات في سوريا – تقرير حول النازحين داخليا ومخيمات النزوح في محافظة إدلب

[4] مركز عمران للدراسات – تحولات خطاب التنظيم في سورية – أحمد أبازيد

[5] أورينت نت – جيش الفتح اتحاد يصنع أملا – رامي زين الدين

[6] إرم نيوز – جبهة النصرة تعلن تغيير اسمها إلى “جبهة فتح الشام”  

[7] المدن – فتح الشام تعلن تشكيل هيئة تحرير الشام

[8] المدن – الإدارة المدنية في إدلب “مبادرة اللحظة الأخيرة” أيمن الدسوقي

[9] الجديد العربي – سطوة هيئة تحرير الشام في إدلب مهددة بالغضب الشعبي محمد أمين –

[10] المدن – أبو جابر الشيخ مستعد لحل تحرير الشام بشرط

[11] أورينت نت “قاعدة حميميم” الروسية تتوعد إدلب بمصير مشابه لـ”الموصل” –

[12] أخبار سورية والعالم – بعد أن حولتها إلى أفغانستان أخرى واشنطن تفكر بدخول إدلب كالفاتحين

[13] الشرق الأوسط – واشنطن تمهد لحرب دولية في إدلب أكبر معقل للقاعدة في العالم – ابراهيم حميدي

[14] البوابة – اتهام أمريكي جديد لروسيا بشأن هجوم “خان شيخون” الكيماوي!؟

[15] المرجع مكرر – رقم 13

[16] العربي الجديد – موقع الأكراد في المعادلات الجديدة- محمود الريماوي 

[17] المرصد السوري لحقوق الإنسان – قائد وحدات حماية الشعب الكردي سيبان حمو: مستعدون للمشاركة في تحرير إدلب

[18] الرقة بوست – إدلب ليست الموصل وهذه خياراتها – أيمن محمد

Leave a comment