اتفاق خفض التصعيد في الغوطة الشرقية … تفاهمات روسية أمريكية، وخلافات روسية إيرانية

اتفاق خفض التصعيد في الغوطة الشرقية … تفاهمات روسية أمريكية، وخلافات روسية إيرانية

أتى اتفاق وقف التصعيد في الغوطة الشرقية، بعد اتفاق وقف التصعيد جنوب غرب البلاد حيث أتى تتويجا لسلسلة تفاهمات روسية أميركية، هدفها فرض وقف لإطلاق النار في سورية، أو في أجزاء منها، وتحجيم دور اللاعب الإيراني.

مقدمة

تعد الغوطة الشرقية واحدة من المناطق الأربع التي شملتها خطة “خفض التصعيد” المبرمة من روسيا وإيران حليفتا النظام السوري وتركيا الداعمة للمعارضة في أيار من العام 2017م في مدينة آستانة عاصمة كازاخستان، وأعلنت وزارة الدفاع الروسية أن الجانبين ” روسيا والمعارضة السورية” قررا بموجب الاتفاق المذكور الاتفاق على “خفض التصعيد” في الغوطة الشرقية في ريف العاصمة السورية دمشق  بوساطة مصرية، وتسيير أول قافلة إنسانية إلى المنطقة المذكورة وإخراج أول دفعة من المصابين والجرحى، اعتباراً من 22 تموز 2017م ليؤدي بدوره إلى فك الحصار عن الغوطة، ويكون تمهيدا للحل السياسي وفق القرارات الدولية وفق ما أعلنه محمد علوش رئيس الهيئة السياسية لجيش الإسلام.

وفي الجانب الآخر تضمن ما أعلنه النظام عن بدء تطبيقه للاتفاق بذور عدم الالتزام به من خلال تأكيده أنه ” سيتم الرد بالشكل المناسب على أي خرق لوقف الأعمال القتالية في الغوطة الشرقية”.

أتى اتفاق وقف التصعيد في الغوطة الشرقية، بعد اتفاق وقف التصعيد جنوب غرب البلاد الذي أتى تتويجا لسلسلة تفاهمات روسية أميركية، هدفها فرض وقف لإطلاق النار في سورية، أو في أجزاء منها، وتحجيم الدور الإيراني.

في هذه الورقة البحثية نناقش الظروف السياسية والعسكرية التي أحاطت بالاتفاق، وأهم المتغيرات التي طرأت أو ما تزال آثارها ماثلة حتى الآن في المنطقة التي يتعلق الاتفاق بها وأدوار الفاعلين فيها، وأهم السيناريوهات المحتملة الدالة على موته أو صموده وبقاءه على قيد الحياة.

أولاً: المتغيرات السياسية والعسكرية قبل اتفاق خفض التصعيد في الغوطة الشرقية.

الأستانة: محاصصة بين الدول الضامنة

بعيدا عن أروقة مجلس الأمن وبغياب أمريكي واضح؛ رسمت كل من روسيا وإيران وتركيا خريطة النفوذ في سوريا، وتم تقاسم المصالح فيها، دون أن ينسى المجتمعون نصيب الولايات المتحدة أثناء الاتفاق على الخطوط العريضة لمناطق النفوذ تلك، حيث أعلنت الدول الثلاثة (أنها تبحث آلية مراقبة في أربع مناطق سورية مشمولة باتفاق مناطق خفض التصعيد المعلن عنها في أيار الماضي في العاصمة الكازاخية أستانة. وصرح المتحدث الرسمي باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالين: إن المقترح الذي يجري بحثه يقضي بوجود قوات روسية وتركية في محافظة إدلب شمالي سوريا، وقوات إيرانية وروسية بمحيط دمشق، وأخرى أردنية وأميركية في محافظة درعا جنوبي سوريا.)[1]فيما تركت طريقة بسط النفوذ وآليات ضبط مناطق خفض التصعيد لاجتهاد الأطراف الموكلة بها.

كما صرح رئيس الوفد الروسي إلى أستانا-5 ألكسندر لافرينتييف :”من الممكن وجود الشرطة العسكرية الروسية في مناطق الأمن الفاصلة، لكن هذا الموضوع لم يتم التوافق عليه بعد”، وأشار إلى وجود صعوبات معينة بشأن رسم حدود مناطق خفض التصعيد وقوات المراقبة فيها، غير أن المفاوضين على وشك تحديد خطوط التماس وحدود المناطق الثانية والثالثة لخفض التصعيد، ووجود بعض المسائل بشأن المنطقة الجنوبية، التي اقترب الإعلان عن حل توافقي حولها”[2]، وبعد أيام قليلة تم التوافق بين روسيا وأمريكا على منطقة خفض التصعيد في الجنوب السوري، وذلك على هامش قمة العشرين في هامبورج[3]،خارج إطار الأستانة ولكن وفق الرؤية نفسها.

الاستراتيجية الأمريكية

اختلفت الاستراتيجية الأمريكية تجاه القضية السورية من حين لآخر، وبدت غير واضحة في كثير من الأحيان، فيما بدت متخبطة في أحيان أخرى، وقد أثرت تلك الاستراتيجية على المجريات العسكرية والسياسية في الريف الدمشقي بشكل أو بآخر، فمع وصول الإدارة الجديدة للبيت الأبيض يمكن تلخيص أبرز سمات الاستراتيجية الأمريكية بالتالي:

أـ غياب عن الاجتماعات وحضور على الأرض

كان غياب الولايات المتحدة الأمريكية عن اجتماع الأستانة ملفتا للنظر برغم حضورها بصفة مراقب؛ إلا أن حضورها على الأرض كان أكثر قوة ووضوحا، فمن السهل ملاحظة ذلك في الشمال السوري مع حلفائها الأكراد، وفي الجنوب مع الجبهة الجنوبية، وفي الوسط وفي الريف الدمشقي عبر قاعدة التنف والمنطقة المحيطة بها.

ما دل على أن الولايات المتحدة سبقت المجتمعين بخطواتها على الأرض، وشاركتهم في جميع مناطق نفوذهم بطريقة مباشرة وغير مباشرة محققة أغلب أهدافها التي يمكن تلخيصها بـ:

1ـ ضمان وحماية أمن إسرائيل وذلك بسيطرة جهة تلقى القبول من الولايات المتحدة الأمريكية على الحدود السورية الإسرائيلية (الجبهة الجنوبية) .

2ـ الوقوف في وجه المشاريع الإقليمية في المنطقة، والتي يمكن أن يشكل توسعها خطرا على المصالح الأمريكية وأبرزها:

 أ) المشروع الإيراني: عبر قطع الهلال الشيعي وتعطيل الطريق البري من طهران حتى شرق المتوسط بزرع قاعدة التنف وعدة استراتيجيات أخرى لعل آخرها الاتفاق الروسي الأمريكي في هامبورج لتحجيم دورها في الجنوب السوري.

ب) المشروع التركي: وذلك بدعم الكيان الكردي على طول الحدود التركية.

3ـ محاربة الإرهاب وتدجين الإسلاميين: وذلك بالقضاء على تنظيم الدولة بعد انتهاء دوره في بلورة الساحة السورية ووصولها للنقطة الحرجة التي ستقرر فيها الولايات المتحدة إنهاء الحرب والحفاظ على مكتسباتها.

4ـ مجاراة روسيا والحفاظ على عدائها التقليدي معها وعدم السماح لها بالاستفراد بكامل الساحة السورية.

ب ـ الرغبة الأمريكية بإنهاء الصراع

كان هناك العديد من المؤشرات التي دلت على الرغبة الأمريكية في إنهاء الصراع ولعل منها:

  • اتفاق هامبورج: شيء مقابل شيء:

لعل خطة تحقيق الأهداف الأمريكية سارت على قدم وساق، إلا أن العملية العسكرية التي أطلقت في درعا بدعم إيراني وغطاء روسي شكلت بعض المخاوف لدى الولايات المتحدة، حيث سعت إيران لإحكام سيطرتها على مناطق جنوب البلاد، عبر محاولة الوصول إلى الحدود السورية مع الأردن لإغلاقها بهدف حصار المعارضة في درعا ومنع سبل الإمداد عنها.

ما دفع الولايات المتحدة للحفاظ على المكتسبات عبر توقيعها على ” اتفاق لوقف إطلاق النار مع روسيا في جنوب غرب سورية، يشمل مناطق القتال في محافظتَيْ درعا والقنيطرة، ويبدأ تنفيذه في التاسع من تموز 2017، ليقطع الطريق أمام المطامع الإيرانية في الجنوب السوري، ويلبي الرغبة الإسرائيلية والأردنية في حماية حدودهما وإبعاد الميلشيات الإيرانية، ووفقًا لبعض التقارير فقد نص اتفاق هامبورغ على إبعاد المليشيات الإيرانية 30 كيلومترًا من الحدود الأردنية-السورية[4]، إلا أن هذا التنازل الروسي للعدو التقليدي لا بد أن يقابله مكاسب أخرى في منطقة أخرى ترفع أمريكا يدها عنها، ولعل هذه المنطقة هي ريف العاصمة السورية دمشق.

  • إيقاف دعم البرنامج السري لوكالة الاستخبارات الأمريكية “CIA”الخاص بتدريب وتسليح المعارضة العسكرية السورية (الموك والموم) ،كونه بات “ضخمًا وخطيرًا وغير فعال” [5] ،بحسب ما صرح به ترامب، الأمر الذي يشي بأن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة بدأت بوضع اللمسات الأخيرة لإنهاء الحرب في سوريا والعمل على الحفاظ على المكتسبات التي تم تحقيقها والنفوذ الذي تم فرضه خلال سنين الثورة، وأن مثل هذا القرار سيعيد تموضع الفصائل العسكرية المستفيدة من البرنامج وسيحدد استراتيجيتها الجديدة، في حين سيكون أكبر المتضررين تلك الفصائل في الريف الدمشقي، وسيجدون أنفسهم في مواجهة منفردة مع الروس والإيرانيين.

تصريح راتني وتقاسم للنفوذ

دلت مخرجات الأستانة أن الريف الدمشقي من حصة حلفاء النظام (الروس والإيرانيين) خاصة وأن موقعه الجغرافي لا يساعد في دعم الدول الإقليمية له، إذ أن أغلب مناطقه الخاضعة تحت سيطرة المعارضة هي كانتونات محاصرة وغير حدودية باستثناء القلمون الغربي الذي لم تجلب له الحدود سوى مزيد من الأعباء والمخاطر، إضافة لأجزاء من البادية السورية التي تشكل امتدادا لقاعدة التنف الأمريكية.

ولا مشاحة أن تفاهما أمريكيا روسيا حصل حول تقاسم مناطق النفوذ كان من شأنه تسريع إنهاء الصراع، ومن بين تلك المناطق الريف الدمشقي الذي ترك لروسيا وإيران.

حيث صرح المبعوث الأمريكي الخاص لسورية “مايكل راتني” أن الهدف من النقاشات المستمرة بين الأمريكان والروس والأردنيين حول خفض التصعيد في جنوب سوريا هو إنهاء العنف وإنقاذ أرواح السوريين ،مع الالتزام بوحدة سوريا وسيادتها واستقلالها وأن جميع المحادثات بخصوص الجنوب تستند إلى هذه المبادئ بحسب وصفه، وأن المناطق التي تشملها الهدنة هي الأراضي التي يسيطر عليها الثوار على حدود الأردن والجولان غربي السويداء، ولا تشمل المناطق الواقعة شمالي السويداء أو القلمون”[6]، وهو ما اعتبرته كل من روسيا وإيران ضوءا أخضرا، وبدأوا السباق بهدف السيطرة على الريف الدمشقي. كما أن التقدم الذي يحرزه الأكراد على حساب تنظيم الدولة ISIS والجدية التي يبديها الأمريكان بالقضاء عليه يعتبر أحد المؤشرات الهامة والدالة عن الرغبة الأمريكية في إنهاء الصراع.

ثانيا: الريف الدمشقي والنزاع الروسي الإيراني (القلمون الشرقي والغربي ـ البادية الشامية ـ الغوطة الشرقية ـ جنوب دمشق)

بعد الاتفاق الروسي ـ الأمريكي والتصريح الذي أطلقه راتني حول منطقتي القلمون وشمال السويداء، وباعتبار شمال السويداء منطقة رمادية؛ و ملاصقة لجنوب غرب الريف الدمشقي الخاضع لسيطرة المعارضة والممتد حتى قاعدة التنف والحدود الأردنية، سارعت الميلشيات الإيرانية في محاولة التقدم فيها، ونجحت من الاقتراب من قاعدة التنف أكثر من المرات السابقة التي تم فيها استهداف الأرتال التابعة للنظام وحلفائه من قبل الولايات المتحدة، مع احتمال كبير لتخلي الولايات المتحدة عن تلك المناطق باستثناء 30 كيلو مترا في عمق الأراضي السورية وعلى طول الشريط الحدودي بين سوريا والأردن، إذ أن المعطيات على الأرض تدل على ذلك فقوات المعارضة خسرت عشرات الكيلو مترات في تلك المنطقة في الأسابيع القليلة الماضية.

وبدوره حزب الله المدعوم إيرانيا أطلق عمليته العسكرية في القلمون الغربي ،ليبدأ شن معركة عنيفة هناك انتهت بتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار بعد معارك ضارية في 27/7/2017[7]، في حين فضلت روسيا حلا أكثر دبلوماسية في القلمون الشرقي، حيث تم توقيع وقف لإطلاق النار لمدة شهرين برعاية روسية[8]، ولم يختلف الأمر كثيرا بالنسبة للغوطة الشرقية حيث تسعى روسيا لتحجيم النفوذ الإيراني فيهما، حيث نص البند الثامن من اتفاق خفض التصعيد في الغوطة على أنه “يتم في المرحلة التي تعقب اتفاق الغوطة بشكل مباشر العمل على إضافة منطقة جنوب دمشق ومنطقة القلمون الشرقي إلى هدنة شاملة واتفاق تخفيف التصعيد والعمل على أن يشمل الاتفاق كافة المناطق المحررة تمهيدا للحل السياسي الشامل.”[9]

أما الأحياء الجنوبية فتعتبر من الألغاز المحيرة في الريف الدمشقي إلا أنه يمكن القول: أن الخلاف عليها قائم ما بين قوات النظام وإيران هذه المرة، حيث يسعى النظام لإبقاء موطئ قدم في المنطقة يكون عائقا أمام تشييعها بشكل كامل ويحول دون السيطرة الإيرانية المطلقة على المنطقة التي أصبح محيطها “قم” أو “نجف” ثانية.

في حين تبقى الغوطة هي الرقم الصعب الذي يتجلى فيه الصراع الروسي ـ الإيراني عبر الاتفاق الذي تم توقيعه في القاهرة في العشرين من الشهر الجاري، وفي ظل الاستفراد الروسي ـ الإيراني بالمنطقة بعد إقرار ذلك في الأستانة ،ومع فقدان أي دور للدول الإقليمية الداعمة للمعارضة من الدول الضامنة لخفض التصعيد في الغوطة الشرقية، وتراجع تأثير الدول الخليجية بعد الأزمة الخليجية أصبحت معارك واتفاقات الغوطة الشرقية مرهونة بالتجاذبات الإيرانية ـ الروسية، ليكون حظ الريف الدمشقي هو الأسوأ في مناطق الثورة السورية، إذ تعرضت أغلب مناطقه لحصار خانق، كما شكل قربه الجغرافي من العاصمة دمشق مصدر قوة ومصدر خطر وتهديد في الوقت نفسه، إذ سعى النظام وحلفاؤه لتأمين الطوق المحيط بدمشق مع نزاع على من سيسيطر على هذا الطوق فبدأت المعركة في داريا والمعضمية وكانت برزة والقابون إحدى محطاتها، كما تشكل جوبر وعين ترما إحدى أهم المحطات المشتعلة الآن.

ثالثا: المتغيرات الداخلية في الغوطة الشرقية:

عمق الانقسام الداخلي:

منذ عام تقريبا على الاقتتال السابق بين فصائل الغوطة الشرقية عاد الاقتتال مرة أخرى؛ لتستقر الأمور على انقسام داخلي في الغوطة الشرقية التي تبلغ مساحتها قرابة 100 ك م2، وقد نجم الانقسام هذه المرة عن عملية خاطفة قام بها جيش الإسلام على تنظيم هيئة تحرير الشام أدت إلى إضعافها بحسب تصريح رسمي للجيش وفقدان أكثر من 70% من مقدراتها، إلا أن تحالفا بينها وبين فيلق الرحمن غطى على المشهد حيث صرح فيلق الرحمن أن عملية الجيش لم تقتصر على عناصر الهيئة ومقراتها ،إنما طالت عناصره وقياداته أيضا، لينجلي غبار هذا الاقتتال بانقسام أعمق يسيطر فيه جيش الإسلام على 53% من الغوطة الشرقية، ويسيطر كل من فيلق الرحمن وهيئة تحرير الشام وحركة أحرار الشام “التي امتاز موقفها بالضبابية دائما” على ما تبقى من غوطة دمشق.

جيش الإسلام وفيلق الرحمن (مفاتيح الحل في الغوطة الشرقية)

لم تهدأ المعارك على جبهات الفصيلين الرئيسيين في الغوطة الشرقية، وتعرضت جبهتا جوبر وعين ترما لأعنف الحملات بهدف السيطرة على المنطقة، وتأمين طوق العاصمة دمشق، وإنهاء آخر وجود للمعارضة السورية على أسوارها، إلا أن اتفاق التهدئة في الغوطة الشرقية لم يتأخر عن اتفاق هامبورج في جنوب سوريا بسبب اشتراط الجبهة الجنوبية ضم الغوطة الشرقية لتلك الاتفاقية[10]وخاصة أن أحد فصائلها “فيلق الرحمن” بقي وحيدا في الميدان بسبب عقبات حالت دون دخولها الاتفاق ،يعد أبرزها تقاربه مع هيئة تحرير الشام، وأن النظام بدأ بنقل حشوده من الجنوب إلى الشمال نحو دمشق ومحيطها، إلا أن مؤشرات دلت مؤخرا على احتمال كبير لدخول الفيلق في هذا الاتفاق ،أبرزها معركة الاستنزاف التي يخوضها على جبهة جوبر وعين ترما، وارتباطه التنظيمي بالجبهة الجنوبية التي طالبت بضم الغوطة الشرقية لهدنة درعا، وتوقف دعم فصائل الموك، وفشل قطر الحليف الآخر “لفيلق الرحمن” بلعب دور الوساطة وتقديم الدوحة كمنصة للحل السياسي في سوريا بعد الرفض الروسي.

رابعا: اتفاق خفض التصعيد في الغوطة الشرقية (الأهداف والتقييم والسيناريوهات المتوقعة)

أتى اتفاق خفض التصعيد كثمرة للتوافق الأمريكي ـ الروسي على مناطق النفوذ، والخلاف الإيراني ـ الروسي في الوقت نفسه، حيث يسابق الروس الزمن للوصول إلى اتفاق يكون لهم فيه اليد العليا في ريف دمشق، قبل أن يزداد النفوذ الإيراني في الغوطة الشرقية ومحيط دمشق، وتهدف روسيا من وراء ذلك إلى:

1) تحجيم الدور الإيراني في الريف الدمشقي بإقصاء إيران من الاتفاق المعقود.

2) لعب دور الوسيط بين قوات النظام ـ والمعارضة، بنشر قوات شرطة روسية ـ سنية للمراقبة.

3) إبقاء تهديد محدود لدمشق لتستخدمه موسكو كورقة ضغط على دمشق، حيث لم يفرض الاتفاق على المعارضة تسليم سلاحها أو التراجع عن مناطق نفوذها.

4) عدم التورط عسكريا بمعارك استنزاف تخوضها روسيا، كتلك التي خاصتها في حلب لما يترتب عليها من تبعات عديدة، خاصة في ظل ما تمتلكه الغوطة من مقومات الصمود.

5) مجاراة الدور الأمريكي بعقد اتفاقيات بين النظام والمعارضة بشكل منفرد.

وتضمن الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين قوات النظام السوري وجيش الإسلام بضمانة وزارة الدفاع الروسية ورعاية الحكومة المصرية:

  • وقفا شاملا لإطلاق النار ونشر150 عنصراً شيشانياً من الشرطة العسكرية الروسية على خطوط التماس لضمان وقف النار، تمهيدا لفك الحصار عن الغوطة، وإدخال مساعدات إنسانية وأدوية، وضمان حرية نقل البضائع وتنقل المدنيين من دون سلاح بين الغوطة ودمشق، ونقل الجرحى إلى العاصمة وتبادل البضائع عبر نقطة مخيم الوافدين، وانتخاب مجلس محلي يمثل أهالي الغوطة ويدير شؤونها، وأعلن فيلق الرحمن موافقته على اتفاق القاهرة بمجرد إعلانه، وتعهد ضبط عناصر «النصرة» هناك، مع استمرار فصل المعارضة الحرب ضد الإرهاب، وهنا يمكن القول أن «الروس جادون جدا في تنفيذ الاتفاق ولن يسمحوا لأي طرف بخرقه سواء كان تابعا للحرس الثوري الإيراني أو للنظام أو المعارضة»[11]
  • جاء في البند الخامس من الاتفاق انسحاب تدريجي للميليشيات الأجنبية “تلتزم روسيا مع الطرف الآخر بجدول زمني محدد لإخراج الميليشيات الأجنبية كافة من سوريا ،والتي تحمل شعارات طائفية تخالف الهوية الوطنية السورية، ومحاسبة من ارتكب الجرائم منهم وألا يكون لهم أي دور في حفظ أمن البلاد ومستقبلها.”[12]
  • شدد الاتفاق على إخراج “هيئة تحرير الشام” “جبهة النصرة” سابقا من المشهد العسكري في الغوطة.

تقييم الاتفاق:

  • تصب أغلب البنود الواردة ضمن الاتفاق في صالح المعارضة باستثناء ما يمكن أن يعمق الشرخ ويرسخ الانقسام بحجة وجود “هيئة تحرير الشام”.
  • لم ينص الاتفاق على تراجع المعارضة عن أي من مناطق سيطرتها،أو دخول قوات النظام،أو تسليم سلاحها الثقيل أو رفع العلم السوري، كما هو حال عدة اتفاقيات عقدها النظام في الريف الدمشقي.
  • عدم وجود طرف ضامن يعتبر من نقاط ضعف الاتفاق، ويمكن لقوات النظام والميليشيات الايرانية استثمار ذلك من خلال استمرارها بالقصف واتهام فصائل المعارضة بخرق الاتفاق وهو ما حدث فعلا.
  • الاتفاق في أسوء حالاته استراحة للمقاتلين فيما لو نكث النظام وروسيا به، وفي أفضل حالاته سيوقف شلال الدم ويحافظ على مناطق سيطرة المعارضة، بل ويفك الحصار، ويمنع التهجير الديموغرافي،ويعطي سكان الغوطة ما يشبه الإدارة الذاتية عبر انتخاب مجالس محلية في مرحلة لاحقة فيما لو صدق النظام وروسيا بتنفيذ بنوده.

السيناريوهات المتوقعة لاتفاق خفض التصعيد في الغوطة الشرقية:

لم يمض يوم على توقيع اتفاق خفض التصعيد في الغوطة الشرقية إلا والطيران الحربي أخذ بدك مختلف مناطق الغوطة الشرقية بذريعة قصف “هيئة تحرير الشام” على الرغم من محدودية وجودها على رقعة الغوطة، بل خلو الكثير من المناطق التي تعرضت للقصف منها بشكل كامل خاصة تلك الخاضعة لنفوذ جيش الإسلام، لتشكل تلك الغارات نقطة الإشكال الأولى، ويشكل غياب الفيلق عن الاتفاق واستمرار علاقته مع “هيئة تحريرالشام” نقطة الإشكال الثانية، فما هو مستقبل الاتفاق في ظل هذه المعطيات؟

السيناريو الأول: نجاح الاتفاق والتزام الروس والمعارضة به

ويتطلب هذا السيناريو توقف القصف والعمليات العسكرية بشكل كامل على جبهات الغوطة الشرقية، ودخول فيلق الرحمن بهذا الاتفاق بعد إنهاء وجود جبهة النصرة سواء بحلها أو ترحيلها لإدلب.

ولا يمكن الجزم بفشل هذا السيناريو لمجرد استمرار القصف في الأيام الأولى من الاتفاق، إذ بإمكاننا التمييز بين مناطق القصف ونوعه:

المنطقة الأولى: القطاع الأوسط الخاضع لنفوذ فيلق الرحمن مع تواجد محدود لهيئة تحرير الشام، ولعل الغارات في هذه المنطقة هي الأعنف والأكثر مقارنة بالمنطقة الثانية، ويمكن تبريرها لوجود إشارات ضمن بنود الاتفاق حول استهداف “هيئة تحرير الشام”، كما أنه من المحتمل بشدة أن يكون منفذ هذه الغارات هو الطيران الروسي الضامن للاتفاقية.

المنطقة الثانية: ريف دوما الخاضع لنفوذ جيش الإسلام، حيث لا يوجد في هذه المنطقة أي حضور للهيئة، ولعل من يقوم بالقصف بها هو طيران النظام بتوجيهات إيرانية، سعيا لإفشال الهدنة التي تصب في صالح الروس وتحجم الدور الإيراني، وبذلك لا يمكن القول بفشل الاتفاق لمجرد استمرار الغارات لوجود مؤشرات على جدية الروس في تطبيق الاتفاق، إذ أنهم بدأوا بنشر الشرطة الروسية بشكل فعلي، وإدخال عدد من سيارات المساعدات الإغاثية والطبية، وسيتمكنون بشكل أو بآخر من كف يد إيران وضبط النظام ولو استغرق ذلك بعضا من الوقت.

إلا أن العائق الأهم هو وجود “هيئة تحرير الشام” في القطاع الأوسط (منطقة نفوذ فيلق الرحمن) غير أن الأمور بين فيلق الرحمن وهيئة تحرير الشام متجهة إلى التصعيد، خاصة أن عددا من المظاهرات ضمن القطاع الأوسط خرجت يوم الجمعة 28 تموز 2017م طالبت بإنهاء وجود الهيئة رغبة من المدنيين في القطاع الأوسط بإيقاف القصف الذي اشتدت وتيرته بعد الاتفاق، أما فيلق الرحمن ،ففي ظل المعطيات السابقة التي تحدثنا عنها من التفاهم الأمريكي ـ الروسي وإيقاف الدعم الأمريكي وفشل الوساطة القطرية والارتباط بالجبهة الجنوبية والاستنزاف على جبهات جوبر وعين ترما ؛ قد يكون اتجه للقبول بالاتفاق مع ما يستجره ذلك من صدام مع هيئة تحرير الشام، وهنا قد يلجأ النظام لاستثمار ذلك من خلال محاولته إحكام سيطرته على حي جوبر آخر بوابات دمشق بعد إحكام الخناق عليه من جهة عين ترما، بدعم روسي أيضا كإرضاء للنظام مقابل إمضاء بنود الاتفاقية التي لا تصب بصالحه.

السيناريو الثاني: نجاح جزئي نتيجة استمرار هيئة تحرير الشام في القطاع الأوسط

مما يجعل الاتفاقية سارية على جزء من الغوطة، وتحديدا قطاع جيش الإسلام، وعدم سريانها على قطاع فيلق الرحمن لعدم تمكنه من إنهاء حضور هيئة تحرير الشام ضمن مناطق سيطرته، إن كان من خلال تفكيكها أو ترحيلها خارج الغوطة، مما يعطي الروس ذريعة لضرب القطاع الأوسط لوجود هيئة تحرير الشام، ويمكنهم من كبح قوات النظام وميليشياته عن قطاع دوما وريفها لغياب تلك الذريعة، وبالتالي سيشكل ذلك تقسيما ينعكس على وحدة الغوطة.

السيناريو الثالث: فشل الاتفاق وعودة المعارك في كامل جبهات الغوطة

وذلك في حال كان الاتفاق مناورة من قبل الروس تهدف لإعادة ترتيب قوات النظام لصفوفها واستحضار تعزيزات إضافية وكسب الوقت ومن ثم نكثوا عن عهودهم تحت حجج مختلفة منها ما يتعلق بوجود هيئة تحرير الشام أو غيرها وبالتالي أطلقوا يد النظام وميليشياته لاجتياح الغوطة والسيطرة عليها.

إن السيناريو الأول والثاني لهما فرص متقاربة في التحقق، وذلك لعدة أسباب موضوعية تنم عنها مجريات الميدان بحسب سير الخطة الروسية في المشهد السوري بشكل عام، وما يتعلق بمحيط الغوطة بشكل خاص، لكن لا يمكن استبعاد انتكاسة ما في حال وجود عوائق تمنع روسيا من تحقيق أهدافها، والذي سيحدد ذلك في الفترة القادمة هو:

1)  علاقة فيلق الرحمن مع هيئة تحرير الشام.

2)  توزع الغارات والعمليات العسكرية.

السيناريو الرابع: عدم قدرة روسيا على ضبط حلفائها (النظام السوري – الإيراني).

وهو ما يجعل الطرفين الأخيرين في حالة تمرد تام على كافة الاتفاقيات المتعلقة بالغوطة الشرقية مستغلين استعصاء ما في أحد بنود هذا الاتفاق ،أو وجود ذريعة ما ناتجة عن قصف أحد المواقع السيادية في العاصمة ومنها السفارة الروسية على سبيل المثال ،أو سلسلة تفجيرات مفتعلة تضرب العاصمة بشكل عنيف وتأخذ صدى إعلامي، متكلين على الدعم الروسي لنقض كامل الاتفاق بحجة “محاربة الإرهاب”.

الخاتمة:

في لغة السياسة لا عدو دائم ولا صديق دائم وإنما مصالح دائمة، فعلى الرغم من قتال الروس بجانب الإيرانيين لصالح قوات النظام، إلا أن أجندات كل طرف تختلف عن الآخر، وقد تتبدل من وقت لوقت، ولعلها تجاوزت مرحلة التنافس لتصل إلى عتبات الصراع.

وفي حال استطاعت قوات المعارضة اللعب على وتر تلك الخلافات، فستحصل على مكاسب مقبولة دون أي جهد يذكر كما هو الحال فيما لو نجح اتفاق خفض التصعيد في الغوطة الشرقية الذي ستسعى إيران وقوات النظام لإفشاله.

ويأتي هذا الاتفاق ليؤكد من جديد ومن خلال سنوات الثورة وما رافقها من تدخلات خارجية إقليمية ودولية وانتشار للتطرف من قبل جميع أطراف النزاع في سورية، أنّه لا يمكن نضوج أي حل دون رعاية وجدية من الدولتين المحوريتين في العالم، وهما الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وبدرجة أكبر الولايات المتحدة لأنها عندما تكون جدية في الطرح فإن الروس يستجيبون في النهاية.

[1]تركيا وروسيا وإيران تبحث نشر قوات في سوريا، الجزيرة 22/6/2017 ، انظر الرابطhttps://goo.gl/xbtQMK

[2]انظر: ، “أستانا ـ 5” روسيا قد تنشر قواتها في مناطق الفصل بسوريا، روسيا اليوم 4/7/2017  ، على الرابطhttps://goo.gl/4hXAqW

[3]انظر: على هامش قمة العشرين.. اتفاق بين روسيا وأمريكا لوقف إطلاق النار في الجنوب السوري بدءا من ظهر الأحد ، البداية ، على الرابط: http://albedaiah.com/news/2017/07/08/137715

[4]انظر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وحدة دراسة السياسات، اتفاق “هامبورغ” الروسي الأميركي حول سورية: أهدافه وتداعياته

.http://www.dohainstitute.org/release/d0be535d-2f42-413a-a1d4-9601d6547c60

[5]ترامب يوضح سبب إيقافه دعم الفصائل المعتدلة في سوريا،https://goo.gl/yKX387

[6]الدرر الشامية، “راتني” يبعث رسالة إلى الفصائل والفعاليات الثورية بخصوص اتفاق الهدنة جنوب سوريا، على الرابط:http://www.aldorars.com/news/596

[7]أورينت نيوز، اتفاق لوقف إطلاق النار في جرود عرسال والقلمون الغربي، على الرابط:http://orient-news.net/ar/news_show/139157/0/%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82-%D9%84%D9%88%D9%82%D9%81-%D8%A5%D8%B7%D9%84%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%AC%D8%B1%D9%88%D8%AF-%D8%B9%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A

[8]أورينت نيوز، مفاوضات القلمون الشرقي تنتهي باتفاق الفصائل مع روسيا.. هذه أهم البنود، على الرابط:http://orient-news.net/ar/news_show/138841/0/%D9%85%D9%81%D8%A7%D9%88%D8%B6%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82%D9%8A-%D8%AA%D9%86%D8%AA%D9%87%D9%8A-%D8%A8%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B5%D8%A7%D8%A6%D9%84-%D9%85%D8%B9-%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7-%D9%87%D8%B0%D9%87-%D8%A3%D9%87%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%88%D8%AF

[9]انظر: الشرق الأوسط، أحمد الجربا «عرّاب» هدنة غوطة دمشق: نشر 150 شرطياً روسياً وانتخاب مجلس محلي «الشرق الأوسط» تنشر مسودة الاتفاق بضمانة موسكو ورعاية القاهرة الاثنين – 1 ذو القعدة 1438 هـ – 24 يوليو 2017 مـ  رقم العدد [14118]

https://goo.gl/f8z9bS

[10]انظر: العربي الجديد، فصائل درعا اتفاق الجنوب … واشتراط ضم حمص والغوطة الشرقيةhttps://goo.gl/e91Aa7

[11]انظر: الشرق الأوسط، مصدر سابق

[12]نفس المصدر

Leave a comment