الأمن الغذائي بين الواقع والمأمول

Tags:

يبقى في مقدمة هموم الدول تحقيق الآمن الاقتصادي لشعوبها ، وبما أنّ الأمن الاقتصادي يكون في (امتلاك المرء الوسائل المادية التي تمكنه من أن يحيا حياة مستقرة ومشبعة، أو في امتلاك ما يكفي من النقود لإشباع حاجاته النفسية وهي الغذاء والمأوى اللائق والرعاية الصحية الأساسية والتعليم ) ومع دخول الحكومة السورية المؤقتة إلى الداخل السوري وإعلانها الاعتماد الكلي على تحقيق الأمن الاقتصادي بأقرب أشكاله يظهر التحدي واضحا في إيجاد المقومات السابقة

مدخل تنفيذي

يبقى في مقدمة هموم الدول تحقيق الأمن الاقتصادي لشعوبها، وبما أنّ الأمن الاقتصادي يكون في (امتلاك المرء الوسائل المادية التي تمكنه من أن يحيا حياة مستقرة ومشبعة، أو في امتلاك ما يكفي من النقود لإشباع حاجاته النفسية وهي الغذاء والمأوى اللائق والرعاية الصحية الأساسية والتعليم)[1] ومع انتقال ­­الحكومة السورية المؤقتة للعمل في الداخل السوري وإعلانها الاعتماد الكلي على تحقيق الأمن الاقتصادي بأقرب أشكاله يظهر التحدي واضحا في إيجاد المقومات السابقة المتمثلة بـ:

  • الأمن الغذائي
  • سبيل العيش والاستقرار
  • الصحة
  • التعليم

وفي مقدمة هذه التحديات الأمن الغذائي والمتمثل في العمل الزراعي والماء والثروة الحيوانية

وعليه ستتناول هذه الدراسة في البحث الأمن الغذائي -إن صح التعبير-في المناطق المحررة والمشمولة في عمل الحكومة السورية المؤقتة على أن تقوم باستعراض الواقع الغذائي من خلال دراسات وإحصائيات للوصول للحالة الزراعية والحيوانية القائمة بهدف التقييم العام لرسم المشكلات والمعوقات واقتراح بعض الحلول المناسبة لها في ضوء الإمكانيات المتاحة ومحاولة رسم استراتيجية اقتصادية للفترة القادمة، وإن كانت الاستراتيجيات توضع بشكل متكامل يشمل الأمن الاقتصادي ككل بتضافر جميع العناصر المؤدية له.

تمــــهيــــد

كان من المفترض أن يحق الناتج المحلي الإجمالي السوري معدل نمو وسطي يصل إلى +5.7% سنويا خلال الفترة

من عام 2011 إلى عام 2015

وذلك وفقا لمتوسط معدلات النمو التاريخية وأهداف الخطة الخمسية الحادية عشرة.

في حين حقق الناتج المحلي الإجمالي وفقاً للسيناريو الفعلي معدلاً وسطياً قدره (-16 %) في العام 2012، و (-22.6 %) في العام 2013، و (-5.3 %) في العام 2014و(-1.94 %) في العام 2015 [2]، وبالتالي يمكن قياس إجمالي الخسارة التي تعرض لها الاقتصاد السوري نتيجة للوضع الراهن من خلال قياس الفجوة GAP بين السيناريو الأساسي والسيناريو الفعلي، وعليه وصل إجمالي الخسارة في الناتج المحلي الإجمالي

 نتيجة الحرب القائمة إلى حوالي 81.2 مليار موزعة على القطاعات الاقتصادية المختلفة[3]،

وتعادل هذه الخسارة حوالي 2.2 ضعفا من الناتج المحلي الإجمالي المقدر للعام 2016.

وبالعودة إلى القطاع الغذائي (الزراعي والحيواني والموارد المائية) نجد أنَّ هذا القطاع تعرض لتدمير كبير نتيجة لتركز معظم العمليات العسكرية في الأرياف، التي تشكل بدورها المناطق الرئيسة للإنتاج الزراعي والحيواني. كما تعرضت البنية التحتية لهذا القطاع خلال السنوات الست الماضية للاستهداف، فقد دمرت الجسور والطرق والآبار وقنوات الري، وعانى القطاع من نقص كبير في الكهرباء و المحروقات، وبرزت  ظاهرة هجرة الأيدي العاملة في الزراعة (نزوح، هجرة داخلية، لجوء) نتيجة تدهور الوضع الأمني في الأرياف، وصعوبة وصول المزارعين إلى مزارعهم بسبب انعدام الأمن والقصف المستمر ، وتدمير مؤسسات البحوث المهتمة بالقطاع الزراعي مثل( مراكز للبحوث العلمية الزراعية، ومؤسسات إكثار البذار والمزارع الإنتاجية، ومشاريع الري والإرشاد الزراعي …) والنقص الشديد في مستلزمات الإنتاج الأساسية (البذار، الأسمدة، المبيدات الحشرية، المحروقات…..)، و ذلك بسبب الحصار  وعدم الترابط الجغرافي، كما أدت الأزمة إلى خسائر جسيمة في الثروة الحيوانية، بسبب تضرر المراعي والنقص الحاد في الأعلاف، وانعدام  الخدمات البيطرية. إضافة إلى الانتقال العشوائي وغير المنظم والخاضع للرقابة للمواشي (البقر، الماعز، والغنم) عبر الحدود إلى دول الجوار.

لذلك نجاح الحكومة السورية في عملها مرهون في تحقيق الأمن الاقتصادي عن طريق استثمار القطاع الزراعي بما بقي منه من موارد وإدارة المرافق بالمستوى المطلوب للوصول للغرض، وبالتالي فإن الأمن الغذائي هو الهم الأول والمشكلة الأكبر وخاصة مع اشتداد وطول فترة الصراع ففـي مقـال نشـرته منظمـة الأغذيـة والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO أشـارت إلى” حالـة انعـدام الأمـن الغذائـي بسـبب الصـراع سـجلت مزيـدًا مـن التفاقم لا سـيما في سـورية واليمـن“[4]

ويظهر هذا واقعا عند النظر إلى الإحصائيات المخيفة فما السبل والطرق التي سيعتمدها القائمون على الملف الزراعي السوري في تحقيق الأمن الغذائي عن طريق الاعتناء والاهتمام بالزراعة والثروة الحيوانية واستغلال الوارد المائية

سبل تحقيق الأمن الغذائي في المناطق المحررة

قبل الشروع في معرفة سبل تحقيق الأمن الغذائي وما هي المعوقات أمام تحقيق هذه السبل وتقديم الحلول لها، يجب أولا أن نعلم ماذا يعني الأمن الغذائي وما هو أبعاده وما هو واقع الأمن الغذائي السوري في الشكل الحالي

تعريف الأمن الغذائي

أولاً يمكن القول أنَ الفكر الاقتصادي لم يقدم تعريفاً واحداً متفقاً عليه لدى الجميع لمفهـوم الأمـن الغذائي، إذ نلاحظ تبايناً في وجهات النظر حول هذه المسألة، فمنهم من يرى فيه تأمين الغذاء لأفراد المجتمع، ومنهم من يقول إنّه الاعتماد على الذات في توفير غذاء الشعب

وقد عرفت منظمة الزراعة والأغذية الدولية الأمن الغذائي (fao) بأنه ” توفير الغذاء من الناحيتين الفيزيولوجية والاقتصادية لجميع الأفراد وفي جميع الأوقات “. بحيث نستطيع القول: إن بلداً ما مستقر من ناحية الغذاء إن كان ميزان تجارة المواد الغذائيـة فيـه متوازناً أو يحوي على فائض لمصلحته خلال فترة طويلة من الزمن. أما البنك الدولي فقد كان له كلمته في هذا المجال إذ عرّف الأمن الغذائي بأنه ” حصول كل الناس في البلد المعني وفي كل الأوقات على غذاء كافٍ لحياة نشيطة وسليمة وعناصره الجوهرية هـي وفـرة.[5] (1)

أبعاد الأمن الغذائي

من خلال التعريفات السابقة يظهر لنا أن معنى تحقق الأمن الغذائي يكون بتحقق الأبعاد التالية:

  • التوفّر (Availability): ويشير مفهوم هذا البعد إلى ضرورة توفّر الغذاء بكميّات تكفي لعدد الأفراد وأن يكون ذلك من ضمن المخزون الاستراتيجي.
  • مأمونية الغذاء (Food Safety): وهي ضمان صحة الغذاء وسلامته وصلاحيته للاستهلاك البشري.
  • إمكانية الحصول عليه (Food Accessibility): وهو أن تكون أسعار السلع والمنتجات ضمن متناول يد الأفراد، أو إمكانية تقديمه للأفراد على شكل معونة للطبقات الأكثر فقراً.
  • الاستقرار (Stability): ويركّز هذا البعد على ضرورة الحفاظ على أوضاع الغذاء، وضرورة توفّر الأبعاد الثلاثة السابقة مع بعضها البعض دون أن يحدث عليها أي تغيير[6].

الأمن الغذائي بين الواقع والمأمول

 واقع الأمن الغذائي في سوريا عامة

 أكد جوزيـه غرازيانو دا سـيلفا المدير العـام لمنظمة الأمم المتحـدة للأغذيـة والزراعة ّ FAO  أن «الصـراع ألحـق الخـراب بقطـاع الزراعـة، ممـا أضـرّ بالإمـدادات الغذائية والأسـواق إلى أقصى حـد، واليوم فأن أكثر من نصـف السـوريين المتبقيـن في البـلاد يعانـون انعـدام الأمـن الغذائـي، بينمـا يعجـز واحـد مـن كل ثلاثـة أشـخاص عن تأميـن المـواد الغذائيـة الأساسـية لأنفسـهم».  اختلفـت نسـبة السـكان الذيـن يعانـون مـن نقـص الغـذاء في النواحي المقيمة[7] 

كما أكدت ((FAO )) أن وضع الأمن الغذائي في سوريا حرج بكل المقاييس، مشيرة إلى أن عدد محتاجي المساعدات الماسة لغذاء في سورية ارتفع بنسبة 50% منذ منصف عام 2013

وأكدت المنظمة في نفس التقرير أن 6,3ملايين شخص داخل سورية في حاجة ماسة إلى الغذاء والمساعدة الزراعية، أي بزيادة أكثر من 50 % منذ حزيران 3013 بسبب انعدام الأمن وتأثر الإنتاج الزراعي بشدة بسبب النزاع الذي تشهده البلاد، وأرجعت المنظمة تردي

الأمن الغذائي في سورية إلى محدودية الغذاء، وعدم قدرة الناس على الوصول إليه أو تحمل تكلفته، فالحقول والأصول الزراعية تركت أو دمرت بسبب العنف والتشريد، وزيادة تكاليف الإنتاج ونقص الإمدادات الزراعية الأساسية .[8]

أولويات قطاع الأمن الغذائي:

في ظـروف الحصـار وفي العـام الخامـس للأزمـة تنوعـت احتياجـات السـكان للمـواد الغذائيـة.  كانـت السـلال الغذائيـة أولويـة الاحتيـاج الأولـى، تلاها كل من الطحيـن والمكملات الغذائيـة للأطفال والخبز والسلال الطارئـة والطعام المطبوخ 

القطاع الزراعي في سورية في ظل الأزمة

الزراعة

كان تشكل الزراعة في سورية 17.6% الناتج المحلي الإجمالي في سورية حسب تقديرات عام 2010. وكان يعمل في القطاع الزراعي نحو 17% من مجموع قوة العمل أي قرابة 900 ألف عامل وتشكل المساحة القابلة للزراعة ومساحة الغابات حوالي 6.5 مليون هكتار، أي حوالي ثلث مساحة سورية[9]

تبلغ مساحة سورية 18.5 مليون هكتار تقسم من الناحية البيئية الزراعية إلى خمسة مناطق استقرار[10] يبلغ مجموع الأراضي القابلة للزراعة 6 مليون هكتار مستثمر منها 5.7 مليون هكتار

وتبلغ مساحة الأراضي المروية 1.4 مليون هكتار والبعلية 3.3 مليون هكتار وتبلغ مساحة الحراج 576 ألف هكتار.

 ومع اندلاع الثورة السورية في 15 آذار 2011. بدأ التراجع الكبير في إنتاج سورية من المحاصيل الزراعية، وبشكل خاص إنتاج القمح فقد أصدرت منظمة الفاو للأغذية والزراعة بيانًا أوضحت فيه تدهور الإنتاج الزراعي ومستوى النقص الحاصل في أهم المحاصيل الزراعية في سورية ومن بينها القمح والشعير بشكل خاص.

ونتيجة لذلك فقد تقلصت المساحة المزروعة من القمح عام 2013 بنسبة 60% مقارنة مع عام 2010، ما أدى إلى تراجع إنتاج القمح مثلاً إلى 2 مليون طن عام 2012، بعد أن كان إنتاج سورية يتراوح بين 4 ملايين و4.5 مليون طن سنوياً، أي تراجع الإنتاج بنسبة 65%، مما يعني نقصًا كبيرًا وحادًا في مادة الطحين والخبز التي تعد القوت اليومي والغذاء الرئيسي لمعظم السوريين.[11]

 فضلاً عن تضرر الزراعات الأخرى كالقطن والشوندر السكري والخضار، ولا سيما قطاع البذار والأسمدة، فقد شهد هذا القطاع تدهورا واسعا ونقصا كبيرا، حيث قدرت مديرية إكثار البذار التابعة لوزارة الزراعة في الحكومة السورية المؤقتة حاجة المناطق المحررة والتابعة لسيطرتها بـ 100 ألف طن من الأسمدة، وأكثر من 90 ألف طن بذار موزعة حسب الشكل (1)[12]. وتقدر خسائر القطاع الزراعي في المجمل بما لا يقل عن 1,8 مليار دولار خلال عام 2012. [13](2)

الإنتاج الحيواني

تسهم الثروة الحيوانية بـ 39 % من الناتج الإجمالي للقطاع الزراعي، وقد سجلت الثروة الحيوانية في سوريا تراجعاً حاداً خلال السنوات الخمس الماضية، كان أعلى نسبة خسارة في الأبقار إذا تخطت 63 %، ووصلت في الأغنام والماعز30 % أما في قطاع الدواجن فقد تجاوز 30%، وفق آخر أرقام أعلنتها وزارة الزراعة السورية مطلع تموز/ يوليو 2016.
 وقدرت الخطة الزراعية في وزارة الزراعة لموسم 2015-2016

عدد الأغنام في سوريا بـ 13.5 مليون رأس والأبقار بنحو 819 ألف رأس، كما قدرت عدد الماعز بمختلف أنواعه بنحو 1.6 مليون رأس. فيما بلغ عدد رؤوس الجاموس نحو 7 آلاف رأس. وتدل هذه الأرقام على حجم التراجعات مقارنة بالخطة الزراعية لموسم 2012-2013، إذ بلغ عدد الأغنام نحو 18.8 مليون رأس

 الأبقار 1.1 مليون رأس،

الماعز 2.294 مليون رأس

 والجاموس 7.2 آلاف رأس.

أما أعداد الدواجن فقد تراجعت من 25 مليون طير إلى 17 مليون طير،

وبذلك تراجع إنتاج اللحم من 416 ألف طن إلى 335 ألف طن عام 2016، وتراجع إنتاج الحليب من 202 مليون طن إلى مليوني طن وإنتاج البيض من 3 مليارات بيضة إلى مليار بيضة خلال الفترة نفسها.

الصنف

2010 2016 المقياس
الأغنام 18 مليون 16 مليون

رأس

الأبقار

1 مليون 913 ألف رأس

الدواجن

25 مليون 17 مليون

طير

إنتاج اللحم 416ألف 335 ألف

طن

الحليب

202 مليون 2 مليون طن

البيض

3 مليار 1 مليار

بيضة

ومما زاد في تفاقم المشكلة الانتقال العشوائي لآلاف رؤوس الماشية من أغنام وأبقار إلى الدول المجاورة، ونفوق ما يزيد عن 50 % من المواشي كل ذلك أدى لتشكيل فجوة حادة في الأمن الغذائي الحالي والمستقبلي.

الموارد المائية

تعتبر سورية بلداً جافاً وشبه جاف وتتصف بندرة مواردها المائية عموماً، وبعدم تجانس توزعها السكاني، وبالتالي بعدم انسجامها مع التوزع الإقليمي للسكان، مما يعرّض الموارد المائية لضغوطات كبيرة كمية ونوعية، تصل مجمل الموارد المائية المتجددة في سورية بحدها الأعلى إلى (18,209) مليار م3/سنة وسطياً، ويقدر وسطي كمية الموارد المائية المتجددة والمتاحة للاستخدام(15,965) مليار م3/السنة. تكون هذه الموارد من عدد من البحيرات والأنهار، وتتغذى هذه، التي تقسم إلى داخلية ودولية مشتركة مع الدول المجاورة، الأنهار بمعظمها بينابيع موسمية حادة سريعة النضوب في بعض الأحيان، ويبلغ عدد الأنهار في سورية (16) نهراً مع روافدها، ومن أكبر هذه الأنهار الفرات ودجلة والخابور والعاصي واليرموك، ويبلغ متوسط تصريف الأنهار التي تجري في سورية نحو (33) مليار م3 ويبلغ عدد البحيرات في سورية تسع بحيرات تتوزع بين غالبية المحافظات السورية[14] 

  أما المعدل الحسابي لنصيب الفرد في سورية فيتراوح حالياً حول 700-900م3/ السنة وهو دون حد العجز المائي العالمي المقدر بـ(1000م3/سنة)، تساهم الزراعة بحوالي 25% من الناتج المحلي الإجمالي، وتعتمد ديمومة النشاطات الزراعية إلى حد بعيد على توفر الموارد المائية. تشكل الأراضي الزراعية المروية نحو(1,5) مليون هكتار، أي بنسب (7,5%) من مجمل مساحة الأراضي السورية، وتشمل المنطقة الشرقية والشمالية الشرقية من سورية النسبة

الأعلى من الأراضي المروية، أما الأراضي المطرية، فقد بلغت المساحة المستثمرة فيها(3,5) مليون هكتار تقريباً، مشكلة نسبة (17,9) % من مجمل مساحة الأراضي السورية.[15] وبلغ طول شبكة مياه الشرب 65 ألف كم كانت تخدم أكثر من 92% من السكان في سوريا، إضافة إلى 165 محطة ووحدة لتنقية المياه كانت تزود السكان بـ بأكثر من 2.5 مليار لتر من المياه بالمتوسط يومياً، ولكن تعرضت هذه الشبكة خلال سنوات الأزمة للكثير من التدمير والنهب والتخريب.

بالإضافة إلى أن جميع الأحواض المائية[16] تعاني من عجز مائي[17] بدرجات مختلفة باستثناء

حوضي الفرات والساحل الذين يشهدان انخفاضا ثابتا، وذلك نتيجة الطلب المتزايد على الموارد المائية المتاحة والمحدودة.

أهم آثار الأزمة على قطاع المياه[18]

  • خروج المصادر الرئيسية الكبيرة للمياه في سورية كسد الطبقة من تحت سيطرة الحكومة السورية مما سبب عجزاً واضحاً في قدرتها على تأمين المياه للسكان في القطر.
  • انقطاعات التيار الكهربائي المتواصلة أدت إلى عدم القدرة على تشغيل الكثير من الآبار التي تمد المدن والبلدات السورية بحاجتها من المياه أمام ضعف إمكانية تشغيلها عن طريق المولدات بسبب عدم توفر الوقود اللازم (المازوت) في معظم الأحيان.
  • لتوقف عن الشروع بأية مشاريع مائية جديدة وتوقف تلك المشاريع الاستراتيجية الخاصة بتأمين مياه الشرب والري.
  • ارتفاع نسبة العجز المائي وانخفاض حصة الفرد من المياه لأقل من 600م3 سنوياً خاصة وأن الثلاث سنوات الأولى من الأزمة ترافقت بتراجع كمية الهطولات المطرية بشكل كبير.
  • تواجد الكثير من السدود ومحطات تنقية المياه في المناطق الساخنة أدى إلى خروجها من الخدمة وبالتالي تفاقم مشكلة العجز المائي في البلاد.
  • تلوث العديد من مصادر المياه وخاصة المسطحات المائية وحتى المياه الجوفية وصعوبة معالجة هذه المشكلة في الوقت الحالي، وخاصة في تلك المناطق النفطية التي يتم تكرير وإنتاج النفط فيها بالطرق البدائية، أو عند تعرض شبكات الصرف الصحي للتخريب، أو التدمير نتيجة القصف، وبالتالي تسرب مياه الصرف الصحي إلى الآبار المحيطة أو إلى الأنهار.

القطاع الزراعي والمائي في مناطق سيطرة الحكومة المؤقتة

 تبدأ سلسة المعوقات أمام عمل الحكومة في المجال الزراعي تمركز أغلب الأعمال العسكرية في الريف السوري مولد الغذاء وأساسه، علاوة على استهداف آلة النظام لمصدر عيش حواضن الثورة من مزروعات وطرق زراعية مما يجعل عملها أشبه بالمغامرة التي لابد منها، نستعرض فيما يلي أهم المساحات التي تخضع لمناطق نفوذ المعارضة – المسمى الشائع- وأهم ما تعانيه وماذا قدمت الحكومة في سبيل النهوض بالعمل الزراعي

يظهر لنا الجدول [1] بشكل تقريبي الأراضي المسيطر عليها بقسميها القابل للزراعة وغير القابل في المحافظات التي استقلت عن النظام وتتبع بالتالي لعمل الحكومة السورية المؤقتة[19]

وسنستعرض فيما يلي الواقع الزراعي والمائي الحالي لهذه المحافظات كلا على حدا للوصول إلى المشكلات العامة ووضع الحلول المناسبة لها ضمن الإمكانات المتاحة.

ريف دمشق

  تقع محافظة ريف دمشق في الجزء الجنوبي الغربي من سورية بين خطي عرض /32.30-34.30/ وخطي طول /36.00-39.00/ وتتوضع على مساحة تزيد عن 1.8/مليون هكتار، تبلغ مساحة الأراضي القابلة للزراعة 212027 هكتار أي ما يعادل 11.69% المستثمر منه 142656 هكتار ما يعادل 7.86% من مساحة المحافظة أكبر من المحافظة هي مروج ومراعي حيث تبلغ المساحة 1314906 هكتار  بنسبة 73.2 % وتتوزع باقي المساحة حسب الشكل المجاور.

تعد فعلياً المنطقة التابعة لإشراف الحكومة السورية المؤقتة من أراضي ريف دمشق هي الغوطة الشرقية تبلغ مساحة الغوطة الشرقية 185كم2 ولكن أغلب هذه المساحة مقسم إلى مساحات صغيرة. الصالح منها للاستعمال الزراعي يبلغ 110 كم، أهم زراعاتها الخضروات والأشجار المثمرة، وتعاني الغوطة الشرقية من ارتفاع تكاليف الزراعة بالنسبة للمناطق السورية الأخرى، فعلى سبيل المثال تكلفة زراعة دنم من القمح مسقي من النهر تصل إلى حوالي (214 $)، أي تكلفة (كغ) الواحد حوالي (0.71 $) بينما في المناطق الأخرى لا يتجاوز (0.22$)، بينما تجد تكلفة الدنم المسقي من الآبار يكلف (1.99$)[20]ـ

وبالنسبة للثروة الحيوانية فقد صدر تقرير عن مديرية الزراعة في محافظة دمشق خلال العام الماضي أفاد، أن إجمالي أعداد الثروة الحيوانية في دمشق وريفها، بلغ نحو 10.5 مليون رأس، تتوزع على حوالي 6.7 مليون رأس من الأغنام، و2.9 من الماعز، و11.1 ألف رأس من الأبقار، و724 ألفا من الخيول، وهذه أرقام مبالغ فيه في ظل الظروف الراهنة، وبالنسبة للثروة الحيوانية في الغوطة الشرقية فقد خسرت حوالي 80 % من أعدادها نتيجة المآسي التي مرت، ومازالت، على الناس والحجر وحتى الحيوانات.

وذكرت إحصاءات رسمية، بلغت أعداد رؤوس الأبقار الحلوب داخل الغوطة الشرقية، وذلك بحسب إحصائية بداية العام 2010 حوالي 120 ألف بقرة حلوب، وعدد رؤوس الأغنام تجاوز 250 ألف رأس غنم في نفس العام، في حين خسر هذا القطاع ما يزيد عن 80% من تلك الأعداد نتيجة الأحداث التي عصفت بسوريا عموماً وبالغوطة الشرقية خصوصا، وفي نهاية العام 2015 لم يتجاوز عدد الأبقار 2500 بقرة، فيما بلغ عدد الأغنام 12 ألف رأس غنم على أكثر تقدير.

 ويعود تدني الأعداد في القطاع الحيواني[21]، إلى عدة أسباب، أبرزها فقدان التغذية للمواشي نتيجة فقدان العلف وغلاء سعره بشكل كبير وانتشار الأمراض وصعوبة تأمين الأدوية البيطرية، فضلاً عن غلاء سعرها إن وجدت، فيما يرجع السبب الرئيس لفقدان الثروة الحيوانية في الغوطة الشرقية إلى فقدان المراعي الخضراء التي لها الدور البارز في التغذية، نتيجة القصف والتدمير وحركات نزوح الأهالي المتزايدة.

ويزيد من صعوبة الموقف أن الغوطة الشرقية شحيحة بالمياه لانعدام الأنهار والمسطحات المائية فيها واعتمادها في الزراعة والشرب على مياه الآبار والتي معطل معظمها بسبب عدم توفر الكهرباء ومادة المازوت الأساسية في عملية سحب المياه. 

أما بالنسب لباقي مناطق الريف الدمشقي، فإما أن تعاني الحصار وإما تحت سيطرة النظام كحال الغوطة الغربية والريف الغربي الممتد إلى جبل الشيخ[22] (2)، وتعد هذه المنطقة من أفضل مناطق الريف بالمياه ففيها هطولات مطرية جيدة بالإضافة إلى كونها منبع ومجرى نهر الأعوج الذي يغطى أغلب مناطق الغوطة الغربية.

إدلب

تبلغ مساحة إدلب الإجمالية حوالي 609.7 ألف هكتار وتتنوع أراضي المحافظة حسب الشكل [2] [23](1)، وهي من المحافظات الزراعية بامتياز حيث يوجد في إدلب ثلاث مناطق استقرار زراعي حاليًا[24](2) تملك محافظة إدلب مساحات مشجرة وغير مشجرة وتوزع المساحة المستثمرة والبالغة /3501622/هـ إلى سليخ ومشجر وسبات.

وكانت زراعة القمح تشغل نحو 50% من مساحة إدلب، وكان الشعير يأخذ 25% وتتوزع باقي المساحات على الزراعات الصيفية الأخرى والمحاصيل الأخرى. وتقدر كميات إنتاج الحبوب سنويًا بحوالي 200 ألف طن سنويًا.

وخلال الثورة ساهمت عوامل عديدة في إنهاء هذه الزراعة أبرزها “ارتفاع تكاليف الإنتاج، وعدم ضمان البذار ومصدرها، وغياب التسويق، وعدم استقرار قاعدة العرض والطلب”.

وحسب مدير “”، تراجع إنتاج محافظة إدلب من القمح من 189000 طناً إلى 40000 طناً”، مرجعاً السبب في ذلك إلى غلاء الوقود وتدني المردود الاقتصادي لهكتار القمح مقارنة مع بقية المحاصيل، الأمر الذي أدّى إلى تراجع زراعة القمح للثلث مقارنة مع الأعوام السابقة.[25]

أما الزيتون، فقد تراجع إنتاجه أيضاً في ظل الحرب، حيث كانت إدلب في المرتبة الثانية على مستوى سوريا بعد حلب في زراعته من حيث الإنتاجية والمساحة المزروعة، والتي تقدر بنحو مائة وثلاثين ألف هكتار. وتعد هذه الزراعة مصدر الدخل الأساسي لمعظم سكان المحافظة ولكن إنتاجه تراجع 30% بسبب نقص الأسمدة وانعدام المبيدات وغلاء أسعار الوقود اللازم لتشغيل الآلات الزراعية وصعوبة النقل والتسويق بسبب انعدام الأمان وصعوبة التنقل بين المناطق من جهة وقصف النظام وحرقه وتقطيعه للأشجار من جهة ثانية[26]

وبالتحول إلى  الثروة الحيوانية التي كانت  تشكل مورداً هاماً من موارد الدخل الزراعي في محافظة إدلب، نجد أن تراجع الحاصل في هذا القطاع ينبأ عن كارثة حقيقية، وهذا التراجع في إنتاجية الثروة الحيوانية في إدلب، تعود لأسباب في مقدمتها ارتفاع أسعار الأعلاف والأدوية واللقاحات، إضافة إلى ارتفاع أجرة وسائل النقل، وغلاء مادة المازوت وندرة الكهرباء في أغلب مناطق محافظة إدلب، واستهداف آلة النظام والطيران الروسي للمداجن ومزارع الأغنام كما حصل مؤخرا في جسر الشغور، ولكن من الأسباب الرئيسية، والتي أدت إلى استنزاف الثروة الحيوانية في المحافظة  تهريب المواشي من ريف إدلب إلى تركيا، وفيما يلي أهم الحيوانات الزراعية ومنتجاتها  في المحافظة وذلك حسب المجموعة الإحصائية الزراعية لعام 2007

النوع

العدد

(رأس)

المنتجـــــــات

الحليب (طن) اللحوم

(طن)

الصوف(طن) الشعير(طن) بيض المائدة

(ألف بيضة)

العسل

(طن)

مجموع الحليب

مستهلك طازج سمن زبدة جبن

نواتج أخرى

الأبقار

55664 87663 16822 156 143 7351 21331 3818
الأغنام 820798 35232 4575 129 204 3918 8136 10778 952

الماعز

122408 7814 1152 14 23 734 2320 603 64
الدواجن 1037000 29256 179315

النحل (خلية)

81142

186

ولكن لم يبق الحال عم كان بسبب انعكاس الواقع على الثروة الحيوانية فإذا ما قارنا بين إحصائيات 2007 والأعداد الحالية نجد انخفاضا كارثية قد يصل إلى أكثر من 50% من مجموع الثروة الحيوانية

وبخصوص الثروة المائية في المحافظة تعد من المحافظات الغنية بمياهها السطحية والجوفية التي تنتمي إلى حوضي العاصي وحلب، ويخترق أراضيها نهر العاصي (الذي يعد بالمرتبة الثانية من حيث الأهمية بعد نهر الفرات) من طرفها الغربي بواد ضيقٍ وعميق شديد الانحدار حيث يلتقي في جنوب قرية جسر الحديد بمياه رافده النهر الأبيض الهابط عبر هضبة القصير مجتمعة مع مياه نهر البوارة الذي يستمد مياهه من هضبة القصير. تم إنشاء نفق بطول 4300/م3 لتصريف مياه الينابيع – التي كانت تؤدي لفيضان سهل الروج – إلى نهر العاصي ويبدأ هذا النفق من قرية البالعة وينتهي عند عين الزرقاء مخترقاً جبل الوسطاني بفرق ارتفاع 160 / م وبقدرة تصريف تبلغ 25/ م3 بالثانية, هذا وتوجد شبكة كبرى للري والصرف[27].

أهم السدود في المحافظة:

م

اسم السد نوع التخزين مصدر المياه نوع الاستخدام سعة السد التخزين الحالي
1- الدويسات تخزيني مسيل شتوي+نبع صغير سقاية مزروعات وأشجار 3.6/مليون م3

3.022/مليون م3

2-

خزان البالعة تخزيني ضخ من عين الزرقاء سقاية مزروعات وأشجار 16/مليون م3

2.024/مليون م3

وتكثر في هذه المحافظة الينابيع المنتشرة على الصدع الانهدامي وفوالقه الثانوية التي تغور مياهها بسبب طبيعة الأراضي المتجهة نحو العاصي.  يوجد في منطقة جسر الشغور ينابيع مياه معدنية حارة طبيعية أقيمت عليها حمامات الشيخ عيسى الكبريتية, ومن الينابيع الباردة العذبة عين الدباغة والسبع عيون وشلالات عين الزرقا والست عاتكة وعين أبو عبيدة بن الجراح وعين شق العجوز. وبشكل عام فإن محافظة إدلب تحتوي مخزوناً هائلاً من المياه .

  • وفيما يلي جدول يبين مصادر وطرق الري لعام 2007 المصدر: المجموعة الإحصائية الزراعية لعام 2007:

المجموع

الأراضي المروية             المساحة: ألف هكتار                    

منها بالري الحديث

من الآبار

النسبة من الإجمالي من المشاريع الحكومية النسبة من الإجمالي من الأنهار والينابيع النسبة من الإجمالي ري بالرذاذ النسبة من الإجمالي ري بالتنقيط النسبة من الإجمالي المجموع

النسبة من الإجمالي

57.1

45.1 1.75% 8.1 14.18% 3.9 6.83% 28.8 78.7% 7.8 21.31% 36.6

64.1%

أما الوضع الحالي عدد الآبار والمساحات المروية: 12221بثر والمساحات المروية 57167هـكتار منها أنهار وينابيع تروي 10888هـكتار.

  درعا

تعتبر محافظة درعا السلة الغذائية لسوريا؛ نظراً لخصوبة أراضيها واحتوائها على عدة سدود تجميعية، وعدد لا يستهان به من الينابيع العذبة والمصادر المائية الأخرى.  وفي درعا كان إنتاج القمح قبل الثورة يصل إلى نحو 90 ألف طن سنوياً، لكنه تراجع خلال سنوات الثورة إلى نحو 20 ألف طن، فيما تراجعت الزراعات العلفية كالشعير وغيرها إلى أقل من الثلث، وكذلك الخضار، وفي مقدمتها البندورة التي كان إنتاجها يصل إلى 250 ألف طن[28] (1) وبخصوص الثروة الحيوانية ­­­فقد كشفت المعلومات الإحصائية في مديرية الزراعة أن آخر إحصاء معتمد للثروة الحيوانية في محافظة درعا يعود لعام 2012، وبناء عليه فإن عدد الأغنام بلغ 671318 رأساً، والماعز 113 ألف رأس، والأبقار 56 ألف رأس … وبالنسبة لقطاع الدواجن فقد أوضح المهندس عبد الرزاق الرشيدات -رئيس دائرة الإنتاج الحيواني- أن الملاحظ انخفاض كبير وتدنٍ في تربية الدواجن في المحافظة، حيث لم يبق سوى 73 مدجنة بطاقة 585160 فروجاً.‏[29]

إن احتواء المحافظة درعا عل عدد من السدود التجميعية، وعلى عدد لا يستهان به من الينابيع العذبة والمصادر المائية الأخرى؛ يؤهل المحافظة على تحقيق الاكتفاء الذاتي مائياً، سواء مياه الشرب أو الري دون الحاجة إلى استجرار المياه من محافظات أخرى.

فهي تحتوي  على ما يقارب الـ16 سداً موزعة على جميع أنحاء المحافظة، تستخدم في الزراعة بشكل أساسي، إذ تعتبر الزراعة مصدر الدخل الأول في المحافظة، ناهيك عن استخدامها في تربية مزارع الأسماك وسقاية المواشي عند البدو الرحل، وهي سدود: “الرقاد، وكودنة، وسحم الجولان، وعابدين، وطفس، وعدوان، والجبيلية، وغدير البستان” والتي يلتحق بها شبكة من القنوات والأنابيب التي تقوم بتغذية الأراضي الزراعية بالقرب من تلك السدود، إذ تخزن جميعها ما يقارب الـ80 مليون متر مكعب من مياه الأمطار، تستخدم في ري المزروعات حيث تتراوح السعة التخزينية لكل واحد منها ما بين 30 مليون متر مكعب وثلاثة مليون متر مكعب، وقد عانت جميع هذه السدود من نقص في المخزون السنوي إذ وصل الحال ببعضها إلى الجفاف التام كسد سحم الجولان وسد عدوان بالإضافة إلى سد مدينة درعا لأسباب عديدة أهمها: عدم ترشيد استخدام المياه، والاستعمال الجائر، بالإضافة إلى موجة الجفاف التي تشهدها المحافظة هذه السنة، وانخفاض معدل الهطول المطري هذا العام[30].

استراتيجية الحكومة السورية المؤقتة في سبيل تحقيق الأمن الغذائي

قررت الحكومة السورية المؤقتة بشكلها الحالي الدخول إلى الأراضي السورية انطلاقا من أن عملها الأساسي يكمن في خدمة أبناء الداخل السوري، ومن ضمها وزارة الزراعة وذلك لأهمية تفعيل دور القطاع الزراعي في الأراضي السورية المحررة ولإعادة الحياة بشكل تدريجي لهذا القطاع الهام والذي كان يشكل 30 % من الناتج المحلي العام ويوفر فرص عمل بحدود 50 % تقريبا من اليد العاملة.

ومن جهة أخرى كي يتم حماية سوريا من مجاعة متوقعة، وكون هذه الحماية لا تكون إلا من خلال تأمين متطلبات العملية الزراعية وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الحبوب والبذار وتأمين الأعلاف واللقاحات للماشية لتفعيل العمل الذي سوف يساهم بتحقيق الأمن الغذائي.

بدأت الحكومة السورية المؤقتة بأولى أعمالها بهذا الصدد بشكل مؤسساتي، وذلك بتأسيس المؤسسة العامة للحبوب من خلال الاستفادة من الخبرات السابقة التي كان يستفيد منها النظام السوري، وكذلك بدأت العمل بشراء محصول القمح في المناطق المحررة ساعيةً لتحقيق عدة أهداف رئيسية منها تسويق إنتاج الفلاحين في المناطق المحررة لدعمهم في الاستمرار بزراعة هذا المحصول الاستراتيجي، وللعمل على تأمين القمح من أجل توفير مادة الطحين للمخابز بشكل دائم ومستمر ولاستمرارية عمل الأفران وضمان وجود رغيف الخبز، مما قد يخفف المعاناة التي يعيشها المواطن السوري في المناطق المحررة، ولمنع احتكار القمح من قبل تجار الحروب والأزمات و لقطع الطريق أمام محاولات النظام لشراء محاصيل الفلاحين في تلك المناطق من خلال سماسرته. 

كما أن المشروع يساهم في استقرار الأمن الغذائي وإنقاذ السوريين من خطر مجاعة متوقعة كما ذكر في” تقرير برنامج الغذاء العالمي” بالإضافة لتامين زيادة في المحصول للسنوات القادمة من خلال تامين مادة البذار حيث ان 20% من القمح المشترى سيخصص لإكثار البذار.

إضافة لذلك تعمل حالياً وزارة المالية والاقتصاد في الحكومة السورية المؤقتة على دراسة وتنفيذ /6/ مطاحن بطاقة إنتاجية تقارب ال /50/ طن يومياً لكل مطحنة، كمرحلة أولى من مشروع المطاحن البالغ عددها /15 / مطحنة في المناطق المحررة لتغطية الحاجة المستمرة لمادة الطحين ولتوفير الدعم لأكبر شريحة ممكنة من المواطنين.

وسنستعرض أهم المشاريع المنفذة منذ العام 2014 وحتى نهاية العام 2016 من قبل وزارة الزراعة في الحكومة المؤقتة في مختلف مديرياتها

  • مشروع تأمين بذار البطاطا عامي 2014 – 2015
  • مشروع المحافظة على أصناف القمح المحلية وإكثارها 2014 – 2015
  • مشروع تأمين بذار الخضروات والأسمدة الذوابة 2014 – 2015
  • مشروع تأمين سماد اليوريا 46%
  • مشروع تأمين الأسمدة الازوتية 33%
  • مشروع إكثار بذار القمح في المنطقة الوسطى والجنوبية 2015
  • مشروع مكافحة حشرة السونة وفأر القمح 2015
  • مشروع تأمين بذار البطاطا الأجنبية والبطاطا الشبكية المحلية 2015

المشاريع المنفذة خلال 2016

  • مشروع إكثار بذار القمح والأمن الغذائي بالتعاون مع الهلال الأحمر القطري
  • مشروع بذار البطاطا بحلب
  • مشروع الحفاظ على أصناف البقوليات
  • مشروع مكافحة السونة وفأر الحقل والنطاطات
  • مشروع مقاومة حصار مدينة حلب

وغيرها من المشاريع المساهمة في رفع المعاناة عن الشعب السوري والمؤيدة بدورها لتحقيق الأمن الغذائي [31]

المشاكل والمعوقات المؤثرة على تحقيق الأمن الغذائي السوري

الأمن الغذائي بشكل عام في الوطن العربي يعاني، وأصل هذه المعاناة فشل أو خلل السياسات الزراعية وسوء استغلال لما هو متاح للوطن العربي من موارد، وسوريا من الدول العربية التي يعاني من أزمة في الغذاء وجاءت الأزمة لتزيد من هذه المشكلة وتعمق جراحها

وهناك بعض الأسباب الرئيسة التي تقف عائقا أمام تحقيق الأمن الغذائي السوري في المناطق المحررة منها على سبيل المثال لا الحصر:

محدودية الموارد الطبيعية والزراعية (المياه والأراضي) وتأثرها بالعوامل البيئية والمناخية: وسيطرة موجات الجفاف في السنوات السابقة وتأثيره على المواسم الزراعية في سوريا ، بالإضافة لكون معظم المناطق التي تقع ضمن مناطق الاستقرار العالية ليس من ضمن مناطق السيطرة (كالساحل السوري) ، وكذلك خروج أكبر الموارد المائية عن السيطرة وخضوعها لجماعات مختلفة .   

العمالة الزراعية: تعاني العمالة الزراعية في الأصل من قلتها وهجرة العاملين فيها إلى المدن والتجمعات السكنية الكبرى، وفي ظل الأحداث انخرط الفلاحين في العمل العسكري مما أبعدهم عن أراضيهم وزد على ذلك الهجرة واللجوء الذي دفع بالشباب لمغادرة أراضيهم قصرا

استهداف آلة النظام للأراضي الزراعية: والتي هي من أساليب النظام للتضييق على الثوار بضرب الحاضنة الشعبية ومصدر أقواتهم ومنبع استمرار حياتهم.

عمليات تهريب الثروة الحيوانية: بسبب قلة المادة العلفية والسعر الأعلى في بلاد الجوار أدى ذلك لخروج قسم كبير من الثروة الحيوانية السورية إلى دول الجوار

السلة الغذائية والمنظمات الداعمة: العمل الزراعي الفردي هو عمل قليل المردودية ولا يحقق سوى الكفاف للعاملين عليه وربما يعود بالخسارة على المزارعين في كثير من المواسم، ومع دخول المنظمات الداعمة والهيئات التي توزع الإغاثة على المواطنين بدأت ظاهرة هجر الأراضي وتحول المزارع من منتج إلى منتظر لسلة إغاثة من منظمة أو جمعية.

توزع المناطق المحررة وانفصالها جغرافيا: وهذا من شأنه عدم تحقيق التكامل الغذائي وعدم توزيع الثروة المائية أو تبادل المنتجات الزراعية والحيوانية لذلك تجد بعض المناطق تتمتع بكمية كافية من المياه وأخرى تشكو الندرة.

الرؤية الاستراتيجية لتحقيق الأمن الغذائي

 حل المشكلة الغذائية في المناطق المحررة لن يتحقق إلا من خلال الاستغلال الأمثل لما هو متوافر من موارد اقتصادية وبشرية. فبالتوسع في الاستثمار الزراعي المنتج مع استخدام التكنولوجيا الزراعية، يمكن زيادة إنتاجية الزراعة بما يتماشى والزيادة الحاصلة في الطلب على الغذاء وتحقيق ذلك يتطلب في الأساس دعم التكامل الاقتصادي الزراعي والإشراف الحقيقي لمؤسسات الدولة والمتمثلة في الحكومة السورية المؤقتة، والتنسيق بين المنظمات والحكومة ووضع الخطط التنموية بشكل مشترك ومنظم والحدّ من حالة التنافر والتضارب، والتجول إلى الاكتفاء الذاتي والابتعاد عن الاعتماد على الإعانات الغذائية الأجنبية التي تسيس العمل الغذائي، لأن الإعانات الغذائية وإن كانت تخفف قليلا من حدة المشكل الغذائي في المدى القصير، إلا أنها تشكل في الحقيقة سلاحا تستخدمه البلدان الغربية للهيمنة على القرار الثوري وإفشال العمل المؤسساتي الذي من شأنه النهوض بالوضع الاقتصادي، وتخطي الصعوبات التي تواجهه، ولتخطي هذه الصعوبات وتحقيق الرؤية السابقة  لا بد من تنفيذ ما يلي:

  • اعتماد التنمية المستدامة ووضع مشاريع مدروسة واستغلال الخبراء السورين وطاقاتهم في هذا المجال.
  • إعداد دراسة لتقييم الوضع الراهن وبشكل سريع ومدروس عن طريق إجراء مسوحات شاملة وحقيقية.
  • وضع استراتيجية لإدارة القطاع وتنفيذ خططه.
  • تشجيع التمويل والاستثمار في القطاع الزراعي وجذب رؤوس الأموال السورية التي خرجت من البلد وإعادة استثمارها في قطاع الغذاء.
  • إدخال التكنولوجيا إلى العمل الزراعي والحيواني لاستغلال الموارد والابتعاد عن الهدر والعشوائية وإيجاد المخابر الزراعية والحيوانية.
  • إعادة دراسة الثروة المائية وتسخيرها لخدمة القطاع ضمن وضع استراتيجية حقيقية من مختصين.

الخاتمة

نستنج مما سبق عرضه أن التنمية الزراعية المستديمة تعد مطلبا أساسيا لتحقيق الأمن الغذائي في سورية والابتعاد عن الخطط الآنية والمستعجلة، عن طريق خلق مناخ محفز للاستثمار الزراعي، والتمكن من الاستحواذ على التكنولوجيا الزراعية ، والتوجه نحو الاكتفاء الذاتي والابتعاد قدر الإمكان عن عمل المنظمات الجاهز والتعاون في سبيل تحقيق الأمن الغذائي مع المؤسسات والمنظمات الوطنية  ضمن منظومة مؤسساتية تتبع لمؤسسة وطنية سورية كالحكومة السورية المؤقتة إذ أن تحقيق الأمن الغذائي يبدأ من التنظيم الذي هو أساس التنمية المستدامة .

[1] التخطيط الاستراتيجي لتحقيق الأمن الاقتصادي والنهضة المعلوماتية، بالمملكة العربية السعودية، د. سعيد على حسن القليطى الأستاذ بقسم الهندسة الصناعية بجامعة الملك عبد العزيز، بحث مقدم لمؤتمر تقنية المعلومات والأمن الوطني بالرياض 2007، ص 4.بتصرف.

[2]  الصدمة ثم التكيف فمحاولة للنهوض.. خارطة الاقتصاد السوري منذ بداية الأزمة، سينسيريا، تاريخ النشر 6-11-2016 http://sensyria.com/blog/archives/13180

[3]  مركز دمشق للأبحاث والدراسات، تأثير الأزمة في الاقتصاد السوري، ص 12

[4]   أسعار الغذاء تتراجع في الشهر الماضي وسط وفرة أرصدة المخزونات العالمية، منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة http://www.fao.org/news/story/ar/item/356944/icode

[5]  السياسات الزراعية في البلدان النامية ـ ترجمة د/يحيى الشهابي، منشورات وزارة الثقافة 1997.

[6]  أبعاد الأمن الغذائي ومتطلباته، د. عاكف الزعبي، مجلة الغد، مقال تم نشره في الاثنين 19-8-2013 http://www.alghad.com/articles/524438

[7]  تقرير تقييم الاحتياجات الدورية  ، وحدة تنسيق الدعم، الإصدار الخامس، حزيران 2016

 [8] “فاو” الأمن الغذائي في سوريا حرج بكل المقاييس، العربي الجديد، تاريخ النشر 39-9-2014     https://goo.gl/63oqKy

[9]  http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%B2%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A9_%D9%81%D9%25

[10]  منطقة الاستقرار الأولى: مساحتها 2.7 مليون هكتار وتشكل 14.6% من مساحة سورية، معدل أمطارها السنوي أكثر من 350 مم/سنة ومحاصيلها الرئيسة الحبوب والبقوليات والمحاصيل الصيفية والخضار والأشجار المثمرة وأهمها الحمضيات والتفاحيات واللوزيات. منطقة الاستقرار الثانية: مساحتها 2.5 مليون هكتار وتشكل 13.3% من مساحة سورية، معدل أمطارها250-350مم/سنة محاصيلها الرئيسية الحبوب والبقوليات والأشجار المثمرة وأهمها الكرمة والزيتون واللوز. منطقة الاستقرار الثالثة: مساحتها 1.3 مليون هكتار وتشكل 7.1% من مساحة سورية، معدل أمطارها السنوي يزيد عن 250مم/سنة ولا يقل عن هذا الرقم وأهم محاصيلها الزراعية الشعير، وأحياناً تزرع فيها البقوليات. منطقة الاستقرار الرابعة: مساحتها 1.8 مليون هكتار وتشكل 9.9% من مساحة سورية معدل أمطارها السنوي 200-250مم/سنة وأهم محاصيلها الزراعية الشعير منطقة الاستقرار الخامسة: مساحتها 10.2 مليون هكتار وتشكل 55.1% من مساحة سورية أمطارها السنوية غير مستقرة وتتراوح بين 100-150مم/سنة، وهي تستخدم كمراعي للغنم.

[11] سوريا تخصص 367 مليون دولار لإعادة الإعمار، الجزيرة-الفرنسية http://www.aljazeera.net/ebusiness/pages/88b48353-e9c2-47d3-8b80-68daa15eae51

[12] المؤسسة العامة للبذار http://gos-sy.org/ar/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B9/

[13]  الزراعة في سورية زمن الثورة http://asharqalarabi.org.uk/markaz/d-14082012.pdf  (رابط)

[14]  الأمن المائي في سورية واقع الموارد المائية المتاحة ، الباحث محمد العبد الله  ، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية

[15]  واقع الموارد المائية في الجمهورية العربية السورية والتنمية المستدامة، جمعية حماية البيئة والتنمية المستدامة http://www.env-pro.org/activities/article5.htm  

[16]  يبلغ عدد الأحواض المائية الرئيسية التي تختزنها الأراضي السورية سبعة أحواض مائية (هيدرولوجية) هي حوض الفرات وحلب، وحوض دجلة والخابور، وحوض الساحل، وحوض البادية، وحوض العاصي، وحوض بردى والأعوج، وحوض اليرموك http://www.startimes.com/?t=771931     

[17] العجز المائي المستقبلي المقدر لسوريا يصل إلى (17) مليار م3 سنويا كحد أدنى في سوريا، لأن ما تملكه سوريا من الموارد المائية السطحية والجوفية لا تتعدى 10 مليارات م3 سنوياً، في حين أنها بحاجة إلى (27) مليار م3 سنوياً لتغطي احتياجاتها المائية المستقبلية في عموم الدولة انظر مجلة أبحاث البصرة (العلوم الإنسانية) المجلد 38، العدد 1 السنة 2013، ص 181 ، زهراء عباس هندي ، بحث بعنوان الموارد المائية في الجمهورية العربية السورية الواقع والمستقبل .

[18]   سورية تحت خط الفقر المائي (معاناة وكارثة محدقة) ، د. شوقي محمد، موقع الحل، 18-8-2016 https://goo.gl/vMsOkS  

[19]  الجدول من إعداد الباحث معتمدا على المجموعات الإحصائية الصادرة عن المكتب الإحصائي للعام 2011

[20]  الزراعة في الغوطة الشرقية، دراسة غن الواقع الحالي، حزيران 2015، المنتدى الاقتصادي السوري                                                                                              http://www.syrianef.org/wp-content/uploads/2015/06/agriculture_ar.pdf

[21] ، الثروة الحيوانية في الغوطة الشرقية بين الواقع والحلول محمد ياسر: كلنا شركاء، تاريخ النشر 23-9-2016   http://www.all4syria.info/Archive/347191

[22]  مع الانتهاء من هذه الدراسة كان غربي دمشق مهادن للنظام عدا (بيت جن ومزرعتها، ولكن لا يوجد أي عمل زراعي أو ما شابه لأن المنطقة يغلب عليها الطابع العسكري.

[23]  المجموعة الإحصائية الزراعية 2007

[24]  تتوزع المنطقة الأولى غرب سراقب وصولًا إلى أوتوستراد دمشق-حلب والثانية من سراقب إلى الشرق بعرض 10 – 15 كم، والمنطقة الثالثة ريف المحافظة الجنوبي إلى سنجار، وهذه المنطقة مهددة بالتوقف عن الزراعة بسبب شح الأمطار أيضًا

[25]  مدير زراعة إدلب “الحرة” : تراجع زراعة القمح إلى الثلث مقارنة بالأعوام السابقة، محمود العلي، أمية برس، 27-5-2016 https://goo.gl/hxj1m9

[26] تراجع القطاع الزراعي في إدلب .. أعباء تثقل كاهل الفلاحين، سونيا العلي، أخبار الآن، تاريخ النشر 24-2-2016

 http://www.akhbaralaan.net/news/arab-world/2016/2/24/agricultural-sector-fell-idlib-burdens-weigh-heavily-peasantry

[27]  الخارطـة الاستثمارية الزراعيــة في محافظة إدلب http://www.moaar.gov.sy/site_ar/syriamap/edlib.htm

[28]  (الزراعة في درعا خسارة بخسارة) ، مجلة اقتصاد مال وأعمال السوريين ، تاريخ النشر 27-11-2016http://www.eqtsad.net/read/15642/)

[29]  تراجـــع أعــداد الثــروة الحيوانيــة في درعــا وارتفــاع أســعار اللحــوم ، جريدة الثورة، تاريخ النشر 30-1-2016 http://thawra.sy/_print_veiw.asp?FileName=44907303520160130015440

[30]  * الثروة المائية في محافظة درعا.. مخاطر في ظل غياب القانون، حذيفة حلاوة، بلدي نيوز- درعا، تاريخ النشر 20-5-2016  http://baladi-news.com/ar/news/details/8453

* رصدنا فقط واقع المحافظات الثلاث المؤثرة في ملف الأمن الغذائي السوري (ريف دمشق، إدلب، درعا) على أن نتابع في دراسات أخرى باقي المحافظات تجنبا للإطالة.                                                                  

[31]  وزارة الزراعة في الحكومة السورية المؤقتة، مديرية إكثار البذار، www.gos-sy.org