التسليح في خدمة السياسة (سلاح الصواريخ “أرض – أرض” لدى النظام السوري نموذجا)

التسليح في خدمة السياسة (سلاح الصواريخ “أرض – أرض” لدى النظام السوري نموذجا)

مقدمة

 تعمل الدولة على زيادة فعالية قواتها المسلحة لمواجهة التحديات التي تعترضها  بهدف تأمين القدرة الكافية للدفاع عن البلاد ضد الأخطار المحتملة، وتعد منظومة صواريخ أرض – أرض، التي تطلق مِن على منصات اطلاق أرضية ضد أهداف أرضية أخرى لتدميرها، واحدة من القوات الاختصاصية التي يتم العمل على تطويرها.

وبما أن نظام الأسد عمل على حماية نظامه من الضغوط الخارجية من خلال تفعيل الدور الإقليمي  الذي رسمه لسوريا والاحتفاظ بدوره في الخريطة السياسية لهذه المنطقة ببقائه حاضرا في كل نزاعاتها، إضافة إلى أنه وجد في تحالفه المبكر مع إيران تلبية لطموحاته الاقليمية، بسبب الثقل الإيراني في معادلات الشرق الأوسط، لذلك بدأ الطرفان بالتفكير بتطوير القدرات العسكرية الصاروخية “أرض – أرض” منذ الحرب العراقية الإيرانية، وطلبت الإدارة  الإيرانية  آنذاك من نظام الأسد تزويده بتلك الصواريخ “سكود فروغ – سكود A” لاستخدامها ضد الجيش العراقي، وامتنع نظام الأسد عن تحقيق ذلك نظرا لأن تلك الصواريخ التي استلمها في العام 1973م كانت تحت تصرف القيادة العسكرية الروسية بما يخص  أوامر الإطلاق، وتدريب طواقم التدريب والصيانة، إلا أنه وجههم للتزود بها من النظام الليبي “معمر القذافي”؛ الأمر الذي انكشف لاحقا من خلال أرقام قطع الصواريخ المستخدمة التي بيعت لليبيا، عندها لجأت إيران إلى تعديل منظومة “هوك” الجوية التي تمتلكها برأس متفجر تصادمي[1] “رأس صواريخ أرض – أرض”.

كما جذب اهتمامهما  وتعززت لديهما فكرة ضرورة البدء بتطوير منظومة الأسلحة الصاروخية أرض – أرض عقب اعتماد الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين على الكثافة الصاروخية في العام 1991م، ورميه /39/ صاروخا على إسرائيل ، وما أحدثته من تأثير على سياسة الدول الغربية، والتهديد بها لاستخدامها في التوازنات الاقليمية، خاصة أن تأثير استخدامها ضد إسرائيل جعلها مهدداً أمنياً لإسرائيل حتى حصار العراق وتفكيك قوة التهديد الذي يمتلكها قبل اجتياحه في العام 2003م. 

وتعتمد إيران في إطار استراتيجيتها الإقليمية – الدولية لبسط النفوذ  على المنطقة بالتعاون مع النظام السوري وحلفائها الأخرين، وما أشارت إليه صحيفة (نيويورك تايمز) الأميركية الصادرة بتاريخ 3 كانون الثاني 2014م[2]،  أن حزب الله اللبناني بدأ في خضم الفوضى القائمة في سوريا، بنقل أنظمة صواريخ بعيدة المدى إلى لبنان من قواعد تخزينها في الأراضي السورية، بما في ذلك صواريخ “سكود – دي” بعيد المدى إلا دليلا على ذلك. ما دفع الولايات المتحدة الأمريكية بوضع رادارات في قاعدة التنف السورية لمراقبة وإطلاق صواريخ من مناطق انتشار قواعد إيرانية من غرب العراق ومدينة دير الزور.

تسلط هذه الورقة الضوء على البنية الإدارية والميدانية لمنظومة الصواريخ التي يمتلكها النظام، وأنواعها ومدياتها، وحجمها، والأهداف الاستراتيجية التي يسعى لتحقيقها من وراء امتلاكه لها وحرصه على تطويرها، إضافة إلى الدور الروسي في ضبطها واستخدامها، وتأتي أهميتها في أنها تكشف عن سعي النظام باستخدام كافة الأوراق في صياغة مكان خاص له وسط تسابق المصالح الغربية على النفوذ والمكاسب الجيوسياسية في المنطقة.

الفصل الأول: الهيكل التنظيمي “الميداني والإداري” لسلاح الصواريخ

مرَّ الجيش السوري بالعديد من المراحل والتطورات التي طرأت على هيكله  البنيوي والتنظيمي والعقدي والتسليحي، ومن الناحية التنظيمية يعرف جيش النظام السوري اليوم بأنه: يتألف من الهيئات كـ”هيئة الأركان العامة – هيئة الإمداد والتموين – هيئة التدريب”، والمؤسسات كـ”مؤسسة الأشغال العسكرية – مؤسسة الإسكان العسكري”، والإدارات كـ”إدارة الصواريخ الاستراتيجية – إدارة السجلات العسكرية – إدارة الإشارة”، وتمثل كل وحدة إدارية من الوحدات السابق ذكرها ما تمثله الوزارة في الدولة، فمثلا تقوم إدارة الإشارة بمهام وزارة الاتصالات فيما يتعلق بالمؤسسة العسكرية، وذلك بهدف إحكام النظام سيطرته عليها ليضمن حمايتها وولاءها.

مع مطلع الثورة السورية بداية العام 2011م انقسمت “إدارة المدفعية والصواريخ” التي كانت تتبع لهيئة التدريب إلى قسمين: الأول تحت مسمى “إدارة المدفعية”، والثاني تحت مسمى “إدارة الصواريخ الاستراتيجية” التي يقع على عاتقها تخطيط وتنفيذ كل ما يتعلق بسلاح الصواريخ أرض – أرض التي تشمل الصواريخ القصيرة المدى المستخدمة على نطاقٍ واسع في الحروب التقليدية ومن أشهرها صواريخ “غراد” و”الكاتيوشا”، ولا يتجاوز مداها عادة ثلاثين كيلومترا، وصولاً إلى الصواريخ البالستية بعيدة المدى ويصل مدى تلك الصواريخ التي يمتلكها النظام إلى 700 كم “SCUD–D”.

ربما يعود تخصيص هذا السلاح بوحدة إدارية خاصة بكل ما يتعلق به من إشراف وتطوير واستخدام لإحاطته بمزيد من السرية والكتمان، وخاصة فيما يتعلق بالطواقم المسؤولة عن تطويره ضمن مصانع البحوث السورية، وما يخزن من انتاج لحزب الله في مستودعات في سورية، حيث استخدمت ميليشيا حزب الله في حربها ضد إسرائيل  2006م  صواريخ غراد سوريّة مطورة بمدى مطول 35 كم[3]، و محشوة بكرات حديدة ضد الأفراد، ما نجم عنها خسائر بشرية كبيرة في محطة القطارات بحيفا. وجعل مستودعاتها في مأمن مهما كانت الظروف[4]، لدرجة أنه خلال الثورة لم يتعرض للضرر، و لم يتم الاستيلاء من قبل الثوار إلا على احدى المنصات لراجمة M-302 في ريف درعا لوجودها في هنغار اسمنتي و كانت بلا صواريخ، ولرغبة النظام السوري في تطوير هذه المنظومة، وتزويدها بتقنية تصنيع الوقود الصلب للصواريخ بهدف تقليل زمن جاهزية الصاروخ للإطلاق، ودمج الرؤوس الكيميائية بصواريخ أرض-أرض، و إنشاء قواعد صواريخ مسلحة بأسلحة كيميائية و بيولوجية بالتعاون مع الصين وإيران وكوريا الشمالية بعيدا عن الرقابة الدولية. ويعتبر الدكتور عزيز اسبر الذي اغتيل بتاريخ 6-8-2018م واحدا من الشخصيات المحاطة بهالة من السرية لمساهمته الفعالة في تطوير صناعة الصواريخ المتوسطة وبعيدة المدى، وشكل صلة الوصل بين الخبراء الإيرانيين والكوريين الشماليين[5].

يتبع لإدارة الصواريخ الاستراتيجية ثلاثة ألوية:

1 – اللواء /155/ وتقع قيادته في مدينة القطيفة في ريف دمشق، ويتألف من ثلاثة كتائب واحدة منها في مدينة تدمر، وله سرية في مدينة الرقة.

2 – اللواء /156/ يقع في بلدة حفير.

3 – اللواء /157/ يقع على طريق دمشق السويداء.

و نظرا للسرية المحاط بها هذا السلاح لم نتمكن من الحصول على الكتائب التابعة لكل لواء، حيث يتألف اللواء عادة من /3/كتائب، كما يتبع لهذه الألوية والكتائب التابعة لها منصات إطلاق ينتشر منها في بلدات”الناصرية والرحيبة والحرجلة والضمير في ريف دمشق”،كما تم تخصيص /5/ مناطق في الفوج/49/الواقع على طريق مصياف–القدموس كمنصات إطلاق.

الفصل الثاني أنواع صواريخ أرض – أرض وقدراتها “القدرات الصاروخية الحالية للنظام”

1 – الراجمة الروسية بي إم 21 يوجد 15 كتيبة “موزعة على الفرق العسكرية التي يتألف منها الجيش”،  وسرية عدد ٢  كل كتيبة تحتوي على 18 قاذف (راجمة سيارة)   21 إم بي قاذف 15.5″عدد الكتائب، والسرايا”  × 18 “عدد القواذف في الكتيبة الواحدة” = 280 حيث يستكمل الرمي بأحد القواذف لإكمال العدد المحدد الخاص بالوحدة النارية “عدد القواذف”

كل قاذف 40 سبطانة (السيارة الواحدة) 

40 ×280 = 11200 ألف صاروخ رشقة واحدة، إذا أعطيت بإيعاز نار من قائد سلاح المدفعية، المدى (35 كم).

2 – أوغورن “ Uragan يوجد كتيبتين 36 قاذف (سيارة)، كل قاذف 16 سبطانة صاروخ 36 × 16 = 576 “عدد القذائف في رشقة واحدة، ولم يستكمل الرمي كما في النوع السابق نظرا لعدم إدخاله في حساب التكتيك المعمول به في سورية، كونه حديث” 

3 – الراجمة 220M تطوير كوري 75 قاذف كل قاذف 12 سبطانة.

   75 × 12= 900 صاروخ للرشقة الواحدة، مدى الصاروخ 70 كم 

4 –  فاركون صاروخ روسي يوجد 36 قاذف، كل قاذف صاروخ واحد فقط، المدى 70 كم نوع قديم. 

5 – الراجمة سمريتش “ Smerch مداها 90 كم  يوجد منها كتيبة واحدة. 

18 قاذف كل قاذف 12 سبطانة.  18 ×12=144 صاروخ

6 – الراجمة 302 يوجد منها كتيبتين 36 قاذف، المدى 100 كم. 

لها نسختين، نسخة 3 صواريخ، ونسخة 6 ، و لا يمكن تقدير الإمكانية النارية لها لأنها تعتمد على مساحة الهدف. 

7 – توشكا روسي قديم 36 صاروخ،  المدى 120 كم. 

8 – ميسلون 45 صاروخ مداها 240 كم. 

9 – تشرين أو M600 مداها 300 كم 36 صاروخ. 

 10 – سكود بي “ Scud –B 300 كم يوجد 36 منصة إطلاق. 

11 – سكود دي 600 كم يوجد 36 منصة إطلاق. 

12 – سكود سي كوري 850 كم يوجد 36 منصة إطلاق. 

13 – فجر 5 يوجد منها كتيبتين 36 قاذف إيراني، المدى 70 كم 

القاذف 4 سبطانات   36 ×4 = 144 صاروخ

14 – فجر 3 الإيرانية يوجد منها كتيبتين 36 قاذف، كل قاذف 12 سبطانة، مدى الصاروخ 43كم.

 36 ×12 = 432 صاروخ . وتجدر الإشارة أن هذا النوع (فجر 5 – فجر 3) لم يتم إدخاله كسلاح في الوحدات العضوية لجيش النظام، إنما تم تسليمه للميليشيات الموالية للنظام  وتشكل عند استخدامها إغلاق كاملا.

15 – سريتين مستقلتين تتبعان مباشرة لإدارة الصواريخ الاستراتيجية عيار /185/؛ المدى /45/كم. تقع السرية الأولى بجانب بلدة كناكر “منطقة تل قصارى”، وفيها /6/ مدافع. وتقع الثانية على أطراف مدينة بانياس “بحرية”، وتستخدم نفس المدافع المذكورة في السرية الأولى، وتعمل بالتنسيق مع القوى البحرية.

كما لا بد من الإشارة إلى أن الهدف الفردي وفق النظام العسكري الشرقي “الروسي” تبلغ أبعاده 150 × 150م، بينما يعتمد الناتو على أبعاد الهدف الحقيقي، لذلك نرى استخدام النظام لهذا السلاح على الساحة السورية خلال سنوات الثورة الهدف منه تحقيق أكبر نسبة تدمير في البنى التحتية والأملاك التي تقع تحت سيطرة فصائل المعارضة، واستخدام ذلك كأداة للضغط عليها.

الفصل الثالث : الجدوى التكتيكية والاستراتيجية لمنظومة الصواريخ أرض – أرض لدى النظام.

يمكن الوقوف على الجدوى التكتيكية للصواريخ أرض – أرض، وخاصة قصيرة المدى إذا علمنا أن النظام السوري استخدمها في حربه خلال الثورة السورية، وطالت آثارها المدمرة المدن والبلدات السورية، حيث تعتبر تلك الصواريخ سلاحاً مرناً من حيث القدرة على نقلها وتمركزها وإطلاقها، لأن عملية تجهيز الصاروخ للإطلاق تحتاج إلى طاقم متخصّص محدود العدد، ويتم الإطلاق بعد توجيه الصاروخ وتحديد إحداثيات مكان إطلاق الصاروخ وإحداثيات الهدف بدقة متناهية، وهذا ما يفسّر تمكّن النظام من إطلاق هذه الصواريخ من أيّ نقطة عسكرية ولو كانت مجهزة بالحد الأدنى من المعدات والتجهيزات. كما تحتاج إلى خدمات ومرافق أقل بكثير مما يحتاجه سلاح الطيران مثلاً، وتُحمل معظم منصات إطلاق الصواريخ الحديثة على عرباتٍ مجهزة بكامل معدات وتجهيزات الإطلاق، وتحتاج إلى رافعة متوسطة للقيام بعملية إعادة التذخير، كما تحتاج غرفة قيادة وتحكّم تكون على شكل عربة مقطورة، وتزداد سهولةُ استخدام الصواريخ التي تستخدم الوقود الصلب عن مثيلاتها التي تستخدم الوقود السائل؛ “لأن الوقود السائل بحاجة لوقت طويل لتعبئته في الصاروخ وهو منصوب على قاذف الإطلاق ما يعرضه مع طاقم إطلاقه لخطر الكشف من الطيران والاستطلاع المعادي”. وتتلائم مع الحروب الكلاسيكية القديمة التي تتخذ من سياسية الأرض المحروقة, والتدمير العشوائي وسيلة لنشر الرعب الشعبي واسع النطاق، وهو ما اتبعه النظام السوري والميليشيات المساندة له[6]. كما تمتاز بالقدرة العالية على المناورة بالنيران والوسائل وتوزيع الرمايات وتركيزها على أهم الأهداف حسب الطلب.

ومن الناحية الاستراتيجية تحقق صواريخ أرض – أرض بعيدة المدى استراتيجية الردع والمحافظة على الاستقرار، وتقدم أدلة للعدو لا يمكنه تجاهلها، كونها تتعلق بتوفر القدرة القتالية التي تكفل معاقبته على أي محاولة من جانبه لإثارة الحرب لتحقيق مكسب معين من ورائها على حساب الدولة الرادعة، وجعل العدو كما يبين الجنرال الفرنسي “بوفر” يتصرف تحت واقع شعوره بوجود تهديد قوي ضده، وبالتالي فإن النتيجة المستهدفة تكون نفسية في الأساس “القدرة على الرد”، ويتعذر تحقيقها بغير الاتجاه إلى التهديد، وتوفر التصميم على الاستهداف بصورة قاطعة لا غموض فيها[7].

كما تتميز بصعوبة التعامل معها من جانب الخصم، بعد إطلاقها، نظراً لقصر زمن طيرانها وسرعتها الفائقة، وفداحة التدمير التي تحدثه مقارنة بانخفاض ثمنها؛  وامكانية الاحتفاظ بها في حالة استعداد كامل، مما يجعلها قادرة على رد الفعل السريع، وتعويض التفوق الجوي المعادي[8]، حيث يمكنها تحقيق المهام التي يصعب على القوة الجوية تحقيقها.

وتعتبر الكثافة النارية التي يُمكن إغراق القواعد العسكرية للعدو بها وعدم التمكن للتصدي إلا لجزء يسير منها واحدة من عوامل التهديد المباشر للعدو، حيث أشار تقرير استخباراتي اسرائيلي وجود /140/ ألف صاروخ لدى ميليشيا حزب الله، ووضع التقرير احتمال رمي /3000/ صاروخ، بإمكان اسرائيل إسقاط وإبطال ثلثها /1000/ صاروخ، بتكلفة مليار، وأن الحرب إن استمرت لمدة /30/ يوم ستكون بتكلفة /30/ مليار دولار عدا الدمار الناجم عن الصواريخ التي لم يتم ابطالها، ولذلك تتخوف إسرائيل من إيران والنظام السوري وميليشيا حزب الله، وتعمل على ابطال تأثير تلك الترسانة بالطرق العسكرية والسياسية والتخلص منها.

تُمكن معرفة أنواع الصواريخ بعيدة المدى التي يمتلكها النظام وحلفاؤه من معرفة مخططاتهم وأهدافهم على الصعيد الإقليمي، وتزويد الجيش بأسلحة الهدف منها خدمة سياساته في المنطقة والتهديد بها، فمثلا يمتلك النظام ضمن منظومة صواريخه الاستراتيجية صواريخ من الجيل الثالث لـ “R17M” وهي صواريخ قادرة على حمل رؤوس كيماوية بوزن /600/ كغ، ويصل مداها إلى نحو /700/كم، وقادرة على أن تصل أجزاء من تركيا وإيران والسعودية[9].

الفصل الرابع: ما وراء اهتمام روسيا بالإمساك بمنظومة الصواريخ لدى النظام، واستخدام النظام لهذا السلاح خلال الثورة

وجدت روسيا في الثورة السورية وما نجم عنها من اصطفافات إقليمية ودولية، من خلال الروسي ألكسندر دوغين “الأب الروحي لبوتين والمنظر الأول لضرورة كسر نظام العولمة عبر علوم الجيوبوليتيك”،  ومن خلفه مركز كاتخيون للدراسات، من أهم منظري إعادة هيكلة القرار السياسي العالمي؛ الفرصة مناسبة لذلك، وإعادة القرار العالمي  إلى مربع التوازنات الكبرى التي كانت سائدة قبل الهيمنة الأميركية عليه. حيث توصل من خلال دراساته النظرية إلى مجموعة من الاستنتاجات القابلة للتموضع سياسيًا في سياق مواجهة نظام العولمة، وعودة روسيا إلى موقع الريادة العالمي مرة أخرى، وعودة الصراع الأممي والعالمي من وجهة نظر جيوسياسية  وفق نقاط محددة تشكل نقاط ارتكازها تتمثل بـ:

  • إعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية والسياسية والعسكرية لتوسيع المحيط الحيوي لروسيا بحكم الواقع وإيجاد الصلة المباشرة بين تركيا وإيران لمحاولة وصل أوروبا بآسيا، وبدء عمليات فرض وجودها في سورية وإحراج الولايات المتحدة الأميركية في ذلك وتجنب الاحتكاك المباشر بها من جهة، والعمل على عقد اتفاقات بينهما كما في اتفاقات الكيماوي السوري أو قواعد فض الاشتباك وتحديد خطوط التماس البرية والجوية في سورية من جهة أخرى .
  • التوجه العسكري المباشر إلى احتلال موقع مهم على البحر المتوسط من خلال سورية في قاعدتي حميميم وطرطوس واتفاقات استثمارها لـ /49/ عام قابلة للتجديد، وربطه بالخط البري الواصل من موسكو إلى طرطوس عبر طهران وبغداد مرورًا بالبو كمال إلى الساحل ومحاولة إقفال الدائرة الجيوسياسية تلك في المحيط الأوراسي[10].

تنظر روسيا إلى تعزيز تواجدها العسكري في سورية من مقاربة أمريكية مفادها التخوف الأمريكي من المنافسة الاستراتيجية مع الصين في مياه المحيط الهادئ جنوب شرق آسيا، كون الصين تقوم بتطوير قدرات صاروخية تعتبرها واشنطن تهديداً لقواتها في المحيط الهادئ، ومن هنا و بناءاً على  التعاون الذي أبرمته روسيا مع إيران على الأرض السورية، قد تكون إيران مدفوعة من روسيا بسبب التحالف بينهما “روسيا – إيران” في سورية عند استهدافها بالصواريخ أو المسيرات لمنشآت سعودية “حلفاء واشنطن” في رسالة من روسيا لإمكانية تبادل المصالح ضمن المجال الحيوي الأمريكي قبل الوصول إلى سياسة حافة الهاوية[11]، وما دلل على ذلك زيارة الرئيس الروسي للمملكة العربية السعودية “حليفة واشنطن” في 14 تشرين الأول 2019م، التي تدل على إمكانية التأثير الروسي على إيران، وقدرتها على تحقيق الأمن والاستقرار.

وبناء على ما سبق، بالإضافة إلى امتلاك روسيا زمام السيطرة التامة على سلاح الصواريخ الاستراتيجية بشكل خاص من حيث “الموافقة على الاستخدام وتدريب الطواقم الخاصة به وتطويره”، وعلى كافة صنوف القوات الأخرى بشكل عام، فإن روسيا ترى في سورية مخفرا متقدما لها في سبيل تحقيق مد نفوذها، دون التردد من قبلها في المسير بطريق يؤدي إلى ممارسة ضغوط وتهديدات عسكرية جديدة على الدول المجاورة لمخفرها المتقدم إذا عارضت سياستها الهادفة إلى تعزيز نفوذها، حيث توجد قواعد عسكرية أمريكية، وربما يمثل الانفتاح العسكري من قبل نظام الأسد مع كل من روسيا وكوريا الشمالية وإيران والتشارك مع تلك الدول في تطوير برامج صاروخية هو للانعتاق بعض الشيء من القبضة والرقابة الروسية على استخدام السلاح بما يتناسب مع نفوذ النظام وسياساته الاقليمية، وخاصة تعاونه منذ استلام بشار الأسد السلطة في سورية مع إيران التي بات مشروعها مكشوفا.

واستخدم نظام الأسد خلال الثورة السورية صواريخ أرض – أرض بنوعيها التكتيكي والبالستي، حيث استهدف في العام 2013م مدينة حلب بصاروخ سكود تسبب وقتها بمجازر كبيرة وتدمير أحياء بكاملها فوق رؤوس ساكنيها، كما أسفر عن زيادة موجات التهجير من مدينة حلب وريفها. كما استخدم الصواريخ القصيرة من مركز البحوث العلمية الواقع في مصياف باتجاه الريف الحموي وكان بعضها بهدف تجريب واختبار الصاروخ، ومتوسطة المدى من طراز “إم 600” وهي الأكثر استخداماً من قِبل قوات النظام، ويبلغ مدى هذا الطراز نحو 200 كيلومتر، واستخدمت بشكل كبير خلال تحرير مدينة إدلب، وعند سيطرة النظام على مدينة حلب.

خاتمة

اعتبر فقهاء علم السياسة أن ميزان قوة الدول تُبنى بالدرجة الأولى على قدرة سياسة الدولة على التأثير. بالإضافة إلى حنكة و قدرة الأشخاص القادرون على الإمساك بدفة الحكم، وفي عصر الدولة القومية  أصبحت كل مقاليد الحكم تحت إشراف السلطة السياسية،  حتى أصبحت القرارات العسكرية لا تتخذ من قبل القيادة العسكرية إنما تتخذ من قبل سلطة سياسية، و إعلان السلم و الحرب و الاتفاقات و الهدن و تسليح الجيش جميعها تشرف عليها السلطة السياسة، وتصدر منها القرارات، وبالتالي أصبحت الدول تعتمد على تعزيز قدراتها العسكرية على اختلاف تخصصاتها، لأن قوة الدولة تعتمد بشكل أو بآخر على مدى تطور القوة العسكرية، وتعتبر القوة العسكرية أداة من أدوات تحقيق السياسة الخارجية، وبالعودة لمنظومة صواريخ أرض – أرض التابعة لجيش النظام يمكن القول أنها تتميز بجانبين؛ الأول يتمثل بتطوير تلك المنظومة لتحقيق الردع ضد الأخطار الخارجية المحتملة، والثاني يتمثل بأنها جزء من الآلة العسكرية التي بناها نظام الأسد لحماية السلطة السياسية التي أدت بالنهاية إلى قمع انتفاضة شعبية طالبت بإصلاحات سياسية وإرساء الحريات في البلاد. 

[1] هو الرأس الذي ينفجر عن طريق الملامسة لأي جسم يعترضه.

[2] الأنباء – حزب الله ينقل صواريخ بعيدة المدى من سورية إلى لبنان.

[3] صفحة على الفيسبوك بعنوان الموسوعة العسكرية السورية  – موضوع بعنوان – القدرة الصاروخية السورية.

[4] Sputniknews – جنرال سوري لـسبوتنيك“: مخزون الصواريخ الاستراتيجية يغطي كامل الكيان الإسرائيلي

[5]  العربي الجديد – اغتيال كاتم أسرار صواريخ الأسد: من هو عزيز إسبر؟

[6] العربي الجديد – أنس الكردي – صواريخأرضأرض“… أبرز أسلحة النظام السوري لضرب المعارضة

[7] مجلة الفكر العسكري – العدد الثاني – نيسان2012م

[8] مركز الدراسات العربية والتطوير بباريس – الصواريخ البالستية أرضأرض التكتيكية

[9] سكاي نيوز عربية – سوريا تمتلك ترسانة صواريخ ضخمة.

[10] مركز حرمون للدراسات – جمال الشوفي جيوبوليتيكاالدوائر المتقاطعة، سورية في عالم متغول

[11] سياسة يُقصد بها تحقيق مكاسب معيّنة عن طريق تصعيد أزمة ما، ودفعها إلى حافة المواجهة، مع إيهام الخصم  برفض التنازل أو الرضوخ.

Leave a comment