المظاهرات في الشمال البواعث والمآلات

المظاهرات في الشمال البواعث والمآلات

ما كاد القصف الروسي للمناطق المحررة يهدأ قليلاً حتى بدأ الشارع في الشمال السوري ينتفض بمظاهرات عمت المناطق، لكن هذه المرة كانت المظاهرات تنادي بإسقاط النظام وإسقاط هيئة تحرير الشام ممثلة برأسها (أبي محمد الجولاني) في سابقة هي الأولى من نوعها.

وإن كان البعض قد استغرب من هذا الحراك فإن الأغرب هو تأخر هذا الحراك إلى هذا اليوم بعد أن تهيأت الأسباب الموضوعية والدواعي الاجتماعية لانفجار الشارع في الشمال المحرر.

فما هي البواعث الحقيقية لحالة الانفجار التي وقعت في الشارع؟

1- هل هي منطلقة من جذور أيديولوجية كما تروج لها المنصات الإعلامية الرديفة لهيئة تحرير الشام؟

2-أم أن هناك أسباب موضوعية من تصرفات وسياسات اتبعتها تحرير الشام خلقت حالة من الاحتقان الذي كان مؤجل الانفجار بسبب حالة الحرب التي كانت تغطي على المشهد وتؤجل كل حديث عن نقد ومحاسبة تحرير الشام؟

 بإلقاء نظرة على طبيعة المتظاهرين الذين ينتمون في معظمهم للشريحة المعارضة للنظام السوري وهم من أهالي المقاتلين الذين لم يبرحوا الجبهات ضده يدرك سقوط فرضية أنهم عملاء للنظام.

وباستصحابنا لمسلمة أخرى وهي أن المليون نازح الذين تحركوا إلى الشمال ولم ينزح ولو واحد منهم باتجاه النظام.

وبمراجعة بسيطة لتاريخ تحرير الشام في وصفها لمخالفيها من الفصائل بالمرتدين والمنافقين والمتآمرين يدرك أن السياسة التي تتبعها المنصات الإعلامية المدافعة عن هيئة تحرير الشام تسعى إلى تحقيق اتهام سياسي يحاول توظيف البعد الإيديولوجي والاستثمار في مسألة التكفير والوصم بالنفاق من أجل تحويل الخلاف السياسي إلى مسألة عقدية دينية بحيث يكون موقف تحرير الشام ومن يدافع عنها هو في فسطاط الدين والإسلام، ومن ينقدها ويطالب بتفكيكها واسقاطها هو خارج دائرة الإسلام.

لكن بنظرة سريعة على الأحوال المعيشية والأداء العسكري وسياسة حكومة الإنقاذ مع الشعب السوري في الشمال يستطيع المرء تلمس الأسباب الموضوعية للمظاهرات التي تحرك بها الشارع.

1-فمن الأسباب السياسية أن تحرير الشام رغم ارتفاع صوتها في تخوين المشاركين في مؤتمر استانا، كانت هي الجهة العسكرية التي طبقت مخرجات أستانا على الأرض عبر إدخال نقاط المراقبة التركية، وتسببت بتسليم مناطق شاسعة في ريف حلب الجنوبي وريف حماة الشمالي للنظام السوري بعد أن قامت بضرب الفصائل المرابطة في هاتين المنطقتين إضافة لإبرام تحرير الشام لاتفاق المدن الأربعة الذي تم من خلاله تهجير أهل كفريا والفوعة بدون أي فائدة تذكر لمصلحة الثورة السورية.

2-ومن الأسباب العسكرية أن تحرير الشام كانت تبرر بغيها وقتالها للفصائل بأنهم يريدون أن يسلموا المناطق للنظام، وأنها إنّما تفكك الفصائل من أجل المحافظة على المناطق المحررة، لكن مع بدء المعارك الأخيرة ثبت ضعف الأداء العسكري لتحرير الشام التي لم تزج بكامل قوتها وإمكانياتها العسكرية في المعركة خصوصاً أنّها استولت على ترسانة من الأسلحة التي سلبتها من الفصائل لدرجة أنّه تم استدعاء فصائل الجيش الوطني ممن حاربتهم سابقا تحرير الشام للدفاع عن المناطق التي تحكمها تحرير الشام من خلال حكومة الإنقاذ.

3- ومن الأسباب الاقتصادية هو أنّ تحرير الشام  تمتلك دخلاً  شهرياً لا يقل عن  9مليون دولار وفق تقديرات بعض المراقبين،  وتتحكم بالمعابر التجارية وعملية الاتجار بالتهريب ،  ولا تزال حكومة الانقاذ التابعة لتحرير الشام  تفرض الضرائب والاتاوات على أقوات الناس وتحاصر الشعب برزقه ومصادر عيشه، ففي الوقت الذي يتيه فيه مليون نازح باتوا في العراء وينامون تحت أشجار الزيتون كانت حكومة الإنقاذ التابعة لتحرير الشام تطالب الناس بدفع زكاة الزيتون، وفي الوقت الذي تسيطر فيه على كافة موارد المنطقة لم  تنشط بمساعدات إنسانية للنازحين ولم تمول غرفة العمليات التي تشكلت من كافة الفصائل لصد هجوم النظام السوري، كل هذه التصرفات سببت حالة من الاحتقان والغليان الشعبي الذي نراه يترجم بمظاهرات متصاعدة ضد تحرير الشام و التي شهدتها المدن والبلدات في الشمال  .

4- الأسباب الأمنية  فلا تزال المنطقة، ورغم أن الملف الأمني تحتكره تحرير الشام،  تشهد حالة من الفلتان الأمني وعملية السلب والنهب والخطف وطلب الفديات، هذا  بالإضافة  للتجاوزات الأمنية لعناصر تحرير الشام التي مارست حالات من القتل تحت التعذيب و اعتقلت بعض الذين توجهوا بنقدها عبر وسائل التواصل الاجتماعي حتى لو كان من التابعين لها أو الموالين كما حصل في قضية الدكتورة علا الشريف، وقد جاء  في تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان إن “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً) مسؤولة عن إخفاء 2000 سوري قسراً، مشيرة إلى مسؤولية “الهيئة” عن مقتل الناشط “سامر السلوم” من مدينة كفرنبل تحت التعذيب.

مآلات الحراك السلمي في الشمال السوري:

1- محاولة الاختراق والتوظيف من قبل هيئة تحرير الشام من خلال بث عملاء لها داخل صفوف الحراك،  وقد أشارت  بعض المعلومات أن حكومة الإنقاذ أخطرت المجالس المحلية المعينة من قبلها بضرورة خروج مظاهرات مؤيدة للمجاهدين (تحرير الشام) كما قامت الهيئة بإنزال جنودها بلباس مدني إلى الشوارع رافعين راية تحرير الشام لعكس صورة تقول أن الهيئة لازالت تملك قوة كبيرة في الشارع، وأن الأصوات المطالبة بإسقاطها تخدم أجندة النظام، كل ذلك أدى لتوسع دائرة الاحتجاج كرد فعل على قمع تحرير الشام والدعاية التحريضية التي تحاول من خلالها شيطنة المتظاهرين ووصفهم بالخونة والضفادع والعملاء، خصوصاً أن الهيئة لازالت تتعامل مع الشارع المنتفض وفق فلسفة النظام السوري (باعتبار أن المظاهرات تحركها أياد خارجية، وأنّهم شرذمة قليلة ولا تعبر عن الشارع بأكمله).

2- تحوّل حركة الاحتجاج السلمية إلى حركة احتجاج عنيف، وهذا متوقف على كمية العنف والاعتقالات التي من الممكن أن تستعملها تحرير الشام في مواجهة المحتجين وقمع المتظاهرين.

3-الاتجاه إلى تصدير المشكلة خصوصاً بعد أن تسربت معلومات عن نية تحرير الشام ومعهم حراس الدين وأنصار التوحيد بهجوم على منطقة “أبو ضهور” بناء على أخبار كاذبة تفيد بأن النظام يحشد في هذه المنطقة، وربما تميل نتائج هذا العمل العسكري بالبداية لصالح الجولاني، ثم يقوم النظام فيما بعد بهجوم معاكس يصل به الأوتوستراد الدولي وسراقب وبذلك يكون قد نقل اهتمام الشارع مجريات معركة ساخنة بدلاً من الحديث عن تفكيك تحرير الشام.

لا يمكن التنبؤ الدقيق بمآلات الحراك الشعبي في المناطق المحررة أمام تعقيدات المشهد السياسي والاجتماعي وامتلاك تحرير الشام قاعدة مجتمعية من المنتمين لها يمكن أن تزج بهم في حراك معاكس ما يخلق حالة من الاستقطاب في الشارع، أو سلوك تحرير الشام سياسة استيعاب الشارع  لتوجيه المظاهرات بحيث تبقى في حدود شعارات إسقاط النظام، لكن رغم ذلك فإنّ حالة الفقر والتهجير وتسلط حكومة الإنقاذ على موارد المنطقة الإنسانية والتسلط الأمني وفرض الضرائب  منذرة بتجدد انفجار الشارع لأسباب تتعلق بالمعيشة والوضع الاقتصادي أيضا.

Leave a comment