النتاج الفكري 06-07-2017

النتاج الفكري 06-07-2017

تقرير يومي يتابع أهم الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث المحلية والعالمية بما يخص المشهد السوري الداخلي مع التوقف على البعدين الإقليمي والدولي وانعكاس ذلك على صناع القرار، كما يعرض مضمون هذه الدراسات بطريقة موجزة ومقتضبة بما يوفر الجهد والوقت على المهتمين والباحثين.

مركز حرمون

العلاقات بين ضفتي الأطلسي (امتحان الحاجة وتغيّر الاستراتيجيات)

 

مقدّمة

  • أُسست العلاقة الأوروبية – الأميركية في نهاية الحرب العالمية الثانية على معطيين مهمين وواضحين، أولهما تختصره حاجة أوروبا التي دمرتها الحرب إلى الحماية الأميركية ومظلتها النووية، وثانيهما طموح أميركي بدور عالمي مُهيمن، مع استعداد لتحمّل تكاليفه وتبعاته، المعطيان كلاهما يتكاتفان في مواجهة الخطر الوجودي الذي كان يمثله الاتحاد السوفياتي آنذاك، إذ اجتاحت جيوشه وهي تُطارد فلول الجيوش النازية أوروبا الشرقية وأغلب دول البلقان، وبسط هيمنته الكاملة عليها، وفرض نفسه لاعبًا رئيسًا وفاعلًا في الساحة والسياسة الدوليتين.

حلف شمالي الأطلسي (الناتو)، درّة التحالف الأوروبي – الأميركي

  • أنهكت الحربان الكونيتان القارة الأوروبية وانكشف أمنها، وأصبحت بحاجة ماسّة إلى الحماية، وأفل نجم إمبراطوريتيها الاستعماريتين الكبيرتين، بريطانيا وفرنسا، وهُزمت ألمانيا في الحربين كلتيهما. ترافق ذلك أيضًا مع عولمة مبادئ ولسن وانطلاق مرحلة نزع الاستعمار. في هذه الأثناء، كانت أميركا التي تتحفّز لدور عالمي تسوّغه إمكاناتها، ترى أن منافسها على الهيمنة والنفوذ لم يعد أوروبا، بل أضحى الاتحاد السوفياتي الصاعد، الذي يتطلع إلى دور عالمي وعينه على أوروبا وساحتها الأوراسية، حلم روسيا القيصرية القديم، لذلك تقدمت أميركا باكرًا نحو أوروبا بالدعم وبمشروعات التعاون الدفاعي التي كان حلف الناتو ذروتها. فحلف الناتو تألّف ليكون أداة ردع وهيمنة، وقد أراده الأوروبيون أداة ردع في وجه المطامع السوفياتية، في حين أراده الأميركيون أداة هيمنة وبسط للنفوذ. لقد أدى الحلف دوره بفاعلية في مدى العقود الستة الماضية وما زال، وعندما انهار حلف وارسو بعيد انهيار الاتحاد السوفياتي، لم تلق تجاوبًا تلك الأصوات التي ارتفعت في الغرب وطالبت بحله لانتفاء مسوّغ استمراره، وخفتت بسرعة، لا بل بعكس ذلك، سعى الحلف -وما زال- لضم مزيد من دول أوروبا الشرقية التي تحررت من الهيمنة السوفياتية سابقًا والروسية لاحقًا، وهو ماض في زحفه البطيء والراسخ نحو الحدود الروسية، الأمر الذي يمثّل هاجسًا حقيقيًا للروس، ويدفعهم إلى حروب استباقية كاحتلالهم القرم وشرق أوكرانيا، أو إشاعة أجواء الحرب كما في دول البلطيق.
  • تتركز إحدى نقطتي الخلاف البارزتين ما بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين في عهد الإدارة الجديدة على إيفاء أعضاء الحلف بالتزاماتهم المالية المقررة في ميثاق الحلف وقدرها 2 في المئة من الناتج المحلي لكل دولة عضو، ويصرح ترامب دائمًا بأنه لم يعد هناك ركوب مجاني في قطار الحماية الأطلسية. ويبدو أن المشكلة هنا لدى بعض الدول الأوروبية الرئيسة، كألمانيا وبريطانيا وفرنسا وهولندا، ليس في القدرة على الإيفاء بالتزاماتها، لا سيما أن ألمانيا على سبيل التوضيح تسدد 1.7 في المئة من هذا الالتزام، ولن تعوزها القدرة لتسديد 0.3 في المئة المتبقية، ما يعني أن للمشكلة مداخل وأبعادًا أخرى، يحاول الأوروبيون التملّص منها، ولعلّ في طليعتها أن أغلب الشركاء في الحلف، خصوصًا دول أوروبا الشرقية التي انضمّت لاحقًا، غير قادرة على الإيفاء بتلك الالتزامات، وسوف تضطر الدول الغنية في الاتحاد، كألمانيا وفرنسا، إلى تحمّل ما يترتب على تلك الدول؛ كذلك، وربما الأهم أنه على الرغم من التقنيات المتقدّمة التي تمتلكها بعض الدول الأوروبية في مجال الصناعات العسكرية، إلا أنها لا تُلبي معايير الحلف التسليحية، ومن ثَمَّ، ستذهب هذه الأموال تلقائيًا لمصلحة الشركات الأميركية المُصنّعة للسلاح، وتُحرم منها الشركات الأوروبية.

الاتحاد الأوروبي ركيزة البنيان الأوروبي الحديث

  • يظن القادة الأوروبيون في سريرتهم أن الأميركيين يُعرقلون من طرف خفيّ مسيرة الاتحاد، ويخلقون له الصعوبات والعقبات، لأنهم يريدون أن تبقى أوروبا رهينة حاجتها إليهم، ويأخذون عليها ردّة فعلها الباهتة عندما احتلت روسيا القرم وأشعلت الحرب في شرق أوكرانيا عام 2014. ويظن الأوروبيون أيضًا أن روسيا البوتينية تتدخل في شؤونهم، وتمد يد العون المادي، خصوصًا في مجال المعلومات والدعاية، للمناوئين للاتحاد ولليمين الشعبوي المتطرف؛ وهي متهمة بالتدخل في الانتخابات في كل من أميركا وفرنسا وألمانيا، وبزرع حلفاء يمينيين في هنغاريا، وبمغازلة تركيا وإيطاليا، عداك عن تدخلها في دول البلطيق وغزوها أوكرانيا. وسيكون الروس أكثر سعادة لو انفرط عقد التحالف الأوروبي – الأميركي، وغرق الاتحاد الأوروبي في مزيد من المشكلات والانقسامات. لكن كيف سيواجه الأوروبيون استحقاقات المرحلة؟
  • يبدو أن الأوروبيين، يُدركون حجم التحديات التي تواجههم، ولديهم الإرادة لمواجهتها والاستعداد للمضيّ في مشروعهم اعتمادًا على قدراتهم الذاتية إذا اقتضى الأمر وتطورت الأزمة مع الحليف الأميركي. ولقد واجهوا على هذه الأرضية صدمة خروج بريطانيا من الاتحاد بطريقة حازمة، وطالبوها بسرعة البدء بمفاوضات الانسحاب وفقًا للمادة 51 من ميثاق الاتحاد، وبيّنت نتائج الانتخابات التي شهدتها بريطانيا هذا الشهر تراجعًا كبيرًا في شعبية رئيسة الوزراء، تيريزا ماي، التي خسرت الأغلبية في البرلمان، واضطرت إلى تأليف حكومة ائتلافية، وكأن البريطانيين قد عاقبوها على ذلك الخروج.

عصا ترامب في اجتماعي الأطلسي ومجموعة السبع

  • مصدر القلق الأوروبي لا ينبع من تصرفات ترامب ونهجه الجديد حيال علاقة أميركا بحلفائها فحسب، بل من إحساسهم بأن مؤسسات الدولة العميقة والكونغرس لا تعارض ترامب في هذا النهج، ولم يبدِ الجمهوريون سوى قليل من القلق تجاه تصرفاته، فقد صرح السيناتور بوب كوكر، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، في تعقيبه على جولة ترامب في الشرق الأوسط وأوروبا بقوله: «إنها كانت إعدامًا إلى حدّ الكمال». جانب آخر من القلق الأوروبي، يأتي من التناقض الذي ظهر في زيارة ترامب إلى الرياض وما أسفرت عنه من نتائج، فهو حين يهدد تهديدًا ضمنيًا بفكّ عرى التحالف مع الأوروبيين، يُنعش تحالفات تقليدية في منطقة الخليج كثيرًا ما شكا الخليجيون من برودتها، فهل هو المال الذي بذلته السعودية بسخاء في مجالي التسليح والاستثمار؟ أم أن هناك رسائل أميركية لم يُفصح عنها بعد؟ ثمة احتمالان لتفسير المواقف الأميركية تجاه الأوروبيين، يُرجّح في أولهما أن تزداد الضغوط الأميركية على الأوروبيين بغية إرغامهم على التنازل عن نفوذهم أو بعضه في الشرق الأوسط، الذي يتحضر لنوع من (يالطا) جديدة للخروج بالمنطقة من حالة الاضطراب الشديد الذي تعيشه، وثانيهما يتلخص بسعي أميركي لشدّ لحمة البيت الأطلسي واصطفاف أوروبي أكثر فاعلية خلف الاستراتيجيات الأميركية، وفي القلب منها حروب الهيمنة والنفوذ، التي لا يستبعد نشوبها في أكثر من منطقة من العالم في مواجهة القوى الصاعدة.

الخلافات الأوروبية- الأميركية وانعكاساتها في ثورات الربيع العربي

  • ثورات الربيع العربي التي خرجت من أجل الحرية والكرامة في مواجهة أنظمة مستبدة وفاسدة، لم يخطر لها أن الغرب سيواجهها بهذه السلبية، ولا أن يردّ السفير الأميركي روبرت فورد الورود التي لاقاه بها مئات ألوف المتظاهرين السلميين في حماة. وبدا أن جوهر مواقف الغرب تجاه هذه الثورات العفوية، يقوم على عرقلتها وتحجيم طموحاتها وتأخيرها، حتى يمكن التحكم فيها وخلق البدائل التي تخدم مصالحه. فقد شجعت الحكومات الغربية ودعمت من طرف خفي قوى الثورة المضادة، وشتتت قوى الثورة من خلال تعدّد مصادر الدعم وتقنينه، وتعامت عن جرائم حرب ارتكبتها الأنظمة بحق شعوبها من قتل وتدمير وتهجير.
  • لا شكّ في أن الغرب قوة مُقررة في المنطقة والعالم، ويمكن أن يؤدي دورًا في إعادة الاستقرار، وليس من مصلحة أي ثورة أن تخوض صراعات كثيرة في الوقت نفسه في أكثر من جبهة، داخلية وخارجية، وبات لزامًا على قوى الثورة أن تراجع تجربتها وأداءها الذي لم يكن في مستوى الحدث، وإلا فإنها لن تستطيع أن تؤدي الدور المفيد وتتعرف إلى هوامش الحركة في السياسات الدولية. وبكل أسف فإن التجربة الماضية على الرغم من ضخامة التضحيات لم تكن مُشجعة.
  • من الواضح أن الوضع السوري أضحى عبئًا ثقيلًا على العالم، وهذا يدفع المجتمع الدولي إلى التحرك للبحث عن حلول له، وتوجهات الإدارة الأميركية الجديدة، التي يزداد حضورها العسكري المباشر في سورية يومًا بعد يوم، إذا استطاعت أن تُخرج إيران من المعادلة السورية، أو تحدّ من نفوذها، فإن ذلك يصبّ في مصلحة الثورة، ثم إن المواقف الفرنسية سابقًا -وربما بعد فوز ماكرون- هي الأقرب إلى تطلّعات السوريين وتفهّمها، على الرغم من تصريحات الرئيس الفرنسي الجديد التي تُشير إلى مدى ضعف المعارضة السورية وعجزها عن أن تكون بديلًا شرعيًا من النظام. لكن، مع هذا وذاك، فإن الشعب السوري، وبعد أن تصمت المدافع، لا بدّ أنه سيكون على موعد مع ثورة أخرى يتابع بها أهداف ثورته ويلملم أطرافه الممزقة.

الخاتمة

على العموم، تنطوي التحالفات بين الدول على قدر كبير من الثبات والاستمرارية، لأنها تقوم على تعاقدات ومواثيق، ويترتّب على أطرافها التزامات وتكاليف وضبطًا للاستراتيجيات وللعلاقات مع الآخرين، وتنجم عنها مصالح وحاجات مشتركة، ولا يوجد هناك من يُراهن على انفراط عقد الأطلسي بهذه السهولة، فالتحالف بين ضفتيّ الأطلسي راسخ، والترابط الأمني بينهما وثيق، ويُمثّل واحدة من الثوابت على خرائط القوة والصراع في عالم اليوم. قد تمر العلاقة بأوقات صعبة وتترك ندوبًا. هذا وارد. لكن السير في الاتجاه الآخر لم تنضج شروطه ودوافعه، وربما أن المثال التركي يُعطي دليلًا في هذا المقام، فالعلاقة مضطربة بين تركيا وشركائها الغربيين في الحلف منذ أربع سنوات، ومع ذلك ما زالت العلاقة مستمرة، ولم يُبدِ أي من طرفيها الجديّة في إنهائها. وقد سبق للرئيس الفرنسي، شارل ديغول، أن خرج بفرنسا من الجناح العسكري للحلف عام 1955، كي تتمكن من بناء ترسانتها النووية الخاصة بها، لكنها عادت بعد أكثر من عقدين.

الرابط الأصلي:

http://harmoon.org/archives/5545

Leave a comment