النتاج الفكري 06-10-2017

النتاج الفكري 06-10-2017

تقرير يومي يتابع أهم الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث المحلية والعالمية بما يخص المشهد السوري الداخلي مع التوقف على البعدين الإقليمي والدولي وانعكاس ذلك على صناع القرار، كما يعرض مضمون هذه الدراسات بطريقة موجزة ومقتضبة بما يوفر الجهد والوقت على المهتمين والباحثين.

مركز حرمون

لوحة الصراع في سورية بعد الجولة السادسة لمفاوضات أستانا

مقدمة

  • انتهت الجولة السادسة من مسيرة أستانا ونظرة إلى البيان الختامي الذي صدر عن هذه الجولة تُشير بوضوح إلى العمومية ذاتها التي أدار بها الروس اجتماعات أستانا السابقة ومخرجاتها، والتي تتلخص بالإعلان عن إنجاز ما، وترك كل التفاصيل والمطالبات التي تهم الأطراف المعنية، خاصة فصائل المعارضة، برسم المستقبل والتجربة الواقعية؛ ومن ذلك تجاوز مسألة إطلاق سراح المعتقلين، وتركها لمساع شخصية وعد رئيس الوفد الروسي بالقيام بها لاحقًا. ولعلّ ما كان لافتًا إلى حدِ كبير، ما تضمنه البند الثالث الذي نصَّ على أن “هذا الاتفاق موقّت ومدته من حيث المبدأ ستة أشهر قابلة للتمديد بتوافق الأطراف الضامنة الثلاثة”؛ فهو، عدا عن التجاهل الفظّ لطرفي التفاوض، النظام والمعارضة، يُثير التساؤل حول الحالة المقصودة بالمفردة “موقّت” فيما إذا كانت تخصّ فكرة تخفيف التصعيد في إدلب، وهذا يحوِّل الاتفاق إلى مجرد استراحة محارب، وبعدها يعود الصراع للاحتدام، أم أنها تخصّ توافق الأطراف الضامنة الثلاثة، ما يدلل على هشاشة التوافقات بين هذه الأطراف، التي يريد كل منها ترك الباب خلفه مفتوحًا للتملص من نتائجها واستحقاقاتها.

أولًا: حول ما بقي في جعبة الروس

  • كانت من أهم الدوافع الروسية للتدخل عسكريًا في صراع على هذه الدرجة من التدويل والتعقيد، ومن دون غطاء أممي، التطورات في أوكرانيا والعقوبات الغربية القاصمة للاقتصاد الروسي، ومحاولتهم استخدام سورية ورقة مساومة مع الغرب على كلّ الملفات العالقة معه-وهي كثيرة-، مساومة لا يبدو أنها واردة في الأفق المنظور. وتأمل روسيا في أن تتطابق حسابات الحقل مع حسابات البيدر في هذه المغامرة التي تتحول يومًا بعد آخر إلى مأزق ربما يكلف الروس كثيرًا.
  • منذ أن تدخل الروس عسكريًا في سورية قبل عامين تمامًا، كانوا على قناعة، على ما يبدو، بأن القوة العسكرية المتوحشة التي هم على استعداد لاستخدامها، وجرى استخدامها فعلًا، لن تكون كافية لتحقيق أهدافهم أو بعضها، ولا لقبول الآخرين، محليًّا ودوليًّا، بنتائجها، لذلك يحاولون تحصين وجودهم العسكري بنشاطٍ غير عسكري يأتي في مقدّمه النشاط السياسي، كما حرصت على ألا تتوتر علاقتها مع الدول الإقليمية المتدخلة خاصة دول الخليج، ما خلا التوتر مع تركيا في إثر إسقاط سلاح الجو التركي طائرة روسية، سمحت الاستدارة التركية بتجاوزه بسهولة لم تكن متوقعة.

إن محاولة تتبع السياسة الروسية في سورية تشير إلى مجموعة من المرتكزات التي اعتمدت في سياق التدخل الروسي وهي:

1_على المستوى العسكري

  • منذ بداية التدخل، اتُّخذ مطار حميميم قاعدة أساسية لإدارة النشاط الروسي في سورية بكل أنواعه، وجرى توسيع المطار وتهيئته لاستقبال أحدث طائرات الترسانة الجوية الروسية، ومع تعمق التدخل، وبغية استيعاب عدد أكبر من الطائرات، جرى تمدّد الروس إلى مطار حماه ثم مطار الشعيرات ومطار الضمير، وإبّان قصف حلب استُدعيت حاملة الطائرات الوحيدة التي تملكها روسيا للمشاركة وتدعيم الجهد العسكري، هذا عدا عن عديد البوارج والسفن الحربية الروسية المرابطة في المتوسط لقصف المدن السورية بصواريخها المجنحة، كذلك جرى تعميق وتوسيع القاعدة البحرية في طرطوس التي استُكملت اتفاقات تأجيرها لمدة تسعة وأربعين عامًا.

2_ مسار أستانا

  • ما تفتّقت عنه الإدارة الروسية لصراعها في سورية هو خطة تخفيف التصعيد التي لا تندرج تحت مفهوم وقف إطلاق النار ولا تحت مفهوم الهِدن، وما يمكن أن يُفهم منه هو نوع من تبريد الصراع، خاصة أن المناطق الأربع التي أُخضعت لهذا المفهوم هي مناطق وجود المعارضة التي عجز النظام عن السيطرة عليها حتى الآن. لقد بُدئ العمل باتفاق المدن الأربع ثم اتفاق الجنوب وبعده الغوطة وريف حمص الشمالي، وأخيرًا، في الجلسة السادسة، أصبحت إدلب وبعض مناطق محافظات حلب وحماه واللاذقية هي المنطقة الرابعة، ويجري الحديث عن ضم عفرين إلى هذه المنطقة. هذه المناطق، على الرغم من أن بيان الفصائل التي شاركت في أستانا 6 نصّ على أنها “شهدت انخفاضًا في مستوى العنف بما يقارب الـ 90% عما كان عليه قبل أستانا 4″، إلا أن التجربة الواقعية تُكذب هذا البيان باستثناء اتفاق الجنوب، الذي صمد فيه وقف إطلاق النار إلى حدٍ بعيد، ربما لأن الولايات المتحدة والأردن وإسرائيل أطراف فيه، ومع ذلك خرق النظام هذا الاتفاق في الأيام الأخيرة بصورة واسعة ربما للضغط على فصائل الجنوب لتسليمه معبر نصيب الحدودي، ولا تُستبعد الموافقة الأردنية على هذا التصرف.
  • الضامن الروسي غير مُلتزم بخفض التصعيد الذي يعتمده، وليس أدلّ على ذلك من القصف العنيف الجاري لمناطق في ريف إدلب الجنوبي وريفي حماه واللاذقية المشمولة بالمنطقة الرابعة، والشيء ذاته يجري في الغوطة الشرقية وريف حمص الشمالي، وقبل ذلك في الزبداني، مع الأخذ في الحسبان أن النظام والإيرانيين غير حريصين أبدًا على أيّ خفض للعنف، وهم مستمرون في الحل العسكري.

3_ الهدن والمصالحات المحلية

  • الخط الثاني الذي عمل عليه الروس، هو عقد الهدن والمصالحات المحلية، ليس على مستوى المدن والتجمعات الكبيرة التي كان أغلبها خارج سيطرة النظام، بل على مستوى البلدات والقرى الصغيرة؛ وقد استغل الروس حالة الحصار القاتل وسياسة التجويع التي فرضها النظام على هذه المناطق من أجل إخضاعها. فما هي فلسفة الروس لهذه الهدن المحلية التي يستطيع النظام نقضها متى شاء؟ يبدو أنهم يراهنون بالدرجة الأولى على إخراج أكبر قسم من فعاليات الثورة وحاضنتها الاجتماعية من دائرة الصراع تحت ضغط الحاجة والجوع واليأس، كما يراهنون على التآكل الذاتي لـ “المعارضة المسلحة” والاقتتال فيما بينها للسيطرة على هذه المناطق والمغانم المتولدة عنها من خلال تبادل الخدمات والفساد مع حواجز النظام التي تحاصرها. وقد سهّل الروس والنظام خروج المسلحين الذين يرفضون هذه الهدن والمصالحات من هذه المناطق، وعملوا على تجميعهم في محافظة إدلب، مع تبييت النيّة للتخلص منهم لاحقًا.
  • استفاد الروس كثيرًا من هذه السياسة، وضموا مناطق وأريافًا كانت تُشكّل مُحركًا مهمًا للثورة، كما استفاد النظام الذي يشكو نقص الموارد البشرية من تخفيف العبء العسكري الذي كانت تُشكّله، إضافة إلى تجنيد من وافق على المصالحات من مسلحي هذه المناطق وزجّهم في الخطوط الأمامية للجبهات الساخنة، وجعلهم هدفًا للقتل من الطرف الآخر أو من قبل النظام. وسوف يتابع الروس هذه السياسة بهدف الوصول إلى أوسع مساحة من سورية، لكنها ستبقى تجربة تحتاج إلى أن يبرهن الواقع على نجاعتها، فالواقع متحرك، ومن غير المعروف الشكل الذي سوف يتطور إليه الصراع.

ثانيًا: هل تنقل معركة دير الزور الصراع إلى مستواه الدولي؟

  • جاء تقدّم قوات النظام وحلفائه باتجاه دير الزور من ثلاثة محاور سريعًا، كونه لم يواجَه بمقاومة من قبل (داعش)، كما أن أغلب المناطق التي توغلت فيها هذه القوات هي مناطق خالية أو تكاد؛ وهذا التقدم السريع استدعى تقدمًا على الطرف الآخر، شرقي النهر، في سباق واضح للسيطرة على مناطق دير الزور الواقعة هناك. لقد جرى تثبيت خطوط المواجهة وتأخير الحسم في الرقة والاقتصار على القصف الجوي من قبل طيران التحالف، لإتاحة الفرصة لـ (قوات سورية الديمقراطية) في التوجه صوب دير الزور، حيث احتلت مواقع تبعد بضعة كيلو مترات عن المدينة. غير أن التطور المهم هو احتلال (قوات سورية الديمقراطية) حقل (كونيكو)، أكبر حقول الغاز في سورية، لقطع الطريق أمام قوات النظام التي عبرت النهر باتجاهه. وبعد تبادل الاتهامات بين الروس والأميركيين، والتحذيرات من قصف حلفاء كل طرف للطرف الآخر أكثر من مرة، يبدو أن الأمور تسير، أكثر فأكثر، نحو احتمال المواجهة غير المباشرة بين القوتين الكبريين في ظل إصرار كل طرف على السيطرة على مواقع الثروة في المحافظة.
  • تشير الوقائع إلى أن غموض الإستراتيجية الأميركية في سورية والعراق ستبقى ثابتة حتى تحقيق هزيمة (داعش)، مع استمرارها بتثبيت واقعة وجودها على الأرض، وكسب المزيد من القوات المحلية للقتال وفق هذه الإستراتيجية؛ لا يمنع من ذلك رمي تصريحات متناقضة لمسؤولين أميركيين عسكريين وسياسيين في هذه المناسبة أو تلك. فعلى الرغم من توجهات الإدارة الجديدة بمحاصرة الوجود الإيراني في سورية، وقطع الممر البري الذي تسعى له إيران بغية الوصول إلى المتوسط، وبعد أن اعتبرت قاعدة (التنف) محمية أميركية توجد فيها فصائل (الجيش الحر) العاملة في البادية السورية وقوات بريطانية وفنلندية، يُمنع الاقتراب منها لمسافة 50 كم، وتبعتها بقاعدة (الزكف) التي تبعد عن البوكمال 70 كم، وكانت الغاية منهما السيطرة على الحدود السورية- العراقية وجزء من الحدود الأردنية- السورية لقطع الممر الإيراني، تغيرت الأمور فجأة، حيث ألغيت قاعدة (الزكف)، وانسحب البريطانيون من (التنف)، وقد تُلغى قاعدة (التنف) أيضًا، ثم مُورست الضغوط على فصائل (الجيش الحر) لإخلاء البادية وعدم محاربة قوات النظام، كما صرح قائد قوات التحالف الدولي لمحاربة (داعش)، بأن القوات الأميركية لن تعترض قوات النظام التي تتقدم في البادية، وأخيرًا كُشف النقاب عن تفاهم عراقي- سوري حول الحدود المشتركة البالغة أكثر من 600 كم، ومنح القوات العراقية حق التوغل بعمق عشرة كيلو مترات داخل الأراضي السورية، وبما يقتضي لقاء قوات البلدين في ثلاث نقاط هي عمليًا المعابر الدولية بين البلدين (التنف – البوكمال – ربيعة)، وتُستثنى منها المناطق الواقعة تحت سيطرة القوات الكردية في محافظتي الحسكة ودير الزور. هذه التفاهمات التي أنجزت بعلم ومعرفة الأميركيين، جرت بعد زيارة مستشار الأمن الوطني العراقي ورئيس الهيئة المشرفة على الحشد الشعبي، فالح الفياض، إلى دمشق نهاية آب/ أغسطس الماضي. والآن ترابط ميليشيا النجباء الشيعية في منطقة رأس الوعر جنوبي البوكمال بخمسين كيلو مترًا، ما يوحي وكأن أميركا ليست قلقة من تمدد النظام في الجغرافيا السورية غرب الفرات، إما لأنها لا تعنيها، أو لأنها تريد استنزافه.

ثالثًا: خاتمة

  • في جلسة لمجلس الأمن حول الوضع في سورية أكد المندوب الروسي في مجلس الأمن أن اتفاق أستانا الأخير هو اتفاق موقّت، وأضاف “هناك أطراف دولية تُحاول التشكيك بمسار أستانا ونزع المصداقية عنه”. ربما تكون مناسبة هذا الحديث الانتقادات التي وُجّهت لبلاده على خلفية شنّ الطيران الروسي 6582 غارة على ريف إدلب الجنوبي وريف حماه الغربي وجسر الشغور، وكلها مناطق مشمولة بتخفيف التصعيد الأخير، كما شمل القصف مواقع للفصائل التي وقّعت على الاتفاق، الأمر الذي يعكس تخبطًا روسيًا وضعف ثقة بالمآلات النهائية للصراع التي عجزت عن الوصول إلى الحسم العسكري.

الرابط الأصلي:

https://harmoon.org/archives/6911

Leave a comment