النتاج الفكري 07-08-2017

النتاج الفكري 07-08-2017

تقرير يومي يتابع أهم الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث المحلية والعالمية بما يخص المشهد السوري الداخلي مع التوقف على البعدين الإقليمي والدولي وانعكاس ذلك على صناع القرار، كما يعرض مضمون هذه الدراسات بطريقة موجزة ومقتضبة بما يوفر الجهد والوقت على المهتمين والباحثين.

مركز حرمون

محدِّدات العلاقات الإيرانية- التركية

مقدمة:

  • تهدف هذه المقاربة إلى متابعة مشهدين متضادّين في العلاقات الإيرانية– التركية، يستند أحدهما على الصراع والتنافس، بينما يستند الآخر على التعاون والحوار، ومن ثمّ، لا يمكننا الحديث عن صداقةٍ أو عداوةٍ دائمتين بين إيران وتركيا، وهذه الحقيقة ثابتة في العلاقات بين الطرفين؛ ضاربة في تاريخ يعود إلى أكثر من ثلاثة قرون، منذ توقيع اتفاقية قصر شيرين بينهما في العام 1639 بعد حروب مُتقطعة وقاسية، وكلما كانت المنطقة تشهد اضطرابات كانت الأنظار تتجه إلى طهران وأنقرة لمعرفة حجم انعكاس هذه الحوادث على العلاقات الثنائية.

أولًا: أهم محطات تاريخ العلاقات الإيرانية- التركية

  • لم تتأثر إرادة التواصل المجدي بتفكك السلطنة العثمانية ونشوء دولة تركيا الحديثة في عشرينيات القرن الماضي، ولا بالثورة الإسلامية في إيران عام 1979. بل أصبحت العلاقات الثنائية واضحة جدًا خلال العقد الماضي، حيث حققتا فترة من التحسن في علاقاتهما الاقتصادية والسياسية بين عامي 2001 و2011. ولكن حتى ذلك الحين، لم تتطور العلاقات إلى شراكة استراتيجية، بسبب الاختلافات الجوهرية بين البلدين في تحالفاتهما واستراتيجياتهما السياسية ومنظورهما الإقليمي.
  • تركيا اتخذت موقفًا متحفظًا إزاء الاتفاق النووي الذي حصل بين إيران ومجموعة 5+1 في شهر تموز/ يوليو 2015. وقد ساءت العلاقات بينهما بشكل جديّ بعد فترةٍ قصيرة من إبرام الاتفاق، ويُحتمل أن يكون ذلك قد جرى بسبب مخاوف جيوسياسية، مع صعود قوة إيران الإقليمية، وفي الآن نفسه أعلن الساسة الأتراك أن الاتفاق يوفّر فرصًا اقتصادية لتركيا. كذلك، فإن زيارة بوتين لطهران في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، وتعزيز الشراكة بين إيران وروسيا، وانخراط الروس في المسألة السورية في أيلول/ سبتمبر 2015، والتعاون الروسي- الإيراني لدعم الأسد، غيَّرت الموازين على الأرض ضدّ حلفاء تركيا، والذي تبعه تزايد في حدّة العداوة بين تركيا وروسيا. وهكذا، أصبحت تركيا قلقة جدًا من تنامي التعاون الروسي- الإيراني في سورية. في غضون ذلك، عززّت تركيا علاقاتها مع المملكة العربية السعودية، لتربك طهران.

ثانيًا: الفرص المتاحة لتحسين العلاقات الإيرانية- التركية

  • تحكم الواقعية السياسية علاقة طهران وأنقرة، إلى حدِّ أن غلبة شبكة المصالح بينهما لها الأولوية على ما عداها من اعتبارات مذهبية وأيديولوجية، ولا يدلل على ذلك فقط حجم المبادلات الاقتصادية (تُقدّر بنحو 12 مليار دولار في 2016 مع طموح تركي لجعل الرقم مستقبلًا بحدود 30 مليار دولار)، بل احترام الطرفين لموازين القوى والموقف الموحد ضد قيام دولة كردية، على الرغم من الصلات المتينة بين أنقرة ومسعود البارزاني رئيس إقليم كردستان في شمال العراق، والاختراق الإيراني الكبير لقيادة جبل قنديل التابعة لحزب العمال الكردستاني التركي.
  • ما يرجّح بقاء العلاقة بين البلدين في الحدود التقليدية للصراع هو الاتفاق الضمني بينهما على عدم السماح بإقامة دولة كردية مستقلة في المنطقة، خصوصًا بعد تحوّل الأكراد إلى لاعب إقليمي مهم، حيث طموحاتهم القومية بإقامة دولة كردية مستقلة تُغيّر الحدود الجغرافية للمنطقة، هذه التصورات المشتركة للبلدين تُقرِّب تركيا من إيران لمعالجة قضية الأكراد بشكل مشترك.

ثالثًا: التحديات التي تواجه العلاقات

  • أظهرت لقاءات أستانة تضارب وجهتي النظر تجاه آليات حل المسألة السورية، وطبيعة التحالفات القائمة حاليًا، وما يمكن أن يجرى عليها من تعديلات جذرية، وهذا ما ظهر عمليًا في عدم ثبات وقف إطلاق النار في الميدان السوري في الحدود الدنيا المتفق عليها.
  • إصرار تركيا على إقامة المنطقة الآمنة على حدودها مع شمال سورية، وما أحيته من آمال عبر المواقف الأميركية، شكّل نقطة تحوّل في توتير الأجواء بين أنقرة وطهران، وهو أمر يُعدُّ استراتيجيًا في أجندة كل من البلدين، ومن ثمّ يُعدُّ من القضايا التي تصعب التسوية فيها؛ وستظل موضع شد وجذب كبيرين بين الطرفين.
  • بغضّ النظر عن مآلات ما ستفرزه التصريحات المتبادلة بين كل من إيران وتركيا، فإن ما جاء به وزير الخارجية التركي في توصيفه للسلوك الإيراني في المنطقة، وما قاله أردوغان عند زيارته للبحرين، بأن إيران تسعى لتقسيم العراق وسورية وتتصرف من منطلقات قومية، هي حقائق واقعية تدفع باتجاه مزيد من التوتر في المنطقة.

1_ التحديات في سورية

  • وقفت تركيا وإيران على النقيض إزاء ما جرى في سورية ، ولكل طرف أسبابه ودوافعه واستراتيجيته، فقد أعلنت طهران دعمها الكامل لسلطة آل الأسد، وهذا طبيعي ومفهوم في ظل التحالف القائم بينهما منذ أكثر من ثلاثة عقود، فيما على العكس تمامًا، تحركت أنقرة في جميع الاتجاهات لإجراء التغيير السياسي في سورية.
  • الصراع بين الإيرانيين والأتراك على البترول والمياه والحدود في الشمال السوري هو صراع كبير، وإيران مرتاحة فيه أكثر من تركيا، فلإيران ميليشيات في شرقي حلب، وهي تتقدم الآن من البادية باتجاه دير الزور، وسيكون على تركيا الآن، مع المعارضة السورية المقرّبة منها، أن تُصارع على الجبهة الرئيسة مع الأكراد على مقربة من حدودها، في حين لعب الإيرانيون في العامين الماضيين مع أكراد العراق (طالباني) وسورية (قوات الحماية، وقوات سورية الديمقراطية) ضد تركيا.
  • ترى إيران في النفوذ الروسي إخلالًا بموقعها المركزي في سورية؛ فهي إذ عملت لسنوات على الحفاظ على سلطة آل الأسد، ودفعت من جراء ذلك الكثير من الأثمان، ترى في نفوذها وهيمنتها على المجال السوري قاعدة وتعبيرًا عن نفوذها وسيطرتها الإقليمية، بالذات في جغرافيا شرق البحر المتوسط. لكنّ النفوذ الروسي الجديد يحرمها من ذلك “الامتياز”، وبقبول أميركي.
  • تتشارك تركيا وإيران المصلحة نفسها في تحجيم النفوذ الروسي، لأن هذا النفوذ المتعاظم في سورية يعني تسعير القضايا العالقة بين الطرفين التركي والروسي، ليس في سورية فحسب، بل أيضًا في منطقة القوقاز وجزيرة القرم وصراع مستقبل الغاز ومسألة الإسلام السياسي والنفوذ التركي في آسيا الوسطى، حيث الجمهوريات المقلقة لروسيا.

خاتمة

  • تُظهر دراسة تاريخ العلاقات التركية- الإيرانية، وتحليل العلاقات المعاصرة بين البلدين، أنه من الصعب الحديث عن صراع أو تعاون بنيوي على المدى الطويل بينهما. بدلًا من ذلك، هناك اتجاهان متنافسان يقودان في الوقت نفسه إلى كل من المنافسة والحوار؛ فالدولتان تتقاسمان حدودًا مشتركة، لم تتغير منذ ما يقرب من أربعة قرون، وليس هناك خلاف تاريخي وإقليمي يمنعهما من تطوير علاقات حسن الجوار، ومع ذلك، يمكن أن تتحوّل المخاوف السياسية والتنافس الإقليمي بينهما في بعض الأحيان إلى أزمات، وقد يصل الاختلاف العميق بين مصالحهما في العراق وسورية إلى مسار تصادمي.

الرابط الأصلي:

https://harmoon.org/archives/6212

Leave a comment