النتاج الفكري 08-05-2017

Tags:

تقرير يومي يتابع أهم الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث المحلية والعالمية بما يخص المشهد السوري الداخلي مع التوقف على البعدين الإقليمي والدولي وانعكاس ذلك على صناع القرار، كما يعرض مضمون هذه الدراسات بطريقة موجزة ومقتضبة بما يوفر الجهد والوقت على المهتمين والباحثين.

مركز حرمون

روسيا البوتينية واستراتيجية الخروج من الشرنقة

مقدمة

  • شكّل انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 نهاية للحرب الباردة، التي غطّت المرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية بين عالمين متناقضين سياسيًا وأيديولوجيًا وإنتاجيًا، عالم الغرب تقوده الولايات المتحدة، وعالم الشرق يقوده الاتحاد السوفياتي، ولكل منهما ذراعه العسكرية الرادعة، (حلف الناتو) الغربي. انهارت القطبية الثنائية التي حكمت العالم، وانتصرت الرأسمالية الغربية، التي استطاعت أن تُجدّد نفسها وتتكيّف مع متغيرات العالم والعولمة، وتسيّدت الولايات المتحدة العالم وتفرّدت بالهيمنة عليه، ورثت روسيا الاتحادية الاتحادَ السوفياتي والتزاماته السابقة، بما فيها العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي. جاء فلاديمير بوتين، ضابط الـ (كي جي بي) السابق، إلى السلطة، عبر صفقة مع بوريس يلتسين تتضمّن حماية الأخير وأزلامه من الملاحقة القانونية بتهم الفساد، ومحمولًا على حزب (روسيا بيتنا) ذي التوجه القومي المفعم بروح الماضي القيصري لروسيا؛ وقدّم نفسه على أنه يريد إعادة روسيا إلى سابق عهدها من القوة، ولاعبًا أساسيًا في الساحة الدولية.

أولًا: روسيا والغرب علاقة صراعية مفتوحة

  • كان تاريخ العلاقات بين روسيا القيصرية والغرب، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تاريخ صراع،

في مطلع القرن العشرين، ومع ظهور الاتحاد السوفياتي، انهمكت روسيا بترميم أوضاعها الداخلية البائسة على أكثر من صعيد، لكن بعد الحرب العالمية الثانية، واجتياح الجيوش السوفياتية لدول أوروبا الشرقية، وسيطرتها على القسم الأكبر من السهل الأوراسي، برزت روسيا قوةً عظمى مقرّرة في الصراعات الدولية من ضمن المنتصرين على دول المحور في الحرب الكونية الثانية، انتهت هذه الحرب بهزيمة الاتحاد السوفياتي عام 1991، وخرج الغرب منتصرًا في هذه المواجهة المديدة والمكلفة؛ إلا أن الغرب، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، لم يمدّ يده لمساعدة عدو الأمس في مواجهة تداعيات ذلك الانهيار، بل ترك الاتحاد الروسي يتخبّط في أزماته الناشئة. لم تعد روسيا في الاستراتيجية الغربية العدو رقم واحد، بل عُدّت عدوًا محتملًا، الأمر الذي يعني أن روسيا ستبقى تحت المجهر الغربي، وأن العلاقات بين روسيا والغرب متقلّبة وعرضة للتوتر عند كل منعطف في السياسات الدولية.

ثانيًا: العلاقات الروسية الأميركية في عهد أوباما

  • شكّلت السنوات الثماني التي أدار فيها باراك أوباما السياسة الأميركية فترة مهمة، حيث استبعد القوة من السياسة الأميركية، ولجم سياسات حلفائه أيضًا، على الجانب الأميركي، ترافق مجيء أوباما إلى البيت الأبيض عام 2008 مع الأزمة المالية الخطيرة التي ضربت الاقتصاد الأميركي على خلفية أزمة الرهن العقاري، هذا الإحجام الأميركي الظاهري عن الشرق الأوسط، ترافق في فترة أوباما الثانية مع ثورات الربيع العربي التي خضّت بعنف الواقع الجيوسياسي القائم، استحوذ الملفّ النووي الإيراني على جلّ اهتمام الرئيس الأميركي، وتغاضى، من أجل الوصول إلى توقيع الاتفاق بشأنه عام 2015، عن التدخلات الإيرانية في المنطقة العربية
  • لم تدم طويلًا سنوات التهدئة مع الغرب. فبعد التدخل الغربي في ليبيا، والذي عدّته موسكو خديعة، لم تغفرها لواشنطن، قرّر بوتين إعادة النظر في مُجمل الاستراتيجية الروسية في العلاقة مع الغرب، وربما اختار سورية مسرحًا لإطلاق استراتيجيته الجديدة، الأمر الذي استدعى الالتفات نحو الصين، في الرؤية الاستراتيجية التي أخذ بها بوتين لإدارة صراعاته مع الغرب تحت عنوان العودة الروسية إلى الساحة الدولية، والتي اتخذت شكلًا صاخبًا، اعتمد القوة العارية في سورية، وفي أوكرانيا إلى حدٍ ما؛ وتبنّى نمط الحرب الهجينة التي أقلقت الغرب؛ وهي عبارة عن توليفة من التهديدات التي تستخدم الوسائل العسكرية وغير العسكرية.

ثالثًا: أميركا- روسيا- الصين مثلث الصراع المستقبلي

  • أتاحت سياسة إعادة التموضع التي اعتمدها أوباما خلال فترتيّ حكمه، لفلاديمير بوتين وتشي جيننغ، العمل على تحسين موقعي بلديهما على الساحة الدولية، ففي حين عادت روسيا بشكل صاخب عبر البوابة السورية؛ اختارت الصين، لإبراز صعودها على سلّم القوة الدولية، طرحَ سلسلة من المشاريع الإقليمية والدولية، من جهة روسيا، يبدو أن فهمها للعلاقات القائمة على المسرح الدولي، يدفعها للاعتقاد بأن المحادثات مع واشنطن يجب أن تنطلق من الإقرار بالمتغيرات على المسرح الدولي، ما يعني استعادة روسيا لمكانة القوة العظمى في العالم، ومن ثمّ، فإن أي تسوية لمشكلة إقليمية أو دولية لا تراعي هذا التطور، لن يُكتب لها النجاح.

رابعًا: سورية ساحة اختبار قاسية

  • لعلّ أهمّ الدوافع التي حذت بروسيا للتدخل العسكري الكثيف في سورية بدءًا من 30 أيلول/ سبتمبر 2015، كان المساومة والحصول من الأميركيين على صفقة شاملة لحلّ أزمات المنطقة من سورية والعراق واليمن وليبيا، وصولًا إلى البحرين ولبنان والقضية الأوكرانية، والملفّات العالقة مع الغرب. لكن إدارة أوباما رفضت هذا العرض،
  • ربما لأن أوباما كان يفضل صفقة مع إيران حول دورها في المنطقة بالتوازي مع مفاوضات النووي، وأفشلتها إيران بسبب تمسّكها بالأسد وحلفائها في لبنان واليمن، لكن الأصحّ أن الإدارة الأميركية السابقة كانت ترفض ربط الملفّات الذي تسعى إليه موسكو. وعلى افتراض قبول موسكو بصفقة حول سورية، فإن بوتين، وفي ضوء السياسات الهجومية للإدارة الأميركية الجديدة، سيؤجّلها إلى ما بعد معاودته إشعال الحرب الأوكرانية ووضع يده على كييف انسجامًا مع متطلّبات العودة الروسية كلاعب أساسي في السياسات الدولية.
  • جاءت الضربة الصاروخية الأميركية، وغير المتوقعة، لمطار الشعيرات السوري، ردًّا على هجوم خان شيخون الكيماوي، وحملت من الرسائل السياسية إلى الروس والإيرانيين والنظام السوري ما يُفيد بتغيير قواعد اللعبة، وأن التراخي الأميركي الذي طبع عهد أوباما لم يعد قائمًا، وأن الحضور الأميركي في ملفّات سورية والمنطقة سوف يزداد اتساعًا. وعلى الرغم من أن الإدارة الجمهورية في عهد ترامب حدّدت أولوياتها بمواجهة (داعش) والنفوذ الإيراني ونظام الأسد.

خاتمة

  • عندما اختار بوتين، في سياق ردّه على الغرب، أن تكون سورية بوابته للعودة إلى الساحة الدولية، مستغلًا إعادة التموضع الأميركي، كان، في العمق، يخوض في مواجهة الغرب حربًا دفاعية بأسلوب هجومي، حاول خلالها تمتين علاقته بإيران، وإقامة تحالف مع تركيا ما زال هشًا بعد استدارة أردوغان 2016، مع احترام المصالح الإسرائيلية إلى حدّ بعيد. لقد أخذت روسيا فرصتها كاملة في عهد أوباما، لكنها عجزت عن تقديم نفسها قوةً كبرى تحترم الالتزامات التي يُرتّبها عليها مثل هذا الموقع؛ فلجأت إلى ممارسة العنف العاري والتضليل، وإلى استخدام حقّ النقض (الفيتو) في مجلس الأمن.
  • ويُشير كثير من المعطيات إلى أن روسيا ليست في وارد أن تخوض مواجهة عسكرية كبرى في سورية، وليس لديها القدرة على مثل هذا الأمر، ولا الإرادة أيضًا. وهي تُدرك أن مصالحها الحقيقية، ومصادر الخطر الحقيقي على أمنها القومي، موجودة هناك في أوروبا، وليس في سورية. كما أنها ليست في وارد المغامرة من أجل “حليفها” الأسد في نهاية المطاف. ويبدو أن الإستراتيجية التي اعتمدها بوتين في سياق مواجهته الغرب، ستكون سورية أولى محطات فشلها. لقد حاول تقطيع الشرنقة، لكن يبدو أن خيوطها أمتن من أسنانه.

الرابط الأصلي:

http://harmoon.org/archives/4691