النتاج الفكري 24-10-2017

النتاج الفكري 24-10-2017

تقرير يومي يتابع أهم الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث المحلية والعالمية بما يخص المشهد السوري الداخلي مع التوقف على البعدين الإقليمي والدولي وانعكاس ذلك على صناع القرار، كما يعرض مضمون هذه الدراسات بطريقة موجزة ومقتضبة بما يوفر الجهد والوقت على المهتمين والباحثين.

مركز حرمون

عامان يُمهّدان لاحتلال قد يمتد إلى نصف قرن

مقدمة

  • مرّ عامان كاملان على بدء التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية، والذي كان هدفه المُعلن ضبط الوضع العسكري والتمهيد للعملية السياسية، وطبعًا “محاربة الإرهاب”، بينما كان هدفه الأساس والجوهري دعم قوات النظام السوري، ومنع سقوط رأس النظام، بشار الأسد، وتثبيت أقدام روسيا في شرقي المتوسط، وإنهاء القطبية الواحدة التي تُسيطر على المجتمع الدولي.
  • كان “منع انهيار الدولة ومؤسساتها” ومكافحة “الإرهاب الإسلامي”، هو الشعار الذي رفعته روسيا كمبرر لتدخلها العسكري المباشر في سورية، لكنّ هذه الأسباب كانت غلافًا لأسباب أخرى أكثر أهمية بالنسبة إلى الروس، بدليل أنهم شاركوا خلال سنتين في تدمير بنى الدولة السورية وانهيار ما تبقى من مؤسساتها في مناطق سيطرة المعارضة المسلحة. كما لم يقوموا بعمليات جدّية ضد تنظيم الدولة (داعش)، الذي يُعتبر رأس الإرهاب في سورية وأقوى أعمدته.
  • تدخّل الروس في سورية واضعين نصب أعينهم المكاسب العسكرية التي يمكن أن يفوزوا بها، وكذلك الوقائع السياسية التي سيفرضونها في المنطقة والمكاسب التي يمكن أن يجنوها من وراء ذلك، مع تركيزهم الشديد على الفرص الاقتصادية التي توفرها الحرب السورية، فضلًا عن استخدامها كحالة نموذجية لتجريب أسلحتهم الحديثة، ولتصريف الأسلحة القديمة التي انتهت صلاحيتها أو كادت تُشرف على الانتهاء. كما كانوا يأملون بشدّة أن تأخذهم الولايات المتحدة على محمل الجد كقوة دولية ضاربة، خاصة في العالم القديم وشرقي المتوسط؛ وهي الأهداف التي ما زال أمر تحقيقها مشكوكًا فيه على الرغم من مرور سنتين على هذا التدخل.

أولًا: حصيلة عامين

  • قدّم الروس فوائد للنظام السوري لم يُقدّمها له أيّ طرف آخر، بما في ذلك الإيرانيون. في المقابل، قدّم رأس النظام لهم تنازلات لم يكونوا ليحلموا بمثيلها من قِبَل أي نظام آخر في المنطقة، تنازلات كبيرة وخطيرة، مقابل حمايته وإبقائه على رأس السلطة، وعدم تعريض نظامه لخطر الانهيار والسقوط أو الهزيمة.
  • تحدثت منظمات ومراصد حقوقية دولية عن انتهاكات واسعة قام بها الروس في سورية، أسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى في صفوف المدنيين، فضلًا عن تسببهم بدمار كبير أصاب مؤسسات خدمية حساسة مثل الأفران والمشافي ومراكز الإسعاف وغيرها.
  • قالت وزارة الدفاع الروسية، بعد مرور عامين على التدخل، إنها منعت تقدّم (داعش) و(جبهة النصرة)، وإنها قتلت وجرحت آلاف المسلحين، نتيجة الضربات التي نفذتها القوات الجوية الروسية، منهم متشددون جاؤوا من روسيا ودول الاتحاد السوفياتي السابق. ووفق تقرير لها بمناسبة مرور عامين على التدخل العسكري، فإن هذا التدخل “مكّن روسيا من تحرير 87.4% من الأراضي السورية من (داعش)” وجرى منذ بدء العملية تنفيذ “أكثر من ثلاثة آلاف طلعة جوية قتالية، شنت خلالها 92000 غارة أدت إلى تدمير 96828 هدفًا، بينها 8330 مقر قيادة، و5370 تجمع مقاتلين، و6770 مستودعًا للذخيرة والمحروقات”.

ثانيًا: فئران لحقل تجارب روسي

  • استفادت روسيا من تدخلها في سورية لتجربة أنواع جديدة من الأسلحة في ظل ظروف حرب حقيقية، وهو ما أشار إليه وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، حين أطلقت أربع سفن من بحر قزوين 26 صاروخًا من طراز (كاليبر) على مواقع (داعش) في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، إذ قال إن القصف “جرى لأول مرة، ضمن ظروف حرب حقيقية من على متن قطع في بحر قزوين، وباستخدام صاروخ (كاليبر) لأول مرة”. وبهذا اعترفت روسيا أن سورية صارت ساحة لتجريب أسلحة سوق السلاح الروسي، وهو أيضًا ما أكّده سيرغي غوريسلافسكي، نائب رئيس شركة (أوبورون إكسبرت) الذي أشار إلى “ارتفاع الاهتمام بشكل ملموس في العالم بالأسلحة الروسية بفضل العملية العسكرية في سورية”.
  • اعترفت وزارة الدفاع الروسية في نشرةٍ لها بأن المشاركة العسكرية في سورية سمحت لها بالتحقق من الاستعداد القتالي لجميع الطيارين العسكريين تقريبًا، وأن ما يقارب من 90 في المئة من أفراد القوات الجوية تلقّوا خبرة قتالية في سورية.
  • تعتبر مرحلة تجريب الأسلحة مسألة في غاية الأهمية بالنسبة إلى سوق السلاح العالمي، خاصة عملية تجريب هذه الأسلحة في ظل ظروف قتال حيّ وحرب حقيقية، من أجل التسويق الأفضل لهذه المنتجات دوليًا، حيث تجد روسيا في سورية أحسن وأرخص حقل لهذه الغاية، ويبدو أنها تتعامل مع المدنيين السوريين كفئران تجارب في عملياتها، ليس أكثر.
  • مشروع الدولة الروسية المُعلن يقضي بتحديث القوات المسلحة، وينص على تجديد 70 في المئة من المعدات العسكرية بحلول عام 2020. ومن المفترض التخلي عن الأسلحة القديمة التي لم تعد تعني شيئًا في عالم السلاح الحديث، ووضع الأسلحة الجديدة قيد الاستخدام بعد إخضاعها لتجارب ميدانية عديدة.

ثالثًا: قواعد ثابتة وبنى عسكرية دائمة

  • تمكنت روسيا خلال عامين من جني ثمار عسكرية واستراتيجية واقتصادية، نتيجة تنازل النظام السوري وتسليمها زمام الأمور بإبرامه معها اتفاقيات، هي أقرب ما تكون إلى “اتفاقيات إذعان”، المُعلن منها اتفاقية لإقامة قاعدتين عسكريتين على المتوسط، الأولى جوية في مطار حميميم في محافظة اللاذقية، والثانية بحرية في محافظة طرطوس، وكلاهما لمدة نصف قرن قابلة للتمديد تلقائيًا.
  • حصلت روسيا من الأسد على تنازلات هائلة من وراء هذه الاتفاقيات، لدرجة أنه لا يُسمح للسلطات السورية، لا الآن ولا في المستقبل، بدخول الأماكن التي ترابط فيها قوات روسية، ولا يخضع الجنود الروس للقوانين السورية، ولا تخضع كل الشحنات الروسية لأي تفتيش من قِبل الجمارك السورية.
  • أنقذت موسكو الأسدَ من هزيمة محققة وفق اعتراف وزير خارجيتها، سيرجي لافروف، الذي نبّه إلى فضل بلاده الأول في إنقاذ الأسد من السقوط. وسمحت موسكو لنفسها بالاستفراد بالقوة والسيطرة، وإخضاع كل عملية التفاوض ومصير الأسد لمنطق الابتزاز، واستخدمت الفيتو غير مرّة لنفس السبب، كما هو معروف، وحاصرت الوضع السياسي بما يتناسب وسيطرتها على القرار العسكري في دمشق، وبات لخطاب موسكو منطق “المحتل المنتصر” في ساحة المعركة، والذي من حقه فرض الشروط والضغوط في المجال السياسي.

رابعًا: التدخل ومواقف الأطراف

  • وقف بوتين إلى جانب الأسد منذ بداية الثورة السورية، وقدم له دعمًا عبر تسليح قواته، وحماه في مجلس الأمن، ودعمه اقتصاديًا، ورسّخ الوجود العسكري الروسي في سورية، على الأقل لـ “تسعة وأربعين عامَا مقبلّا”، بموجب الاتفاقية العسكرية التي وقّعها النظام مع الروس، وهو أكبر وجود عسكري روسي في الخارج منذ زمن الاتحاد السوفياتي السابق وحتى اليوم، كما ضمن لروسيا نفوذًا شبه دائم في الشرق الأوسط.
  • لم يكن التدخل الروسي في سورية فعلًا سارًا للمعارضة السورية، إذ اعتُبرت روسيا مُحتلة منذ الأيام الأولى للتدخل، ذلك لأن تجربة المعارضة السورية مع الروس في الفترة ما بين انطلاق الثورة وحتى التدخل العسكري المباشر، كانت تجربة مريرة، تؤشر سلفًا إلى ما سيحمله هذا التدخل من المزيد من الدعم للنظام والاستخفاف بالمعارضة وعدم الاكتراث بالقتل والتدمير الذي تسبب به النظام خلال زمني الثورة والحرب.
  • كانت الولايات المتحدة تمر بمرحلة مضطربة ما بين رئيسين وإدارتين، ومرحلة انتخابات تدفع المرشحين للرئاسة للالتفات إلى الوضع الداخلي أكثر من الخارجي، وتجميد كل المبادرات والفاعليات العسكرية الخارجية إلى الحد الأدنى طالما أنها لا تمسّ بالأمن القومي الأميركي، ولم يكن بالأساس لإدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما أي رغبة بالتورط في الحرب السورية الطاحنة.
  • دول الخليج التي دعمت المعارضة السورية بقوة، وبأكثر من وسيلة، فقد أُسقط في يدها بعد أن صارت روسيا الآمر الناهي عسكريًا في سورية؛ ووسط خذلان الحليف الأميركي، واضطراب العلاقة الخليجية البينية، بدأت تُفكّر في تغيير بعض استراتيجياتها المتعلقة بالمسألة السورية.
  • الأردن استطاع استثمار علاقاته الوثيقة مع واشنطن وموسكو في الوقت نفسه لتأمين حدوده الشمالية، وإحياء اتفاق وقف إطلاق للنار في جنوبي سورية، يضمن الحدود البرية الأردنية الشمالية، وهذا أقصى ما يطمح له الأردن على المدى المنظور.
  • إيران صعد نجمها وهبط، حيث يحاول الروس ترضيتها بإشراكها كوسيط وضامن في اتفاقيات أستانا، واتفاقيات وقف إطلاق النار والهدن. وفي نفس الوقت تسعى موسكو لتحجيم القوة الإيرانية، ووقف التغلغل الإيراني العسكري والسياسي في سورية، لكن هذا المنع مازال يعتمد على مؤشرات وليس على حقائق راسخة يمكن من خلالها التأكد بأن الدور الإيراني في سورية هو دور غير مرغوب بشكل قاطع من قبل روسيا.

خامسًا: ما لم يُنجز

  • استخدم الروس الفيتو في مجلس الأمن الدولي لأول مرة في 4 تشرين الأول/ أكتوبر 2011 ضد قرار يدين النظام السوري، في محاولة لفرض أنفسهم قطبية ثانية في مواجهة الولايات المتحدة، وكرّت السبحة ليصبح استخدام الروس الفيتو ضد أي قرار يمكن أن يدين النظام السوري أمرًا روتينيًا، حتى لو كان الأمر يتعلق بضرورة إيصال مساعدات إنسانية للمحتاجين إليها في سورية.
  • الأمر الذي قد يُقلق روسيا هو اعتقادها بأن الولايات المتحدة لن تبقى على موقفها غير المبالي بما يحدث في سورية على المديين المتوسط والطويل، كذلك يُقلقها احتمال تكبّدها خسائر كبيرة في الأرواح بين جنودها وضباطها وطياريها، لأن المعلن هو مقتل 30 عسكريًا روسيًا فقط، وإن كانت “رويترز” تظن أن العدد أربعة أضعاف هذا الرقم، وهو أمر قد يحصل فيما لو استمر الوضع السوري على ما هو عليه دون حل سياسي واضح وقابل للتطبيق.
  • أغلبية الأهداف الروسية لم تُنجز بعد، فالنظام السوري يبدو أنه “صامد” لكن الخطر لم يزل عنه، وقوته في تآكل مستمر، كذلك لم يستطع الروس تحجيم التدخل الإيراني، خاصة أن السياسة الإيرانية متلونة، وتتغير وفق الظروف، وهي بدأت تنتقل من مرحلة السيطرة العسكرية على الأرض إلى مرحلة السيطرة الاقتصادية والتغلغل في نسيج المجتمع السوري.
  • قد تمتلك روسيا القدرة العسكرية لإدارة حرب معقدة مثل الحرب السورية، لكنها في رأي المعارضة السورية تفتقر إلى الحد الملائم من التخطيط الذي يجعل أهدافها السورية المباشرة قابلة للتحقيق، ولا تملك القدرة السياسية على رسم استراتيجيات سلام بعيدة الأمد، تحقق مصالح الشعب السوري والمصالح الروسية في الوقت نفسه، خاصة عندما يجري الحديث عن كسب روسيا النظام السوري الذي لم يعد مقبولًا دوليًا، مقابل خسارتها صداقة الشعب السوري ودعمه.
  • تستطيع موسكو الآن القول إن لها نفوذًا عند السلطة والمعارضة، لكن هذا الادعاء غير دقيق، فالمعارضة السياسية السورية غير متوافقة مع موسكو، ولا تُنسّق معها، وخاصة ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية والهيئة العليا للمفاوضات، على الرغم من ازدياد الفاعلية الروسية بعد التقارب مع تركيا والسعودية خصوصًا، كما أن الفصائل العسكرية المنخرطة في اتفاقيات أستانا يمكن أن تنقلب عليها لأن أغلبية أمراء هذه الفصائل لا همّ لهم سوى ضمان حصتهم في الترتيبات المقبلة.

سادسًا: خاتمة

  • بعد عامين من تجربة الغزو الروسي لسورية، واستخدام قوة نارية هائلة، يبقى موضوع نجاح روسيا في إحياء دور الأسد أمرًا مشكوكًا فيه، وسيبقى حسابات لا تتطابق مع المنطق ولا التاريخ ولا الواقع، ولابد من أن ينتبه الروس إلى أنه إذا كانت “الامبراطورية” السوفياتية بقوتها وعظمتها انهارت بعد سبعة عقود من تأسيسها، فإن الوجود الذي أحرزوه في سورية التي غدت “مستعمرة” لهم، وفي المنطقة، لن يمنحهم أكسير الحياة، خاصة بوجود شركاء لهم على شاكلة النظام السوري وإيران، وكلاهما مستعد بكل بساطة للتآمر عليهم، والانقلاب على أي تفاهم أو توافق، وأيضًا بوجود ملايين المتضررين من حرب افتعلها النظام ودمّر فيها سورية وقضى على أهميتها الشرق أوسطية لعقود طويلة.

الرابط الأصلي:

https://harmoon.org/archives/7089

Leave a comment