النتاج الفكري 27-12-2017

Tags:

تقرير يومي يتابع أهم الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث المحلية والعالمية بما يخص المشهد السوري الداخلي مع التوقف على البعدين الإقليمي والدولي وانعكاس ذلك على صناع القرار، كما يعرض مضمون هذه الدراسات بطريقة موجزة ومقتضبة بما يوفر الجهد والوقت على المهتمين والباحثين.

مركز جسور

جماعة القبيسيات ….النشأة والتكوين

تمهيد

  • ظلت دراسة الجماعات الدينية النسائية بشكل عام وجماعة “القبيسيات” بشكل خاص موضوع الدراسة هذه بعيدة عن اهتمامات الباحثين والأكاديميين الاجتماعيين والمهتمين بالحركات الدينية حقبة من الزمن، ويعود ذلك إلى عوامل متعددة؛ إما متعلقة بالجماعة نفسها كونها اتخذت من الانكفاء على نفسها منهجاً لها، أو عوامل تعود لطبيعة الحالة السورية الخاضعة لقبضة أمنية قمعية شديدة طالت مجالات الحياة كافة حتى مجال البحث العلمي، وعوامل أخرى تتعلق بالظروف السياسية لسورية وللدول العربية والعالم والتغيرات الطارئة عليها.
  • يعود تاريخ تأسيس جماعة “القبيسيات” إلى ستينيات القرن الماضي، على ما يبدو، وقد نهجت جماعة “القبيسيات” نهج المدارس الدينية الدمشقية الأُخرى مثل مدرسة حسن حبنكة الميداني ومن بعده مدرسة جامع زيد ومدرسة كفتارو، ونهج الشيخ فرفور وجماعته في التركيز والاستناد إلى الطبقة الاجتماعية الغنية والمتوسطة والمرتبطة مع طبقة رجال الأعمال، حيث اتسمت علاقات القوة والسلطة والنفوذ في سورية بنوع من النفعية وإيلاء مسألة تبادل المصالح على رأس العلاقات بتأثير من سياسة البعث التي عززت هذا النوع من العلاقات من جهة، ومن جهة أخرى بسبب طبيعة المجتمع الدمشقي خاصة، والذي يعتمد على حلف مقدس بين طبقة البرجوازية السنية والإسلام المعتدل ،ولذا فمن المنطقي انتقال بنية هذه العلاقات وشكلها إلى فئات المجتمع ومجالاته كافة بما فيها الجماعات الدينية كونها تمثل جزءاً من تركيبة هذا المجتمع المديني.  

المبحث الأول ماهية الجماعة تنظيم أم حركة نسوية أم جماعة دينية اجتماعية؟

  • من المعلوم أن الجماعة لم تطلق على نفسها اسم “القبيسيات”، إنما تعود هذه التسمية إلى الداعية “منيرة القبيسي” مؤسسة الجماعة وشيختها الكبيرة، وبات من الملاحظ أن هناك تشويش والتباس في تصنيف هذه الجماعة، فبعضها عدّها حركة باطنية سرية تنشط باسم الإسلام، والبعض الآخر خلع عليها صفة السياسة بغطاء ديني، بينما صنفها بعض المفكرين الإسلاميين بأنها جماعة دينية إصلاحية إحيائية…
  • غالباً ما يتم نفي مصطلح “التنظيم” عن الجماعة لعدم وضوح هيكلية تنظيمية وآليات تصعيد الكوادر فيها ولم يعرف لها آليات إدارة الموارد الكبرى التي تردها ولم يشتهر ارتباطها بأية أغراض أو أجندات سياسية على اعتبار أن المصطلح يشير إلى حركات الإسلام السياسي أو الحركات الجهادية كتنظيم الإخوان المسلمين أو تنظيم القاعدة وبهذا فهي تفترق عن الجناج النسائي للحركات الإسلامية بالمعنى العام

المبحث الثاني النشأة والظروف التاريخية المحيطة

  • في ذروة انتشار أفكار قاسم أمين ورفاعة طهطاوي رائدي تحرير المرأة العربية ،وفي أوج ظهور ثقافات هجينة عن المجتمع السوري كالشيوعية والليبرالية نشأت الشابة منيرة القبيسي في بيئة مستقرة اقتصاديا محافظة دينيا بنبرة إنفتاحية منحتها الجرأة لإرسال ابنتها للتعليم بالمدرسة في وقت كان المتدينون يضيقون ذرعا بالمدارس الرسمية ذات النفس الليبرالي وقلما يجدون مبررا لتعليم البنات أصلا في ظل الثقافة الشرقية المهيمنة وقتها،كانت منيرة محل اهتمام رفيقاتها نظرا لدماثة طبعها ولكنها كانت محل شفقتهم واستغرابهم كونها كانت المحجبة الوحيدة بمدرستها حينها.
  • بدأت تحركات الجماعة المحدودة تنشط في فترة تاريخية حرجة بالنسبة للمجتمع السوري المتدين في أغلبه، حيث طغى الفكر العلماني والليبرالي وقيم الشيوعية على سورية بشكل عام.
  • مع تنامي نشاط الجماعة اجتماعياً ودينياً، استطاعت جذب الكثير من الدمشقيات كون أغلب القيادات النسائية الأولى فيها كانت من العائلات الدمشقية المعروفة، وتدريجيا أخذت تشكل حلقاتها الدينية الدعوية الخاصة المتسمة بالاعتدال تارة وبالتشدد تارة أخرى، وحملت على عاتقها مسؤولية توعية النساء اجتماعياً ودينياً في بيئة اقتصر الوعي الديني والتعليم الشرعي فيها على المدارس والمعاهد الشرعية التابعة للمؤسسات الدينية الرسمية مثل معهد بدر الذي أُسس عام 1964 الخاص بتعليم الإناث والتابع لمجمع الشيخ كفتارو. ثم في العام الذي يليه عام 1965افتتح معهد الفتح (الذي أسسه الشيخ محمد صالح فرفور) فرعاً للإناث لتعليمهن العلوم الشرعية وإعدادهن للدعوة والتي عُدت المبادرة الأولى للنهوض بالفتيات دينياً وتربوياً في دمشق.
  • شكلت مسألة الحجاب قضية مركزية لدى القبيسيات ولدى غيرهن من النساء المحافظات، فالنظام السوري استخدم الحجاب استخداماً وظيفياً ما بين نزعه وبين السماح به على مضض ما أثر لاحقاً كثيراً على الأسر السورية المحافظة ودفع بالكثير منها إلى إجبار الفتيات على ترك المدرسة بسبب منع الحجاب، بينما اعتمد البعض الآخر على فتاوى تُولي التعليم أهمية كبيرة. هذه الحالة المقلقة دفعت بالقبيسيات إلى تحدي مبطن للنظام من خلال إنشاء البديل عن المدارس لتلقين الفتيات مبادئ دينهن وتعليمهن تعليماً شرعياً، والحث على التمسك بالحجاب في الأماكن العامة. ثم إن سياسة منع المحجبات من الظهور في المجال العام في موقع قيادي ما في المجال السياسي أو الحكومي أو الإعلامي على سبيل المثال، وفرض شرط نزع الحجاب إن أرادت إحداهن الوصول إلى تلك المراكز، خلقت حالة من تهميش المحجبات وجعلتهن في أطر ومجالات محددة وقامت بعزلهن في جماعات خاصة بهن منغلقات على الجماعات الأخرى، وعلى أفراد المجتمع الآخر المخالف.

المبحث الثالث الانتشار … وقياديات الجماعة وآنساتها

  • تعتبر دمشق هي الحاضن والمنشأ الفعلي لمجموعة الأخوات وفيها استقرت صورتها النهائية ورؤيتها الفكرية ومنها استمدت المرجعيات، ولازالت الوفود النسوية تحج لرؤية الآنسة الكبيرة بدمشق ،كما عمل وجود الجامعة الكبرى بسوريا في العاصمة على توسع الاحتكاك بين الدمشقيات والطالبات من محافظات أخرى اللواتي شكلن رسلا مباشرين للدعوة ومرتكزات صارت فيما بعد أعمدة الجماعة في مناطقها وتجمعاتها، وتعتبر كلية الصيدلة في جامعة دمشق أحد أهم معاقل القبيسيات التي تخرجت منها شخصيات قيادية نسوية ذات مستوى تعليمي عالي في محافظاتها استطعن نقل الأفكار وتطبيق التجربة ذاتها.
  • تأتي سلسلة من الأسماء البارزة للآنسات القبيسيات اللواتي شكلن أعمدة قامت عليها الحركة حيث يمكننا أن نورد منهن: خير جحا والتي تلي الشيخة منيرة في رتبتها ومكانتها الروحية في الجماعة، ودلال شيشكلي (التي كانت مهددة أمنياً كونها إحدى اللاتي خرجن من سورية في ثمانينيات القرن الماضي)، ونهيدة طرقجي، ودرية العيطةالتي شكل كتابها فقه العبادات على المذهب الشافعي أحد أهم المراجع الدينية لدى الطالبات ولازال كتابا له حظوته رغم كثير من النقد الفقهي الذي وجه له، وسميرة الزايد التي اشتهرت بموسوعيتها حول السيرة النبوية التي سنذكرها لاحقا، وسعاد ميبر التي كتبت كتابا اختصاصيا في قضايا الاعتقاد واعتبر جرأة منها في اقتحام مثل هذا الباب على تعقيده، ومنى قويدر، وفائزة الطباع، ورجاء تسابحجي، ونبيلة الكزبري، وفاطمة الخباز التي تعد اليد اليمنى للشيخة الكبيرة.
  • ساهمت الزيجات من مغتربين سوريين في بلاد غربية عدة في انتشار الجماعة وممارسة نشاطاتها هناك، ومن المعلوم أن ترتيب هذا النوع من الزواج ليس خاصاً بالجماعة فهي تحدث في الأوساط المحافظة وفي المساجد، فكثيراً ما يلجأ شاب متوسط الحال يريد الزواج إلى إمام المسجد لتأمين له ترتيبات الزواج كافة بدءاً من اقتراح عروساً له إلى جمع المال لمساعدته في مسلتزمات الزواج.

المبحث الرابع أصولها الفكرية ومصادرها المعرفية

  • جماعة القبيسيات لسن من أتباع حركة الإسلام النسوي، المتأثرة بالحركة النسوية العالمية في تفسير النصوص الدينية، واللاتي أخذن على عاتقهن التحرر من الخطاب الذكوري في تفسير النصوص المقدسة ومحاربة الأدوار النمطية للمرأة المسلمة، أو اللاتي نادين بإعادة قراءة القرآن قراءة نسوية. إنما هي جماعة عُرف عن أغلب آنساتها الأوائل اتباعهن المنهج الصوفي، منذ بداية نشأتها نظراً للبيئة الدينية والاجتماعية المحيطة بهن في سورية آنذاك، ولذلك فمن غير المستهجن وجود بعض السلوكيات الصوفية واعتماد بعض الأذكار والموالد والأدعية المستوحاة من الطرق الصوفية مثل الطريقة النقشبندية تحديداً، كونها الطريقة الأكثر انتشاراً في سورية إلا أنه لا يمكننا الجزم بأن الجماعة ظلت على هذا الخط طوال مسيرتها.
  • تتبع جماعة القبيسيات المنهجية نفسها لحلقات الدرس الديني النسائية منها والذكورية، حيث تكون على شكل إلقاء دروس دينية بشكل وعظي دعوي خال من العمق العلمي أو التأصيل الشرعي الدقيق، حتى بلغ الأمر أن أطلقت بعض آنسات الجماعة الفتاوى جزافاً ودون تأصيل أو عودة إلى الفقهاء وعلماء الدين. وكون الجماعة دعوية محضة فإنه من الطبيعي أن تنقصها المرجعية الفقهية الرصينة، حتى شبهها البعض بجماعة التبليغ والدعوة، من حيث تركيزها على الرقائق والعبادات وطريقة نشر الفضائل الإسلامية بين أفراد المجتمع ومذهبها الصوفي الذي يعتمد على العبادة الفردية الروحية والبعيدة عن الشأن العام وخاصة المجال السياسي

المبحث الخامس الهوية والبنية

الهوية الفكرية:

  • تتفانى المريدة في طاعة آنستها أو شيختها القبيسية لاعتقادها أن ذلك يقربها من الله ورسوله، وهو سلوك متعارف عليه بين الأوساط الصوفية سواء كانوا ذكوراً أم إناثاً، وكون الجماعة تابعة للمدرسة الصوفية التقليدية التي تولي تزكية النفس وتطهيرها الأولوية الكبرى، فإن طريقة تلقي العلوم الإسلامية غالباً ما تكون على الطريقة الصوفية أي من طريق شيخ/ة إلى مريديه/ا. إن حالة الاحترام المفرط تجاه المشايخ يعدها البعض ممن هم في سلك المشيخة أنها مجرد تعبير عن الشارع السوري فهو “شارع ديني أو متعاطف مع الدين ويحترم العلماء، وهذا الاحترام لا يصل إلى حد التقديس، أنا أقبّل يد العلماء، بالتالي أقبّل الفكر والحكمة وليس كل عالم تُقبّل يده أو يدها، ولكن لا نقصد بالاحترام تقبيل اليد أو الأرجل، أما أن نركع ونسجد لشيوخنا فهذا ليس من الدين”.

البنية التنظيمية والهيكلية القيادية:

  • نلمس وضوحا في التراتبية الهرمية بين الأخوات القبيسيات ليست بطريقة الجماعات والتنظيمات التقليدية والهيكلية المؤسساتية بل تتجسد بالمظهر والمضمون؛ فالمظهر يبدو من خلال طريقة اعتماد اللباس المكون من “المانطو” وألوان غطاء الرأس، ويعود أصل هذا اللباس إلى دراسة الآنسات والشيخات الكبيرات لأنسب طريقة للباس الشرعي يمكن أن يكون مقبولاً اجتماعياً وأمنياً ويحمل هوية دينية معتدلة، ومن ثم لا يخالف الدين الإسلامي  حسب ما ارتأين  بالتزامن مع تأكيدهن على عدم التبرج والتقيد بمظاهر تشي بالتزام العفة والحياء في المشي وخفض الصوت وعدم إطلاق النظر على المحرمات.
  • بخصوص الانعزالية السياسية فالقبيسيات بعيدات عن الحياة السياسية بشكل كبير، ويمتنعن عن التحدث إلى وسائل الإعلام أو إجراء حوار مع باحثين للكتابة عنهن بهدف تبيين ما يُتداول خطأً عنهن، والدافع الأول لهذا الانعزال يعود ربما إلى دواعٍ أمنية بحتة، فحتى بعد الانفتاح النسبي والخروج إلى المجال العام ظلت السرية صفة خاصة طبعت سلوك الجماعة ونشاطاتها .

المبحث السادس نشاطات الجماعة بين المجال الخاص والمجال العام

  • يعد البعض القبيسيات جماعة أدركت دور المرأة كونها عنصر مهم في المجتمع، وأنه من الضرورة بمكان التركيز عليها ليصار إلى تربيتها وفق مبادئ ومبادئ الجماعة المستقاة من الشريعة، كون المرأة هي نفسها الأم والزوجة والمربية وتقع على عاتقها مسؤولية تنشئة جيل كامل على الأخلاق الإسلامية، والمسألة هنا فيما نعتقد لا يجب أن تُفهم من باب نشر فكر الجماعة إنما نشر الإسلام وتربية الفتيات على الأخلاق والقيم الإسلامية في مجتمع يذهب إلى العلمانية والإلحاد والتفلت الأخلاقي في كثير من الأحيان تحت مظلة البعث الحاكم.
  • لدى فتيات الجماعة قناعة وإيمان بأن مظاهر التدين والإسلام بشكل عام لم يكن ليوجد لولا الجماعة، فمنذ ظهور الجماعة مروراً بالمحطات الكثيرة التي مرت على سورية؛ إما في محاربة مظاهر التدين أو في صعودها كان للجماعة الفضل في المحافظة على القيم والأخلاق الإسلامية في المجتمع السوري المحافظ، من خلال الحض على الحجاب، وحفظ القرآن والتعليم الروحي… وفي الواقع للآنسات القبيسيات الفضل في تعريف البنات بأمور دينهن التي قد تتحرج الأمهات من الخوض فيها، ففي ظل غياب دور الأم التربوي والتنشئة الدينية الملتزمة وانعدام التعليم المدرسي الديني لأصول الدين والشريعة، فإن الجماعة تقوم بهذا الدور في تأسيس الفتيات دينياً وأخلاقياً. كما حققت للفتيات شعوراً بالانتماء في جو اجتماعي بين حلقات الآنسات والمريدات أو بين المريدات فيما بينهن، وعن طريق المدارس الخاصة يحاولن خلق حدٍ مقبول من الالتزام الديني. وفي نظر علماء الدين والمشايخ فإن وسائلهنّ ومناهجهن التعليمية الدينية أفضل من الوسائل التعليمية الحكومية، على الرغم من أنه لا وجود لأية خطوة أو حركة تتم خارج الاتفاق مع وزارات نظام الأسد الثقافية والتعليمية.
  • تشجّع الجماعة الفتيات على قيام الليل وإقامة الفرائض والورد الليلي والتسابيح اليومية والأذكار وعدم الاختلاط وتحري الشبهات في السلوك والقول من خلال دروس دينية على شكل حلقات تُعقد بشكل دوري في المساجد أو منازل إحدى الآنسات والداعيات، غالباً ما تكون مغلفة باحتفالات دينية كليلة القدر ومنتصف شعبان والمولد النبوي وحفلات تكريم للفتيات اللاتي أتممن حفظ أجزاء من القرآن أو ختم القرآن كله… و”هناك حلقات تقام في المساجد للداعيات الكبيرات لدى الداعية منيرة وهي خمس مساجد وحصلوا على ترخيص رسمي من وزارة الأوقاف، ويمتلئ حرم هذه المساجد عندما تعطى هذه المحاضرات” . كما تحرص على تنمية شخصية الفتاة وتقويتها، وحثها على طلب العلم والوصول إلى المراتب العليا وخلق حالة من التنافس الشريف، وتولي بعنايتها اكتشاف مواهب وطاقات وقدرات البنات وتنميتها بشكل يخدم الجماعة وممارسة نشاطاتها الدعوية بشكل منظم وهادف.
  • مما ساعد على انتشار الجماعة دخولها بين طبقة الأغنياء والطبقة ذات المكانة الاجتماعية المرموقة وبين نساء أصحاب النفوذ ورجال الأعمال حيث قدمت مصداقية وقبولية لصورتهن في الأوساط النسائية بشكل واسع، ولم يكن التقرب من الأغنياء استراتيجية تعتمده الجماعة للتأثير في السياسة، فهذا النهج اُتبع من قبل أغلب التيارات والجماعات الدينية في سورية، خاصة في المدن المركزية، حيث عُد نشر الدين وتعاليمه بين أفراد الطبقة الغنية إنما هو بمثابة نصر للجماعات الدينية كون أفراد تلك الطبقة قد تكون غارقة في حياة من الترف والدعة والبذخ تجعلهم بعيدين عن الدين. هذا النفوذ المديني والممتد إلى طبقة الأغنياء طالت فئة من المسؤولين في الدولة حيث فُتح لهن المجال واسعاً لجمع مبالغ من أجل التبرع للأعمال الخيرية، مع الإنجاز بسرية كي لا تكتسب الجماعة حاضنة شعبية وتتوسع أكثر فتفتح أعين المخابرات على نشاطهن الخيري فيُلاحقن ويُضيق عليهن.
  • امتد نفوذ الجماعة في المجال العام إلى تقديم مساعدات خيرية وبعض الخدمات الطبية، وأشرفت بعض الآنسات القبيسيات على جمعيات خيرية مثل جمعية البر في حمص التي أُنشأت من تبرعات بعض تجار مدينة حمص وأقيم فيها مشاريع للأيتام ومشفى ومكتبات ومشغل وروضة ومركز لغوي خاص بالجمعية، وأقيمت فيه حملات لجمع الثياب المستعملة وتوزيعها على الفقراء.

المبحث السابع سرية الجماعة شعبياً وعلنيتها أمنياً

  • من غير المنطقي الحديث عن حركة أو جماعة أياً كان توجهها ناشطة داخل سورية في حكم الأسد الأب والابن القمعي المخابراتي بشكل سري؛ فكل الحركات والأحزاب والجماعات، على اختلاف توجهاتها سواءً كانت إسلامية أو علمانية، اُخترقت أو اُكتشفت ولوحق بعض أفرادها وأبعد الآخر ووضع غيرهم تحت المراقبة، فكيف بحركة نسائية دينية دعوية وفي قلب العاصمة دمشق!
  • بعد الانفراجة الدينية الممنهجة وانتشار مظاهر التدين وافتتاح معاهد تحفيظ القرآن في مختلف المدن السورية، ظلت الجماعة تتحرك بسرية، كما قلنا سابقاً، ويحق لنا هنا أن نتساءل لماذا ظلت هذه السرية ملازمة لتحركات الجماعة في ظل بيئة أمنية ومجتمعية أصبحت شيئاً فشيئاً تقبل بوجودهن ونشاطاتهن؟ لدرجة أن وصلت مسألة السرية حداً من الطقس المتعارف عليه يُتداول بين الطالبات المستجدات وكأنه من شروط الانتساب؟ مع أن اللباس الموحد بين القبيسيات كفيل بأن ينفي عنهن تهمة السرية، فمن السهل الدلالة عليهن وهنّ في الشوارع أو المساجد أو الجامعات أو في الأماكن العامة، إلا أنهن اتخذن من الحذر منهجاً دائماً في تنقلاتهن فكن لا يخرجن جماعات بعد الانتهاء من الدروس بل إما فرادى أو على شكل فئة قليلة (ليس أكثر من أربع طالبات)، كما أن الدروس والحلقات الدينية وجلسات الذكر التي كانت تعقد في بيوت إحدى الآنسات أو التلميذات كانت بغطاء مناسبات واحتفالات اجتماعية في أغلبها وبشبه سرية.
  • جماعة القبيسيات أدت إلى حدٍ ما الدور نفسه الذي كان للجماعات والتيارات الدينية في سورية من كونها مثلت صمام الأمان في وجه أي انفجار لحراك اجتماعي أو سياسي أو ثوري قد يطرأ على المجتمع من خلال تعزيز منهجية الفكر الديني الذي يركز على أخلاق الفرد والتركيز على علاقة الفرد الخاصة مع الله، دون الالتفات كثيراً إلى الشأن العام.  

المبحث الثامن النأي بالنفس عن السياسة… سياسة

  • غياب التصور الشامل لدى جماعة القبيسيات عن الواقع والحياة وضمور فكرة التغيير الشامل لديهم كما في أدبيات الجماعات الأخرى ، يضاف إلى ضمور دراسات الفكر الإسلامي عموما لديهم وغياب المممارسة السياسية والتنظيمية بالمعنى الحركي أدى إلى ضبابية الموقف السياسي من الأنظمة الحاكمة التي يحيون في كنفها وخصوصا النظام السوري وبقيت العلاقة معه لفترة طويلة علاقة متوجسة متحفظة من الطرفين ،تقوم على كثير من البراغماتية تمارسها الجماعة نتيجة استشارات وتوجيهات مشيخية ذكورية كما في نصائح الحبش والدكتور البوطي.
  • موقف القبيسيات السياسي هو موقف أغلب المشايخ في مختلف الجماعات والمدارس الدينية التقليدية في سورية نفسه، الذين إما نأوا بأنفسهم عن السياسة تحت ذرائع عدة أهمها الحفاظ على سيرورة العمل الدعوي كما هو حال أغلب المدارس التقليدية ، أو كانوا على مذهب طاعة الحكام وولي الأمر ونهوا عن الخروج عليه، وشرّعوا عدم الخوض في الشأن العام وتكرار الخطاب السياسي للنظام من زاوية دينية؛ بالتالي فإن تشجيع هذا النوع من التدين الشعبي والسماح للجماعة بممارسة نشاطاتها الدعوية والتربوية، وإن كان على شكل حركات وجماعات مثّل ضرورة أمنية لحكومة الاستبداد كونها بعيدة عن ما يعرف بالإسلام السياسي أو التدين الحامل لأجندات سياسية، عدا عن الدور الاجتماعي والديني المهم المنوط بالجماعة كون القبيسيات شكلنّ صمام الأمان للمجتمع واستقراره ضد أية حركة أو جماعة من الممكن أن تلعب دوراً في زعزعة الركود المجتمعي والسياسي الذي اجتاح سورية طيلة 50 سنة.
  • إن طبيعة العلاقات الاجتماعية السلطوية الدينية الثلاثية في سورية في مجتمع الرجال الديني والسياسي يُسحب على مجتمع النساء كذلك الأمر، فالعلاقة النفعية والمصلحية بين التجار ورجال الأعمال وبين مخابرات نظام الأسد بواسطة المشايخ وعلماء الدين، هي العلاقة المتفق عليها بوعي أو دون وعي  لمزاولة النشاطات الدينية بدعم رأسمال رجال الأعمال وبمباركة من الأجهزة الأمنية والتي تتقاطع مصالحها مع طبقة التجار وتتحالف معها في كثير من الأحيان.

خاتمة

  • ترسم جماعة القبيسيات كحال الجماعات الدينية في مجتمع الرجال صورة دقيقة عن واقع التدين ومظاهره واتجاهاته ومواقفه في المجتمع السوري في ظل حزب البعث، وتقدم لنا فكرة واضحة عن كم التشوه الديني الذي طال الخطاب الديني للجماعات الدينية في بعدها عن جادة الحق وفي استكانتها لأشكال من الظلم والعنف والتجهيل لمجرد تبنيهم مبدأ عدم الخروج على الحاكم ولو كان ظالماً وموغلاً في الطغيان ومرتكباً لجرائم ضد الكرامة الإنسانية.
  • جماعة القبيسات كأية جماعة دينية قد تنحرف في بعض مساراتها على طول الزمن إن لم تجرِ مراجعات دورية ووقفات نقدية وتطوير وتجديد بشكل مستمر. ونقول إنه ليس من الخطأ والمعيب الوقوف بشكل دائم مع الذات لإعادة تقييمها وتصفية ما علق فيها من شوائب وتشوهات تلحق بأية جماعة أو إيديولوجيا أو تيار بمسارها الزمني، بل من المعيب أن تظل أية جماعة متشبثة بآراءها مدعية أنها لازالت تحتفظ بنقائها وبريق مبادئها الأولى دون القيام بالمراجعات والتدقيق، مع أن ذلك حدث مع القبيسيات بشكل جزئي  عندما تم إيقاف تدريس كتاب “إحياء علوم الدين” للغزالي الذي عُرف عنه احتواءه للعديد من الأحاديث الضعيفة المنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وعندما ابتعدت الجماعة عن المنحى الصوفي المغرق في الفردية والاستلاب المجتمعي.
  • يظل الموقف السياسي منوطاً بالفقه الذي استندت إليه الجماعة وهو ما كان ليس بالإمكان تغييره أو تطويره أو الخروج عليه طالما ظل المجتمع قابعاً تحت قبضة أمنية شديدة تحالفت معه أغلب المدارس الدينية التقليدية حيناً وابتعدت أو صمتت المدارس الدينية الأخرى عن أي مشاركة في الحياة السياسية.

الرابط الأصلي:

http://www.jusoor.co/details/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A8%D9%8A%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%AA-….%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B4%D8%A3%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%83%D9%88%D9%8A%D9%86/346/ar