النتاج الفكري 30-10-2017

النتاج الفكري 30-10-2017

تقرير يومي يتابع أهم الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث المحلية والعالمية بما يخص المشهد السوري الداخلي مع التوقف على البعدين الإقليمي والدولي وانعكاس ذلك على صناع القرار، كما يعرض مضمون هذه الدراسات بطريقة موجزة ومقتضبة بما يوفر الجهد والوقت على المهتمين والباحثين.

مركز كارنيغي

معارك سوريا الأخيرة

  • ليس هناك في الواقع مؤشرات على أن لدى الولايات المتحدة أي نية متبقية للدفع قدماً نحو تغيير سياسي في سورية، أو حتى أن لها أصلاً سياسة تجاه سورية على الإطلاق. وبالتالي، ومع هذا الغياب الأميركي، ستُسفر معارك سورية المقبلة عن نوع جديد مختلف تماماً من المحصلات عن تلك التي تصوّرها بيان جنيف في حزيران 2012، أو حتى إطار فيينا في تشرين الثاني 2015. هذان الاتفاقان رسما، على رغم الاختلافات بينهما، لوحة لعملية دبلوماسية بإشراف دولي تقود إلى تقاسم سلطة رسمي بين الحكومة السورية وبين المعارضة. لكن، لن يحدث في الحقيقة لا تقاسم للسلطة أو عملية انتقال سياسي في دمشق، ولا تخلٍ للأسد عن الحكم.
  • سيكون الفعل الأكبر لمحادثات أستانة التي ترعاها روسيا دفع أجزاء أساسية من المعارضة المسلحة إلى الانضمام الى مسار يُتوَّج بإعادة دمجها في الدولة السورية، تحت مظلة الحكم الراهن. وكان الرئيس الروسي بوتين صريحاً حين قال في خطاب أمام منتدى دولي في 19 تشرين الاول: ” حالما تتشكّل مناطق خفض التوتر، سيبدأ الناس الذين يسيطرون عليها بإجراء اتصالات مع دمشق، مع الحكومة”.
  • المعركة الأولى تجري الآن بالفعل على قدم وساق، وهي تتمثّل في طرد تنظيم الدولة مما تبقى من معاقله على طول القطاع الأوسط لنهر الفرات في محافظة دير الزور. ويفترض بعض المراقبين أن هذه المنطقة ستشهد أيضاً تسابقاً للسيطرة عليها، استناداً إلى الاعتقاد بأن الولايات المتحدة ستسعى إلى إحكام قبضتها على المنطقة الحدودية، بهدف منع إيران من شق “ممر برّي” إلى البحر المتوسط. وبالفعل، تدعم الولايات المتحدة تقدُّم قوات سورية الديمقراطية ذات الأكثرية الكردية إلى تلك المنطقة، غداة فشل محاولتها السابقة لبناء قوة معارضة قادرة على مهاجمة الدولة الإسلامية انطلاقا من قواعد في البادية الجنوبية السورية. بيد أن بسط النظام سيطرته على مدينة الميادين التي تقع جنوب مدينة دير الزور في 14 تشرين الأول الماضي، سد الطريق أمام اندفاع قوات سورية الديمقراطية لتحقيق المزيد من التقدم، في الوقت نفسه أتاح للقوات الحكومية نقطة ارتكاز تزحف منه، تحت غطاء جوي روسي، على البوكمال في الطرف الجنوبي من وادي الفرات خلال الأسابيع والأشهر المقبلة. ومثل هذه المحصلة لن تُواجه باعتراض أميركي.
  • المعركة الثانية هي تلك المؤجلة في محافظة إدلب، والتي سبق أن أُعلن مرات عدة عن بدئها. لكن هذا لم يحدث. الأهم هنا هو تصميم الحكومة التركية على منع حزب الاتحاد الديمقراطي من خلق ما وصفه الرئيس التركي أردوغان بالممر الإرهابي الذي يبدأ في عفرين ويمتد إلى البحر المتوسط. بيد أن التكهنات بأن تركيا ستلتزم مهمة تهدئة إدلب، التي يسيطر التحالف الجهادي “هيئة تحرير الشام” على معظمها، في مقابل إطلاق يدها لاستئصال الجيب الكردي، ليست في محلها.
  • على رغم إشارات أردوغان المتكررة الى “عملية عسكرية جدّية” في سورية، إلا أن القوات المسلحة التركية لن تشن معركة برية كبرى ضد خصوم مُحصنين جيدا، سواء في إدلب أو عفرين، من دون دعم جوي قوي، وهو الدعم الذي تسبّب غيابه في تكبّد القوات التركية خسائر فادحة خلال تقدمها إلى بلدة الباب شمال حلب أوائل هذا العام. لكن، في حين أن روسيا عرضت استخدام سلاحها الجوي لحماية مراقبي الهدنة الأتراك المُنتشرين في إدلب، إلا أنها لا تسمح لسلاح الجو التركي بالقيام بمهمات قتالية في المجال الجوي السوري.
  • أدى التموضع العسكري التركي في إدلب، في إطار اتفاقية أستانة لخفض الصراع، إلى طي صفحة خيار أنقرة الخاص بقيامها بتدخل عسكري منفرد. والآن، ومع المحاصرة التامة لعفرين من قبل القوات التركية أو فصائل المعارضة المسلحة الحليفة لها، سيكون على أنقرة تأجيل أي عمل عسكري كبير، بما في ذلك العمليات ضد هيئة تحرير الشام التي سيتم احتواؤها بدلاَ من مواجهتها.
  • يتوقف توقيت ومسار العمليات العسكرية المستقبلية في إدلب على المعركة الثالثة التي تتوالى فصولاً: الصراع الحتمي بين النظام وبين الأكراد حول درجة الحكم الذاتي السياسي الذي سيتمتعون به حين تضع الحرب السورية أوزارها. بالطبع، نجاح قوات سورية الديمقراطية في انتزاع السيطرة على مدينة الرقة ومناطق جديدة في المحافظات الشرقية، من يد الدولة الإسلامية، سيشد من أزر حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يسيطر مباشرة على المكوّن الكردي الأكبر لتلك القوات. بيد أن قدرة الحزب على التفاوض مع النظام وانتزاع التنازلات منه تعترضه عقبات كأداء تتجسّد في المشهد الجيوسياسي غير المؤاتي له. إذ أن الاستفتاء على الاستقلال الذي أُجري في 25 أيلول/سبتمبر في كردستان العراق المجاور، لم يفعل شيئاً سوى تأجيج مشاعر القلق لدى تركيا من النوايا الكردية في سورية، كما أنه جعل من الصعب على الحكومات الغربية الدفاع عن نصرة القضية الكردية في سورية. واقدّم مسؤولون حكوميون سوريون إشارة هامة على نواياهم حين أدانوا الاستفتاء بكونه خطوة “انفصالية”، وهنأوا الحكومة والقوات المسلحة العراقية على نجاحها في “الحفاظ على وحدة العراق أرضاً وشعبا”، من خلال انتزاعها السيطرة على مدينة كركوك المتنازع عليها من يد حكومة إقليم كردستان في 16-17 تشرين الأول.
  • التهديد الضمني في ثنايا هذا التصريح جلي للعيان، ويتمثّل في إعادة فرض سلطة الحكومة السورية على المناطق التي تُسيطر عليها راهناً قوات سورية الديمقراطية. لعل النظام يكتفي بداية بالمطالبة فقط بتسليمه الرقة وباقي المناطق غير الكردية، ولكن يمكنه بسهولة أن يوسّع هذا المطلب ليشمل القامشلي، عاصمة محافظة الحسكة، ونقاط عبور حدودية في قلب المنطقة الكردية مثل تل أبيض..
  • المجابهة العسكرية بين نظام الأسد وبين الأكراد ليست حتمية. إلا أن أي حل سلمي سوف يعتمد على قدرة روسيا على جسر الهوة بين أقصى حكم ذاتي إداري يكون النظام مستعداً لمنحه للأكراد، وبين أدنى حكم ذاتي سياسي يطالب هؤلاء به. وهذه مهمة شاقة نظراً للعداء الذي يكنّه النظام لفكرة اللامركزية التي سبق لروسيا أن حبذتها منذ أوائل العام 2016 كإطار لحل الخلافات. يضاف إلى ذلك أن أي صيغة يتم التوصل إليها، يجب أيضاً أن تهدئ من روع تركيا ومخاوفها من الحكم الذاتي الكردي، إذا ما كانت ستوافق على القضاء على هيئة تحرير الشام في إدلب، وتشجّع المعارضة السورية المسلحة على المضي قدماً بمسار الأستانة حتى نهاية مطافه بالانخراط تحت لواء الدولة المركزية، والانسحاب من سورية.
  • مختلف سيناريوهات المعارك هذه، لن تحدث بدقائق تفاصيلها أو في سياقات متتابعة واضحة. فروسيا تفتقد إلى ما يكفي من النفوذ لإجبار نظام الأسد على قبول تسوية سياسية وفق شروط قد يعارضها بقوة، لكنها سوف تسعى إلى لجم اندفاعه إلى حرب مع قوات سورية الديمقراطية لأطول فترة ممكنة. وهذا سيكون أمراً سهلاً طالما أن النظام لايزال يقاتل لاستعادة وادي الفرات من قبضة الدولة الإسلامية، خاصة وأنه قد يُيمم وجهته بعد ذلك صوب المجابهة مع هيئة تحرير الشام في إدلب. لكن، في مرحلة ما من السنة المقبلة، سيلجأ النظام إلى تكتيكه المعتاد: إجراء حوار سياسي عبر الضغط العسكري المباشر، في حواره مع روجافا. في ذلك الوقت، قد تجد قوات سورية الديمقراطية نفسها عُرضة إلى الخطر بسبب تمددها الزائد جغرافيا.

الرابط الأصلي:

http://carnegie-mec.org/publications/?fa=73530

Leave a comment