النتاج الفكري 30-11-2017

Tags:

تقرير يومي يتابع أهم الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث المحلية والعالمية بما يخص المشهد السوري الداخلي مع التوقف على البعدين الإقليمي والدولي وانعكاس ذلك على صناع القرار، كما يعرض مضمون هذه الدراسات بطريقة موجزة ومقتضبة بما يوفر الجهد والوقت على المهتمين والباحثين.

مركز حرمون

الرقة: خلال وبعد الطوفان

مقدمة

  • بعد سيطرة الميليشيات الكردية على الرقة أثارت ثلاث قضايا اللغط والتساؤلات، الأولى طريقة استغلالها “الطائشة” لبث رسائل قومية “شوفينية” توحي بالفعل بأنها مُحتلّ جديد للمدينة، والثانية اختفاء مقاتلي (تنظيم الدولة الإسلامية) من المدينة بشكل غريب وسريع، والثالثة رفض أي طرف-عدا الولايات المتحدة-الاعتراف أو التعاون مع الميليشيات الكردية لإدارة المدينة ورسم معالمها المقبلة، سياسيًا وعسكريًا وديموغرافيًا، وهذه القضايا وغيرها سترسم مستقبل المدينة وما حولها في المستقبل القريب.

أولًا: استعراضات “طائشة

  • فور سيطرة الميليشيات الكردية على مدينة الرقة، أو “استلامها” من (تنظيم الدولة)، استنسخ مقاتلو (قوات سورية الديمقراطية) ما قام به مقاتلو (داعش) قبل ثلاث سنوات، في ساحة الشهيد حسين جاهد، من استعراض عسكري لمظاهر القوة، و”التفحيط” بالمدرعات في وسط الساحة، والإفراط برفع الرايات القومية والصور، واستعراض صور للأحياء المدمّرة كليًا في المدينة.
  • قام المقاتلون الأكراد بإنزال الراية السوداء لـ (تنظيم الدولة) من (دوار النعيم) وسط المدينة أو ما كان عُرف سابقًا بـ (دوار جهنم) الذي شهد الكثير من عمليات الإعدام الجماعي بحق المدنيين خلال فترة سيطرة التنظيم على المدينة، لكنّهم رفعوا فورًا بدلًا منه سارية عملاقة عليها علم كردي، لا يعني لأهالي المدينة أي شيء.
  • رفض شيوخ عشائر الرقة حضورَ احتفالية الميليشيات الكردية بالسيطرة على المدينة، كما لم يحضرها أي من المعارضين أو الناشطين المعروفين في الرقة، ورفض أهالي المدينة ووجهاؤها أن يكونوا جزءًا من مجلس محلّي عيّنه الأكراد وحاولوا أن يُطعّموه ببعض من أبناء المدينة، وفشلوا في ذلك.
  • كانت استعراضات الميليشيات الكردية مُبالغًا فيها، وجارحة للكثير من السوريين، ومُستهجنة بالنسبة إلى الرأي العام الدولي، وأثارت حنقًا تركيًا إضافيًا ضد الأكراد، واستياءً روسيًا وإيرانيًا، ما دفع ببعض القيادات الكردية لتبرير الاحتفالية، ورفع صورة أوجلان وسط الرقة، بأن المقاتلين وصلهم خبر يتعلق بسوء صحة أوجلان في سجنه فعبّروا باستعراضاتهم عن تضامنهم معه، ولم تُقنع هذه الحجج أحدًا من المُنتقدين.
  • التزمت واشنطن الصمت حول أداء ذراعها العسكري الكردي في الرقة، وغضّت الطرف عن ممارسات عناصر (قسد) السلبية في المدينة، وقال بعض المعارضين السوريين إن الإدارة الأميركية قررت غضّ الطرف عن هذه الانتهاكات مقابل خدمات هذا الطرف، خاصة أنها قررت ألّا تزجّ قواتها في الحرب السورية خشية أي مصير مماثل لفيتنام أو أفغانستان أو العراق.

ثانيًا: تبخّر (داعش)

  • عندما سيطرت الميليشيات الكردية على الرقة، تبخّر فجأة مقاتلو (داعش)، واستفرد حلفاء الأميركيين بمصير المدينة، وقاموا بتدمير مقارّ التنظيم وسجونه، والتي من المفترض أن فيها أسرى احتجزهم التنظيم في أوقات سابقة، ودمّروا كل الأدلة التي يمكن أن تُوصل إلى هؤلاء الأسرى من أبناء المدينة وسواها.
  • سيطرت الميليشيات الكردية على الرقة من دون أن يظهر أي مقاتل من مقاتلي التنظيم الأجانب، واختفى كل أثر لهم، ولم يرَ أبناء المدينة المُدمّرة أيًا منهم، وقال الأهالي إن الميليشيات الكردية اتّخذت من الترويج والمبالغة بوجود هذا العدد الضخم من مقاتلي (تنظيم الدولة) الأجانب حجّة لتقوم قوات التحالف الدولي بتدمير المدينة كلّيًا على رؤوس أصحابها.

ثالثًا: انتهاكات

  • (قسد) فعلت كل ما في وسعها لتقديم معلومات وإحداثيات مُضلِّلة، نجم عنها مقتل مدنيين بالجملة، بما يمكن وصفه بجرائم الحرب، وكذبت بشأن معارك وهمية، وقصفت مدفعيًا بشكل عشوائي، وقامت بمحاصرة المدنيين بما يُخالف قوانين الحرب.
  • الميليشيات الكردية التي سيطرت على المدينة قامت بعمليات سرقة للممتلكات، وأطلقت عملية تجنيد إلزامي واسعة للشباب، واقتادت المئات من المدنيين إلى معسكرات اعتقال قرب عين عيسى، بل وأخفت المعتقلين والمختطفين الذي كانوا في سجون (تنظيم الدولة) أو قايضتهم.
  • لم تصدر أيّ ردّة فعل من الولايات المتحدة، ربما لأن كل ما كان يهم البيت الأبيض هو أن تنجح هذه المعركة لأنها ستحقق نتائج سياسية مهمة لإدارة ترامب، ولا ضير في أن يكون عدد الضحايا كبيرًا، أو أن تُدمّر المدينة، أو أن تحتفل الميليشيات الكردية بالسيطرة عليها على طريقتهم “الاحتلالية”، ما استدعى غضّ الطرف عن انتهاكات طالما أن هناك حاجة لمرتكبيها، وطالما أن النتيجة- على المدى الأبعد- لن تفيد سوى الولايات المتحدة وحدها.
  • الرقة الآن مدينة مُدمّرة بالكامل، أكوام الركام وأنقاض المنازل تبعث برسائل واضحة عن الاستراتيجية الأميركية، وهو أن القوة المُدمِّرة المُفرطة حاضرة دائمًا، وأن الولايات المتحدة لن تتورط بريًا في سورية ما دام هناك من يمكن أن تستخدمه على الأرض، وأنها أيضًا لن تنسحب من المناطق التي تريد الهيمنة عليها حتى لا تتكرر معها تجربة سحب قواتها من العراق في العام 2011.

رابعًا: إدارة بالقوة

  • قامت (قسد) بتعيين مجلس محلي للمدينة، كانت قد أعدّته مسبقًا، أغلبيته من الأكراد والبعض من سكان المدينة من الموالين لهم، على الرغم من أن وجود الأكراد في المدينة قبل الحرب كان لا يزيد على 3% من عدد سكانها، وبدأ هذا المجلس المُعيّن يتّخذ قرارات بشأن المدينة بخلوّها من سكّانها الذين فرّوا منها بمئات الآلاف.
  • أعلنت الميليشيات الكردية أن مدينة الرقة ستكون جزءًا من سورية “لا مركزية اتحادية”، وقالت إن مستقبل محافظة الرقة “سيحدده أهلها ضمن إطار سورية ديمقراطية لا مركزية اتحادية، يقوم فيها أهالي المحافظة بإدارة شؤونهم بأنفسهم”. وتعهّدت بـ “حماية حدود المحافظة ضد جميع التهديدات الخارجية، وتسليم السيطرة إلى مجلس مدني من الرقة”.
  • استبعدت واشنطن التعامل مع ناشطي الرقة وأهلها وقواها الحقيقية، وفضّلت التعامل مع الميليشيات الكردية الهجينة من مقاتلين أكراد أتراك وعراقيين وإيرانيين وسوريين، يسعون لمشروع بطابع قومي مرفوض من دول المنطقة.
  • التصريحات الأميركية التي تُشدّد على أن الولايات المتحدة لن تدعم مشروعًا انفصاليًا في المناطق التي يسيطر عليها “حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي”، باتت مشكوكًا فيها، فالولايات المتحدة، التي ترفض تقسيم سورية، دعمت حتى الآن (قسد) لاحتلال الرقة وتهجير سكانها، وإعلانها حكمًا ستحاول تثبيته، ينضم إلى فدرالية يقوم الحزب الكردي بالإعداد لها منذ ثلاث سنوات، ومنحتها مصادر الطاقة والتمويل والحياة: آبار النفط، سد الفرات، محطات الطاقة الكهربائية، وحقول القمح؛ كما أتاحت لها أيضًا شيئًا مشابهًا في مناطق تمتدّ من القامشلي حتى الرقة في معظم الشمال السوري.
  • يبدو أن مستقبل المدينة ووسائل إدارة شؤونها الخدمية واليومية، ووسائل تأمين حمايتها، ستظلّ جميعها قضايا مُعلّقة، وسط رفض السكان وجود الميليشيات الكردية في المدينة، وقبولهم مرغمين له، على الأقل طالما أن هذه القوات الكردية ستبقى من القوة بمكان لا تسمح لهم بتغيير الواقع. كما سيبقى هاجس السوريين عمليات التغيير الديموغرافي التي لم تتوقف الأذرع العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي عن القيام بها، ليس في الرقة فحسب، بل في المناطق الشرقية والشمالية لسورية.

خامسًا: ما بعد الطوفان

  • بعد سيطرته على المدينة عام 2014، فرض (تنظيم الدولة) قوانينه التكفيرية على سكان المدينة، ومارس إجرامًا لا حدود له، طال المعارضين للنظام والمعارضين للتنظيم بشكل أساسي، بينما كانت المواجهات بين التنظيم وقوات “النظام السوري” شبه معدومة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المواجهات بين التنظيم والميليشيات الكردية.
  • بسيطرة الميليشيات الكردية ، تقلّص نفوذ (تنظيم الدولة) في العمق السوري إلى درجة شبه معدومة، ومع سيطرة قوات النظام على دير الزور شرقي سورية، بات وجود (التنظيم) في كل سورية شبه معدوم أيضًا، عدا عن بضعة جيوب في مناطق مبعثرة، أو عبر بعض الفصائل المسلحة الموالية له والتي تُمثّله على الأرض.
  • طرح انهيار (تنظيم الدولة الإسلامية) أسئلة حول مستقبل التدخل العسكري الأميركي في سورية، لكن الولايات المتحدة حسمت الأمر سريعًا، وأعلنت أنها لن تنسحب من سورية حتى لو هلك (تنظيم الدولة الإسلامية)، وربطت مغادرتها بالتوصل إلى حلّ سياسي نهائي مضمون وراسخ في سورية، وهي تُعلن عن ذلك حتى لا تترك فراغًا بانسحابها، سيستغله الروس والإيرانيون و”النظام السوري”، وسيتسبب بهلاك المشروع الكردي برمّته، وانهيار ثقة حلفاء الولايات المتحدة بها. وفي هذا السياق، قال الرئيس دونالد ترامب “معًا، أي مع حلفائنا وشركائنا، سندعم المفاوضات الدبلوماسية التي تُنهي العنف وتسمح للاجئين بالعودة بسلام إلى ديارهم، وتؤدي إلى تحول سياسي يحترم إرادة الشعب السوري”، لكنّه لم يُشر إلى مستقبل الأسد، ولم يوضح أيضًا كيف ستدعم الولايات المتحدة قوات الأمن المحلية، ومن هي هذه القوات.

سادسًا: خاتمة

  • يبدو أنها مرحلة إعادة رسم الخرائط السياسية في إقليم يعاني من اضطرابات سياسية واستراتيجية، وفوضى عسكرية غير مسبوقة. والخطر الكبير سيبقى ماثلًا لزمن ليس بقليل، وثمة سلسلة من الاعتبارات الاستراتيجية التي يرتبها خروج التنظيم من الرقة، منها أين اختفى التنظيم، وأين ذهب قادته ومقاتلوه، وما مصير مئات الآلاف من السكان، ومن سيقوم بإعادة تأهيل مدينتهم، وكيف يمكن للحكومة المركزية بدمشق أن تتحكم في هذه المنطقة الحرجة، وهل ستتعامل الميليشيات الكردية مع النظام، وفي حال تعاملوا معه هل ستبدأ حرب مفتوحة مع المعارضة، وهل سيبقى تقاسم الأدوار الناعم بين الروس والأميركيين، وهل سترضى إيران وتركيا بـ “حصصها” المعدومة تقريبًا، كلها أسئلة تُشير إلى انفتاح المنطقة على صراعات أعنف وأغرب، وإلى أن الأمور منفتحة على احتمالات كثيرة.

الرابط الأصلي:

https://harmoon.org/archives/7389