الهدنة المعلنة في سوريا سلبياتها وفرص نجاحها

Tags:

الهدنة المعلنة في سوريا سلبياتها وفرص نجاحها

جاء وقف إطلاق النار ليشمل كافة الجبهات، وأُعلِن الاتفاق في أنقرة في 29 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، حيث وقعت عليه كبرى فصائل الثورة السورية مع روسيا بضمانة تركية وروسية كفرصة جدّية للتخفيف من المأساة التي يعيشها السوريين بشكل يومي، وللبدء بعملية سياسية لحل القضية السورية وذلك بعد الاجتماع السداسي الذي دعت إليه موسكو، وضمّ وزراء خارجية ودفاع كل من روسيا وتركيا وإيران، وخرج الاجتماع الذي عقد في 20 كانون الأول/ ديسمبر 2016 ببيان حمل اسم “إعلان موسكو” وتضمّن خارطة للحل السياسي في سورية، تشمل توسيع وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في حلب ليشمل الأراضي السورية والأطراف المتحاربة كافة، باستثناء تنظيم الدولة (ISIS)، وإحياء المسار السياسي، الذي لم يحقق أيّ تقدم منذ انطلاقته برعاية دولية في كانون الثاني/ يناير 2014. فما هي مقومات نجاحه في ظل اختلاف المصالح، وما مدى إمكانية فشله لا سيما مع تعنت الجهات المتطرفة في كلا الجانبين؟

يمكن تحديد المعنيين الأساسيين بهذا الاتفاق بكل من:

  • فصائل الثورة السورية والتي فرضت نفسها كممثل للشعب السوري في المناطق المحررة، وستكون شريكة لباقي الهيئات السياسية المتحدثة باسم السوريين، والتي تعهدت تركيا بكبح جماحها والضغط لإلزامها بتنفيذ الاتفاق، إضافة للفصائل الإسلامية الجهادية التي تقاتل جنبا إلى جنب مع فصائل الثورة المعارضة للنظام تحت شعار نصرة السوريين وكثيرا من عناصرها لا يحملون الجنسية السورية.
  • وفي المقابل تعهد الطرف الروسي بإلزام النظام السوري، وهو أهم المعنيين بهذا الاتفاق فعليه يقع العبء الأكبر في تطبيقه، ومدى التزامه به يحدد إمكانية المضي لتحقيق باقي الخطوات أو التوقف والعودة إلى المربع الأمني، وتشترك معه المليشيات الأجنبية التي استجلبها، وهي لا تفهم إلا لغة السلاح ودعمها مباشر من إيران.

دوافع تثبيت وقف إطلاق النار والانخراط في العملية السياسية:

أثار تحول الموقف التركي إزاء القضية السورية الكثير من التساؤلات حول طبيعة ذلك التحول وأبعاده المرتقبة على مسار الثورة، والواقع أنّ رئيس الوزراء بن علي يلدريم أخذ على عاتقه تبني عملية تحول جذري في السياسة الخارجية التركية في ظل التهديدات الأمنية التي تحيط ببلاده من مختلف الجوانب لعل أبرزها:

  • حزب العمال الكردستاني الذي يحارب لإنشاء كيان مستقل للأكراد.
  • تنظيم الدولة الإسلامية (ISIS) الذي يطمح لفتح اسطنبول (القسطنطينية سابقاً).
  • تزايد النفوذ الإيراني والتخوف من مشروعها التوسعي في المنطقة.

وقد تزايدت الهجمات الإرهابية بشكل ملحوظ منذ بداية عملية درع الفرات التي تقودها تركيا بالتعاون مع فصائل الجيش السوري الحر، وبعد الكثير من الوعود الزائفة التي تلقتها تركيا من الأوربيين والأمريكان في عهد أوباما لم يعد أمامها من خيار إلا المضي مع الجانب الروسي في طرحه لعملية السلام في محاولة لمنع امتداد الحرب لداخل أراضيها.

بالإضافة لعدم تمكن الفصائل الثورية من استيعاب تلك التحولات فضلاً عن الاستجابة لها، حيث لم تتمكن من تطوير أدواتها، بل أخذت في التراجع أمام الضغوط الإقليمية والدولية، فلم تستطع إنشاء جسم يجمع البرامج المختلفة لهذه الفصائل مما يزيد إمكانية تعرضها لانتكاساتٍ قادمة، ولعل ما حصل في مدينة حلب يبرز ضعف التكتيكات المتبعة من قبل هذه الفصائل، كما أنّ سياسة الأرض المحروقة التي يتبعها النظام وحلفائه ضاعفت مأساة السوريين، وبالتالي دفعتهم للقبول بوقف إطلاق النار لإعادة ترتيب أوراقهم وأولوياتهم والدفع باتجاه عودة النازحين واللاجئين إلى أماكن أمنة.

بالنظر إلى الجانب الروسي الذي قام بتجربة معظم أسلحته ومعداته الحربية في الساحة السورية، والتي أظهرت الكثير من الأخطاء الفنية، فهو يعاني أيضاً من وضع اقتصادي يزداد تدهوراً، كما أنه بحاجة لتثبيت تفوقه العسكري لتحقيق مكاسب على صعيد التنافس الدولي وإظهار نفسه كقوى سياسية قادرة على إدارة وحل المشاكل على مستوى العالم.

النظام السوري بدا في ظل المداولات الإقليمية والمفاوضات الجارية فاقداً للمبادرة تماماً، حيث كانت تصريحاته تسير بصورة مغايرة لتوجهات حلفائه، وأظهرت المقاطع المصورة هيمنة الإيرانيين واللبنانيين على الأرض فهو منهار أخلاقياً ومؤسساتياً، حيث انتشرت ظاهرة الفساد بالمواقع التي تقع تحت سيطرته، وجيشه متهالك ومؤسسته الأمنية تحت تهديد المحاكم الدولية وهو بحاجة لإعادة هيكلتها ولن يستطيع ذلك إلا من خلال التهدئة والانخراط في عملية سياسية شاملة.

سلبياته وإمكانية فشله:

بنود الاتفاق السياسي الذي ورد في “إعلان موسكو” سيواجه العديد من العقبات، فتفسير كل طرف للعملية السياسية المرتقبة مختلف، فـموسكو تريد عملية سياسية انتقالية مضبوطة تفتح الطريق أمام بقاء مؤسسات النظام واستعادتها. أما طهران تريد عملية سياسية تثبّت فيها بقاء الأسد، مع إمكانية تنازله عن بعض الصلاحيات لرئيس الحكومة وتشكيلتها، وأنقرة ترغب بعملية سياسية، تُسفر مرحلتها الانتقالية عن ضمان وحدة سورية تنهي بها حلم الفدرالية الكردية وتنتهي برحيل الأسد.

من طرف المعارضة تبرز لدينا الفصائل الإسلامية الجهادية التي تنادي باستمرار القتال في سبيل تحقيق مشروعها ببناء دولة إسلامية تحت قيادتها، فهي ترفض أي طروحات تتنافى مع أيديولوجيتها، وترى بأنّ مصير رئيس النظام السوري بشار الأسد لم يذكر نصاً أو لفظاً، وما يسمى الحل السياسي في هذه الاتفاقية يسير ضمن إعادة إنتاج النظام، وترفض أن تكون روسيا أحد الضامنين لهذا الاتفاق.

أما المليشيات الأجنبية التي تقاتل إلى جانب النظام السوري والتي تحمل طابعاً شيعياً وترتبط بالمرجعية الإيرانية تبدي امتعاضها من تدخل الاستخبارات الروسية، حيث منعت الأخيرة مليشيات حزب الله من بناء منشآت عسكرية سرية كان قد بدأ في تشييدها بالقرب من مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل، وذلك حرصاً على علاقات جيدة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كما يتردد الحديث عن وقوع اشتباكات بين الروس والإيرانيين نتيجة خلاف حول الحرس الشخصي للأسد، الذي يضم سوريين وإيرانيين من وحدة المهدي، فمشروع هذه المليشيات أكبر من مساندة النظام السوري، بل تطمح للسيطرة على المنطقة في سبيل تحقيق الحلم الإيراني بالهيمنة السياسية والدينية ولذلك ترغب باستمرار القتال لتحقيق مآربها.

خاتمة

ومن خلال المقاربة بين هذه المواقف يمكننا النظر إلى إمكانية تثبيت وقف إطلاق النار في حال تمكنت روسيا من لجم المليشيات الأجنبية التي تدعمها إيران، بالتزامن مع تجفيف تركيا لمصادر الدعم الذي يمكّن الفصائل الإسلامية الجهادية من الاستمرار في القتال، وبالتالي تمهيد الطريق لحل سياسي يضع حدًا لمعاناة الشعب السوري، ويحقق تطلعاته في حياة ديمقراطية، حرة وكريمة، لا سيما مع ظهور ما يشبه الإجماع الدولي والإقليمي على وجوب إنهاء الأزمة التي شملت أضرارها الجميع بدرجات متفاوتة، ورغم ذلك فإنّ صعوبات كبيرة تكتنف العملية السياسية، وذلك بسبب تباين المواقف داخل الجهات الفاعلة في كل طرف من أطراف الصراع، خاصة في ظل تمسك النظام السوري بفلسفته حول الأزمة، والموقف الإيران الطامح والمنافس للموقف الروسي، بالمقابل لا تزال التحديات ماثلة أمام المعارضة باتجاه تقديم بديل مقنع (سياسي وعسكري) يكون على مستوى التضحيات التي قدمها الشعب السوري، ويجب أن تدرك المعارضة أنّه مهما كانت نوايا بعض الدول الداعمة والحليفة صادقة تجاهها، إلا أنّ الوضع السياسي والمصالح القومية والقطرية، قد يدفع تلك الدول إلى مواقف وتوجهات ليست بالضرورة في مصلحة الثورة السورية.

ملحقات

 بنود (إعلان موسكو) حول التسوية السورية الذي صدر في عقب الاجتماع الثلاثي بين روسيا وتركيا وإيران

  • إيران وروسيا وتركيا تؤكد احترام سيادة واستقلال ووحدة أراضي الجمهورية العربية السورية كدولة ديمقراطية علمانية متعددة الأعراق والأديان.
  • إيران وروسيا وتركيا على قناعة أنه لا وجود لحلّ عسكري للأزمة في سورية، وتدرك أهمية دور الأمم المتحدة في الجهد الرامي إلى حلّ هذه الأزمة وفقًا لقرار مجلس الأمن الدولي 2254. الوزراء الثلاثة يأخذون في الحسبان حلول المجموعة الدولية لدعم سورية. ويحثون جميع أعضاء المجتمع الدولي على التعاون لإزالة العقبات التي تعترض تنفيذ الاتفاقات الواردة في الوثائق المذكورة.
  • إيران وروسيا وتركيا تدعم الجهد المشترك في شرقي حلب الذي يسمح بالإجلاء الطوعي للسكّان المدنيّين والخروج المنظّم للمعارضة المسلّحة. يرحّب الوزراء كذلك بالإجلاء الجزئي للسكّان المدنيّين من الفوعة وكفريا والزبداني ومضايا. وملتزمون بضمان استمرارية وسلامة وتمام هذه العملية. يُعرب الوزراء عن تقديرهم لممثلي اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة الصحة العالمية على المساعدة في تنفيذ الإجلاء.
  • يُوافق الوزراء على أهمية تمديد نظام وقف إطلاق النار وإيصال المساعدات الإنسانية من دون عوائق وحرية تنقّل المدنيّين داخل البلاد.
  • إيران وروسيا وتركيا تُعرب عن استعدادها للمساهمة وتشكيل الضمان لاتفاقية مستقبلية بين الحكومة السورية والمعارضة، الاتفاقية التي تدور حولها المفاوضات. وتدعو إيران روسيا وتركيا جميع الدول التي لها تأثير على الوضع “الميداني” للتصرّف على المنوال ذاته.
  • إيران وروسيا وتركيا على قناعة تامة بأنّ الاتفاقية المذكورة ستساعد في إعطاء الزخم اللازم لاستئناف العملية السياسية في سورية وفقًا لقرار مجلس الأمن للأمم المتحدة 2254.
  • الوزراء يأخذون في الحسبان الدعوة الكريمة لرئيس جمهورية كازاخستان لعقد الاجتماعات المناسبة في أستانة.
  • إيران وروسيا وتركيا تؤكّد عزمها على المكافحة الجماعيّة لتنظيم الدولة وجبهة النُصرة وفصل المعارضة المسلحة عنها (عن هذين التنظيمين).

بنود الاتفاق التركي الروسي التي تم التوقيع من قبل ممثلين عن الفصائل والنظام السوري عليها ما يلي:

  • وقف إطلاق نار في كل الأراضي السورية لا يشمل المقرات العسكرية لتنظيم “الدولة”.
  • تضمن الدولة التركية التزام المعارضة السورية في كل المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة بوقف كامل لإطلاق النار يشمل كامل أنواع القصف.
  • تضمن روسيا الاتحادية التزام النظام وحلفائه في كل المناطق الخاضعة لسيطرتهم بوقف كامل لإطلاق النار يشمل كافة أنواع القصف الجوي والمدفعي.
  • تضمن الأطراف الضامنة عدم محاولة طرفي النزاع الاستيلاء على مناطق جديدة لم تكن عند دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ خاضعة لسيطرتهم.
  • يقوم الضامنين باقتراح آلية مناسبة لمراقبة وقف إطلاق النار استنادا لمعايير الأمم المتحدة ليتم اقرارها بالشراكة بعد موافقة الأطراف والضامنين.
  • يتم إطلاق مفاوضات للوصول الى حل سياسي خلال شهر من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.
  • ادخال المساعدات الإنسانية الى جميع المناطق المحاصرة وفق خطة تضمن كل من الدولة التركية و روسيا الالتزام الكامل بتنفيذها.