تبدل الاتجاهات والمواقف من الثورة السورية: الدوافع والانعكاسات

Tags:

يشكل الإيمان بتحقيق النصر الهدف الرئيسي للحراك الثوري النضالي، وأحد أهم الاتجاهات المغروسة في نفوس الجميع قادة وكوادرا، ولا يمنع هذا من وجود مجموعات محدودة تعاني من تأرجح المواقف والاتجاهات تدفع بهم التطورات اللاحقة إلى اتخاذ موقف يُنهي هذا التأرجح، يكون ذلك ناجما عن تصارع أفكار ومشاعر إيجابية أو سلبية تتعلق بموضوع الاتجاه، ويختلف باختلاف البناء النفسي للأفراد، وعوامل التنشئة الاجتماعية التي تتفاعل مع ظروف المحيط، لتشكل بدورها الاستجابة الخاصة بكل شخص على الرسائل الموجهة والأحداث على أرض الواقع، إلا أن السياسات المؤسساتية القائمة على التخطيط وتوجيه الطاقات تؤمّن الأداء الوطني للأفراد، وتُجنّب فوضى التفكير والتشتت.

مقدمة

“تُسيّر الأفكار العالم” على حدّ تعبير المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه، لذلك تتطلب أشكال الصراع والقتال الإعداد والتعبئة، وتحدد العقائد الأهداف والمصالح تجاه مسألة ما، وتعمل على خلق الآليات المناسبة بهدف تنفيذها. ويُساعد الفهم الدقيق لأشكال وآليات التعبئة ونمط التربية والثقافة التنظيمَ سواء كان سياسيا أو عسكريا أو الدولةَ على توجيه الكوادر وإدارة الأزمات والنزاعات وحسمها، وفي المقابل لحقت بالعديد من الجيوش خسائر فادحة بسبب هشاشة الإعداد والتعبئة، حيث يدفع غيابها إلى اليأس والإحباط، لأن العقيدة القتالية من شأنها أن تدفع صاحبها إلى الدفاع والإصرار حتى لو تغيبت عوامل الصمود.

يُقر علم النفس أن من يقاتل من أجل عقيدة يؤمن بها يختلف عن الذي يُجبر على القتال أو يُدفع إليه رغما عنه كونه يتقاضى أجراً، كما يختلف عمن وجد نفسه في ساحة المعركة دون سابق إنذار فيظل عرضة للتجاذبات التي تنتجها ساحات القتال، ويعتبر هذا بحد ذاته واحدا من العوامل التي تؤثر على تَمكن العقيدة القتالية من نفوس أصحابها أو عدمها إذا ما أخذ بعين الاعتبار إضافة لذلك سماته الشخصية وتنشئته الاجتماعية. خاصة أن المواقف والاتجاهات ليست شيئا جامدا بل تتغير تبعا لتغير محدداتها.

أدى تأهب النظام السوري منذ اللحظات الأولى للاحتجاجات السلمية والتظاهرات المطالبة بالإصلاحات على اختلاف مجالاتها، واعتماده الحل الأمني والعسكري في مواجهة الاحتجاجات، وهو ما عكسه رامي مخلوف في تصريح له لصحيفة “نيويورك تايمز 9/5/2011م”:لدينا الكثير من المقاتلين … سنجلس هنا ونعتبرها معركة حتى النهاية[1]“، أدى هذا لتحول الثورة بالتدريج إلى التسلح واعتماد العمل العسكري سبيلا لإسقاط النظام، لتتلاءم مع الظرف الموضوعي الذي تمر به من استخدام النظام للرصاص الحي والمداهمات، إضافة إلى عمليات الاعتقال وكافة أدواته القمعية، وساهمت عملية الانشقاق عن الجيش والإعلان عن تشكيل الجيش السوري الحر في تعزيز الجنوح نحو العمل العسكري ومواجهة النظام، إلا أن هذا الجيش الوليد عانى من مشكلات تكوينية تتمثل بعدم تشكله من قطعات متجانسة، حيث جاء تشكيله كردّة فعلٍ على عنف النظام، أكثر منه فعلاً سياسيًّا مقصودا، وتصدرت فئاتٌ غير متعلمة لمهمة تشكيل معظم قيادات هذه التشكيلات العسكرية وقياداتها[2]، فتألف من عسكريين منشقين عن الوحدات العسكرية التابعة للنظام الحاكم، أو من جماعات مسلحة نشأت في بعض الأحياء والضواحي في المدن والأرياف بمبادرة من الأهالي، إلى درجة أن بعضها بات يشكّل وحدات عسكرية قائمة بذاتها، مع مصادر تمويل وإمداد مستقلة، ولم تنصهر أفكار المنتسبين إليه في بوتقة واحدة من التفكير والتوجه وفق تقنيات وأدوات مدروسة. وينطبق الأمر نفسه على المجال السياسي في الثورة الذي افتقد السلطة المركزية القادرة على اتخاذ القرار الموحد.

تسلط هذه الورقة البحثية الضوء على واحدة من الظواهر (العودة إلى صفوف النظام) حيث عانت منها البنى المؤسساتية بشقيها المدني والعسكري، والتي خرجت من رحم الثورة ” الجيش الحر-الائتلاف”، ومدى تمتع تلك القيادات بالقدرات التي تأهلهم لتنفيذ المهمات الثورية المختلفة، ومنها امتلاكهم الوعي والمعرفة بتفاصيل الواقع مما يتيح لهم تقديره بشكل سليم، ناهيك عن تأثير العوامل الموضوعية المتمثلة بمحاولات النظام اختراق تلك البنى ومحاولاته المتكررة لتشويهها، وما ينجم عن ذلك من آثار وانعكاسات على المستوى العام.

وتتجلى أهمية الدراسة في لفت الانتباه إلى أهمية إنشاء المؤسسات الضرورية لقيادة المرحلة العسكرية والأمنية والسياسية فالقادة يُصنعون ولا يولدون.

أولا: العوامل المؤثرة في تبدل المواقف والاتجاهات

يشكل الإيمان بتحقيق النصر الهدف الرئيسي للحراك الثوري النضالي، أحد أهم الاتجاهات التي يجب أن تكون مغروسة في نفوس الجميع قادةً وعناصر، ولا يمنع هذا وجود البعض ممن يعانون من تأرجح مؤقت في المواقف والاتجاهات ولكن المتغيرات تدفع بهم إلى اتخاذ موقف ينهي هذا التأرجح، وهو غالبا ما ينجم عن تصارع أفكار ومشاعر إيجابية أو سلبية تتعلق بموضوع الاتجاه أو الصراع في المعتقدات الجوهرية أو عدم وجود بناء أيديولوجي راسخ لدى الفرد يمكّنه من ضبط اتجاهاته، أو الخوف من المحاسبة على أعمال قد ارتكبها، إضافة إلى تأثره بعدد من العوامل التي عمل النظام السوري على انتاجها خلال سنوات الثورة للتأثير على عقول وسلوك المطالبين بإسقاطه، أهمها:

1 _الحرب النفسية التي شنها النظام وحلفاؤه ضد الثورة السورية بهدف بث اليأس والتشجيع على الاستسلام، ونشر البلبلة وزرع الفوضى، والتشويه والطعن بسلوكيات الثوار معتمدا على أساليب متعددة منها الضخ الإعلامي الكثيف والمركز والمناشير التي تدعو إلى الاستسلام فوق سماء المناطق المحررة، وصولا إلى زرع العملاء وضعاف النفوس والقيام بالاغتيالات وزرع الفتن والتناحر من خلالهم في صفوف الثوار، وتجنيد أكبر قدر ممكن من المحاصرين لصالح النظام ومخابراته[3]، مستغلين الحالة المادية الضيقة، التي يمر بها المحاصرون، وإقناع الثوار بالتسويات وتسليم أنفسهم، ومحاولة تجنيدهم لصالح الأجهزة الأمنية، ونقل معلومات عن تحركات شخصيات من “قوى الثورة والمعارضة”، وأماكن اجتماعاتهم، وعدد الحاملين للسلاح، وبث الشائعات كقيام النظام برمي الكلور واستخدام السلاح الكيماوي بهدف زيادة عدد الراغبين بالخروج من المناطق التي تشكل هدفا للنظام من خلال التسويات أو تجنيدهم لصالحه، إضافة إلى جمع معلومات عن أشد النقاط تحصينا فيها، ومعرفة الأنفاق إن وجدت وأساليب الدفاع المتبعة.

2 _ اعتماد مبدأ ” فرق تسد” ومحاولات النظام زرع الفتن ضمن المجال الجغرافي الواحد للحاضنة الشعبية للثوار[4]، من خلال عمله على إعادة تشكيل القوى المجتمعية وتنظيمها والاعتماد على منطق التمييز بين أبناء الريف وأبناء المدينة، والذي لقي رواجا كبيرا بفعل الإشاعات التي يبثها النظام، كاستثماره لحالة الفصائل العسكرية التي تشكلت على أساس مناطقي، وسعيه إلى النفخ في بوق الفتنة من خلال إثارة النعرات والغرائز بهدف رفع مستوى العصبيات والصراعات وتأجيجها، حيث يرمي من ورائها إلى زيادة التفكك وانتشار الفصائلية وزيادة الهوة فيما بينها، وانتهاء بالحلقة الأصغر بين أبناء المنطقة الواحدة كما في إدلب حارة جنوبية وأخرى شمالية، ونعت ابن المنطقة الشرقية “الجزيرة ” بالجهل، والحلبي بالجشع. وفتح المجال أمام بعض قادة الفصائل كما في حالة اللواء الأول في برزة للعمل في تجارة المخدرات القادمة من لبنان (مليشيا حزب الله)، وتجارة الأغذية، وتجارة السلاح (يشترونه من النظام ويبيعونه للفصائل في الغوطة)، وتجارة البشر (تهريبهم عبر الأنفاق). لإثارة شهيتهم للمال، وإظهار تمايزهم وغناهم ضمن الحاضنة الشعبية المحيطة بهم، وبالتالي تهدد أي صيغة للحل تنهي الوضع القائم بوجودهم، وهو ما دفعهم لتفضيل جانب النظام على الخروج إلى المناطق المحررة بعد عقد الهدنة في برزة لخوفهم من محاسبة الناس لهم[5].

3 _ عامل الزمن: يعتمد النظام في تعامله مع مختلف القضايا على عامل الزمن، ورأى خلال الثورة السورية أن التعادل مع الطرف الثائر هزيمة له، وأن الفوز غير الصريح خسارة، مستندا في ذلك على عدم وجود مظلة سياسة وعسكرية جامعة للمكونات والهياكل الثورية، ودخول الثورة مرحلة العمل العسكري وإمكانية حرفها وتشويهها (مكافحة الإرهاب) هادفا من وراء ذلك لإطالة أمد اللااستقرار بكل ما يحتويه من (فوضى _ مخيمات _ تشريد) وتتحول مع الزمن القضايا السياسية إلى قضايا لاجئين ونازحين وقوافل إغاثة وقصص إنسانية، وتختلط الأوراق وتقف الشرعية والدولة الوطنية والمسائل السياسية لمصلحة الدراما الإنسانية والمواكب الإغاثية ودخول دوامة (كل الأطراف) التي تصرح بها المنظمات الدولية كالأمم المتحدة (كل الأطراف مسؤولة عن تفاقم الأزمة الإنسانية – كل الأطراف عليها وقف النار من أجل قوافل الإغاثة).

4 _ الواقع المحلي والإقليمي والدولي المتغير: لا يقتصر تأثير الثورة السورية على الداخل السوري، إنّما يتعداه ليشمل الدول الإقليمية والمحيط الدولي لسوريا، ونظرا لطول مدتها، وقدرة النظام السوري على المناورة السياسية واللعب بالأوراق المحلية والإقليمية، وتنامي التيارات المتطرفة، وتشتت المعارضة؛ كل ذلك دفع العديد من الدول إلى التعاطي بحذر مع الثورة السورية مكتفين بالتنديد وطرد السفراء والعقوبات الاقتصادية، وفي الوقت الذي دعمت فيه روسيا النظام سياسيا وعسكريا، وخاصة في مجلس الأمن الدولي، واستخدموا الفيتو لصالحه، ولم يتوقفوا عن مدّه بكافة أنواع الأسلحة، وتدخلت إيران بشكل مباشر في مجريات الأحداث عبر حزب الله اللبناني وميليشياتها الطائفية، كانت المواقف الأمريكية تشهد تعرجات وترددات كثيرة من تصعيد في اللهجة الإعلامية  لم تنعكس على أرض الواقع سارت في خط متغير مع تغير المعطيات على الأرض السورية، وصولا إلى تحول الموقف الأميركي بشكل كامل نظرا لتغير الأولوية الأميركية في المنطقة، وتشكيلها تحالفا دوليا وعربيا للحرب ضد داعش، متذرعين في كل ذلك بذرائع من قبيل الصعود القوي للتيارات الجهادية المرتبط بعضها بالقاعدة على الساحة السورية، أو توحيد المعارضة، وانكفأ الموقف التركي  بعد سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي وغيره من الأحزاب الكردية على مناطق واسعة من شمال، وشمال شرقي سوريا، وإعلانهم الإدارة الذاتية، الأمر الذي يشكل قلقاً حقيقياً للسلطات التركية، خصوصاً لجهة تأثيره على الأكراد الأتراك، وخشيتها أن يتحول شمال سوريا من جديد إلى قاعدة ومنطلق لمقاتلي حزب العمال الكردستاني في حال فشل الاتفاق معه لتسوية القضية الكردية في تركيا سلمياً[6]، والحال ينطبق على المملكة العربية السعودية والوضع المفتوح على كل الاحتمالات التي أخذت على عاتقها معالجته؛ وغيرها من الدول التي ساندت الثورة منذ انطلاقتها.

تتفاعل العوامل السابق ذكرها وتؤثر مجتمعة أو كل منها على حدة في تشكيل سلوك الفرد وما تتسم به شخصيته من أبعاد (الثقة بالنفس _ مستوى الطموح _ فاعلية الذات _ ضيق الأفق _ الخوف)، إضافة إلى تأثير العوامل النفسية على اتخاذ القرار كــــ(التوتر النفسي والاضطراب والحيرة والتردد) وطباع متخذ القرار ونوازعه الشخصية وخلفياته الثقافية – الاجتماعية والقيمية – ودور التنظيم في خلق البيئة النفسية لمنتسبيه من خلال تحديد الأهداف وآليات تحقيقها، وتأثير كل ذلك على اتخاذ الموقف والاتجاه.

ثانيا: نماذج مدنية وعسكرية بدلت مواقفها

شخصيات عديدة وفصائل سياسية ومدنية وعسكرية ورياضية انشقت عن نظام الأسد ودخلت ضمن مؤسسات المعارضة السورية، ثم عاودت الكرّة من جديد لتنشق عن صفوف المعارضة وتعود أدراجها إلى مؤسسات النظام بعد أن ادعت الوقوف مع الشعب السوري ومناصرة ثورته، لتشكل تلك الحالات ظاهرة سياسية مجتمعية تندرج ضمن السياق المجتمعي الذي توجد به وتتفاعل تأثّرا وتأثيرا مع ذلك السياق، باعتبارها تعكس الواقع السياسي المتعلق بالسلطة وأبعادها وخصائصها وعلاقاتها بالمجتمع والمؤسسات السياسية الداخلية والخارجية، ويمكن الوقوف على أهمها:

أ _ انتقال فوج الحرمون من صفوف المعارضة إلى صفوف النظام:

 تشكّل الفوج في مناطق وبلدات جبل الشيخ التي قبلت المصالحة أواخر العام 2016م “بيت سابر وبيت تيما وكفر حور وسعسع” وتخطى فكرة التواجد المشترك في مناطق المصالحات (إقامة حواجز للمعارضة والنظام في المنطقة ذاتها، ولكنها متباعدة عن بعضها البعض) بتبعيته إلى الفرقة الرابعة، ووصل تعداده إلى /1500/ مقاتل، وكان أغلب قادته في قوات المعارضة سابقا منهم قائد الفوج الحالي زياد الصفدي “خطاب”، كان سابقاً قائد “لواء المسيح عيسى بن مريم” التابع للجيش الحر، وضابط الأمن في الفوج هو محمد حمزة الملقب بـ”أسد حمزة”، وكان قائد “لواء جبل الشيخ” المعارض، وتربطه حالياً علاقات قوية مع قيادة “الفرقة السابعة” و”الفرقة الرابعة”، وأغرى النظام هؤلاء الذين اتهمهم تجمع الحرمون المعارض في جبل الشيخ بقيامهم سابقاً بإفشال معارك مخططة ضد النظام في المنطقة، وحماية مليشيات النظام، وعقدهم صفقات مع أشخاص معروفين بعمالتهم للنظام وبيعهم سلاحاً كان قد وصل إلى المعارضة، بميزات مادية كالسيارات والرواتب” وبطاقات أمنية  كـ”قوات رديفة للجيش” تخولهم المرور على حواجز النظام دون الوقوف عليها، ورغم ذلك قام النظام باعتقال بعض مقاتلي الفوج[7]، وخلق حالة عداء بينهم وبين القرى الرافضة للمصالحة مع النظام، وهو ما يسعى إليه النظام، فقد أصدر “فوج الحرمون” تعليمات تنص على خروج كل من لم يقم بـ “تسوية وضعه” مع النظام، من بلدات “المصالحات، باتجاه بلدة بيت جن، ومنع دخولهم إلى بلداتهم تحت أي ظرف كان، وتم تعميم هذه التعليمات على جميع حواجز “الفوج” في بلدات جبل الشيخ[8]. وتذرع قادة الفوج بأن عملية “المصالحة” التي بدأتها المذيعة في تلفزيون النظام الرسمي كنانة حويجة جاءت من أجل تجنيب القرى أي عملية تهجير قسري، أو الخوض في غمار حرب تخلف أضراراً كبيرة، تغليباً لمصلحة الأهالي في المنطقة.

ب _ انحياز اللواء الأول في حي برزة الدمشقي إلى صفوف النظام وتكريم أحد قادته:

يفصل أوتوستراد العدوي بين حيي جوبر والقابون في حين يفصل أوتوستراد دمشق ـ حمص بينها وبين بلدات الغوطة الشرقية عربين ـ حرستا، بينما يفصل طريق مشفى تشرين بين حيي برزة والقابون ويتوسطهم مبنى الوسائل إحدى الثكنات العسكرية التابعة للنظام، ومع انطلاق الثورة السورية انتفض كل من حيي برزة والقابون، ومع ارتفاع وتيرة العنف من قبل النظام، وتحول الثورة للعمل المسلح كان للحييَن دور كبير في مواجهته، علما أنه أستطاع فصلهما عن بعضهما البعض عبر إبقاء سيطرته على مبنى الوسائل وطريق مشفى تشرين، وكانت صلة الوصل بينهما هي الأنفاق، بينما كان هناك اتصال بين حي جوبر والقابون عبر شبكة الصرف الصحي، قبل سيطرة النظام على منطقة “طيبة” المحاذية للحي، ليتحول طريق الإمداد إلى منطقة حرستا عبر نفق يصل لنحو /1/ كم، في تلك الأثناء من العام  2013م تعرض الحي لحصار خانق بعد تفجير النفق الوحيد، وعلقت عدة مجموعات من مقاتلي الغوطة هناك، واستغل النظام إطباق الحصار لتصعيد حملته، على حيي برزة والقابون، إلا أنهما صمدا، واستطاع ثوار الغوطة مجددا حفر نفق باتجاه برزة انطلاقاً من حرستا، استطاع النظام كشفه بعد أيام من تجهيزه، واستمرت وتيرة المعارك وحدتها، وشارفت المؤن والذخائر على النفاذ مما اضطرهم لتوقيع مصالحة في حي برزة في 15 كانون الثاني من العام 2014م، ووقف إطلاق نار في حي القابون.

اقتضت المصالحة في حي برزة فتح المعابر مع دمشق، ومنها عبرت المواد الغذائية إلى حي القابون وتم تشكيل حاجز مشترك للثوار والنظام بين القابون وبرزة، وعلى محيط برزة دون دخول عناصر النظام إلى الحي (الحاجز المشترك عبارة عن حاجزين يفصلهما عن بعضهما البعض نحو عشرة أمتار) في حين كان يتوسط حاجز الوسائل حي برزة والقابون، وكان يضطر المقاتلون المتنقلون بين الحيين للمرور عليه دون أن يتم إيقافهم من أي حاجز، مع العبور بكامل السلاح والعتاد، بالمقابل يمر النظام من أوتوستراد مشفى تشرين دون أن يتم إيقافه من قبل الثوار، واستمرت هذه الفترة لثلاث سنوات تقريبا جرى خلالها حفر  /5/ أنفاق من الغوطة الشرقية إلى حي القابون منها أنفاق سيارات، وصل طول بعضها لنحو /2/ كم ، وكانت هذه الأنفاق وفق الآتي (2 تحت سيطرة فجر الأمة من حرستا إلى بساتين برزة، 1 تحت سيطرة جيش الإسلام، 1 تحت سيطرة فيلق الرحمن، 1 مشترك بين جبهة النصرة وفيلق الرحمن) وحققت هذه الفترة انتعاشاً لكل من برزة والقابون والغوطة الشرقية، وعملت معظم الفصائل على الاستفادة من الأنفاق تجاريّاً وفق ثلاث مراحل:

الأولى: مرحلة نقل البضائع من دمشق إلى برزة، وأشرفت عليها فصائل برزة وعلى رأسها اللواء الأول.

الثانية: النقل من برزة إلى القابون.

الثالثة: من القابون إلى الغوطة، وقام بهذا الدور جميع الفصائل دون استثناء، مع فرض إتاوات على نقل البضائع عبر الأنفاق، وبتاريخ 11/ 9/ 2015م أطلق جيش الإسلام معركة الله غالب  نحو السلسلة الجبلية المرتبطة بقاسيون، دون أن يتمكن من السيطرة على ضاحية الأسد المحاذية والمتربعة على إحدى جبال هذه السلسلة، بينما كانت إمدادات الضاحية والمنطقة الجبلية تصل من أوتوستراد مشفى تشرين، على مرأى فصائل برزة الغارقة بالعمل التجاري، ولقرب الضاحية من بساتين برزة وإمكانية التسلل إليها من ذلك الاتجاه هي ومشفى تشرين، وقطع طريق مؤازرات النظام من تلك الجهة، قرر جيش الإسلام، إرسال مؤازراته لمجموعاته العاملة في الحي، للتحرك على تلك الجبهات، إلا أن فصائل برزة وعلى رأسها “اللواء الأول” حالت دون ذلك[9]، ما أدى في نهاية المطاف بعد تدخل الطيران الروسي لأول مرة في سوريا، إلى انسحاب المقاتلين من المنطقة الجبلية.

ومع عودة الاستقرار وبعد مرور نحو عام ونصف ، وتهجير قدسيا والهامة بدأت تطلعات النظام نحو حيي برزة والقابون، لإفراغها من مقاتلي المعارضة، فبدأ عمليته العسكرية على حي القابون بتاريخ 19/2/2017 تاركا خلفه حي برزة، ومحكما الحصار عليه، ليسقط تلقائيا بعد سقوط حي القابون، في هذه الأثناء قررت فصائل الغوطة خوض معركة الضاحية مجددا بالإضافة إلى فتح محاور هجومية أخرى في حي القابون وبرزة، وعبر ما يزيد عن /1500/ مقاتل خلال الأنفاق إلى حي القابون، إلا أن مجموعات اللواء الأول وقفت في وجه مجموعات الاقتحام ومنعتها من الوصول إلى جبهات الرباط وخط البدء، وضايقتها في مناطق الحشد والتجمع، ليستنفر النظام في المناطق المراد اقتحامها، ويشدد قصفه ويعود مقاتلو الغوطة من المعركة التي لم تبدء، ويستمر النظام بالضغط على أطراف حي القابون و يسيطر على مداخل الأنفاق، ويجهز الحافلات بالتوازي، لتهجير المقاتلين وأهلهم بشكل كيفي إلى الشمال السوري، بعد معارك ضارية في حي القابون استمرت عدة أشهر، في حين كان اللواء الأول في حي برزة ينعم بهدوء تام، مع حصار مفروض عليه، وليعقب إخراج مقاتلي القابون، اتفاقية جديدة في حي برزة تقتضي إخراج من لا يريد تسوية أوضاعه والعمل مع جيش النظام، ليتم إخراج أول حافلة من حي برزة بتاريخ 8/5/2017م  وينضم عدد من قيادات ومقاتلي برزة لقوات النظام السوري وفق بنود مصالحة جديدة تم توقيعها[10].

نرى من خلال تحليل سلوكيات قادة اللواء الأول في حي برزة بشكل عام، وسلوك أحد قادة كتائبة المدعو “أبو بحر” وهو في الأساس بائع محروقات من أسرة غير ميسورة الحال، ولا يجيد القراءة والكتابة لدرجة أن شخصا مقربا منه يكتب له رسائله على برنامج المحادثات “الواتس آب” أن شهوة المال المسيرة من قبل النظام هي التي أغرت هؤلاء وحولتهم إلى تجار حروب وطورت دوافع القتال عندهم ضد النظام (استثمار الأزمة)، من قتال لأجل الدفاع عن النفس إلى القتال بغرض الحصول على أكبر قدر من المال، لدرجة دفعتهم إلى منع الرواتب المخصصة لمقاتليهم، ورفع قوائم بأسماء مقاتلين لا وجود لها على أرض الواقع، والدفع بالإعلاميين لنشر الأخبار والمعارك الوهمية التي يخوضها اللواء ضد النظام، فمثلا أنشأ قائد اللواء الأول “أبو الطيب” ما أطلق عليه “المكتب الاقتصادي” لإدارة أمواله وتجاراته، ومنح بدوره مبلغ /25/ ألف دولار لأحد قادة الكتائب في اللواء “أبو بحر” ليوسع تجارته في المحروقات، والتي أثارت في الوقت نفسه شهية النظام وضباطه ومهدت لالتقاء مصالح القيادات في برزة معهم، ومن ثم تجنيدهم، إضافة إلى دور الهدنة الموقعة بين الطرفين في العام 2014م التي مكنت جسور التواصل وإقامة العلاقات المتشابكة بينهما، باعتبار التواصل مع النظام وضابطه صار أمرا عاديا ومُلحّا من أجل “حلّ المشاكل” الطارئة[11]، وفي النهاية فضل هؤلاء الانضمام إلى قوات النظام على صفوف الثوار حرصا على ما جنَوه من أموال وخوفا من  فقدان مكاسبهم في ضوء الشروط التي يضعها النظام في اتفاق المصالحة بينه وبين الثوار، منها الخروج بالسلاح الخفيف …فقد كان لدى “أبو بحر” حين إبرام صفقة التسوية مخزونٌ ضخم من المحروقات تعادل قيمتها نحو 75 مليون ليرة، وخشيتهم من محاسبة الحاضنة الشعبية لهم التي كانت على دراية بتعاملهم مع النظام وترى مظاهر ثرائهم الفاحش.

وعلى ضوء ما سبق فقد كرّم النظام السوري مؤخرا المدعو “أبو بحر” هادفا من وراء ذلك لتطمين المتأرجحين في مواقفهم، ولا يمتلكون الإيمان الراسخ بتحقيق الهدف الذي خرجوا لأجله ضد النظام، ليدفع بهم إلى الانخراط في صفوفه التي تكرم مقاتليها، في وقت تعاني فيه المعارضة السورية من التضييق العسكري والسياسي، ويعاني فيه النظام من نقص حاد في القوى البشرية “نسبة الاستكمال في صفوف الجيش”  وتوظيف هؤلاء عوضا عن ذلك سدا للنقص.

ج _ عودة القائد العسكري لدى قوات سوريا الديمقراطية “أبو المجد الرفيعي” إلى صفوف النظام:

قاتل أبو المجد الرفيعي المنحدر من محافظة الحسكة في ريف حلب الشمالي في صفوف الجيش الحر، ومن ثم انضم لمدة سنة إلى صفوف قسد، حيث قاتل في الريف الشرقي لدير الزور قبل وصوله إلى مناطق النظام في حي (الجورة) في دير الزور في الخامس من شهر كانون الأول لعام 2017م، مع /25 / من مقاتليه بسلاحهم الكامل معلنا انشقاقه عن قوات سوريا الديمقراطية، والعودة إلى صفوف نظام الأسد، بعد تنسيق مع القوات الروسية، والتي أوصلته بدورها إلى الحي المذكور.

وربما كان مرد ذلك إلى تناقض الأهداف المعلنة لقوات سوريا الديمقراطية التي تدعو فيها إلى نظام ديمقراطي علماني يضمن حقوق المواطن في سوريا، فيما ظهر الوجه الحقيقي لها من خلال ما تقوم به من انتهاكات جسيمة ترتكبها هذه القوات ضد مدنيين تمثلت بالقتل والتهجير والتطهير العرقي كما حصل في تل ابيض، وكذلك تجنيد الأطفال والإخفاء القسري لأشخاص خارج إطار القانون والمحاكم، ورفض المنتمين إليها لمثل هذه السلوكيات هو ما يفسر الانشقاقات المتتالية في صفوفها.

د _ نواف راغب البشير: 

برز اسم نواف البشير كمعارض منذ العام 2005م، عندما وقّعت أحزاب المعارضة السورية وثيقة “إعلان دمشق”، الذي ضم عدداً من أعضاء المعارضة الداخلية، وطالب بإحداث تغيير ديمقراطي وجذري، وتابع نشاطه السياسي حتى العام 2011م، وعُدَ طيلة السنوات الماضية أبرز المعارضين العشائريين للنظام السوري، وفي نيسان من العام 2017م ظهر البشير على قناة “العالم” الإيرانية معلنا عودته إلى صفوف النظام[12]، وقد تكون عودته تمت بالتنسيق مع القيادات الروسية لأن البشير أكد أنه كان يزور العاصمة الروسية موسكو[13]، وحاول النظام استثمار عودته بترغيب غيره من المعارضين لاتخاذ نفس القرار الذي اتخذه البشير كونه التقى بعدد من المعارضين قبل مغادرته تركيا طالباً منهم الذهاب معه إلى دمشق لعقد مؤتمر من داخل العاصمة بضمانات روسيّة، إلا أنّ طلبه قوبل بالرفض من قبل الجميع، وذلك من خلال تأسيس مليشيات من العشائر العربية في مدينة القامشلي شمال شرقي البلاد، بإشراف الزعيم العشائري، “نواف البشير” وبتمويل من إيران، وتدريب قادة من الحشد الشعبي القادمين من العراق، في معسكرات بجبل كوكب والحزام الأمني واللواء 156 الواقعة تحت سيطرة النظام بمحافظة الحسكة[14]، إلا أن البيان الذي أصدره أبناء عشيرته ورفضهم لما أقدم عليه وتبرؤهم منه (ما يقارب 76 شخصية من العشيرة بينهم وجهاء وضباط منشقون وقيادات فصائل ونشطاء) حال دون تحقيق النظام ما يرمي إليه، ويمكن حصر العوامل التي دفعته إلى اتخاذ قراره من خلال رصد تصريحاته عقب عودته بمايلي:

1 –تهميش دوره كأحد رموز العشائر العربية في سوريا ودور العشائر بشكل عام على الساحة السورية، وربما يعكس صوابية هذا التبرير الاهتمام الحالي بالعشائر في المنطقة التي ينتمي إليها البشير الذي تُوج بعقد المؤتمر العام الأول للمجلس الأعلى للعشائر والقبائل في سوريا في اسطنبول بتاريخ 10/12/2017م.

2 – إبعاد تركيا له وصدور قرار بحقه على خلفيّة كشف تواصلات وتنسيق له مع الميليشيات الكردية “قوّات سوريا الديمقراطيّة”، فضلا عن عقد عدّة لقاءات سريّة بين جيش سوريا الجديد وبعض الداعمين له[15].

3 _ غياب العمل المؤسساتي والمحاسبة القانونية اللّذين يهدفان إلى تـحـسـيـن الأداء وفـعـالية العمل، لبلوغ الأهداف وإسقاط النظام، ويقوم على توزيع العمل على لجان كبرى وفرق عمل وإدارات مـتخـصـصـة في مختلف المجالات: العلمـيـة، والصحية، والاجتـماعية… والاعتماد على طريقة التجريب والارتجال وأسلوب المحاولة والخطأ التي تتبناها، وهو ما يفسره دعوته للتمسك بمؤسسات الدولة السورية.

4 – فشله في الحصول على مكان متقدم في صفوف المعارضة وتقديره أن روسيا ممسكة بزمام الأمور في سوريا دفعه إلى القفز من قارب المعارضة والدعوة لعقد مؤتمر سوري-سوري من داخل العاصمة دمشق بضمانات روسيّة، يجمع جميع أطياف الشعب السوري وينتهي بتشكيل حكومة وطنيّة والوصول إلى انتخابات تشريعيّة.

5 – خضوع المعارضة السورية لأجندات الدول وتماهيها مع مطالبهم دون أن يكون لها برنامج واضح (أمريكا والسعوديّة وقطر)، إضافة إلى قدرة المخابرات الدولية على اختراق صفوفها وعدم وجود مؤسسة أمنية تراقب وتنبه من أجل التصحيح والتقويم وهو ما عكسه تصريحه الذي أعلن فيه عرض ما ينوي فعله على مجموعة من المعارضين الذين قابلوه بالرفض.

ھ _ عودة ممثل الكتلة الوطنية الديمقراطية السورية في الهيئة العامة للائتلاف بسام الملك:

بسام الملك اقتصادي ورجل أعمال سوري شغل قبل انشقاقه عن النظام السوري عضواً في غرفة تجارة دمشق، أعلن في آب 2017م استقالته من الائتلاف ونيته العودة إلى العاصمة السورية دمشق، رغم العديد من تصريحاته التي هاجم من خلالها بشار وداعميه من الروس والإيرانيين[16]، للعمل في صفوف المعارضة الموالية للنظام”هيئة العمل الوطني الديمقراطي” التي رحبت بعودته، مرجعا ما أقدم عليه إلى حجم التآمر الخليجي والأمريكي والغربي، والارتباط الخارجي للائتلاف، إلا أن موقف معارضة الداخل التي رحبت بقراره قبل أن تطأ قدماه أرض دمشق  يعكس حجم التأثير من قبل الأجهزة الأمنية التابعة للنظام على تلك المعارضة.

و _ فراس الخطيب:

التحق نجم كرة القدم السورية فراس الخطيب – الذي بدأ مشواره الرياضي من نادي الكرامة السوري في مدينة حمص، ليحترف بعدها في العديد من الأندية العربية والأجنبية (الكويت – قطر – العراق – الصين) بركب الثورة السورية مناصرا لها من مكان إقامته خارج البلاد، معلنا عدم لعبه لصالح منتخب النظام طالما هناك قصف للبلدات والمدن السورية، خصوصا مدينته حمص[17]، إلا أن  حوارا أجرته معه قناة “روسيا اليوم”، تمحور حول الأنباء التي ترددت مؤخرا عن عودة الخطيب للّعب لصالح منتخب النظام خلال تصفيات كأس العالم 2018م في روسيا أدلى خلاله بتصريحات تعكس رغبته في العودة إلى حضن النظام، واللعب لمنتخبه الكروي، مبديا عتبه على اتحاد كرة النظام الذي لم يتواصل معه بشكل رسمي[18]، ثم يفاجئ الجميع مؤيدين ومعارضين، بعودته الرسمية للمنتخب في آذار 2017م، ويدخل دمشق في شهر آب من العام ذاته بعد وساطات قادها لاعبون ومسؤولون موالون للنظام، ويتبعه عمر السومة[19].

أدى التفاعل بين ما يتصف به الخطيب من بساطة وعفوية وتواضع، مع ما بدأت بتحريكه قناة روسيا اليوم عبر لقائها معه وتنبيهه للفرص التي تدفعه للإنجاز وتحقيق ذاته في ضوء إمكانياته وقدراته التي يمتلكها (على مبدأ رمي الحصى في الماء لتحريك المياه الراكدة) إلى خلق اتجاه جديد لديه ظهر من خلال عتبه على الاتحاد الرياضي للنظام لعدم تواصله معه، مقارنة مع غياب مثل هذه المؤسسات في صفوف الثورة ورعايتها لمواهبهم، واستمرار اعتمادها لهم كرموز معنوية، كعبد الباسط الساروت، دون أدنى توظيف لحرفيتهم وخبرتهم في هذا المجال.

ثالثا: انعكاسات ذلك على الثورة (الآثار والنتائج)

يتصرف الجمهور في الثورة تحت تأثير الظروف الموضوعية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي لم يختاروها بحرّية، ولا يعكس وعي الإنسان هذه الظروف، لذلك يُظهر اتجاهها طابعا متوترا لا يقف عند حواجز الحق أو السلطة، وبما أنه ترافق مع الحراك الثوري مواقف لأشخاص أو هياكل ثورية بدلت اتجاهاتها وعادت إلى صفوف النظام فإن ذلك يعتبر انتكاسة معنوية للمعارضة التي هي بالأصل غير متوافقة في رؤيتها، ويعزز نظرة المجتمع الدولي أو ذرائعه بعدم قدرتها على إدارة البلاد بعد سقوط النظام كونها غير موحّدة، وسيحاول النظام المتاجرة واستثمار عودة هؤلاء ليثبت شرعيته وتأكيد نظرية المؤامرة الكونية التي أطلقها بداية الثورة واستخدام ذلك في سياق ادّعاء الشرعية.

لم يعد لتلك الشخصيات أيّ قيمة وطنية  لدى الجانبين على الرغم من الاختلاف النسبي بينهما (النظام والمعارضة) ما يدلل عليه مواقف المجتمع السوري الموالي والمعارض التي انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي، وعدم قبول تكريم أحد قياديي اللواء الأول في برزة، معتبرين أن النظام يكرّم من يصفونهم بـ “الإرهابيين”، ويترك عناصره الذين دافعوا عنه، بينما ذهبت مواقع إعلام الثورة إلى الكشف عن تخاذلهم وصور تعاملهم خلال تواجدهم على الأرض التي تشي بالتواصل مع النظام، أو ازدرائهم للاعب كرة القدم فراس الخطيب، إلا أنّ ذلك يعكس أن المعارضة لم تستطع الاستفادة من ملف المنشقين عسكريين ومدنيين بالشكل الأفضل لصالح الثورة، و أضاعت فرصة ذهبية للاستفادة من خبراتهم الواسعة ومعرفتهم بتفاصيل وآليات عمل الدولة وطريقة إدارة النظام للبلاد، وبات بعض المنشقين يعودون لحضن النظام كما يقال بعد ما عانوه من خيبة أمل من المعارضة[20]، وعدم وجود رؤية ومشروع لها، ومع ذلك لا تزال مؤسسات المعارضة مستمرة بعملها العشوائي وتخبطها وتعثرها وعدم تقدمها باتجاه اعتماد أساليب الشفافية والنزاهة والمساءلة، وكل هذا أساء للمعارضة أمام الداخل وتجاه دول الأصدقاء التي خفضت مساعداتها بشكل كبير.

الخاتمة

يختلف الأفراد عن بعضهم في بنائهم النفسي وعوامل التنشئة الاجتماعية التي تتفاعل مع ظروف المحيط، لتشكل بدورها الاستجابة التي تختلف من شخص لآخر على الرسائل الموجهة والأحداث على أرض الواقع، وتعمل السياسات المؤسساتية القائمة على التخطيط و توجيه الطاقات وتنمية العزيمة والإرادة الوطنية من خلال رؤى واضحة وبرامج مدروسة بهدف الاستخدام الأمثل للقوى البشرية لصالح الثورة في جميع المجالات، ورسم الخطوات المناسبة لذلك، مع تأمين الأداء الوطني للأفراد باعتماد أسلوب التخاطب المباشر ذي التأثير الأعمق الذي يحدّد الأهداف والتوجّهات ويجنّب فوضى التفكير والتشتّت. وممارسة أنشطة التنمية، وتركيز الإعداد على العوامل المحيطة بالعنصر البشري التي يأتي في مقدمتها الإعداد السياسي والنفسي والمعنوي والثقافي والصحي.

[1]شفاف – رامي مخلوف سنقاتل حتى النهاية

[2]المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – مروان قبلان – المعارضة المسلّحة السوريّة: وضوح الهدف وغياب الرؤية

[3]“زمان الوصل” تنشر اعترافات خلية للنظام بالوعر: قتلت رئيس الشرعية العليا بريف حمص وحاولت تفجير “جامع فاطمة

[4]المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام – النقيب رشيد حوراني – الأبعاد الإعلامية للحرب النفسية وتأثيراتها على الثورة السورية

[5]زمان الوصل – إيثار عبد الحق – خفايا تنشر لأول مرة.. هكذا أسقطت برزة وهذه أسماء من باعوها وأسهموا بحصار الغوطة لــ”يستثمروا” في الخارج

[6]الحياة – منذر خدام _ تقلبات المواقف التركية من الأزمة السورية

[7]المدن – ينال الحمدان – “فوج الحرمون”: من المعارضة إلى الموالاة

[8]المدن – بيت جن: مليشيات النظام تحشد. و”فوج الحرمون”يستكمل”خياناته

[9]العربي 21 – إياد مكي – اتهامات لفصيل بإفشال خطة “جيش الإسلام” لدخول دمشق

[10]مقابلة أجراها الباحث مع أحد الناشطين الإعلاميين داخل الغوطة الشرقية

[11]زمان الوصل – إيثار عبد الحق – خفايا تنشر لأول مرة.. هكذا أسقطت برزة وهذه أسماء من باعوها وأسهموا بحصار الغوطة لــ”يستثمروا” في الخارج

[12]عنب بلدي – رجل في الأخبار.. هل يفقد نوّاف البشير “مشيخة” البكّارة؟  

[13]  أنا برس – سامر العاني – ماذا طلب نوّاف البشير من معارضين قبل مغادرته تركيا؟

[14]شبكة شام – نظام الأسد يؤسس ميليشيات العشائر في القامشلي بقيادة “نواف البشير”

[15]أنا برس – سامر العاني – ماذا طلب نوّاف البشير من معارضين قبل مغادرته تركيا؟

[16]عكس السير – بعد أن هاجم روسيا وإيران وبشار لسنوات عضو في الائتلاف يعود إلى سقف بشار الأسد

[17]حساب فراس الخطيب على تويتر

[18]زمان الوصل – فراس الخطيب يبدي رغبته بالعودة إلى حضن النظام ويعتبر اللعب لمنتخبه “شرفا”

[19]عربي21 – ضحكة فراس الخطيب مع الأسد.. هكذا انقلب على تغريداته

[20]زمان الوصل – عماد غليون – وهذه هويتي.. عودة وعي أم إعادة تموضع.. الدور الضائع للمنشقين في الثورة السورية