تطورات المنطقة الآمنة الخيارات والفرص المتاحة

Tags:

المنطقة الأمنة ضرورة ملحة للجانيين السوري والتركي على حدٍّ سواء وذلك بهدف توفير ملاذ آمن للسوريين تجنبهم بؤس المخيمات وحماية الحدود التركية من عبث الإرهاب

مقدمة

بعد حديث دام أكثر من خمس سنوات عن إنشاء منطقة عازلة قدمت خلالها العديد من الخطط من قبل الحكومة التركية، وأطرافٍ أخرى في محاولة لإقناع المجتمع الدولي والولايات المتحدة الأمريكية تحديدا بضرورة إنشائها بدأت عملية درع الفرات، حيث أطلقت وحدات من القوات الخاصة في الجيش التركي بالتنسيق مع القوات الجوية للتحالف الدولي _الطيران التركي_ عملية “درع الفرات” بتاريخ 24أغسطس 2016 دعمًا لقوات “الجيش السوري الحر”، لتتمكن من تحرير مدينة جرابلس، ثم التوسع في الداخل السوري لمساحة وصلت لأكثر من 1200كم، ويجري الحديث اليوم عن أنّ هذه الحملة ستصل مدينة الباب ومنبج، وستتوجه بعدها لمدينة الرقة معقل تنظيم الدولة ISIS، فما هي المنطقة العازلة، وما أهدافها، وإلى أين وصلت إنجازاتها، وما التحديات التي تواجهها؟ وما موقف القوى الأخرى المشاركة في الصراع الدائر في سوريا؟

ماهية المنطقة الآمنة “العازلة “وأهدافها

المتعارف عليه في مصطلحات القانون الدولي هو مصطلح المنطقة العازلة، وتعني فصل طرفي نزاع معين وإقامة مساحة برية تحظر فيها الأسلحة، ومن الممكن أن تكون مرفقة بحظر جوي وتكون تحت حماية أمنية مركزة[1]، أما مصطلح المنطقة الآمنة فيما يخص سورية يعود لتاريخ سبتمبر 2014 عندما استخدمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أثناء اجتماعه مع نائب الرئيس الأمريكي جون بايدن، وتهدف تركية من خلاله لإيجاد منطقة خالية من التهديدات الأمنية والإرهابية تكفل الأمن والسلام للمواطنين السوريون في تلك المنطقة في سبيل تخفيف الضغط عن تركيا التي تستقبل أكثر من مليوني لاجئ سوري وتسبب النزاع الدائر في سوريا بإشكالات داخلية تركية على الصعيدين الأمني والإنساني[2].

تاريخياً أقيمت مناطق عازلة بين الكوريتين (منطقة منزوعة السلاح منذ العام 1953 تمتد على عرض 4 كلم وطول 241 كلم تجوبها دوريات من الطرفين) وفي قبرص (“الخط الأخضر” منذ 1974) وفي الجولان بين سوريا وإسرائيل تحت إشراف قوة دولية، وبين إريتريا وإثيوبيا (25 كلم عرضا وألف كلم طولاً منذ العام 2000) [3].

المنطقة الآمنة في سوريا جاءت نتيجة اتفاق الأتراك والأمريكان والتي من الممكن أن تمتد على مساحة تصل إلى 5 ألاف كيلومتر مربع، ولم يتحدث أحد عن وجود عسكري تركي في سوريا، فمفهوم المنطقة الآمنة في سوريا عند الأتراك لا يعني تدخلاً عسكرياً تركياً في سوريا إطلاقاً، وإنما أن تكون هناك منطقة آمنة للشعب السوري، يستطيع اللجوء إليها بهدف الأمن والسلامة الشخصية وللأسر والعائلات والأطفال والنساء وتوفير المساعدات الإنسانية لهم، من دون اضطرارهم إلى مغادرة سوريا ولا إقامة مخيمات أخرى في تركيا أو غيرها، وبالتأكيد فإن مثل هذه المنطقة ينبغي أن تكون آمنة من كل تهديد مهما كان مصدره ونوعه، ويمكن تحديد الجهات التي تشكل تهددا للشعب السوري وهي:

  • قوات النظام والمليشيات التابعة له إضافة للجهات التي تدعم حملاته العسكرية وترجع تبعيتها لجهات أخرى.
  • مليشيات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”.
  • المليشيات الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وميليشياته وحدات حماية الشعب[4].
  • القوات الروسية التي بدأت المشاركة بشكل مباشر منذ 30 سبتمبر2015.

كما يمكن تحديد أهمية المنطقة الآمنة من خلال عدة نقاط أبرزها:

  • حماية السوريين الفارين من الحرب سواء من ممارسات نظام الأسد أو تنظيم داعش، والمنطقة ستعتبر ملاذاً لهم على اختلاف عروقهم سواء كانوا عرباً أو يزيدين أو أكراداً أو تركماناً، الذين سيعيشون في أمان دون الخروج من وطنهم.
  • تخفيف العبء الثقيل الموجود في تركيا نتيجة النزوح إلى أراضيها.
  • ستشكل المنطقة الآمنة مكاناً مناسباً جداً لإعداد وتدريب عناصر المعارضة السورية عسكرياً، مما يجعلهم قادرين على محاربة داعش والأسد في وقت واحد[5].
  • منع الأكراد من إقامة كيان مستقل على الحدود التركية الأمر الذي يهدد الأمن القومي التركي.

إنجازات درع الفرات

تمكنت عملية درع الفرات من تحرير مساحة تقدر بنحو ألف و200 كيلو متر مربع، من المنطقة الحدودية مع تركيا شمالي سوريا، ولأول مرة منذ عام 2011 استطاعت قوات الجيش السوري الحر بسط سيطرتها على مدينة جرابلس، التي تناوب على احتلالها كلاً من تنظيم الدولة “ISIS” وتنظيم حزب العمال الكردستاني “ب ي د”، ومهدت بذلك عودة أكثر من 20 ألف لاجئ سوري إلى المدينة لتنطلق منها العمليات باتجاه باقي المناطق السورية[6].

إضافة لقيام القوات التركية البرية والجوية باستهداف أكثر من 900 موقع لتنظيم الدولة “ISIS” عبر 4 آلاف رشقة، وذلك بهدف إفساح مساحات جديدة لقوات الجيش السوري الحر، الذي يواصل تقدمه، ولإبعاد خطر المنظمات الإرهابية عن الحدود التركية[7].

ومع تحرير مدينة جرابلس بدأت الهجرة العكسية من الأراضي التركية، فقد عاد نحو 500 سوري كانوا يقيمون في قضاء “قارقامش” بولاية غازي عنتاب جنوب تركيا ما أدى إلى رفع عدد سكانها بنحو 10 أضعاف، خلال شهرين فقط غالبيتهم من النساء والأطفال وكبار السن، تخطى بذلك عدد سكان المدينة 30 ألف شخص بعد أن كان لا يتجاوز الـ4000 شخص أثناء سيطرة تنظيم الدولة “ISIS”، عمل الجانب التركي على مساعدتهم في توفير الخدمات الأساسية من كهرباء وماء، فضلاً عن الخدمات الطبية والمدارس، من أجل توفير بيئة مناسبة تشجع من يرغب في العودة[8].

أما الأهداف الاستراتيجية التي حققتها تركيا على كافة الصعد السياسية والإقليمية والدولية فأهمها:

  • حماية الخط الواصل مع العالم العربي، حيث أظهرت تركيا أنّ قواتها العسكرية قادرة على قيادة حملة عسكرية في سوريا خاصة بعد تواجد قوات تنظيم الدولة “ISIS” وبعض القوى الكردية التي كانت تحاول قطع الخط الواصل بين تركياوالعالم العربي.
  • قوة القيادة الدبلوماسية التركية دولياً فالتحركات الدبلوماسية التي سبقت العملية مع دول الجوار والدول الخارجية الحليفة كان لها أثر إيجابي كبير في الحد من ظهور أي ردود فعل سلبية تجاه العملية، فالولايات المتحدة كانت من أول الدول التي أبدت مساندتها لهذه العملية، وكذلك فعلت كل من روسيا وإيران وألمانيا، بل إنّ واشنطن بنفسها أبلغت تركيا بانسحاب مليشيات حزب الاتحاد الديموقراطي إلى شرق نهر الفرات في سوريا.
  • كما أبدت عملية درع الفرات جدية تركيا في الحرب ضد تنظيم الدولة “ISIS”، فمن خلال التكتيكات الصحيحة والتنسيقات المشتركة والتركيز على ضرب أهداف معينة، تمكّنت القوات التركية بمساندة قوات الجيش السوري الحر خلال 8 ساعات فقط من استرجاع مدينة جرابلس من تنظيم داعش[9].

تحديات المنطقة الأمنة

نتائج عملية درع الفراد كانت جيدة في أيامها الأولى لا سيما مع الاتفاقات التي تمت بين تركيا والقوى الأخرى “أمريكا وروسيا”، لكنها تشهد نوعا من الفتور في مرحلتها الحالية، فالنتائج طويلة الأمد قد تحمل بين طياتها العديد من التحديات، فكل من تركيا وفصائل “الجيش الحر” ولأسباب عسكرية يريدون تطويق مدينة الباب من الشمال والشرق قبيل اقتحامها، وهذا الأمر يتطلب خلو المنطقة الممتدة من منبج إلى أعزاز من أي تواجد عسكري كردي، خوفا من وجود طابور خامس قد يعرقل العملية العسكرية أولاً، ولعدم تقديم إنجاز عسكري في الحرب ضد تنظيم الدولة دون الحصول مسبقاً على مكتسبات ثانياً، ولمنع تنظيم الدولة من التحرك بحرية والقيام بهجمات التفافية كما حدث في الهجوم الذي شنه على معبر أطمة غربي حلب ثالثاً[10].

وتعد مدينة الباب المعقل الأهم لتنظيم الدولة “ISIS” في حلب وقلعته الرئيسة، وليس من السهولة اختراق المدينة، والمعطيات التي مكنت فصائل “الجيش الحر” بدعم تركيا من دخول جرابلس لن تكون متوفرة في معركة الباب، لأسباب عدة من أهمها البعد الجغرافي، واقتراب قوات النظام من المدينة، وهنا يكمن أحد أهم الأسباب في إصرار أنقرة على انسحاب الأكراد إلى شرق الفرات كي لا تقع فصائل “الجيش الحر” بين مطرقة قوات النظام في الجنوب وسندان “وحدات الحماية” في الشمال.

ومع إصدار بعض قوى المعارضة السورية فتاوى (تجمع أهل العلم، جبهة فتح الشام) تحرم القتال إلى جانب تركيا والحر تبرز إمكانية حصول مواجهة مع هذه القوى، وفي حال حصل ذلك فإنّ المرحلة القادمة من عملية “درع الفرات” ستصبح في مفترق طرق[11].

التحديات الأمنية التي تواجهها تركيا في الداخل تنعكس على تحدياتها وسياستها الخارجية أيضاً، فالمحاولات التي بدأ حزب العمال الكردستاني القيام بها داخل تركيا وخارجها هي أعمال إرهابية ترتبط بالأحداث في شمال سوريا وكل سوريا، لأنها ترتبط بالمحور الذي يدعم بشار الأسد على قتل الشعب السوري، ولذلك فإنّ حزب العمال الكردستاني يقف ضد المنطقة الآمنة، وكذلك تنظيم الدولة يحاول الآن مواجهة فكرة المنطقة الآمنة وإفشالها، وهذا يعني أنّ “داعش” تنسق في أعمالها العسكرية مع التنظيمات الارهابية الكردية، والقاسم المشترك بينهما هو فيلق القدس الذي يقوده الجنرال الإيراني قاسم سليماني، الذي يحاول جعل شمال سوريا بؤرة قلق واضطراب للدولة التركية، وأمريكا مطالبة أنّ تتفهم المخاطر التي تهدد الأمن التركي، وإن حاولت أن تظهر بأنّها في علاقة جيدة مع الإيرانيين والأكراد في وقت واحد، فسعي أمريكا لإرضاء الإيرانيين والأكراد لا ينبغي أن يكون على حساب الأمن القومي التركي إطلاقًا[12].

إضافة إلى أنّ أنقرة لا يمكنها الوثوق بثبات مواقف الأطراف المختلفة سيما روسيا والولايات المتحدة، فكلاهما معروف بتبديل المواقف والتحالفات، وتوريط الأصدقاء قبل الخصوم، سيما وأنّ الأخيرة ما زالت تحتاج إلى الفصائل الكردية المسلحة كلاعب محلي تثق به أكثر من غيره، بينما ما زالت الأولى في خطوات الاختبار الأولى لعملية المصالحة مع أنقرة ولم تخفِ تحفظها على المبادرة التركية الجريئة في جرابلس، رغم علمها الواضح وسماحها المفهوم ضمنياً بها[13].

ومن بين التحديات كفاءة المؤسسة العسكرية التركية، ليس على مستوى العدد والعتاد فتركيا تملك ثاني أقوى جيش في حلف الناتو بما يخرجها من أي مقارنة مع الفصائل المتناحرة على الرقعة السورية، لكن المؤسسة العسكرية ما زالت تعاني من ارتدادات المحاولة الانقلابية الفاشلة بسبب عملية إعادة الهيكلة وفصل المئات من القيادات.

وتظهر عملية درع الفرات مدى قدرة أنقرة على الموازنة بين هذا التصعيد العسكري الذي يرتبط بالمعركة المستمرة مع تنظيم الدولة وتقدم المعارضة السورية على جبهة حلب والموقف من الأكراد وغيرها من العوامل الميدانية التي يمكنها أن تؤثر في مساره ومصيره، وبين الحل السياسي الذي تريده وأعلنت دعمها له وقدمت عدداً من القرائن في هذا السياق.

ويجب على تركيا التعامل مع رد فعل التنظيم ضدها وهو الذي يملك بفعل الحدود المشتركة والخلايا النائمة عدداً من الأوراق يمكنه تفعيلها سيما ورقة العمليات الانتحارية، بعد أن ضاقت عليه الحلقة في سوريا وفي ظل الحديث عن قرب موعد معركة الموصل، ولا شك أنّ هذه الهجمات الانتقامية المحتملة سيكون لها تأثيراً مباشراً على المشهد الداخلي التركي الذي لم يلتئم بعد من جراح الانقلاب.

وفي ظل معترك السياسات الداخلية التركية الحرجة وعدم وجود حوافز كافية لدفع مزيد من القوات إلى سورية يرجح أن يبقى التدخل العسكري التركي محدوداً في غضون الأشهر المقبلة لا سيما مع تخبط القوات المسلحة العسكرية لا بل يُستبعد أن يغامر أردوغان بتجريد حملة عسكرية إلى الرقة، قبل أن تتربع إدارة أميركية جديدة على عرش البيت الأبيض وتكون قادرة على توفير مكاسب ملموسة له بالمقابل في مجالي السياسة الخارجية والأمن،  يُضاف إلى ذلك أن صفقة الغاز التي تعتبر بمثابة انقلاب دبلوماسي نفذه بوتين قد لا تصمد أمام خضم الخلافات السياسية حول سوريا وقضايا أخرى[14].

في الخلاصة، رغم سرعة العملية العسكرية في مدينة جرابلس، فإن “درع الفرات” يبقى متغيراً استثنائياً في مقاربة تركيا للأزمة السورية، ويفتح الباب على سيناريوهات غير محدودة ولا يمكن الجزم بمساراتها، في ظل العدد الكبير من المتغيرات المؤثرة في المشهد، بين النظام والتنظيم والأكراد والمعارضة والقوى الإقليمية والدولية[15].

رؤية المعارضة السورية

يحاول الائتلاف التعاطي بواقعية مع تصريحات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، والتي قال فيها إنّ بلاده تهدف إلى «تطهير 5 آلاف كم مربع، شمالي سوريا، من الإرهاب لتكون منطقة آمنة يُحظر فيها الطيران»، من منطلق أنّ التجارب الماضية في هذا الخصوص اصطدمت بفيتو روسي وعدم حماسة أميركية، إلا أنه يعوّل على ما حققته «درع الفرات» في الأسابيع الماضية، وكذلك على الاستنهاض الحاصل للجهود التركية، بمسعى للتخفيف من حمل اللاجئين السوريين على أنقرة التي تخطط لنقل نحو مليوني لاجئ إلى المنطقة التي تطمح لإنشائها[16].

ترى الهيئة العامة للائتلاف السوري ضرورة العودة إلى الداخل السوري لمواكبة التطورات الميدانية عن قرب، على أن يتم ذلك بالتزامن مع إقامة منطقة آمنة في الشمال السوري تكون نتاج عملية «درع الفرات» ومن أبرز التحديات التي تواجههم في حال عودتهم:

  • مدى قدرتهم على التواصل مع باقي المناطق المحررة في غرب حلب ومحافظة إدلب.
  • تأمين الموارد الكافية لسد حاجة السكان.
  • إعادة تأهيل وبناء البنية التحتية التي دمرتها الحرب.
  • وضع موازنة عامة للمنطقة الآمنة وآلية تأمينهم للأموال اللازمة لهذه الموازنة.

وقال أحمد رمضان، عضو الائتلاف السوري أنّ الجانب التركي سيتولى توفير حمايتها والغطاء الجوي، على أن يكون تحريرها من اختصاص الجيش الحر، لافتاً إلى أنّ هذا الملف عاد أولوية لأنقرة بعد تبلور تفاهم دولي على دعمه، وأشار إلى أنّهم يسعون لتوفير مقومات الحياة في المنطقة المذكورة التي من المتوقع أن تبلغ مساحتها 5 آلاف كيلومتر مربع وعدد سكانها مليوني نسمة وتمتد من جرابلس على الحدود مع الفرات غربا إلى أعزاز، متوقعاً أن تبصر النور خلال شهرين. وأضاف: “هناك تحرك كبير على الأرض في هذا الاتجاه، على أن يتبلور بتحرير منبج بعدما تم التوصل لاتفاق مع الولايات المتحدة الأميركية على إخلاء الـ PYD المدينة ليتولى أمنها الجيش السوري الحر”[17].

مواقف القوى الفاعلة في المشهد السوري

عملية درع الفرات جاءت لوضع حدّ للهجمات التي تستهدف تركيا من داخل الأراضي السورية، هذا ما قاله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأضاف عليه وزير خارجيته مولود جاويش أوغلو أنّ بلاده ستعمل على طرد تنظيم الدولة “ISIS” نحو الجنوب وإجبار وحدات حماية الشعب الكردي على الانتقال إلى شرق نهر الفرات[18].

وفي ظل وجود أطراف دولية أخرى مشاركة وبقوة في النزاع الدائر في سورية كان لا بد للحكومة التركية أن تضمن على الأقل حياد هذه الأطراف في سبيل تحقيق مرادها بإنشاء المنطقة الآمنة شمال سوريا، فروسيا تدعم نظام الأسد والمليشيات التابعة له، والولايات المتحدة الأمريكية تعتبر وحدات حماية الشعب الكردية حليفتها في المنطقة، فمن ضمن التفاهمات قامت روسيا بتزويد تركيا بمعلومات استخباراتية لتنفيذ عملية درع الفرات حيث تم التوصل إلى هذا الاتفاق خلال المفاوضات الأخيرة بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين، والتركي رجب طيب أردوغان في إسطنبول[19]، فيما أكد البنتاجون مشاركته في الغارات الجوية التي صاحبت العملية، تزامنًا مع زيارة جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي، لأنقرة وهو أكبر مسؤول أمريكي يزور تركيا عقب محاولة الانقلاب الفاشلة، وقال بايدن في زيارته إنّ “تنظيم الدولة وحزب العمال الكردستاني نشرا الدمار في جنوب شرق تركيا”[20].

وقد دعمت العديد من الدول الغربية والعربية عملية درع الفرات التي تقودها تركيا حيث يؤكّد وزير خارجية الدنمارك كريستيان ينسن على أنّ “بلاده تدعم عملية درع الفرات، ودعا إلى ضرورة مكافحة داعش للحيلولة دون سقوط مزيد من القتلى في سوريا، مشيراً إلى صعوبة الوصول إلى حل للأزمة بسبب عدم الالتزام باتفاقات التحالف الدولي[21]، وأكّدت قطر دعمها الكامل لكافة الإجراءات التي تتخذها الحكومة التركية من أجل تعزيز الأمن على حدودها ضد أي تهديدات خارجية، وأشادت الخارجية القطرية بالدور الهام الذي تقوم به الجمهورية التركية في دعم ومساندة الشعب السوري[22].

 لكن تحقيق أهداف تركيا يتطلب بشكل رئيس الوصول إلى مدينة الباب وضمها إلى المنطقة المأمول إنشاؤها، وهنا يكمن أهم مواقع الخلاف الممكنة مع كل من روسيا وأمريكا، فالأهمية الاستراتيجية للباب يدركها خصوم تركيا فالاتحاد الديمقراطي من جهته يعتبرها عقدة وصل رئيسة في مسعاه لربط كانتون عفرين بكوباني، أما الحكومة السورية فتجد في دخول قوات درع الفرات للمدينة ضغطا على قواتها في حلب، ولذا قد تجد تركيا نفسها مضطرةً إلى مساومة جديدة مع كل من روسيا وأمريكا على الباب لتجنب أي مواجهة جانبية قد تؤدي إلى استنزافها في سوريا، وفي حين تلوِّح أنقرة بإمكانية اشتراكها في عملية تحرير الرقة بما يتماشى مع أولويات واشنطن في البلاد، يبقى السؤال مفتوحاً حول طبيعة التفاهم الذي قد تصل إليه مع موسكو، وما يمكن أن تقدمه لروسيا من دون التنازل عن ثوابتها ومطالبها الرئيسة الأخرى في سوريا[23].

الخاتمة

أثبتت عملية درع الفرات أنّ السوريين قادرون على طرد تنظيم الدولة ISIS، وإدارة شؤون بلادهم بأنفسهم إذا ما قُدّمت لهم الإمكانيات اللازمة لذلك، ويفترض على باقي الدول التي تصنف نفسها كأصدقاء للشعب السوري إضافة للتحالف الدولي الذي يحارب تنظيم الدولة “”ISIS أن يشاركوا بشكل فعّال في هذه العملية، حيث الأهداف المعلنة لهذه القوى تصب في خانة واحدة وهي القضاء على تنظيم الدولة، والتخلص من نظام الحكم الاستبدادي الذي يترأسه الأسد المسبب الرئيس للفوضى والإرهاب في منطقة الشرق الأوسط والذي يعمل على تصديره لبقية دول العالم، وفي مطلق الأحوال سياسة أصدقاء سوريا ستبقى معلّقة في حالة انتظار لحين وصول الإدارة الأمريكية الجديدة إلى سدة الحكم، لذلك فإنّ أصدقاء الشعب السوري ليسوا على وشك التخلي عنهم كجزء من التفاهم مع روسيا.

[1] دعم فرنسي لتركيا في إقامة المنطقة الآمنة بشمال سوريا خلال أسبوع، عاصم الجرادات، هافينغتون بوست عربي، تاريخ النشر 22/11/2015 https://goo.gl/sWMlNd

[2]   شروط اقامة منطقة عازلة في سوريا، كلنا شركاء، أخبار دولية، تاريخ النشر 10/10/2014 http://all4syria.info/Archive/172429

[3] المرجع السابق نفسه.

[4] مفهوم الأتراك للمنطقة الآمنة وأهدافها، محمد زهد جول، القدس العربي، تاريخ النشر 18/8/ 2015 http://www.alquds.co.uk/?p=388987

[5] دعم فرنسي لتركيا في إقامة المنطقة الآمنة بشمال سوريا خلال أسبوع، عاصم الجرادات، هافينغتون بوست عربي، تاريخ النشر 22/11/2015 https://goo.gl/sWMlNd

[6] بعد شهر على “درع الفرات”.. تحرير 1200 كم مربع وعودة 20 ألف لاجئ، محمد يلماز غولداش، وكالة الأناضول، تاريخ النشر 22/09/2016 https://goo.gl/SZRBk4

[7]  بعد شهر على “درع الفرات”.. تحرير 1200 كم مربع وعودة 20 ألف لاجئ، بوابة الشرق الالكترونية، تاريخ النشر 22/9/2015 http://www.al-sharq.com/news/details/445019

[8] جرابلس.. سكان المدينة يتضاعفون 10 مرات خلال شهرين،  زمان الوصل، تاريخ النشر 25/10/2015 https://www.zamanalwsl.net/news/74493.html

[9] أهم 3 أهداف كبيرة حققتها تركيا من خلال عملية “درع الفرات”، تركيا بوست، تاريخ النشر  25 /8/ 2016 http://www.turkey-post.net/p-150516

[10] تحديات تواجه المرحلة الثالثة من “درع الفرات”، حسين عبدالعزيز، العربي 21، تاريخ النشر 7/10/2016 https://goo.gl/CQHBuc

[11] رب “الفتاوى” تشتعل في حلب.. والجيش الحر يؤكد استئناف “درع الفرات”، خالد الخطيب، أورينت نت، تاريخ النشر 26/09/2016 https://goo.gl/e6TGSW

[12] مفهوم الأتراك للمنطقة الآمنة وأهدافها، محمد زاهد جول، القدس العربي، تاريخ النشر 18/8/2015 http://www.alquds.co.uk/?p=388987

 [13] عملية درع الفرات .. الأسباب والتحديات المستقبلية، د. سعيد الحاج، شبكة فلسطين للحوار، تاريخ النشر 25/8/2016 https://goo.gl/vSwHPw

[14] ذر الرماد في العيون، يزيد الصايغ،مركز كارينغي للشرقق الأوسط، تاريخ النشر 20 /10/ 2016 http://carnegie-mec.org/diwan/64905?lang=ar

[15] عملية درع الفرات .. الأسباب والتحديات المستقبلية، د. سعيد الحاج، شبكة فلسطين للحوار، تاريخ النشر 25/8/2016 https://goo.gl/vSwHPw

[16]  عضو في الائتلاف : المنطقة الآمنة خلال شهرين وسيصل عدد سكانها إلى مليونين، كلنا شركاء، تاريخ النشر 4/10/2016 http://www.all4syria.info/Archive/350732

[17] المرجع السابق نفسه.

[18] فصول عملية “درع الفرات” منذ إطلاقها.. وردود الفعل المحلية والدولية، أمنة رياض، سمارت نيوز، تاريخ النشر 25/8/ 2015 https://goo.gl/v9oSSq

[19] موسكو تسلّم أنقرة معلومات استخباراتية لـ”درع الفرات”، مجلة المجتمع، تاريخ النشر 24/10/2016 https://goo.gl/601jI0       

[20] القصة الكاملة لعملية «درع الفرات» التركية الأمريكية في جرابلس السورية، أحمد عمارة، ساسة بوست، تاريخ النشر 25/9/2016 http://www.sasapost.com/turkish-operations-in-syria/

[21] القصة الكاملة لعملية «درع الفرات» التركية في «جرابلس» السورية، مأرب برس، تاريخ النشر 26/9/2016 http://marebpress.net/news_details.php?sid=121895

[22] وزير خارجية الدنمارك: ندعم عملية “درع الفرات” التركية في سوريا، نازلي يوزباشي أوغلو، وكالة الأناضول، تاريخ النشر 2/10/2016 https://goo.gl/IfwVkE

[23] مستقبل الحل في سوريا بيد داعش والغرب، كاترين فرج الله، وطني، تاريخ النشر 27/9/ 2016 https://goo.gl/3we22y