توحيد المعارضة السورية … محاولات لتدوير نظام الأسد

Tags:

توحيد المعارضة السورية … محاولات لتدوير نظام الأسد

مرهف دويدري

جاء تأسيس الائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة السورية في السنة الثانية للثورة السورية كحل لتوحيد تيارات المعارضة السورية، حيث نجحت الدول الإقليمية آنذاك بتأسيس الجسم الممثل للمعارضة السورية، والذي اعترف به عدد من الدول كممثل شرعي ووحيد للثورة السورية، إذ استلم الائتلاف السوري المعارض كرسي سوريا في الجامعة العربية ووضع علم الثورة السورية بدلاً من العلم الذي يمثل النظام السوري، وبدأت ملامح مرحلة جديدة آنذاك تتبلور، غير أن الدعم الروسي لنظام الأسد بوقف كل أشكال الإدانة أو اتخاذ قرار أممي تحت الفصل السابع لمعاقبة النظام على الجرائم التي ارتكبها خلال سنوات الثورة السورية أدى إلى تراجع دور المعارضة، ودعم المجتمع الدولي في مقابل التعنت الروسي الذي أبدى موقفاً صلباً تجاه المعسكر الآخر، كفرصة ذهبية للعودة إلى الشرق الأوسط، وتعزيز قوة روسيا في مواجهة الولايات المتحدة، بغية إيجاد توازن دولي بدا واضحاً بعد ضمّ روسيا شبه جزيرة القرم الأوكرانية، رغم كل الإدانات من قبل الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة.

من ناحية أخرى، دعا المبعوث الأممي “ستيفان ديمستورا” المعارضة السورية في أكثر من مناسبة للتوافق على موقف واحد، من أجل الوصول إلى حل سياسي في سوريا، سيما وأنّ الحل العسكري بات غير وارد كما كانت تردد الدول الكبرى وتعيد بعض الدول الإقليمية ذات الأفكار؛ هذا التوحد الذي يريد ديمستورا بتوجيه روسي إتمامه بين “الهيئة العليا للمفاوضات” و “منصة القاهرة” و “منصة موسكو” للوصول إلى حل توافقي ورأي موحد، وبالتالي وفد موحد للتفاوض مع نظام الأسد حول سوريا المستقبل، حيث أعيد الإعلان عن ثلاث وثائق تتعلق بمبادئ الحل السياسي، وصياغة دستور جديد لسوريا، بالإضافة إلى تشكيل هيئة حكم انتقالي بمرجعية قرار مجلس الأمن الدولي ذي الرقم /2254/وجنيف 1 لعام ،2012 والتي ستناقش في جنيف نهاية شهر آب الحالي للوصول إلى وفد موحد، عندها يعتبر وبحسب “ديمستورا” عقد محادثات في جنيف بين المعارضة السورية ونظام الأسد في أيلول القادم أمرا واردا للتوصل إلى حل سلمي “للحرب السورية” بحسب “ديميستورا”.

مازالت فكرة توحيد المعارضة ضرب من ضروب الخيال، لكنها بكل تأكيد شراء للوقت أكثر منها بغية التوصل لحل سياسي، خاصة وأن الخلافات بين الكتل السياسية الثلاث متباينة إلى حد الخصومة، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن منصة موسكو متهمة من قبل المعارضين لها بأنها اختراق من قبل نظام الأسد للمعارضة، سيما وأن من يرأسها هو “قدري جميل” المعروف بولائه المطلق لروسيا، وتوافقه مع نظام الأسد، حيث وصل إلى منصب نائب رئيس حكومة النظام، وهو ما يجعل الوصول إلى رأي موحد أو توافقي من الصعوبة بمكان.

تتمسك منصة موسكو بدستور عام 2012 الذي يعطي صلاحيات واسعة جداً لمنصب الرئيس، وفيما بعد طرح اقتراح لتعيين خمسة نواب للرئيس بغية نزع صلاحياته وتوزيعها على النواب المقترحين دون الحديث عن مصير الأسد، على اعتبار أن النواب الخمسة سيتولون مهامه فلا داعي للحديث عن رحيله قبل نهاية “ولايته الدستورية”؛ هذا الاقتراح لاقى رفض كل من منصتي القاهرة والهيئة العليا للمفاوضات، التي ترى أن رحيل الأسد يجب أن يكون في بداية المرحلة الانتقالية، وهو ما سوف يعقّد مسألة الوصول إلى حل توافقي بشكل أكبر، وهو ما تسعى روسيا له، أي ضرب المعارضة ببعضها كذريعة لعدم التوافق بين مكونات معارضي نظام الأسد، والذي أصبحت معظم الدول الكبرى ترى أن إعادة تدويره وبقاءه إلى 2021 هو الحل الأفضل للوصول إلى حل سياسي، كما صرّح الرئيس الفرنسي “ماكرون” حول عدم توافر بديل شرعي للأسد، على الرغم من إجرامه على مدى سنوات.

بعد تصريح “عادل الجبير” وزير خارجية المملكة العربية السعودية لهيئة المفاوضات أن الأسد باق، وأنّ عليهم العمل بالواقعية السياسية، وهو ما نفته الخارجية السعودية، واعتبرتها تصريحات مفبركة، بدأت الغيوم تتلبد في أفق دعم المعارضة السورية، خاصة وأن الخلاف القطري والدول الأربعة (السعودية – البحرين – الإمارات – مصر) أرخى بظلاله على التيارات السياسية في المعارضة السورية، وبدا واضحاً أن التوافق بين أعضاء الهيئة العليا للمفاوضات أصبح على المحك، بسبب الخلاف بين داعمي الهيئة العليا للمفاوضات.

في ذروة الحديث عن تفاهمات للوصول إلى موقف موحّد، بدأ بعض أعضاء الائتلاف السوري بالانشقاق العكسي، والعودة إلى دمشق، والعزف على وتر المؤامرة الكونية وتدمير “الجيش السوري”، ما سوف يعزّز موقف النظام في مفاوضات الحل السياسي مدعوماً من قبل روسيا، عبر وضع منصة موسكو العصي بالعجلات حتى ولو تم الوصول إلى رأي توافقي تقدّم فيه المعارضة السورية تنازلات كبيرة قد تصل إلى القبول ببقاء الأسد في المرحلة الانتقالية، أو ربما ترشحه إلى منصب الرئاسة بحسب الدستور الجديد الذي يجب أن يصاغ خلال 18 شهراً من بداية المرحلة الانتقالية، وهو ما تضغط باتجاهه منصة موسكو.

مازالت العقدة التي تكسر أي توافق هي بقاء الأسد أو رحيله خلال المرحلة الانتقالية، كما أن خلوّ الوثائق الثلاث من أي اشارة لمصير الأسد ما يوحي بوجود ضغط دولي لتحييد الحديث عن مصير الأسد، وإعادة  التركيز على مسائل إجرائية وقانونية، والغوص في تفاصيل هذه المسائل كما طرحتها منصة موسكو حول “هيئة الحكم الانتقالي” من تعريفها وقانونيتها وطريقة تشكيلها في اجتماع سابق بين القوى المعارضة للوصول إلى موقف توافقي!

الثابت أنه لا توافق بين هذه القوى الثلاث، فكل تيار منها يرى الحل بحسب منظور من يمثل، فالهيئة العليا للمفاوضات ترى أن رحيل الأسد شرط أساسي لبدء المرحلة الانتقالية لأنها ترى أنها تمثل الشعب السوري المعارض، فيما تتجه منصة القاهرة نحو فكرة أن رحيل الأسد شرطٌ لابد منه، ولكن ليس بالضرورة في المرحلة الانتقالية، ويرى أعضاؤها أنهم يتحدثون برأي الأغلبية الصامتة، أما منصة موسكو فلا يعنيها رحيل الأسد بشيء، لأنها تمثل وجهة نظر النظام وإيران بدعم روسي. غير أن المتوقع أن يحدث خرق في هذا اللقاء، وربما يصل الأطراف جميعاً إلى توافق حول الرؤية الأساسية للحل السياسي في سوريا بضغط دولي وإقليمي، خاصة وأن دول العالم تعمل بشكل جدي لإنهاء الحرب الدائرة في سوريا، ولكن من ناحية أخرى يخشى إعادة تدوير نظام الأسد على أنه أفضل السيء للمرحلة القادمة، بدعوى الحفاظ على مؤسسات الدولة، وعدم حصول فوضى فيما لو أسقط نظام الأسد بشكل مفاجئ.

بين السيء والأسوأ ينتظر السوريون إنهاء المفاوضات لتوحيد المعارضة التي تخلى عنها المجتمع الدولي وباتت الحرب على الإرهاب هي المسعى الأول للمجتمع الدولي، حيث نجحت داعش بدعم النظام السوري وإيران، من خلال إشغال العالم عن جرائمهم وتحويلها إلى الفصائل التي تصنفها الأمم المتحدة بالارهابية!