دلالات الغارات الجوية والرمايات المدفعية والصاروخية

Tags:

تستمر الغارات الجوية من الطيران الحربي للنظام والطيران الروسي والخروقات بكافة أنواعها التي تشمل القصف المدفعي والصاروخي لمناطق المعارضة على الرغم من الاتفاق الدولي لوقف إطلاق النار المعلن بتاريخ 29 كانون الأول 2016م، و تتسم بتركيز أقل وبنفس الانتشار على مناطق المعارضة ومدنها، بهدف استنزافها وتهيئتها لأي عمل عسكري فعال في المستقبل، وهي رغم ذلك لم تحقق أهدافا استراتيجية ضد الخصم ” قوات المعارضة السورية ” كاستهداف القادة أو مستودعات الذخائر أو خطوط الإمداد بشكل فعال.

مقدمة:

تستمر الغارات الجوية من الطيران الحربي للنظام والطيران الروسي والخروقات بكافة أنواعها التي تشمل القصف المدفعي والصاروخي لمناطق المعارضة خلال الهدنة إلا أنها تتسم بتركيز أقل وبنفس الانتشار على مناطق المعارضة ومدنها، ولقراءة الخروقات لا بد من الأخذ بعين الاعتبار ما يلي:

1 – منطقة الاستهداف.

2 – عدد الغارات.

3 – الأطراف المتصارعة.

ومن خلال ما سبق يمكن قراءة الخروقات كما يلي:

أولا: المناطق المحاصرة

يركز النظام وحلفاؤه على المناطق المحاصرة بهدف استنزافها وتهيئتها لأي عمل عسكري فعال في المستقبل، ومثال ذلك شنَّ الطيران الحربي غارات جوية على مدن وبلدات ريف حمص الشمالي، كما تعرضت تلبيسة والغنطو والسعن الأسود والرستن وكيسين و تيرمعلة وبرج قاعي والزعفرانة ومنطقة الحولة لقصف مدفعي وصاروخي.

ومن جهة أخرى يضع النظام وحلفاؤه تلك المناطق وفق سلّم أولويات، وتعتبر المناطق المحاصرة في محيط العاصمة دمشق حزاما ناريا فرضته المعارضة في الفترة الممتدة من أيلول 2012 وحتى شباط 2013  و نجحت بتكوين هلال يلفّ العاصمة من ثلاث جهات (الغربية، والجنوبية، والشرقية)، وأصبحت المنطقة الممتدة من معضمية الشام في الغوطة الغربية، وحتى عدرا البلد في الغوطة الشرقية تحت سيطرة المعارضة، والتي لم تكتفِ بالمناطق الريفية فحسب، بل تمددت في أحياء العاصمة، مثل برزة والقابون وجوبر شمال المدينة، والقدم والحجر الأسود ومخيم اليرموك جنوبها، إلا أنه تمكن بمساعدة حلفائه الروس والإيرانيين من تجزئة الغوطة الشرقية والغربية وتحييد البلدات الجنوبية بشكل كامل، ومن ثم فرض هدن بالقوة بعد مرحلة تصعيد عسكري شرس، ثم تسويات تضمن ترحيل مناهضيه إلى الشمال، حتى وصل بسلسلة أعماله إلى حي القابون، واستقدم تعزيزات عسكرية إلى محيطه في منتصف الشهر الجاري مع تصعيد في الغارات الجوية والرمايات المدفعية والصاروخية و تضييق الخناق على المدنيين عبر منعهم من الخروج والدخول إلى الحي إلا بموجب سند إيجار أو عقد تملك منزل رغم أن الحي دخل في مصالحة مع النظام مطلع 2014م، في رسالة بدت واضحة أن القابون هي الهدف القادم ومحور عملياته العسكرية ليقطع بسيطرته على الحي – إن تمت – الرئة التي تتنفس منها الغوطة الشرقية المحاصرة ، ويجعلها وحيدة في مواجهته .

تأتي المناطق المحاصرة ذات الأهمية الاستراتيجية في المرتبة الثانية كما هو الحال في ريف حمص الشمالي حيث تسعى “قوات النظام والميليشيات التابعة” بإسناد جوي روسي إلى السيطرة على مناطق “الدار الكبيرة وتيرمعلة والغنطو، مروراً بالزعفرانة وتلبيسة، ثم الرستن”، وهي تشكل محوراً ممتداً على طول /20/ كم يصل (شمال حمص بجنوب حماة)، بهدف إحكام -النظام السوري- سيطرته الدائمة على سلسلة مدن كبرى؛ من دمشق إلى حماة مرورا بحمص، وقد يكون إلى حلب في مرحلة لاحقة عبر ريف حماة، خاصة في ظل ازدياد مساحة سيطرته هناك؛ بفضل الدعم الروسي والإيراني[1]، وهو  ما هدفت إليه من وراء حملتها العسكرية بداية العام 2016م  ، وقصفها المستمر للمنطقة.

ثانيا: تنظيم الدولة

 يركز النظام غاراته الجوية وقصفه المدفعي في معاركه ضد تنظيم الدولة ( داعش ) للفت الانتباه أنه يحارب التنظيمات الإرهابية، وأنه قادر على مواجهتها ، بل أن غاراته بالبراميل المتفجرة لمناطق خاضعة لحكم التنظيم استهدفت المدنيين وساد الهدوء على خط الجبهة بين الطرفين [2] ، ونظرا لتمتع روسيا بخبرة غزيرة في الحرب الدعائية اكتسبتها خلال الحقبة السوفيتية، ساعدت النظام في هذه المسألة حيث يقول المحلل في معهد دراسات الحرب كريس كوزاك أن بوتين برر حملته العسكرية على روسيا بحجة محاربة تنظيم الدولة فمن وجهة نظر بوتين، أنه حان الوقت لتحويل الانتباه إلى الدولة الإسلامية… حيث أدى اتفاق وقف الأعمال العدائية إلى تجميد القتال على جبهات أخرى، إلا أنها طريقة واضحة جداً للتأكيد لأوروبا أن روسيا مهتمة حقاً بمقاتلة تنظيم الدولة . وذلك عند إعادة السيطرة على مدينة تدمر نظرا لأهميتها في الثقافة العالمية[3].

مثلا في محافظة حلب منذ العام 2015م وحتى تاريخ سيطرته على الأحياء الشرقية في المدينة اختار النظام عدم الاشتباك بجدية مع تنظيم الدولة (ISIS ). وركّز عملياته في هذه المحافظة على قوات المعارضة السورية لاستكمال تطويق مدينة حلب. كما أنّ عمليات تنظيم الدولة (ISIS ) ضد قوات المعارضة السورية ساعدت النظام عبر إلحاق الإصابات بالثوار، وتوفير هذا الجهد على قوات النظام. واستغلّ كلّ من النظام وتنظيم الدولة (ISIS ) عمليات الطرف الآخر لدعم أعماله ضد قوات المعارضة، و أن ما دفع كلا الطرفين من الاشتباك فيما بينهما وخاصة النظام بقواته الجوية اعتماده مبدأ الاقتصاد في القوة أو الجهد .

أما ما تشهده منطقة ريف حمص الشرقي في محيط مطار التيفور العسكري  في منطقة جحار وشركة حيان وبيضة شرقية، من غارات جوية وقصف مدفعي وصاروخي عنيف، وريف حلب الشرقي وبعض المناطق في مدينة دير الزور من اشتباكات عنيفة بين تنظيم الدولة وقوات النظام ، من غارات جوية وقصف مدفعي وصاروخي عنيف، تمكنت خلالها قوات النظام من احراز  بعض التقدم على حساب التنظيم كالسيطرة على قرية جحار  وحقي المهر  وشركة حيان  للغاز  في ريف حمص الشرقي، ليس إلا  عرضا بصريا يتماهى في التوقيت مع مؤتمر جنيف 4  للحصول على شهادة حسن سلوك وبراءة ذمة من الإرهاب بتصويب عملياته العسكرية على تنظيم الدولة.

ثالثا: قوى المعارضة السورية وتقويض سعيها لتحقيق انجاز

يعمل النظام على التغطية الجوية والمدفعية في حال كانت المعارك تدور بين قوى الثورة  ( الجيش الحر) وبين المجموعات المصنفة إرهابية ” تنظيم الدولة ” لمنع قوى الثورة من استثمار إنجازاتها وإظهار قدرتها على التصدي للتنظيمات الإرهابية ، فالنظام لم يستطع وميليشياته منذ الثاني عشر من الشهر الجاري تاريخ انطلاق معركة “الموت ولا المذلة”، التي أعلنت عنها قوى المعارضة السورية في الجنوب السوري ضمن حي المنشية في مدينة درعا، وقف عملياتها العسكرية الآخذة بالتمدد ، فشن الطيران الحربي التابع له  غارات جوية في محيط تل الجابية في ريف درعا الغربي، مستهدفاً قوات المعارضة لعرقلة سعيها لاستعادة ما سيطر عليه التنظيم الذي لجأ إلى تحريكه من عدة محاور للتأثير على مجريات المعركة وتشتيت القوى عن الهدف الرئيس، ما اضطر فصائل المعارضة السورية إلى توزيع ثقل و اتجاه  الضربة الرئيسية إلى جبهتين الأولى في معركة (الموت ولا المذلة) و الثانية على الخلايا النائمة التي شنها التنظيم من الخلف، خاصة أنه بدأ بتنفيذ الاعدامات الميدانية لنشر الخوف والهلع في نفوس المدنيين، ولإجبار مقاتلي معركة الموت ولا المذلة من أبناء تلك المناطق ترك جبهاتهم لحماية أهلهم، وبالتالي أخّر هذا الأمر قوات المعارضة السورية أن تحسم المعركة وتحقق نتائجها التي يعتبر  حرمان النظام من  الاشراف على جمرك درعا القديم، على طريق درعا البلد-الرمثا   أهمها [4] ، كما قصف طيران النظام بلدة طفس (حاضنة قوى الثورة ) بحيث يعد هذا العمل عسكريا مساعدة لتنظيم الدولة على التقدم، ويشير بشكل واضح لتقاطع مصالح النظام والتنظيم حول نفس الهدف وهو افشال المنطقة الآمنة.

وفي حماة أعلن جيش العزة في  29 كانون الثاني2017م عن عدم التزامه باتفاق وقف إطلاق النار في سورية ، بسبب قصف الطيران الروسي لمقراته بريف حماة، خاصة أن الجيش استطاع الحفاظ على نقاط الرباط وتماسك الجبهات في وجه النظام رغم الاقتتال بين جند الأقصى وأحرار الشام عقب معركة تحرير حماة انطلاقا من ريفها الشمالي بتاريخ 29 آب 2016م ،على الرغم من الغارات الجوية المكثفة آنذاك ومحاولات السيطرة المتكررة من قبل قوات النظام، لأن هدف النظام القضاء على كل المعتدلين حسب وصف بسام بربندي، الدبلوماسي السوري السابق والمقرب من المعارضة .

رابعا: المناطق التي تشهد اقتتالا بينيا لقوى محسوبة على الثورة (إسلامية)

غياب الغارات الجوية على المناطق المحررة التي تشهد اقتتالا بينيا بين الفصائل ومثاله المواجهات العنيفة بين هيئة تحرير الشام ولواء الأقصى حيث شنَّ الطيران الحربي وبمشاركة روسية غارات جوية على بلدة سنجار وبنش والهبيط وترما وترعي والتمانعة والشغر وخان شيخون، وألقت المروحيات براميل متفجرة عدة على بدة الهبيط، وسقطت صواريخ بالستية على بلدة ترما وسراقب، وتعرضت بلدات: التمانعة وسكيك وكرسعة وبداما وسفوهن لقصف صاروخي ومدفعي.

كما شنَّ الطيران الحربي غارات جوية على بلدات وقرى: عقرب والتوبة وحصرايا كفر زيتا واللطامنة وطيبة الإمام ومورك وبلدة الصياد ومنطقة الزوار والعناوي والكركات وأم ميال، وألقت مروحيات النظام براميلها المتفجرة على الجنابرة والمصاصنة واللطامنة ومورك وطيبة الإمام، وألقت بالألغام البحرية على مدينة مورك، وذلك بهدف إطالة الصراع بينهما، وإبراز خلافاتهما الأيديولوجية لاستثمارها في تشويه مشروعهما وحشد العالم ضدهما على أنهما مجموعات إرهابية متصارعة على الإمارة والغنائم.

وكان لهذه الخلافات بين الفصائل تداعيات جمة استغلها النظام وعمل على استثمارها عسكريا من خلال توفير الوقت الكافي له لتجميع قواه، وتخفيف الضغط العسكري عليه، هنا لتعزيز جبهة أخرى به، واستنزاف معارضيه وقدراتهم العسكرية معتمدا من جديد على مبدأ الاقتصاد في الجهد، بالإضافة إلى استثماره سياسيا في المحافل الدولية ومن خلال إعلامه الموجه برسائل تشير إلى أنه لا يوجد ثورة في سورية إنما هي مجموعات متناحرة فيما بينها.

خامسا: التصعيد بهدف معرفة ما تمتلكه المعارضة من قوة

  إن استمرار النظام في استهداف حي القابون الدمشقي وحي الوعر الحمصي والريف الشمالي لحمص الذي توسع ليشمل الاستهداف أيضا منطقة الحولة، جاء بهدف نشر المزيد من الإحباط في نفوس الحاضنة الشعبية للثورة السورية في تلك المناطق وخصوصا التي وقعت على اتفاق مصالحة مع النظام سابقا. كما عمل على التركيز على جبهات الغوطة الشرقية وحي القابون للحيلولة دون امتداد العمليات العسكرية للمعارضة باتجاه مدينة دمشق، حيث لم يتمكن خلال الفترة الماضية من القضاء على قدرات الثوار فيه بسبب التحصينات القوية التي أقاموها، وأيضا لمعرفة ما تمتلكه فصائل الثورة من خطط وعناصر قوة، إذ استطاع أن يكشف بعضها من خلال تصعيده الأخير على حي الوعر، وذلك عندما استخدم الثوار استراتيجية الرد بصواريخ الغراد لمقرات النظام ومراكز تجمع قواته ضمن المدينة وفي محيطها كجبورين وأكراد الداسنية.

ويلجأ إلى التصعيد العسكري بمختلف أنواعه ضد هذه المناطق عند حاجته لرفع معنويات مؤيديه تحديا إذا تعرض لموقف ميداني صعب في أماكن أخرى، فالوضع العسكري لقوات النظام غير المستقر في الشمال السوري، والتحامه مع قوات المعارضة السورية الذين تمكنوا من أسر بعضا من عناصره[5] تدفعه للتصعيد في أماكن أخرى تكون قدرتها على الرد محدودة بسبب الحصار.

سادسا: محيط المناطق التي تم السيطرة عليها مؤخرا

تتمثل هذه الحالة بشكل واضح وجلي في محافظة حلب، حيث كثف النظام من غاراته الجوية هناك لإضعاف المقاومة التي تعترض خطته في عمليات استعادة السيطرة على أحياء حلب الشرقية، وكذلك للتغطية على النقص البشري في صفوف النظام، وظهر ذلك جليا خلال معركته للسيطرة على تلك الأحياء بالتعاون مع القوات الجوية الروسية والميليشيات البرية الإيرانية.

يلجأ النظام إلى تصعيد خروقاته تحديدا في المناطق الاستراتيجية القريبة من خطوط التماس مع حاضنته الشعبية كجبهة الساحل على سبيل المثال، إذ يهدف من وراء ذلك التصعيد توجيه رسائل تحذيرية لصانع القرار التركي باحتمال نشوب معركة موسعة يعمل على إدارتها ويتم من خلالها إطلاق  رمايات مدفعية عشوائية تستهدف العمق التركي، بحيث يشكل هذا الاستهداف عامل ضغط على الحكومة التركية من قبل مواطنيها بسبب تدخلها العسكري في سورية،  كما أن قذيفتين من الجانب السوري سقطتا خلال معارك “الموت ولا المذلة” في درعا في منطقة الرمثا المتاخمة للحدود السورية كانتا رسالة تهديد واضحة للحكومة الأردنية بهدف ثنيها عن تقديم الدعم بمختلف أنواعه لقوى الثورة السورية.

خاتمة:

بشكل عام بعد مضي ست سنوات على الحرب في سورية أصبحت الرمايات الجوية والمدفعية لقوات النظام القوة الأكثر أهمية، وعنصرا جوهريا في القوة النارية لديه، وتمثل إحدى أبرز نقاط عدم التكافؤ في الصراع بين النظام وقوى الثورة، وخاصة الرمايات الجوية نظرا لقدرتها على استنزاف قوى الثورة، والتسبب بخسائر فادحة بين المدنيين في المناطق الخاضعة لسيطرة قوى الثورة، ولها دور مهم في دعم العمليات الهجومية والدفاعية للنظام، إلا أنها رغم ذلك لم تحقق أهدافا استراتيجية ضد الخصم كاستهداف القادة أو مستودعات الذخائر أو خطوط الإمداد بشكل فعال.

[1] المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام – ريف حمص الشمالي أهمية الموقع وحساسية الواقع – النقيب رشيد حوراني https://goo.gl/6kkdzO  

[2] هافينغتون بوست عربي-هكذا صنع الرئيس السوري بيديه تنظيم داعش المتشدد – ترجمة. http://www.huffpostarabi.com/2016/12/05/story_n_13436198.html

[3] النهار – موناليزا فريحة – النظام في تدمر. أي دلالات للأسد وبوتين وداعش؟ https://www.annahar.com/article/340970-

[4] المدن – درعا: المعارضة تطلق ” الموت ولا المذلة ” https://goo.gl/Lj94a7

[5] الاتحاد برس – المعارضة تقتل و تأسر عناصر للنظام خلال معارك في محيط تادف https://goo.gl/KAT0jr