دور الخليج العربي في القضية السورية

Tags:

مِن الخصائص الجيوسياسية للثورة السورية ارتباطها بأمن الخليج العربي ومستقبله السياسي، فكان لزاماً على دوله التدخل لصالح دعم قضية الشعب السوري التي تتوافق مع مصالحه في مواجهة التغلغل الإيراني، تدخل لم يرتق لمستوى التضحيات التي قدمها السوريين في حربهم.

المقدمة

جاءت الثورة السورية امتداداً للربيع العربي ولكنّها حملت أيضاً الكثير من الخصائص الجيوسياسية فارتباطها بأمن الخليج العربي ومستقبله السياسي، لا سيما مع التدخل الإيراني المباشر في الصراع وسيطرته على مفاصل الدولة، واعتبار سوريا هي البوابة للسيطرة على باقي الدول العربية، وعلى رأسها دول الخليج حيث الأماكن المقدسة ومنابع النفط والغاز.

بدأت تتراجع العلاقة بين دول الخليج وسوريا منذ استلام بشار الأسد للسلطة عام 2000 م بفعل زيادة توطيد بشار لعلاقاته مع إيران، وكذلك بسبب توسع الدور الأمني للأسد في القرار اللبناني ذي الأهمية الخاصة بالنسبة للسعودية، ومنذ بداية الحرب في سوريا تدرجت المواقف الخليجية الرسمية من انتفاضة السوريين، حيث لم تعرها الكثير من الاهتمام في أول شهرين، واعتقدت بأن نظام الأسد سيقوم باحتوائها، ثم تصاعدت حدة المواقف والتصريحات مع زيادة حدة العنف من قبل النظام لتطالبه فيما بعد بالوقف الفوري لإطلاق النار، والإفراج عن المعتقلين في السجون، وفتح حوار بين كافة الأطراف، وإجراء إصلاحات سياسية تتضمن تعديلات دستورية حقيقية.

في 23 أيار 2012 م على أثر المجزرة التي حصلت في مدينة الحولة، والتي ذهب ضحيتها 126 قتيلاً بينهم 55 طفلا، أدان مجلس التعاون الخليجي تصرفات النظام السوري، وطالب المجلس بتدخل دولي لوقف المجازر بحق السوريين، ودعا  المجلس دوله لمواصلة دعم المعارضة السورية ، كما أكد على وجوب  تنحي رئيس النظام بشار الأسد عن سدة الحكم، مع تأييده لحل المسألة بالمفاوضات السياسية إن قبل النظام، لكن معظم دول الخليج ذهبت لاحقا لأبعد من ذلك بإصرارها على تنحي الأسد، ولو بإجباره على ذلك عسكريا، وأبدت السعودية والإمارات رغبتهما في توجيه قوات برية تحت إطار التحالف الدولي للتدخل ضد تنظيم الدولة للقيام بعمليات على الأرض في سوريا.

مجلس التعاون الخليجي

تتشابه دول مجلس التعاون الخليجي إلى حدّ كبير في طبيعة أنظمتها السياسية، إن كان النظام ملكيا أو أميريا، من حيث تركيز الحكم في عائلة واحدة، ويكون الحكم وراثياً من الأب إلى الابن أو الأخ الأكبر وأخذت دول المجلس بنظام تعدد المؤسسات داخل السلطة التنفيذية ووجود مجلس للوزراء إضافة إلى جهاز تشريعي وسيادة واستقلال القضاء.[1]

أنشئ مجلس التعاون الخليجي في مايو/أيار 1981 مع بداية الحرب العراقية الإيرانية، وبعد حوالي سنتين من قيام الثورة الإسلامية في إيران، وبحسب النظام الأساسي للمجلس، فإنّه يهدف إلى “تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولاً إلى وحدتها”، ومن بين ذلك تعزيز التعاون الاقتصادي المشترك، وتتناوب الدول الأعضاء على رئاسة المجلس وهي:[2]

  • المملكة العربية السعودية عاصمتها الرياض نظام الحكم ملكي وتعتبر أكبر دول مجلس التعاون الخليجي وتبلغ مساحتها 1,960 مليون كم،[3] عدد السكان السعوديين وصل إلى نحو 20.3 مليون نسمة بنسبة 67.6 في المائة من إجمالي سكان المملكة وعدد السكان الأجانب في السعودية 9.7 مليون نسمة بنسبة 32.4 في المائة من إجمالي سكان المملكة البالغ عددهم 29,994,272 نسمة.[4]
  • دولة الإمارات العربية المتحدة وعاصمتها أبو ظبي وهي دولة اتحادية تحكم بموجب دستور 2 ديسمبر 1971، وتبلغ مساحتها 82,880 كم بلغ عدد السكان في يوليو 2016 نحو 8,264 ملايين نسمة بينهم 947,9 ألف مواطن و7,316 ملايين مقيم وفقاً لبيانات أعلنها “المركز الوطني للإحصاء”.[5]
  • مملكة البحرين عاصمتها المنامة نظام الحكم ملكي دستوري وتبلغ مساحتها 82,880 كم أعلن الجهاز المركزي للمعلومات في البحرين أنّ عدد سكان المملكة بلغ بحسب آخر احصاء رسمي أُجري في 2010 بلغ 1,234,571 نسمة منهم 568399 بحرينياً و666172 غير بحريني.[6]
  • سلطنة عمان عاصمتها مسقط نظام الحكم سلطاني وراثي وتبلغ مساحتها 212,460 كم وأوضح المركز الوطني للإحصاء والمعلومات أنّ عدد سكان السلطنة بلغ ثلاثة ملايين و957 ألفا و40 نسمة تتوزع على مليونين و212 ألفا و693 عمانياً ومليون و744 ألفا و347 وافدا بنسبة 44 بالمائة.[7]
  • دولة قطر عاصمتها الدوحة حكم الدولة ملكي وراثي في عائلة آل ثاني، من الذكور وتكون وراثة الحكم إلى الابن الذي يسميه الأمير ولياً للعهد وتبلغ مساحتها 11,460 كم وإجمالي عدد السكان حتى آخر شهر نوفمبر 2016 بلغ مليونين و637302.[8]
  • دولة الكويت عاصمتها الكويت نظام الحكم أميري ديمقراطي وتبغ مساحتها 17820كم وبلغ إجمالي عدد السكان وفق إحصاء 2011 مليون و623242عدد الكويتيون مليون وسبعة وستون ألف و481 فرد وغير الكويتيين 555761.[9]

يتشكل مجلس التعاون من عدة هيئات وأجهزة هي:العلاقة بين دول الخليج العربي ونظام الأسد قبل 2011

ترتبط دمشق والحجاز بعلاقات قديمة فمنذ العصر الأموي نجد بأنّ الترابط كان قائماً ودائماً كانت الوجهة دمشق منذ أنّ كانت عاصمة للدولة الإسلامية، وكذلك في كافة العصور اللاحقة، بدأت بالتجارة وما زال يغلب عليها الطابع التجاري والاقتصادي.

في تاريخ سورية الحديث نجد الكثير من الترابط، فأول ملك نُصّب في سورية جاء من الحجاز، وكانت دمشق هي المركز وبمثابة القلب للوطن العربي، إذ كان الحجاج القادمين من أقصى البلاد يتجمعون في دمشق  ثم ينطلقون مع محمل الحج الشامي باتجاه مكة، ومع خروج الانتداب الفرنسي دعمت المملكة السعودية حكم شكري القوتلي في سورية، كذلك ساعدت انقلاب الشيشكلي عام 1954، وكان للسعودية دورا في الانفصال وتفكك الجمهورية العربية المتحدة الذي تم بين سورية ومصر عام 1961، وساءت العلاقات السعودية السورية في عهد حكم هاشم الأتاسي ولم تكن بالمستوى المطلوب، لتعود من جديد إلى عصرها الذهبي مع وصول الراحل حافظ الأسد إلى الحكم وانفتاحه على الرياض التي قدمت بدورها دعماً ووقفت بجانب سورية في أزمة الثمانينات والحصار الأمريكي لسوريا، عن طريق دعمها لليرة السورية أو شراء احتياطي العملة الصعبة وضخها في الاقتصاد السوري.

منذ استلام حافظ الأسد للسلطة لم تسجل العلاقات الثنائية دخولاً في منعطفات خطيرة رغم حصول خلافات سياسية بين النظامين، ارتكزت العلاقات السورية -السعودية على الصراع والمنافسة تارة والتعاون طوراً من أجل قيادة النظام العربي، لكنّ السعودية ركّزت دوما على مبادراتها الديبلوماسية على الصعيد العربي، بينما أصرّت سوريا على حقوقها المشروعة في الصراع العربي الإسرائيلي، ولم يتمكن أي منهما من الإمساك بزمام القيادة للنظام العربي، ويؤكد المجلس منذ تأسيسه عام 1981 دعمه وتأييده لمطالب الجمهورية العربية السورية لاسترداد حقوقها المشروعة وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية التي احتلتها عام 1967 بما فيها الجولان المحتل حتى خط الرابع من حزيران 1967م، وفق مرجعية مدريد ومبدأ الأرض مقابل السلام وتطبيق قراري مجلس الأمن 242 و338، وتحميل إسرائيل مسئولية تعثر هذا المسار.

أما المسائل الخلافية، فتمثّلت بالقضية الأساسية، وهي مسألة الصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية والملف اللبناني، أضيف إليها الملف العراقي والعلاقة مع إيران، أمسكت سوريا في عهد حافظ الأسد بالورقة الفلسطينية ودعمت الفصائل الفلسطينية المعارِضة والمناهضة لمنظمة التحرير الفلسطينية، لكن السعودية استطاعت انتزاع الورقة الفلسطينية من يدها تمهيداً لمفاوضات سلام بين العرب وإسرائيل، وإن كانت العلاقة بين السعودية ومنظمة التحرير الفلسطينية قد توترت على خلفية وقوف ياسر عرفات بجانب صدام حسين في غزوه للكويت، فإنّ السعودية اتجهت لمساعدة الشعب الفلسطيني مباشرة، خصوصاً مع بروز تنظيمات فلسطينية إسلامية أصولية كحماس والجهاد الإسلامي، لعبت السعودية دوراً في مؤتمر مدريد عام 1991 وأضعفت الموقف السوري التفاوضي بعد أن أفقدته ورقة الضغط الفلسطينية، وذلك بعد توقيع إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في 13 أيلول عام 1993 على اتفاق أوسلو.[10]

كانت العلاقات السعودية السورية تسير بسلام، إلى أن تم اغتيال رفيق الحريري حليف السعودية بلبنان عام 2005، حيث حمّلت السعودية سوريا المسؤولية غير المباشرة كونها الممسكة بزمام الأمور في لبنان، وطلبت منها تقديم معلومات عن الحادث، ونصحتها بسحب قواتها من لبنان وفقاً لاتفاق الطائف، في ظل إصرار دولي على تنفيذ القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، تحركت السعودية بالتعاون مع مصر لتسوية الأزمة اللبنانية-السورية على أساس محاولة التوصّل إلى صيغة توفيقية تدمج تنفيذ اتفاق الطائف الذي لم ينفذ كاملاً والقرار 1559 واللذين يصبان في خانة واحدة، وتزايدت الضغوط السعودية على سوريا من أجل انسحاب قواتها من لبنان وكف يدها عنه وعدم التدخل في شؤونه الداخلية وإلا واجهت العلاقات السعودية -السورية صعوبات، وبرز التوتر جليّاً في هذه العلاقات، حاولت سوريا احتواء الموقف العربي والتقليل قدر الإمكان من خسائرها، فقد وجدت نفسها معزولة عربياً ودولياً ومحشورة لبنانياً بعد توجيه أصابع الاتهام إليها في ظل هذه الأجواء من التوتر والتعبئة ضد سوريا ونظامها ومحاولة تعقبها داخل حدودها بعد انكفائها عن الساحة اللبنانية، حاولت السعودية الإمساك بالورقة السورية، وأطلعت دمشق على الموقف الأميركي وعرضت عليها أفكاراً ومقترحات تجنبها الضغوط الأميركية وتمهد لإيجاد حالة جيدة من العلاقات بين واشنطن ودمشق انطلاقاً من إيمان السعودية بأهمية الدور السوري في استقرار المنطقة، فالولايات المتحدة عدّلت من خططها تكتيكياً بعد التعثّر في العراق، وبالتالي لم يعد مطروحاً، تغيير النظام السوري، وإنّما العمل على تعديل سلوك هذا النظام حيال العراق ولبنان والفلسطينيين وإسرائيل.[11]

وظهر التوتر جلياً مع قيام حرب يوليو (تموز) 2006 بين إسرائيل وحزب الله، وهي الحرب التي هاجمت فيها السعودية حزب الله، معتبرةً أنه شن مغامرة غير محسوبة، وجاء رد بشار الأسد بعد انتهاء المعركة بالتهجم على المملكة السعودية، واصفًا من لاموا حزب الله في تلك المعركة، بأنّهم أشباه رجال. ولكنّ الخلافات لم تدم على السطح طويلًا، حيث قام العاهل السعودي الراحل، عبد الله بن عبد العزيز، بزيارة دمشق في عام 2009، مما اعتبر وضع حدّ للخلافات السورية السعودية الظاهرة على السطح.

وتدفقت بعد ذلك الاستثمارات السعودية الضخمة في سوريا، وقام محمد الجاسر، محافظ صندوق النقد العربي السعودي في مارس (آذار) 2010، بالإعلان عن تقديم قروض لسوريا بقيمة 140 مليون دولار، بعد زيارة العاهل السعودي الثانية لدمشق في عام 2010، أي قبل شهور قليلة من بدء الثورة ضد النظام، الذي وصفته المملكة بعد ذلك بأنّه نظام دكتاتوري يقتل شعبه ويهلكه على مدار عقود.[12]

تطور المواقف الخليجية منذ بداية الثورة

من أقوى المواقف التي أيدت قضية الشعب السوري تمثلت بدول الخليج وعلى رأسها قطر والسعودي اتسم دور مجلس التعاون الخليجي في المراحل الأولى بالحياد والصمت، ومع تزايد العنف ضد المحتجين بدأت دول الخليج باتخاذ خطوات ومواقف تؤيد مطالب المحتجين بتغيير النظام، فقادت المملكة العربية السعودية الموقف الخليجي، وطالبت بوقف أعمال العنف والمظاهر المسلحة، وإجراء إصلاحات جادة وضرورية، واللجوء إلى الحكمة حفاظاً على سلامة الشعب، مع التأكيد الدائم على حرص دول المجلس على أمن واستقرار ووحدة سوريا، وتطور الموقف الخليجي حيال الأزمة السورية بقرار دول مجلس التعاون الخليجي طرد سفراء النظام السوري من أراضيها وسحب جميع سفرائها من دمشق، وتنديدها بالمجازر الجماعية ضد الشعب وكذلك بسحب مواطنيها المشاركين في بعثة المراقبين التابعة لجامعة الدول العربية، أما بالنسبة للتطورات الخليجية الأخيرة فقد عبر عنها مجلس الوزراء السعودي، الذي شدد على أنّ فشل مجلس الأمن في استصدار قرار لدعم المبادرة العربية يجب ألا يحول دون اتخاذ إجراءات لحماية الأبرياء ووقف جميع أعمال العنف. [13]

وعلى الصعيد العربي قادة دول مجلس التعاون في الدورة الثانية والثلاثين للمجلس الأعلى (الرياض، ديسمبر 2011م) الحكومة السورية إلى تطبيق جميع بنود المبادرة العربية. وأيدت دول المجلس جميع القرارات الصادرة عن الجامعة العربية بهذا الخصوص، ومن بينها خطة العمل العربية التي تم إقرارها بتاريخ 23 يناير 2012م، وقرار الجامعة العربية في 12 فبراير 2012م.

ورحبت دول المجلس بقرار مجلس جامعة الدول العربية، على المستوى الوزاري، في دورته غير العادية المنعقدة بتاريخ 3 يونيو 2012م في الدوحة، الذي دعت فيه مجلس الأمن إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان التطبيق الكامل والفوري لخطة السيد كوفي عنان، في إطار زمني محدد، بما في ذلك فرض تطبيق النقاط الست التي تضمنتها الخطة عبر اللجوء إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

وقد كان للموقف الخليجي إزاء الأزمة السورية تأثيره المباشر في المواقف العربية التالية، التي جاءت متناغمة مع المطالب الخليجية عموماً والسعودية خصوصاً بتبني مواقف متشددة إزاء نظام الأسد، وهو ما تجلى في دعوة وزراء الخارجية العرب خلال اجتماعهم بالقاهرة يوم 12 فبراير مجلس الأمن الدولي إلى تشكيل قوة حفظ سلام عربية أممية مشتركة للمراقبة وحماية المدنيين السوريين، وقيامهم أيضاً بإنهاء مهمة المراقبين العرب، ووقف أشكال التعامل الدبلوماسي كافة مع دمشق وتشديد العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، علاوة على فتح قنوات اتصال مع المعارضة السورية، وتوفير كافة صور الدعم السياسي والمادي لها، وجاء اتخاذ دول مجلس التعاون الخليجي قرارها بطرد سفراء دمشق لديها، وما تلاه من مواقف وخطوات تصعيدية، لإدراكها أنّ هذه الأزمة وصلت إلى منزلق خطر ستكون له تداعياته السلبية على دول المجلس وكذلك المنطقة. [14]

دولياً أيدت دول المجلس الأعضاء في مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة قرار اللجنة الثالثة لحقوق الانسان في الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 21 نوفمبر 2011م، الذي يُدين السلطات السورية بانتهاك حقوق الإنسان، ودعوته إلى وقف الانتهاكات الجسيمة ضد المدنيين، وإلى تطبيق الخطة العربية فوراً. كما أشادت دول المجلس بقرار مجلس حقوق الانسان، التابع للأمم المتحدة الصادر في جنيف بتاريخ 1 يونيو 2012م، الذي أدان فيه عمليات القتل، وطلب من لجنة التحقيق الدولية المستقلة حول سوريا إجراء تحقيق خاص بشأن المجزرة التي وقعت في الحولة. 

وقد شاركت دول المجلس في مؤتمرات أصدقاء سوريا، الأول الذي عقد في تونس يوم 24 فبراير 2012م، والثاني في اسطنبول يوم 1 أبريل 2012م. كما أيدت اتفاق جنيف، حول سوريا الذي توصلت إليه مجموعة العمل في 30 يونيو2012، ومن بعده الاتفاق الامريكي الروسي الداعي لعقد جنيف 2 في يناير 2014م، والذي لم يسفر عن النتائج المرجوة. وقد أكد المجلس أن الحل السياسي للأزمة السورية يكمن في تشكيل حكومة انتقالية ذات صلاحية تنفيذية كاملة وفقاً لبيان جنيف 1، وبما يحقق أمن واستقرار ووحدة سوريا، ويلبي تطلعات الشعب السوري الشقيق. وأكد مجلس التعاون على ضرورة الحفاظ على سيادة واستقلال سوريا وخروج القوات الأجنبية كافة من الأراضي السورية.

وأكد مجلس التعاون أنّ التكثيف المفاجئ للقصف الجوي الروسي والنشاط العسكري المدمر من قبل النظام السوري قوضا محادثات السلام في مؤتمر جنيف المنعقد في 3 يناير 2016م، وأنّ السعي إلى حل عسكري، بدلاً من إتاحة المجال أمام التوصل إلى حل سياسي، أدى إلى إعلان توقف المحادثات بشأن الأزمة السورية وتأجيلها.

رحب مجلس التعاون بالاتفاق الذي تم بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية بشأن وقف إطلاق النار في سوريا بداية من يوم 27 فبراير 2016م، وأشاد بموافقة الهيئة العليا للمفاوضات المنبثقة عن مؤتمر الرياض واستجابتها للجهود الدولية. وأعرب المجلس الوزاري عن أمله في أن يحقق وقف إطلاق النار وصول المساعدات الإنسانية للشعب السوري الشقيق، وتوفير بيئة داعمة للعملية السياسية تحت رعاية الأمم المتحدة وصولاً لاتفاق كامل، مبنى على مبادئ جنيف (1) وبما يحقق تطلعات الشعب السوري الشقيق.

كما أعرب المجلس عن بالغ قلقه من تدهور الأوضاع الإنسانية في سوريا، واستمرار نظام الأسد في عمليات القصف والقتل، منوهاً بالمساعدات الإنسانية التي تقدمها دول المجلس للشعب السوري الشقيق في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها، داعياً الدول المانحة بسرعة الوفاء بتعهداتها. وفي هذا السياق رحب المجلس باستضافة دولة الكويت للمؤتمر الدولي الثالث لدعم الوضع الإنساني في سـوريا. كما أكد على ضرورة تفعيل قرار مجلس الأمن رقم 2165/2014 المتضمن تيسير وصول أعمال الإغاثة والمساعدات الإنسانية لجميع المناطق المحاصرة والمتضررين المدنيين.

وأكد مجلس التعاون على ضرورة تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 2254 فيما يتعلق برفع الحصار عن المدن السورية المحاصرة، وإيصال المساعدات الإنسانية للمناطق المتضررة، ووقف القصف على المناطق الآهلة بالسكان، والإفراج عن المعتقلين ووقف تنفيذ أحكام الإعدام.

وأشاد مجلس التعاون بنتائج مؤتمر المانحين الرابع الذي عقد في لندن بتاريخ 4 فبراير 2016م برئاسة كل من دولة الكويت وبريطانيا وألمانيا والنرويج الذي أعلن فيه عن تعهدات بمبلغ 10 مليار دولار لدعم الشعب السوري الشقيق.[15]

ولا يمكن تجاهل الاعتبارات والدوافع الإقليمية لدول الخليج وراء التطور في الموقف الخليجي، إذ ثمة رغبة أكيدة لدى دول مجلس التعاون في الحؤول دون تحول سوريا إلى عراق جديد، أو أن تصبح ساحة ثانية للنفوذ الإيراني في المنطقة بعد العراق، ولاسيما أنّ هذه الدول اكتشفت أن دعمها لإسقاط هذا النظام جاء لصالح إيران والشيعة في العراق، ومن ثم فهي لا تريد أن تبقى لاعباً غائباً عن تحديد مصير سوريا، ناهيك عن أنّ نجاحها في استغلال الفرصة السانحة أمامها للتخلص من النفوذ الإيراني في سوريا سيؤدي بالتبعية إلى التخلص من نفوذ طهران في لبنان، وهو ما يشير إلى أنّ الأزمة السورية قد تحولت إلى إحدى ساحات الشد والجذب في العلاقات الإيرانية – الخليجية، ومن غير المستبعد أن يكون الهدف وراء التهديدات الإيرانية الأخيرة لدول الخليج هو محاولة طهران إثناء دول مجلس التعاون عن التدخل لدعم ومساندة المعارضة السورية[16]

ولم تكتفِ الدول المشكلة لمجلس التعاون بالمواقف على مستوى المجلس، بل تعدتها لتتخذ خطوات أحادية لدعم قضية الشعب السوري، وجاءت أقوى هذه المواقف من كلٍ من قطر والمملكة العربية السعودية.

الموقف القطري

أعلن وزير الخارجية القطري خالد بن محمد العطية “بأننا سنتدخل عسكريا في سوريا مع تركيا والسعودية إن تطلب الأمر” لتكون قطر قد تبنت أقوى المواقف المؤيدة لمطالب الشعب السوري  رغم عدم وجود حدود مشتركة جغرافيا بين كلّ من قطر وسورية والعلاقات التاريخية الوطيدة بين الجانبين والتي تمثلت بتوقيع أكثر من 13 اتفاقية في مختلف المجالات، إلا أنّ حركة الاحتجاجات التي هبت ضد النظم الحاكمة في دول الربيع العربي، كانت بداية الفتور في العلاقة بينهما، وكانت نقطة البداية هي الموقف القطري المؤيد والداعم للثورة في ليبيا، وتحول الفتور في العلاقة بينهما إلى حالة من التوتر خلال الأزمة الداخلية السورية، ووصلت درجة  التوتر في العلاقة الرسمية بينهما  إلى حد توجيه مندوب سوريا في الجامعة العربية عبارات مسيئة لوزير خارجية قطر خلال اجتماعات وزراء الخارجية العرب بالقاهرة بتاريخ 12/11/2011 لمناقشة الأوضاع المتوترة في سوريا.[17]

لم يكن موقف قطر مرضيا للشعب السوري في بداية الثورة، فالضبابية كانت سائدة في البدء، ولكن بعد فترة من السكوت انتهجت الدوحة سياسة الوقوف إلى جانب الشعب ضد نظام الأسد.

وكانت بداية التحرك القطري من خلال الجامعة العربية باستصدار بيان بتاريخ 16/10/2011، كان من أهم بنوده: التأكيد على وحدة النسيج السوري، الوقف الفوري للعنف، وتشكيل لجنة عربية وزارية برئاسة رئيس مجلس وزراء قطر، والاتصال مع أطراف النزاع لعقد مؤتمر حوار وطني شامل في مقر الجامعة العربية، وتقديم التقارير عن الأوضاع في سوريا مع إبقاء المجلس بحالة انعقاد دائم.[18]

ومن خلال رئاسة قطر للجنة الوزارية العربية المكلفة بالتعامل مع الأزمة جاءت المبادرة العربية لتعكس الرؤية القطرية، فقد عملت الدوحة على خلق إجماع- أو شبه إجماع- عربي لممارسة الكثير من الضغط على النظام السوري، تمثل بداية بتعليق مشاركة الوفود السورية الرسمية في اجتماعات مجلس جامعة الدول العربية وجميع المنظمات والأجهزة التابعة لها اعتباراً من يوم 16 / تشرين الثاني/ 2011 وإلى حين قيام دمشق بالتنفيذ الكامل لتعهداتها التي وافقت عليها بموجب خطة العمل العربية لحل الأزمة السورية، وفي 27 من الشهر ذاته قررت الجامعة العربية مجموعة من الإجراءات تتلخص بعقوبات اقتصادية على سورية، كما تصاعدت حدة الخطاب السياسي الرسمي القطري ضد نظام الأسد، مثال ذلك مقولة “إن رفض دمشق التعاون مع خطة السلام العربية هو الذي سيؤدي إلى تدويل الأزمة” كما قامت قطر بسحب سفيرها من دمشق، وإغلاق سفارتها على إثر الاعتداء عليها من قبل مؤيدي النظام.

أسباب تحول موقف قطر من نظام الأسد:

  • الخطر الإيراني الذي يحيط بدول الخليج العربي والذي أثار مخاوف قطر خصوصاً بعد انكشاف الدور الإيراني لما يحدث في البحرين، مما استدعى موقفاً منسجماً مع الموقف العام لدول مجلس التعاون الخليجي، التي يتملكها مخاوف كبيرة من المشروع الإيراني، وبما أن سوريا هي حليف رئيسي لإيران، فبإمكان دول مجلس التعاون الخليجي توجيه ضربة مؤثرة وموجعة لإيران من خلال العمل على إسقاط حليفها النظام السوري.
  • رغبتها في تحقيق المكانة الإقليمية والدولية من خلال الخروج من مدار الهيمنة السعودية على دول الخليج العربي، ونظراً لأنّ المنطقة العربية كانت ولازالت تعيش صراع الدور والزعامة والنفوذ وتسعى كل دولة لأن تكون في الصدارة.
  • غياب تأثير الأيديولوجية على القيادة القطرية وغلبة الطابع البراغماتي، وهذا يجعلها صالحة لسياسة خارجية مميزة تحقق مصالحها.
  • الموقف الإنساني لقطر فهي تريد لشعب سوريا الاستقرار والسلام، ولم تتدخل في سوريا قبل أن ترى الشعب السوري يصرخ ويحتج على قمع ثورته بالقتل والاعتقالات. [19]

لهذه الأسباب وغيرها يعتبر موقف قطر من الثورة السورية رأس الحربة ضد نظام الأسد، من خلال ضخ مليارات الدولارات وضحت بالعديد من المصالح المشتركة الأخرى، مع التذكير أنّ هذا الشعب بحاجة ماسة للدعم الإنساني المقدم من قبلها بالتوازي مع الدعم الإعلامي.

الموقف السعودي

بعد فترة من الدبلوماسية الهادئة التي اتبعتها المملكة العربية السعودية في التعامل مع بدايات الثورة، خرجت عن هدوئها بخطاب الملك عبد الله بن عبد العزيز بتاريخ 8/8/2011 الذي أشار فيه إلى أن ما يحدث في سورية ليس من الدين ولا من القيم ولا من الأخلاق، معلناً استدعاء سفير بلاده في سوريا للتشاور[20]، جاء الموقف السعودي من الثورة السورية ضد نظام الأسد، ليكون القشة التي قطعت هذه العلاقة بين البلدين وفي الخامس عشر من مارس 2012 قدمت الرياض نصيحة لبشار الأسد على لسان العاهل السعودي أيضاً بقوله للأسد: (أنت تسير في المسار الخاطئ، وعليك أن تصحح مسارك، وإن لم تكن لديك خطة لتصحيح المسار اترك الفرصة لغيرك)، كلام الملك يحمل رفضاً سعودياً لما يجري في سوريا من أعمال عنف ضد الشعب السوري العربي المسلم، داعياً إلى الوقف الفوري لمثل تلك الأعمال، وحذر الملك عبد الله وقتها القيادة السورية من التمادي والاستمرار في إراقة الدماء، ودعاها إلى تفعيل إصلاحات شاملة سريعة، مشدداً على أنّ مستقبل سوريا بين خيارين لا ثالث لهما: إما أن تختار بإرادتها الحكمة، أو أن تنجرف إلى أعماق الفوضى والضياع، مؤكدا أن (سوريا الشقيقة شعباً وحكومة) تعلم مواقف السعودية معها في الماضي، وأن بلاده تقف تجاه مسؤوليتها التاريخية نحو أشقائها.

ونددت السعودية بموقف بعض الدول المتخاذل والمتجاهل لمصالح الشعب السوري، والتي تقف إلى جانب النظام السوري، محملة إياها المسؤولية الأخلاقية لتعطيل التحرك الدولي بهذا الخصوص، وكان الملك عبد الله بن عبد العزيز أبلغ الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف -باتصال هاتفي بتاريخ 22 فبراير 2011-قائلا له: كان من الأولى من الأصدقاء الروس القيام بتنسيق روسي عربي قبل استعمال روسيا حق النقض في مجلس الأمن، أما الآن فإن أي حوار حول ما يجري لا يجدي وأضاف: “إن السعودية لا يمكن إطلاقا أن تتخلى عن موقفها الديني والأخلاقي تجاه الأحداث الجارية في سورية”.

جاء انسحاب الوفد السعودي بعد كلمة الافتتاح لمؤتمر أصدقاء سوريا في تونس بتاريخ 24 فبراير 2012، ليؤكد موقف المملكة الداعم لقضية الشعب السوري حيث تحدث سعود الفيصل بأن: “ضميري يحتم عليّ مصارحتكم بأن ما تم التوصل إليه لا يرقى إلى حجم المأساة ولا يفي بما يتوجب علينا فعله في هذا الاجتماع” موجها لحضور مؤتمر أصدقاء سوريا السؤال “هل فعلاً قمنا بنصرة الشعب السوري الحرّ الأبي الذي صنع حضارة عريقة أم أننا سنكتفي بإعلانات رمزية وخطوات متباطئة ونتركه ضحية للطغيان والإجرام؟!”.

وكانت المملكة قد سحبت بعثتها من لجنة المراقبين العرب لأحداث سورية في 23 كانون الثاني (يناير) 2012، حيث قال الأمير سعود الفيصل أمام وزراء الخارجية العرب خلال اجتماعهم في القاهرة: “إن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، ونحن لن نقبل بأي حال من الأحوال أن نكون شهود زور، أو أن يستخدمنا أحد لتبرير الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري الشقيق، معلناً من هذا المنطلق سحب المملكة لمراقبيها نظراً لعدم تنفيذ الحكومة السورية لأي من عناصر خطة الحل العربي التي تهدف أساساً لحقن الدماء السورية الغالية”.

وطالب الأمير سعود الفيصل بأن يكون مؤتمر أصدقاء سوريا الثاني الذي عقد في إسطنبول يوم 1 مارس 2012 نقطة تحول في التعاطي مع الأزمة السورية، على أساس الجمع بين السعي للتخفيف من المعاناة الإنسانية للشعب السوري وتوفير الحد الأدنى من وسائل الدفاع المشروع له أمام آلة القتل، وقد أبدت دول مجلس التعاون استعدادها لتمويل المجلس الوطني السوري المعارض ليتمكن من دفع رواتب الجنود المنشقين والمنضمين إلى الجيش السوري الحر ويمكن تلخيص مطالب المملكة بـ:

  • حماية المواطنين السوريين في الداخل، والالتفات إلى اللاجئين الذين غطوا الأراضي الأردنية واللبنانية والتركية عبر تقديم المساعدات الإنسانية وهو غير متوافر بدون تأمين الممرات الإنسانية.
  • تأمين من تبقى في الداخل عبر السعي الدولي لحمايتهم، وهو ما لم يتحقق إلا عبر التسليح وتزويد المعارضة المسلحة المتمثلة بالجيش السوري الحر بوسائل الاتصال الحديثة التي تمكنها من التواصل اليومي المستمر.
  • وضع حد لعمليات القتل المستمرة ضد الشعب السوري بالوسائل التي يراها المجتمع الدولي مناسبة، بعد أن تتخلى روسيا والصين عن حق النقض الذي أطال أمد الأزمة، وأسقط المزيد من الشهداء.
  • ومن الأسباب التي أدت إلى تحول الموقف السعودي تجاه النظام السوري ما يلي:
  • الحد من نفوذ إيران: حيث تعتقد السعودية أن إسقاط النظام السوري (آل الأسد) من شأنه أن يحد من تدخلات إيران التي تهدد أمن السعودية أولاً والعالم العربي والإسلامي ثانياً، حيث إن سورية هي الحليف العربي الأكبر لإيران.
  • تغليب محور الاعتدال: فالنظام السوري يظهر نفسه بمثابة رأس الحربة في محور الممانعة في مواجهة محور الاعتدال الذي تقوده السعودية ومصر، ونظراً لأن مصر تمر بظروف داخلية معقدة بسبب الثورة، فإن السعودية ترغب في إظهار أن الغلبة في العالم العربي باتت لمحور الاعتدال الذي تقوده منفردة.
  • التنافس بين كل من الدوحة والرياض على ريادة الدور العربي.
  • دوافع دينية: فالمملكة العربية السعودية تُعد مركز الإسلام لذا لم تشأ أن تستمر في الوقوف مكتوفة اليدين لما تراه من أعمال عنف ضد الشعب السوري.
  • تحقيق التوازن في المنطقة: كلاعب إقليمي محوري وقوي في مواجهة بروز أدوار كل من إيران وتركيا، فلقد استطاعت هاتان القوتان أن تستثمرا الظروف في المنطقة العربية لصالحهما وأن تبرزا كقوى مؤثرة على شؤون المنطقة.
  • دوافع أخلاقية: وهذا ما أكد عليه الملك عبد الله بن عبد العزيز في خطاباته، الموقف السعودي من الثورة السورية أساسه إنساني وأخلاقي وديني.
  • الرأي العام الداخلي المؤيد للثورة السورية.[21]

المملكة العربية السعودية مستمرة في موقفها، حاملة لراية رفع الظلم والقتل عن الشعب السوري، وإن كان دعمها الإنساني والعسكري لا يكاد يذكر بالمقارنة بموقفها المعلن.

تأثير العلاقات الخليجية بإيران على القضية السورية

من العقبات الظاهرة بوجه التقارب السوري-السعودي العلاقة المتينة التي ربطت سوريا بإيران، أحد خصوم السعودية، بعد أن طوّرت سوريا علاقتها بإيران على ضوء مصالحها وارتباط ذلك بالتطورات الإقليمية والدولية، استغلت سوريا النبض الثوري الإيراني والعداء المطلق لإسرائيل والولايات المتحدة لتنتج تقارباً مرناً مع الإيرانيين مع المحافظة على علاقات جيدة بالسعودية بالرغم من الخلاف الإيراني السعودي الحاد، ظهر التشنج في علاقات سوريا بالسعودية منذ حرب الخليج الأولى، لاسيما مع وقوف سوريا إلى جانب إيران، خارقة بذلك الإجماع العربي. استطاعت سوريا والسعودية حينها إبقاء علاقاتهما في مستوى معقول، واتفقتا على الأقل على مصلحة مشتركة في أن يخرج طرفا الحرب، إيران والعراق، منهكين وعاجزين عن التطلع إلى أبعد من حدودهما سواء بالنسبة إلى خطر تصدير الثورة الخمينية والطموح الصدّامي بتزعم العالم العربي، ومع الانفتاح الأميركي على سوريا في نهاية الثمانينات، ساد العلاقات السورية الإيرانية جو من التشنج والصراع الخفي، الصراع الصامت بين طهران ودمشق برز على الساحة اللبنانية مع ازدياد النفوذ الإيراني عبر تنظيم حزب الله الشيعي على حساب حركة أمل الشيعية المدعومة من دمشق، ما شكّل تهديداً لنفوذ سوريا ومصلحتها في إبقاء إمساكها منفردة بالورقة اللبنانية، فحصل صدام عنيف بين التنظيمين كترجمة لصراع الأدوار والمصالح بين دمشق وطهران، لكنّ التوافق السوري الإيراني وتقديم إيران تنازلات لسوريا على الساحة اللبنانية أنهى الصدام، بعد انتهاء القطيعة السعودية الإيرانية، وتحسّن العلاقات بينهما، اتجهت السياسة السعودية نحو مزيد من الانفتاح حيال إيران، فالسعودية أكّدت وجوب التعاون مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية من منطلق الأخوة الإسلامية ومبادئ حسن الجوار، ومع انطلاق عملية التسوية السلمية في بداية التسعينات والتي عارضتها طهران وانخراط سوريا فيها، عبّر الإيرانيون عن انزعاجهم من السلوك السوري حيال مفاوضات السلام خصوصاً في اللحظات التي كانت تبدو فيها سوريا على وشك التوصل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل.[22]

أما اليوم تسير الأمور لصالح النظام في سوريا بمساندة “حزب الله” وغيره من الجهات الخارجية الأخرى الأمر الذي يزيد من نفوذ إيران في المنطقة، وستكون دول مجلس التعاون الهدف التالي للمخططات الإيرانية، ومن مؤشرات ذلك:

  • مطالبة وكيل وزارة الخارجية الإيرانية للشؤون العربية والإفريقية البحرين بالاعتذار عن تفتيش منزل أحد أئمة الشيعة، و”إلا ستواجه ما لا تُحمد عقباه”، وهو ما يعد تدخلاً في شأن داخلي لدولة عضو بمجلس التعاون.
  • استدعاء القائم بالأعمال في سفارة دولة قطر بطهران مؤخراً لتبليغه احتجاج السلطات الإيرانية على خلفية ادعائها ضبط شبكة تعد للقيام بأعمال تخريبية في يوم الانتخابات الرئاسية، وهو أمر له دلالته، لاسيما وأنه جاء ضد دولة خليجية تتمتع بعلاقات جيدة مع طهران.[23]
  • صعّدت إيران والقوى المقربة منها في المنطقة من وتيرة هجومها على السلطات السعودية، على خلفية حكم الإعدام الصادر بحق الشيخ الشيعي المعارض، نمر النمر، وصولاً إلى حد تهديد العائلة المالكة في السعودية وتشبيه القضية بـ”الصراع بين الإسلام والكفر” والتحذير من أن تطبيق الحكم سيؤدي إلى “سقوط النظام”.[24]

بدأ العام 2012 بمناورات وحشود عسكرية في الخليج، وتهديدات متواصلة بإغلاق مضيق هرمز الحيوي لإمدادات النفط رداً على أي ضربة عسكرية، لكن المواجهة الحقيقية انتقلت إلى سورية مع تباين مواقف الطرفين حول طبيعة الأحداث، وطريقة حل الأزمة، ففيما وقفت طهران بقوة مع نظام الرئيس بشار الأسد، ودعمته سياسياً واقتصادياً مباشرةً أو عن طريق تشجيع حلفائها في المنطقة لفك الحصار السياسي والاقتصادي عن النظام، قادت بلدان الخليج العربي عمل الجامعة العربية لتبني مواقف أكثر حزماً ضد الرئيس الأسد، وسعت إلى زيادة العزلة على النظام عبر المشاركة الفعالة في أكثر من مؤتمر لأصدقاء الشعب السوري، وحشد مزيد من الدول في هذا التحالف الدولي، كما رعت مفاوضات طويلة لتوحيد المعارضة السياسية، وأفلحت قطر في تجميع معظم معارضي الأسد في إطار الائتلاف الوطني المعارض، وسارعت بلدان الخليج إلى الاعتراف به ممثلاً شرعياً للشعب السوري. [25]

من خلال أحداث الثورة السورية برز الدعم العسكري الكبير من السعودية وقطر للمعارضة السورية المسلحة، وإيصال السلاح عبر تركيا وشمال لبنان. بينما ذهبت طهران لفتح ممر جوي يزود النظام بالأسلحة عبر العراق، إضافة إلى وجود مئات المستشارين الأمنيين والعسكريين الإيرانيين ومساهمتهم في إدارة المعارك ضد المعارضة، إضافة لإرسال إيران قناصة ومقاتلين من الحرس الثوري ليخوضوا معارك مباشرة ضد المعارضين.

جددت قمة البحرين التأكيد على “أهمية تقديم الدعم والمؤازرة للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، الذي تم تشكيله في الدوحة في نوفمبر/تشرين الثاني 2012، باعتباره الممثل الشرعي للشعب السوري والعمل على بناء دولة حديثة يسودها القانون، وتنعم بالأمن وتستوعب جميع أبناء الشعب السوري دون استثناء أو تمييز”. كما أكد البيان الختامي على دعم مهمة المبعوث الأممي والعربي الأخضر الإبراهيمي على أن تكون مرتبطة بتحقيق التوافق في مجلس الأمن، خاصة الدول دائمة العضوية، وفق صلاحيات ومسئوليات المجلس في الحفاظ على الأمن والاستقرار الـــــدولي.

وفي المقابل فإنّ إيران جددت تمسكها ببقاء الأسد في الحكم حتى نهاية العام 2012 وأطلقت مبادرة من ست نقاط لحل الأزمة تتشابه مع بعض ما طرحه المبعوث الأممي والعربي السابق كوفي عنان، كما رعت مؤتمرات للمعارضة الداخلية لإيجاد طرف يحاور النظام مع إصرار الكتلة الرئيسية من المعارضة في رفض أي حوار مع الأسد واستعدادها فقط للتفاوض على خروجه وتسليمه السلطة. [26]

الخاتمة

تفرض القضية السورية نفسها على البلدان والشعوب العربية وعلى العالم أجمع، من منطلق التهديديات الأمنية المباشرة لا سيما على دول الخليج خصوصاً مع التدخل الإيراني المباشر ودعمه لنظام الأسد من منطلق إيديولوجي بحت، لذلك سعت دول الخليج لدعم قضية الشعب السوري، ولكن دون الخروج عن الموقف الدولي العام الذي يرفض أي تدخل مباشر أو حتى تسليح المعارضة السورية بما يمكنها من إنهاء الجرائم والمجازر التي ترتكب بشكل يومي بحق السوريين اللذين يسود بينهم جو من المرارة والخذلان من الموقف العربي العام، وضعف خياراته تجاه ثورة السوريين، والصمت القائم إزاء ممارسات النظام، وما أدت إليه من خسائر بشرية ومادية وارتكاب مختلف صنوف المجازر التي يعاقب عليها القانون الدولي، وانتهاك لكافة حقوق الإنسان وعلى دول الخليج اتخاذ العديد من الخطوات في هذه الظروف منها:

  • توحيد الموقف الخليجي والعربي ورسم استراتيجية مشتركة في مواجهة التحديات التي تحيط بهم بما ينعكس بشكل إيجابي على الوضع السوري المضطرب.
  • حشد أكبر دعم ممكن من الدول الإسلامية والغربية في سبيل تحقيق استراتيجية موحدة لحماية السوريين.
  • قطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع الدول الداعمة لقتلة السوريين.
  • العمل على إنهاء معاناة اللاجئين السوريين من خلال الضغط باتجاه تسريع إقامة المناطق الأمنة.
  • التنسيق والتكامل في العلاقات الدفاعية الاستراتيجية التي تقتضيها هذه الظروف الصعبة والتطورات الخطيرة والمتسارعة والعمل على زيادة مجالات التعاون والتنسيق المشترك عبر تطوير قوات “درع الجزيرة” على المستويات كافة.

[1] مجلس التعان الخليجي في الميزان، تأليف محمد صادق إسماعيل، دار العلم للنشر، تاريخ النشر 2010 www.dareloloom.com

[2] نبذة عن مجلس التعاون الخليجي، bbc عربي، تاريخ النشر 5/12/ 2016 http://www.bbc.com/arabic/middleeast-38207033

[3]  مجلس التعان الخليجي في الميزان، تأليف محمد صادق إسماعيل، دار العلم للنشر، تاريخ النشر 2010 www.dareloloom.com

[4] عدد سكان السعودية 14/2/1435 وفق أخر تقرير https://www.nmisr.com/vb/showthread.php?t=551975

[5] رقم عدد سكان بنهاية فبراير 2016، الاقتصاد، تاريخ النشر 12/3/ 2016 https://goo.gl/qbRFld

[6] سكان البحرين مليون و234 الفا والاجانب باتوا يشكلون أكثرية، البوابة أخبار، المكتب المركزي للمعلومات في البحرين، تاريخ النشر 7/2/ 2011 https://goo.gl/XZlj4Z

[7] عدد سكان سلطنة عمان يقترب من كسر حاجز 4 ملايين نسمة، مركز الوطني للإحصاء والمعلومات، 11/1/2014 http://www.alittihad.ae/details.php?id=3140&y=2014

[8] وزارة التخطيط التنموي والإحصاء http://www.mdps.gov.qa/ar/statistics1/Pages/default.aspx

[9] التعداد العام للسكان والمساكن والمباني لعام 2011، الإدارة المركزية للإحصاء http://www.csb.gov.kw/Socan_Statistic.aspx?ID=6

[10] في العلاقات السورية – السعودية :1 – العلاقات السورية – السعودية قبل 11 أيلول، هدى رزق، شبكة فولتير، 9 /9/ 2007 http://www.voltairenet.org/article151307.html

[11] في العلاقات السورية – السعودية :1 – العلاقات السورية – السعودية قبل 11 أيلول…..هدى رزق، شبكة فولتير، 9 /9/2007 http://www.voltairenet.org/article151307.html

[12] سوريا4 مليارات دولار وأشياء أخرى: الدور السعودي الكبير في إجهاض الثورة، محمد عزت، ساسة بوست، 14/12/2016   http://www.sasapost.com/saudi-arabias-secret-role-in-the-syrian-revolution /

[13] المواقف العربية والدولية من الثورة السورية – هل هو صراع مصالح؟ بينما ترتكب الجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب السوري، نادية حسن عبدالله، الحوار المتمدن، العدد: 3651 –27/2/2012  /http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=296828   

[14] المرجع السابق نفسه.

[15] الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية ، أبرز الإنجازات في مجال السياسة الخارجية https://goo.gl/qyQWny

[16] المواقف العربية والدولية من الثورة السورية – هل هو صراع مصالح؟ بينما ترتكب الجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب السوري، نادية حسن عبدالله، الحوار المتمدن، العدد: 3651 –27/2/2012 http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=296828

[17] تعرف على تطورات الموقف القطري من الأزمة السورية،إيمان علي، صوت دمشق، 23 أكتوبر 2015 https://goo.gl/4cVfM6

[18] قرارت الجامعة العربية حول سوريا، بيان يلقيه وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم 16-10-2011 https://youtu.be/nEszDfjZLCo

[19] الموقف العربي من الثورة السورية، مركز أمية للبحوث والدراسات، 19/7/2012 http://www.umayya.org/featured/1386 

[20] خطاب الملك عبدالله بن عبدالعزيز 8/8/2011 https://youtu.be/PP0HgWcmf-8

[21] الموقف العربي من الثورة السورية، مركز أمية للبحوث والدراسات، 19/7/2012 http://www.umayya.org/featured/1386 

[22] في العلاقات السورية – السعودية :1 – العلاقات السورية – السعودية قبل 11 أيلول…..هدى رزق، شبكة فولتير، 9 /9/ 2007 http://www.voltairenet.org/article151307.html

[23] التصدي لحزب الله: تداعيات القرار الخليجي على العلاقات مع إيران، د.عمر الحسن، مركز الجزيرة للدراسات، الاثنين 24 /5/ 2013 http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2013/06/20136249542751638.html#a25  

[24] تصعيد إيراني بعد حكم إعدام الشيخ الشيعي السعودي نمر النمر.. الباسيج يهدد العائلة المالكة وتحذير من مصير النظام، الشرق الأوسط، 9 /10/2014 https://goo.gl/rKaCn7

[25] مجلس التعاون الخليجي 2012 … الحدث السوري ولجم إيران يطغيان على القضايا الداخلية، سامر الياس، بانوراما الشرق الأوسط، 27/12/2012 http://mepanorama.net/106195

[26] المرجع السابق نفسه.