روسيا تناور لتفادي ثقب جنيف “الأسود”

روسيا تناور لتفادي ثقب جنيف “الأسود”

روسيا تناور لتفادي ثقب جنيف “الأسود”

سعت روسيا ومنذ انطلاق مسار أستانة إلى إعطائه صبغة أممية عبر الدعوة التي وجهها وزير الخارجية الكازخي “خيرت عبد الرحمنوف” في ختام جولة أستانة “23/01/2017″، للأمم المتحدة للإشراف على جولتهم الجديدة في الثامن من شباط الذي تلاه، كانت الدعوة بمثابة رمي حجر في بركة ماء للوقوف على رد فعل الدولة التي تدير أوركسترا الحرب في سوريا “الولايات المتحدة الأمريكية”، حيث تعمدت الولايات المتحدة ترك الروس ينفردون بقرارات الساحة العسكرية ضمن سوريا التي رآها محللون بأنها مفيدة لبقاء الدولة السورية على رأسها بشار الأسد، لتخرج لهم الولايات المتحدة بسوريا أخرى ومفيدة أكثر ضمن مفاعيل التأثير الإقليمي “أكراد سوريا”، قامت الولايات المتحدة بالتحالف مع الأكراد ونالت بهم مناطق داعش بما فيها  “14” قاعدة عسكرية بناها الجيش الأمريكي، وحقول “العمر، التيم، الورد، التنك، حقول الرميلان، السويدية، الشدادي والهول” وغيرهم إذ أن هذه الحقول كان إنتاجها اليومي في عام 2010 ما يقارب  “307.000” برميل نفط، تظمأ على حوافها الشركات الأمريكية إلى حين إتمام التهدئة في سوريا.

التهدئة التي بناها الأمريكان على أسس جنيف في 30/06/2012 ، والتي عضت عليها المعارضة بالنواجذ، لأنها كانت المبادرة الوحيدة التي تحدثت عن هيئة حكم انتقالية، حيث رافق تلك المرحلة تقدم كبير لقوى الثورة على الأرض استمر في الانشطار إلى خلافات داخلية نتيجة قيام “داعش” بالاستحواذ على معظم تلك المناطق، لكن الكفة العسكرية بقيت الى جانب قوى الثورة حتى 30/09/2015 حين قلبت روسيا المعادلة على الأرض بتدخلها العسكري لصالح النظام، ما أعاد طموح النظام بالسيطرة على كامل الأراضي السورية.

أدركت الولايات المتحدة سريعاً تداعيات التدخل الروسي على نفوذها في سوريا فسارعت إلى تمرير قرار في مجلس الأمن 18/12/2015 برقم “2254” لإنقاذ قرارات جنيف التي تحدثت عن هيئة الحكم الانتقالية، واحتوى القرار أيضاً الطموح الروسي بالتفوق والسيطرة والنفوذ بجعل كل مساعيه العملياتية على الأرض ناتج لبند واحد فقط ضمن القرار وهو البند السادس الذي جاء فيه “يطلب إلى الأمين العام أن يقود، من خلال مكتب مبعوثه الخاص وبالتشاور مع الأطراف المعنية، الجهود الرامية إلى تحديد طرائق وشروط وقف إطلاق النار، ومواصلة التخطيط لدعم تنفيذ وقف إطلاق النار، ويحث الدول الأعضاء، ولا سيما أعضاء الفريق الدولي لدعم سوريا، على دعم وتسريع كل الجهود المبذولة لتحقيق وقف لإطلاق النار، بسبل منها الضغط على جميع الأطراف المعنية للموافقة على وقف إطلاق النار والتقيد به” وهذا ما فعله بالضبط ديمستورا الذي كان يحضر جلسات أستانة “فقط”.

جاءت المبادرة الروسية الأخيرة ببحثها مع نظام الأسد إشراك قوات “حفظ سلام” في مناطق خفض التصعيد التي نتجت عن مسار  أستانة العسكري، بالتزامن مع عزمها استمرار المعارك ضد فصائل الغوطة الشرقية متذرعةً بوجود عناصر من “داعش” ما يعني تصعيدا عسكريا جديداً، يعكس هذا التباين محاولة تنصل الإدارة الروسية من التزاماتها السابقة وخلعها لعباءة إرساء السلام بحسب الرؤية الروسية عبر “سوتشي” ومؤتمر الحوار الوطني وما يجب أن ينتج عنه من تحديد الأطر لدستور سوريا القادم وتهيئة الظروف الموضوعية، عبر المساعدة التي أعلن عنها وزير الخارجية الروسي “سيرجي لافروف” للسعودية في توحيد المعارضة عقب مؤتمر الرياض2، هذا الانعطاف نحو “العسكرة” جاء على إثر التصريح الأمريكي الفرنسي بأنّ  جنيف هو مسار الحل السياسي الشرعي الوحيد، ضاربين بذلك عرض الحائط جهود الروس لمدة قاربت الثلاثة أعوام  من مصالحات مبنية على الإكراه تحت ظروف “تجويع المناطق الثائرة” مع تقدم لقوات النظام في مناطق سيطرة داعش بفعل الدعم الجوي الروسي والبري الإيراني العراقي الطائفي الميليشوي إلى آخر الخط “الممانع”.

السؤال المهم هنا: من هم أبرز المدعوين “روسياً” لحفظ الأمن في سوريا؟ مع الأخذ بالحسبان أن أهم عوامل الترشيح للدعوة تقوم على “ميزان القوى الدولي” حيث يتغلّب في سوريا عامل المصلحة والنفوذ على الجانب الإنساني، وهذا ما بدا واضحاً في الفيتو الروسي الأخير ضد “تجديد تفويض التحقيق المشترك بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية للتحقق في استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا” في “07/11/2017″، هذا البعد المصلحي للروس يؤهل الحكومة المصرية لتكون ضمن قائمة قوات حفظ السلام في الجنوب السوري بعد تمكنها من رعاية اتفاق بين فصائل المعارضة والحكومة الروسية بما عرف باتفاق القاهرة.

علاوة على ذلك، يعلم الروس بأن المملكة العربية السعودية التي زار ملكها موسكو لأول مرة في تاريخ المملكة، ترحب بدور أكبر لمصر في الملف السوري، ما قد يحقق توازناً إقليميا ودولياً لاستباق أيّ ضربة إسرائيلية متوقعة  لحزب الله والميليشيات الإيرانية في سوريا ولبنان قد تهدد تفوق النظام السوري “جغرافياً” ما يتيح لفصائل الثورة تحقيق مكاسب ميدانية، وعليه فإنّ الساسة الروس قد يستبقون الضربة العسكرية بضربة دبلوماسية تقيّد الوجود الإيراني وتحافظ على نفوذهم ولا تهدد وجود النظام السوري، فالنظام السوري تفاعل مع الدور المصري الجديد من خلال إرسال علي مملوك إلى القاهرة في عدة مناسبات، وفي المقابل أعلنت الخارجية المصرية أكثر من مرة حرصها على “سوريا وخشيتها من تقسيم البلد” وعدم رغبتها بالتصعيد ضد إيران، في محاولة لجعل السياسة المصرية سياسة “جنبلاطية” بامتياز.

ومن بين المدعوين لحفظ السلام “الصين” حيث مهّد سفير النظام السوري في بكين لتدخلهم مدعياً وجود عناصر “تركستان” في الغوطة الشرقية مستغلاً مشكلة أقلية “الأيغور” المسلمة في الصين، وزيارة “بثينة شعبان” مستشارة رأس النظام السوري “بشار الأسد إلى بكين لحث الحكومة الصينية على التدخل لضمان مشاركة الصين في ملف إعادة الإعمار، لكن النظام السوري يأمل من الصينيين سد فراغ الميليشيات الإيرانية المتمركزة حول العاصمة في حال أفضت التوافقات الدولية إلى إبعادهم عن محيط العاصمة دمشق، وهذا ما أعلنت عنه الصين بعزمها إرسال وحدتين من وحدات العمليات الخاصة.

إضافة إلى أنّ الروس يعملون بجِد على مخاوف الحكومة التركية من توسع النفوذ الكردي بدعم أمريكي، عبر التلويح من حين لآخر بضرورة عودة العلاقات السورية التركية، من جانبها يعمل قسم لا بأس به من فصائل الثورة وكياناتها السياسية على وقف حمام الدم والتحالف مع دول مثل تركيا التي دعمت قوى الثورة في الشمال السوري وحققت معها تقدما على الأرض ضمن مصلحة “الثورة” بتوسيع مساحة سيطرة فصائل “الجيش الحر” على الأرض وإعادتها كطرف أساسي في الحل.

أخيراً، إن قوات حفظ السلام في سوريا هي بداية التخلي الروسي عن الإيرانيين “إن حصلت”، لأنهم يعلمون بأن الإرادة الإسرائيلية نافذة عند الولايات المتحدة، والتي تتلخص بمنع إيران من إنشاء قواعد عسكرية لها تهدد حدودها، أو إنشاء مصانع تسليح تجعل من حزب الله اللبناني منصة لإطلاق إيران مواقفها السياسية، غير أن قراءة تجارب قوات السلام من خلال ما حصل في “سربرينيتشا” غير مشجعة، حيث لم تستطع تلك القوات ضبط تصرفات القوات الصربية ومنعها من ارتكاب العديد من المجازر، والتي راح ضحيتها خلال أسبوع واحد “8000” مدني بأقل التقديرات.

Leave a comment