سياسة الإتحاد الأوربي تجاه القضية السورية

Tags:

المقدمة

الاتحاد الأوربي يسير وراء الولايات المتحدة الأمريكية بكل القرارات المتعلقة بالقضية السورية، ورغم اتخاذه موقفا مؤيدا للثورة السورية إلا أنّه اكتفى بالتصريحات الصحفية، وبعض الدعم في المجال الإغاثي واللوجستي فهو يرغب في إزالة الأسد لكنّه لم يجد البديل المناسب أو لم تتوافق مصالحه مع مصالح الثوار، وقد أصبحت سورية مصدر قلق كبير بالنسبة إلى أوروبا، وذلك لسببين أولاً النزوح والمأساة الإنسانية المتواصلان والناجمان عن الحرب الدائرة في البلاد واللذين أنتجا وضعاً مزعزعاً لاستقرار البلدان المجاورة، والتي هي إمّا حليفة للاتحاد الأوروبي (تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي) أو على علاقة وديّة مع الاتحاد (الأردن ولبنان). ثانياً ذهاب بضع مئات من مواطني الاتحاد الأوروبي إلى سورية كجهاديين وهناك مخاوف من عودتهم إلى أوطانهم وتحوّلهم إلى “عدو داخلي” في بلدانهم الأصلية فما هي المواقف التي اتخذها الاتحاد الأوربي بخصوص القضية السورية، وما تأثير الحرب في سوريا على دول الاتحاد الأوربي؟

تباين المواقف الأوربية تجاه القضية السورية

لدى الاتحاد الأوربي قلق كبير من احتمال أن تبقى سورية غير مستقرة لفترة طويلة كما كان الحال في لبنان خلال الحرب الأهلية التي استمرت لأكثر من خمسة عشر عاماً في ظل غياب الدولة والإدارة الموحدة خصوصاً وأنّ هذا البلد لديه القدرة على زعزعت استقرار جيرانه في لبنان وتركيا والأردن خصوصاً فيما يتعلق بتدفق اللاجئين ومرور الأسلحة والمقاتلين ذهاباً وإياباً وتوافر المخزون الكيماوي، وفيما يتعلق بموقف الأوربيين من سوريا فمن الواجب أن نميز بين الاتحاد الأوربي الممثل بالمفوضية الأوربية ومن يمثلها من سياسيين وبين الدول الـ27 المشكّلة لهذا الاتحاد والتي لديها القدرة على الاستفراد بقرارات سياسية تمثل وجهة نظرها بعيداً عن الموقف المشترك.

المواقف المشتركة للاتحاد

بعد أيام قليلة على قيام الاتحاد الأوروبي في شهر أيلول/ سبتمبر 2011 بفرض عقوبات اقتصادية على النظام السوري تتضمن حظر شراء واستيراد ونقل النفط وغيره من المنتجات النفطية من سوريا، وحظر سفر وتجميد أرصدة هيئات ومسؤولين سوريين وعلى رأسهم “بشار الأسد” بالإضافة إلى مسؤولين وضباط ومؤسسات على صلة بقمع النظام للمتظاهرين، هدّد مفتي النظام السوري أحمد بدر الدين حسون دول الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الامريكية بتنفيذ عمليات انتحارية عن طريق أشخاص موجودين على أراضيهم عبر مقطع فيديو تم بثه على شبكات الإنترنت جاء فيه “أقولها لكل أوروبا وأقولها لأمريكا سنعد استشهاديين هم الآن عندكم إن قصفتم سوريا، فبعد اليوم العين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم وأنتم من ظلمتمونا”، مشيرًا إلى أنّ من سيقوم بهذه العمليات لن يكونوا فقط من العرب أو المسلمين أي قد يكونوا من حاملي الجنسية الأمريكية أو إحدى الجنسيات الأوروبية[1]، وقد افتقرت إجراءات الاتحاد الأوربي للآليات التي تسمح لها بأن تكون ذات تأثير فعّال على الدولة السورية ونظام الحكم فيها.

وقد شكّلت المساعدات الإنسانية الخط الأول لاستجابة الاتحاد الأوروبي إلى العنف في سورية، فمنذ آذار/مارس 2011، تم تخصيص 2.6 مليار يورو (3.5 مليار دولار) من الاتحاد الأوروبي ومن الدول الأعضاء فرادى لمساعدة السوريين في البلاد، فضلاً عن النازحين واللاجئين، غير أنّه وبسبب الانقسام بين أدوات السياسة الخارجية نتيجة معاهدة لشبونة، جرى تقديم مساعدات الاتحاد الأوروبي الإنسانية بشكل مستقلّ تقريباً عن عمله السياسي[2]، أما الخط الثاني من الاستجابة فتمثّل في فرض عقوبات تجارية ومالية شملت ضباطاً في الجيش وشخصيات من الصف الأول مرتبطين بالنظام وصل عددهم إلى 217 شخصا تم تجميد أصولهم ومنعهم من دخول الاتحاد الأوربي[3]، كان لهذه السياسة أثر سلبي على بعض الشخصيات في نظام الأسد، ولكنه لم يكن تأثيراً حاسماً نظراً إلى الحجم المحدود للتجارة والاستثمار بين سورية والاتحاد الأوروبي.

على المستوى السياسي، كان الاتحاد الأوروبي نشطاً في مجلس الأمن الدولي ومجموعة أصدقاء سورية، من خلال “الثلاثة الكبار” في الغالب غير أنّه سرعان ما قوبلت دعوات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لرحيل الأسد بمعارضة صارمة من روسيا[4]، إضافة إلى تشجيع الاتحاد الأوروبي في بعض المناسبات الأطراف الإقليمية مثل إيران على لعب دور بنّاء لإنهاء الأزمة، وفي هذا الإطار جاءت دعوة الممثلة السامية للشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي فريديريكا موغيريني لأن تلعب إيران دوراً محورياً إيجابياً في الشأن السوري بالتحديد لحفز النظام على تبني حل سوري بالأساس[5]، لكن محاولاتها في هذا المجال أخفقت في تطبيقها بشكل عملي  أيضاً وأصبحت الثورة السورية أشبه بحرب بالوكالة بين الغرب المتردّد وروسيا الميّالة إلى التحدّي. وكانت لدى روسيا دوافع خفيّة، سرعان ما اتّضحت عبر دعمها للاتحاد الأوراسي وإذكاء أزمة أوكرانيا.

من وجهة نظر عسكرية، تمثّل موقف أوروبا أساساً في دعم موقف الولايات المتحدة، وفي مثل هذه الحالة تعتمد القدرة العسكرية للاتحاد الأوروبي كلياً على فرنسا والمملكة المتحدة (امتنعت ألمانيا تقليدياً عن المشاركة في أي عمليات عسكرية خارجية)، ومع ذلك قرّر رئيس الوزراء البريطاني في العام 2013 عرض مسألة المشاركة البريطانية في الضربات التي تقودها الولايات المتحدة على سورية للتصويت في البرلمان، وأدت النتيجة السلبية أن أصبحت فرنسا الحليف الوحيد للولايات المتحدة التي تمتلك قدرات عملياتية[6]، وبرز الخلاف واضحاً داخل الاتحاد الأوروبي إزاء التدخل العسكري الروسي في سوريا بين شق ينادي بضرورة فرض عقوبات على موسكو وآخر لا يرى جدوى من اتخاذ هذه الخطوة، وتميل الكفة أكثر إلى المدافعين عن الاتجاه الثاني الذي يتمثل في رغبة الاتحاد لعب دور إنساني أكبر بعيداً عن التورط في المستنقع السوري[7].

ويدرك ساسة الاتحاد الأوروبي أنّ الوضع في سورية ليس له صدى كبير لدى الجمهور الأوروبي، باستثناء حساسية على الصعيد الإنساني، ويُنظَر إلى الحرب في السورية على أنّها حرب بالوكالة بين الولايات المتحدة وروسيا، ورغم المقاطعة السياسية والعقوبات الاقتصادية التي فرضها الاتحاد الأوروبي ضد النظام السوري طيلة السنوات الماضية بقيت بعض قنوات الاتصال غير الرسمية بين الطرفين، تمثلت بزيارات لبعض السياسيين والأحزاب الأوروبية إلى دمشق إلى جانب بعض العلاقات التجارية من قبل بعض الشركات الأوروبية التي ورّدت للنظام معدات وتقنيات تتعلق بالاتصالات ومراقبة الانترنت وشبكات الاتصال اللاسلكية عن طريق عقود ثانوية بواسطة شركات إماراتية أو لبنانية، بالتزامن مع ذلك كانت الصحف والوكالات الإخبارية والقنوات التلفزيونية الأوروبية تتسابق لإجراء مقابلة مع رئيس النظام السوري بشار الأسد[8].

على المستوى الاستخباراتي لم تنقطع الاتصالات الأوروبية مع أجهزة النظام الأمنية سواء بشكل مباشر أو عن طريق أطراف ثالثة خاصة مع “إدارة المخابرات العامة” التي ترتبط ببروتوكولات تعاون أمني مع أهم أجهزة المخابرات الأوروبية، أو من خلال استقبال بعض مسؤولي النظام في أوروبا تحت عناوين متباينة وفي مناسبات مختلفة وبما يخدم مصالح هذه الدول وحماية مواطنيها دون أي اعتبار لضرورة إنهاء محنة الشعب السوري، ومع تصاعد الهجمات الإرهابية في أوروبا أصبح التنسيق الأمني مع النظام فوق أي اعتبار آخر لعقد اتفاقات تحت الطاولة أو فوقها تفضي إلى استئناف التعاون أمنيًا في مجال ما يسمى بــ “مكافحة الإرهاب”، والحصول على لوائح بأسماء الجهاديين الأوروبيين الذين يقاتلون في سوريا وأية معلومات إضافية عن المجموعات الجهادية الأوروبية[9].

وقد بات التنسيق بين الاتحاد الأوربي والنظام السوري علنياً، ولم يعد يقتصر على الجانب الأمني بل امتد للتمهيد لإعادة العلاقات الدبلوماسية، وهو ما تمثل بزيارة وفد برلماني أوروبي برئاسة “خافيير كوسو”  نائب رئيسة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي الذي يعتبر أعلى سلطة تشريعية في الاتحاد إلى دمشق ولقائه رئيس النظام السوري ومفتيه ورئيسة مجلس الشعب، وزيارة مشفى المزة العسكري (601) ومشفى “حاميش” لتفقد أحوال جرحى جيش النظام والميليشيات التابعة له دون أي اعتبار لمشاعر الشعب السوري الذي فقد مئات الآلاف من الشهداء على يد هؤلاء، وتعهد الوفد بتقديم الدعم للنظام لرفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه وإعادة تطبيع العلاقات الدبلوماسية[10].وتعكس هذه الزيارة التغيير الواضح في سياسة الاتحاد الأوربي تجاه النظام السوري وإعادة تأهليه وإمكانية التعامل معه بغض النظر عن مدى إجرامه وتبيين أنّ شعارات الديمقراطية التي ترفعها تتبدل لدعم المستبدين في حال لم تتوافق مع مصالحها.

مع كل ذلك يمكن لقوى المعارضة السورية أن تسعى لتغيير المواقف الأوربية إذا ما وحدت جهودها وتوجهت إلى المحاكم الأوربية لإدانة إجرام نظام الأسد لا سيما مع التطورات الأخيرة في الأنشطة الإرهابية المرتبطة بسورية التي من الممكن أن تؤدي إلى تغيير في الرأي في الدول الغربية بشأن التعاون في مكافحة الإرهاب مع نظام الأسد فقد أثار إقدام مواطن أميركي شاب بعملية انتحارية في سورية للمرة الأولى ردود فعل مؤثرة في الشارع الأوربي، في حين أن مواطناً فرنسياً شاباً كان قد أمضى مؤخراً بعض الوقت في سورية هو المشتبه به الرئيس في مقتل أربعة من زوار المتحف اليهودي في بروكسل بعد اعتقاله في فرنسا.[11]

المواقف الفردية من أعضاء الاتحاد

السياسة الخارجية لدول الاتحاد الأوربي ليست موحدة، ولا يوجد استعداد لدى هذه الدول لتفويض الهيئات الرسمية للاتحاد في هذا المجال ورغم اتّفاق وجهات نظر الدّول الأوروبّيّة حول ضرورة إدانة سياسات نظام الحكم في سوريا في تعامله مع المطالب الشعبية بالحرية والديمقراطية، ومع أنّهم اختلفوا في مرحلة من المراحل حول ما إذا كان هناك وجوب للتّدخّل المباشر في الشّؤون السّوريّة أم لا! إلا أنّها لم تستغلّ فرصة هذا التقارب النظري لتفويض المفوّضيّة الأوروبّيّة باتّخاذ القرارات الّتي تراها ملائمة للتعامل مع الوضع السوري فكانت النتيجة كما سبق القول ظهور الاتحاد الأوروبي بمظهر الضعيف غير القادر على التعامل بفعالية مع الأزمة السورية وقد امتدّت هذه النتيجة لتشمل دولاً مثل فرنسا وبريطانيا اللتين ظنّتا أنهما قادرتان على التعامل مع الأزمة السورية سياسياً وعسكرياً كما حدث في الحالة الليبية قبل أن تتراجعا عن ذلك بعد أن أعادتا تقييم الوضع[12] في ظل السياسة الأمريكية الهزيلة التي اتبعها بارك أوباما في تعاطيه مع الملف السوري.

أبانت الأزمة السّوريّة أيضاً عن وجود دول ضمن الاتّحاد الأوروبي تنعم بثقل أكبر من غيرها فيما يتعلّق بقضايا السياسة الخارجية، ولعلّ أفضل مثال على ذلك تلك الخطوات والتصريحات الّتي اتخذتها الحكومة الفرنسيّة، فمنذ بداية الأزمة السّوريّة في شهر مارس/آذار 2011، ركبت فرنسا قطار الانتقاد اللاذع لأداء الرئيس بشّار الأسد على الرّغم من أنّ العلاقات بين البلدين كانت قد وصلت إلى مستويات متميزة قبل ذلك الحين، كما تجلى ذلك في إرسال الرئيس جاك شيراك موفدين رّسميّين إلى دمشق ودعوة الرّئيس بشّار الأسد إلى حفل افتتاح مشروع الاتحاد من أجل المتوسّط في باريس في شهر يوليو/تمّوز 2008، ولكنّ هذا الانفتاح الفرنسي على سوريا لم يقابله تجاوب مناسب من دمشق، خاصة مع المطالب الفرنسيّة فيما يتعلّق بطبيعة علاقاتها مع إيران وحركة حماس، فضلاً عن أنّ سوريا لم تترجم سياسة اليد الممدودة هذه إلى خطوات تسهيلية فيما يتعلق بالاستثمارات الفرنسية في قطاعي النفط والاتصالات وقد يكون للاعتبارات الأخلاقيّة دور في الإصرار الفرنسيّ على الدفاع عن مطالب المعارضة السوريّة الّذي واكب آفاق الرّبيع العربي، غير أنّ لطبيعة الموقف الفرنسي اعتبارات أخرى أيضا[13].

ولن تفعل فرنسا أي شيء قد يوطّد نظام بشّار الأسد إذ ترى أنّه من المستحيل التوصل إلى أية تسوية مع الرجل المسؤول عن العدد الهائل من القتلى، وعن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، لذا فهي تعمل على الإسراع في بدء عملية الانتقال السياسي التي يجب أن تشمُل قوى المعارضة والعناصر الأقل تورطاً في النظام، ويتطلب هذا الحل السياسي مضافرة الجهود الدبلوماسية، لذا تتحدث فرنسا مع الجميع مع شركائها الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وروسيا التي لا تزال مواقفها بعيدة جداً، والجهات الفاعلة في المنطقة أي البلدان العربية السنية وتركيا وإيران[14]، ولم تتوقف فرنسا مكتوفة الأيدي في ظل تعثر العملية السياسية والتحركات الدبلوماسية بل قدمت العديد من المشاريع الإنسانية في سوريا وأعلنت استعدادها لاستقبال عدد من اللاجئين السوريين.

ويمكن تلخيص أولويات فرنسا في الاستجابة للأزمة السورية بما يلي:

  • وقف الأعمال العدائية في جميع أنحاء البلاد عدا العمليات التي تستهدف الإرهاب.
  • توصيل المساعدات الإنسانية بدون انقطاع وبدون قيود إلى مستحقيها.
  • دعم جهود الأمم المتحدة في سبيل عملية الانتقال السياسي.

أما بالنسبة لألمانيا فقد امتثلت لقرارات الاتّحاد الأوروبّيّ والأمم المتّحدة دون أن تنفرد بقرارات غير مجدية على أرض الواقع، لقد تميّزت الدبلوماسيّة الألمانيّة منذ زمن طويل بتطوير سياسات فعليّة في منطقة الشّرق الأوسط ولكن دون أن تعبّر عنها علنا، فضلا عن امتلاكها شبكة مخابراتيّة واسعة في العالم العربيّ تمكّنها من التحقق من أبرز ما يجري على أرض الواقع في أغلب هذه البلدان، وكذلك لم تبق مكتوفة الأيدي تجاه ما يحدث في سوريا، إذ أعلنت عن استيائها من الفيتو الرّوسي والصّيني، بل طردت من أراضيها في شهر فبراير/شباط 2012 أربعة دبلوماسيّين سوريّين بتهمة علاقتهم بعمليّات تجسّس على معارضين سوريين، ولكن يبقى الفرق هنا أنّه بينما تسعى دول أوروبّيّة مهمّة كفرنسا وبريطانيا إلى تسليط الأضواء على أدائها والإشارة دوما إلى أنّها متمسّكة بدعم المعارضة السّوريّة وإضعاف الرئيس بشّار الأسد، تبرز دول كألمانيا وإسبانيا كمثال للاعبين متمسّكين بإيجاد سبل التخفيف من معاناة الشّعب السّوري ولكن بطرق أكثر تكتّما[15] لم يكن الموقف الالماني متأتياً من فراغ بل تتحكم به مجموعة عوامل ومتغيرات مؤثرة منها ما يتعلق بالداخل الألماني من التوجهات الشعبية المتعاطفة مع الشعب السوري وضرورات الأمن الألماني الداخلي ومنها ما يتعلق بالمصالح الألمانية في منطقة الشرق الأوسط والأخر متعلق بالعلاقات الألمانية الدولية، وتتمثل هذه المتغيرات والعوامل بما يأتي :

  • متطلبات الأمن الداخلي للأزمة السورية انعكاسات على الأمن الداخلي في ألمانيا إذ اجتذبت تعاطفاً كبيراً نحو الشعب السوري لاسيما المسلمون وبرزت ظاهرة تجنيد المقاتلين في مختلف الدول منها للالتحاق بالقتال إلى جانب الجماعات الإسلامية في سوريا وما تشكله هذه الظاهرة من محاذير على الأمن الداخلي في ألمانيا على صعيد إمكانية القيام بأعمال عنف داخل ألمانيا أو عودة هؤلاء المقاتلين وتنظيم حركات جديدة وإمكانية ازدياد أعدادهم في ألمانيا وباقي الدول الأوروبية، وبالفعل اعتقلت قوات الأمن الألمانية العديد من الأشخاص الذين يجندون ومجندون للذهاب إلى القتال في سوريا .
  • الرأي العام المحلي هناك ضغط شعبي وسياسي في ألمانيا لدعم الشعب السوري والتدخل بهدف الحد من انتهاكات نظام الأسد لحقوق الإنسان والمجازر المرتكبة ضد المدنيين السوريين.
  • موقف الاتحاد الأوروبي حيث يتناسب موقف ألمانيا مع موقف الاتحاد الأوروبي في التعاطي مع الأزمة السورية كونها أحد أعضاء هذا الاتحاد البارزين وفي الأغلب لا تخرج عن إطار السياسات الخارجية الأوروبية تجاه قضايا الشرق الأوسط.
  • العامل الأمريكي تتأثر ألمانيا كباقي دول الاتحاد الأوربي بالمواقف الأمريكية، وهو أمر يتماثل مع تعاملها مع الأزمة السورية الى حد كبير عندما دعمت ألمانيا الموقف الأمريكي من تطورات الأحداث في سوريا منذ انطلاقتها.
  • صراع المصالح الدولية يُشكل صراع المصالح في منطقة الشرق الأوسط وسوريا بشكل خاص دافعاً لدى العديد من الدول ومنها ألمانيا للتدخل في مجريات أحداث الملف السوري واستخدامه كورقة ضغط في ملفات أخرى فالملف السوري يستخدم للضغط على كل من روسيا في ملف الأزمة الأوكرانية وإيران في ملف برنامجها النووي ونفوذها في المنطقة[16].

  شكلت هذه الدوافع عوامل تأثير على تطورات موقف وسياسة ألمانيا في تعاملها مع الأزمة في سوريا فإتخذ هذا الموقف أشكالاً عدة تتمثل بـ:

  • المساعدات الإنسانية وتتمثل بما تقدمه ألمانيا من مساعدات إنسانية مختلفة للسوريين في داخل سوريا أو اللاجئين السوريين في دول الجوار العربي أو تركيا وقد استقبلت ألمانيا مئات الآلاف من اللاجئين السوريين على أراضيها لتصبح أكثر الدول الأوروبية إسهاماً في مساعدة السوريين الذين شردهم الصراع في بلدهم.
  • الحوار والحل السياسي كثيراً ما طرحت ألمانيا دعواتها إلى اعتماد الحل السياسي لأزمة سوريا والحوار بين جماعات المعارضة ونظام الأسد هذا الموقف تغير نوعاً ما وصدرت تصريحات ألمانية تدعو إلى الإطاحة بنظام الاسد باعتباره المتسبب الرئيس بما يحصل من فظاعات ومجازر في سوريا، وبذلك فلا يمكن اعتباره جزءا من الحل السوري.
  • المسؤولية الدولية ترى ألمانيا بضرورة التحرك في إطار المجتمع الدولي المتمثل بمنظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن من أجل توفير الحماية الدولية للشعب السوري الذي يتعرض للقصف اليومي المستمر من قبل قوات نظام الأسد.
  • دور حلف شمال الاطلسي “الناتو” تحاول ألمانيا التواصل مع أعضاء حلف الناتو من أجل منح الدور الأساس للناتو في معالجة القضية السورية حتى وإن اقتضى الأمر إعادة تطبيق السيناريو الليبي الذي نجم عنه القضاء على نظام القذافي مثلما الاستفادة من هذا الدور في مواجهة الجماعات المتطرفة في سوريا[17].

اتخذت الحكومة البريطانية خطوة متقدمة تمثلت في الاعتراف رسمياً بالمعارضة السورية كممثل شرعي للبلاد، وجاء رد وزير الخارجية السوري وليد المعلم على تلك الخطوة بقوله إنّ العالم ليس أوروبا فحسب، وإنهم سينسون وجود أوروبا ويطلبون إلغاء عضويتهم في الشراكة الأورومتوسطية، مع ذلك في الوقت الذي تقدمت فيه بريطانيا إلى صدارة المشهد الدبلوماسي، ظلت حريصة على عدم الانجراف إلى الصراع، يتضح موقف بريطانيا تجاه سوريا بشكل مباشر من خلال ما تقدمه من أموال وتوجهها المعلن نحو سياسة خارجية أكثر تحفظاً، وأوضح مسح أجراه مركز “شاتام هاوس” البريطاني بداية العام الحالي أنّ 51 في المائة من العينة التي شملها المسح تعتقد أنّ السياسة الخارجية البريطانية ينبغي أن تعطي الأولوية لحماية المملكة المتحدة بداية من حدودها بما في ذلك مكافحة الإرهاب مع عدم تقديم دعم علني عام كبير لسياسات الحكومة في التعامل مع التغير المناخي أو نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، على الجانب الآخر يعتقد 43 في المائة ممن شملتهم عينة المسح أن المملكة المتحدة لا ينبغي أن تتورط في أي تدخل يتعلق بالثورات التي تحدث في البلدان الأخرى مثل سوريا أو تدعمها، ولم يعتقد سوى واحد فقط من بين كل أربعة أنّ المملكة المتحدة عليها مسؤولية أخلاقية تحتم عليها دعم هذه التحركات[18].

ما يمكن لبريطانيا أن تؤثر فيه بشكل فاعل هو تقييد الإمدادات المادية للنظام، وقد أوردت شبكة “بي بي سي” أنّ بعضاً مما يصل إلى 100 مليون جنيه استرليني (157 مليون دولار) من أصول النظام السوري، غالبيتها أموال سائلة في حسابات مصرفية، تم تجميدها خلال الأربعة عشر شهراً الماضية، وركزت الحكومة البريطانية الدعم بشأن تدهور الوضع الإنساني في سوريا، وعملت في شراكة مع مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية والمنظمات الحكومية غير الإنسانية لتقدم 17.5 مليون جنيه استرليني لما وصفه ويليام هيغ “بالأدوية والرعاية الطبية والمأوى والدعم الضروري للعشرات في لبنان والأردن وتركيا والعراق”، الدعم الإنساني أمر تقوم به بريطانيا بشكل تقليدي تماما، لتصف نفسها بأنها “قوة مساعدة عظمى”، ويرى كريس دويل أنّ “بريطانيا كانت أكثر نجاحا في مجال تقديم الدعم الإنساني للأعداد المتزايدة من اللاجئين السوريين، وأدخلت أيضاً حقوق الإنسان ومسألة المحاسبة في الصراع”.

أما الموقف الإيطالي فقد تمثل بتصريحات وجهها وزير الخارجية الإيطالي باولو جينتيلوني للحكومة الروسية، ودعاها إلى استخدام نفوذها لدى النظام السوري من أجل وقف المجازر التي يقوم بها يومياً في سوريا، حيث يقول “لقد حان الوقت لكي تثبت روسيا الرغبة في استخدام نفوذها لدى النظام، وهي إذا لم تفعل ذلك فإن ذلك يعني بأنها تؤيد المجازر بل وتتخلى عن دور القوة العظمى الذي يطمح بوتين للحصول عليه مفضلاً الارتباط بمصير بشار الأسد المفلس”. ويتهم موسكو بأنها لم تحث النظام السوري والميليشيات الشيعية التي تدعمه والقادمة من لبنان وأفغانستان والعراق لكي يغير مساره فقد استمر في القصف العشوائي ضد المدنيين، وشدد الحصار وتجاهل الالتزامات الدولية والقرارات المختلفة لمجلس الأمن باستمرار[19].

ولكن بالمقابل قام الجنرال ألبرتو مانينتي رئيس جهاز المخابرات الخارجية الإيطالي بزيارة سرية إلى دمشق على متن طائرة خاصة حيث التقى مع اللواء علي مملوك رئيس مكتب الأمن الوطني، واللواء محمد ديب زيتون مدير إدارة المخابرات العامة (أمن الدولة) وعدد من الضباط المسؤولين عن مكافحة الإرهاب في أجهزة النظام الأمنية منهم العميد غسان خليل رئيس فرع الاستخبارات الخارجية، وتم الاتفاق على تفعيل تبادل المعلومات الأمنية بين الجانبين، وتبادل الخبرات في مجال مكافحة الإرهاب، وتعيين ضابط ارتباط يتبع لإدارة المخابرات العامة السورية في إحدى الدول الأوروبية لتنسيق المعلومات الأمنية بشكل أسرع، إلا أنّ النظام ربط عودة التعاون الأمني إلى سابق عهده مع الأجهزة الاستخباراتية الأوروبية برفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه، وعودة التعاون السياسي والدبلوماسي بين الجانبين، وحسب المعلومات فإن مانينتي أبلغ المسؤولين السوريين عن رغبة معظم الدول الأوروبية برفع الحظر عن النظام قريباً، وعودة التعاون بين الطرفين بكافة أشكاله الدبلوماسي والسياسي والأمني[20]، رغم عدم منطقية الطرح في ظل جرائم الحرب التي ارتكبها هذا النظام وأجهزته المخابراتية التي سلطها على الشعب طول تاريخ حكمه وتعارضها مع مبادئ الديمقراطية التي ترفعها الدول الأوربية كشعارات لها.

أما على الصعيد الرسمي والدبلوماسي فلم تشهد دول الاتحاد الأوروبي إعادة افتتاح أي سفارة أو بعثة دبلوماسية منذ أواخر عام 2012 حيث قررت العديد من دول الاتحاد تخفيض التمثيل الدبلوماسي مع النظام والإبقاء فقط على بعض الموظفين لتسيير بعض المعاملات القنصلية دون أي نشاط سياسي هذا من الناحية العلنية، لكن بالمقابل أشارت بعض التقارير الغربية إلى عدم انقطاع زيارات الوفود الأمنية والاستخباراتية بين بعض دول الاتحاد الأوروبي والنظام، وأخذت وتيرة هذه الزيارات بالتصاعد بعد التفجيرات الإرهابية التي شهدتها أوروبا منذ بداية عام 2015 عقب الهجوم على صحيفة “شارلي إيبدو” في باريس بهدف تبادل المعلومات الاستخباراتية حول الأشخاص الذين سبق أن أقاموا في أوروبا قبل توجههم إلى سوريا للقتال إلى جانب تنظيم الدولة الإسلامية أو جبهة النصرة[21].

تداعيات الحرب في سوريا على دول الاتحاد الأوربي

الاتحاد الأوروبي لن يعرف طريقه نحو الاستقرار طالما بقيت الأزمة السورية الفناء الخلفي للقارة الأوروبية من دون حل سياسي واقتصادي، ولعل قضية اللاجئين السوريين واحتمال تسلل إرهابيين إلى أوربا أهم القضايا التي تعود أثارها بشكل مباشر على دول الاتحاد الأوربي.

قضية اللاجئين

من أهم القضايا والملفات المطروحة في اجتماعات الاتحاد الأوربي قضية اللاجئين لا سيما بعد ارتفاع عددهم في صيف 2015، وقد حددت الدول الأوربية القواعد الأساسية للاجئين، حيث ضبط المجال أمام القادمين وضيقت الخناق عليهم في أطر قانونية بهدف الحفاظ على الدولة القومية وتجنب الإرهاب ما أدى لمواقف متباينة وانقسام على مستوى القارة، ووضع سياسييها أمام اختبار الانحياز للديمقراطية وتعزيز القيم الإنسانية في ظل المخاوف الأمنية والحفاظ على هوية القارة دينياً وثقافياً، فأقدمت عدد من الدول الأوربية على استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين مثل ألمانيا والنمسا بينما حدت المجر من حرية تحركهم وأقامت حاجز بينها وبين صربيا، وفي مقارنة مع أمثلة تاريخية فإن القضية السورية تحاكي وقائعُ الأزمة اليوم، وآليات التعاطي معها، أسلوبَ التعاطي مع المسألة اليهودية في أوروبا طوال قرنين من الزمن، من خلال فلسفة التساؤل اليهودي، والضخ الذي كان معمولاً به بين الصحافة والأوساط النخبوية من كتابٍ ومفكرين واقتصاديين وسياسيين، حيث كان التركيز يتقاطع مع الطروحات عينها التي تتناقلها وسائل الإعلام اليوم بالنسبة للمخاوف الأوروبية، هل يهدِّدُ هؤلاء ثقافتنا؟ هل يستطيعون الاندماج مع المجتمع الأوروبي، هل يشكلون خطراً علينا؟ …. إلخ، إلى أن ظهرت النازية حاملةً معها «الإجابة»[22]، وفي الواقع فإن معظم اللاجئين السوريين يتواجدون في لبنان وتركيا والأردن وقد وصل في عام 2015 إلى أوربا حوالي مليون لاجئ لكن هذا العدد لا يشكل سوى 0.3% من مجموع سكان القارة الأوربية[23].

وتسعى الاستراتيجية الأوروبية لتحقيق هدفين رئيسيين هما الحد من تدفق اللاجئين إلى القارة الأوروبية، والتعامل الفعلي مع اللاجئين الذين يتمكنون من الوصول إلى الأراضي الأوروبية، وبناء على هذين العنصرين تتشكل الملامح العامة لتلك الاستراتيجية فيما يلي:

  • توطين اللاجئين: يسعى الاتحاد الأوروبي للتوصل لاتفاق نهائي بين الدول الأعضاء لتوزيع اللاجئين للمشاركة في تحمل الأعباء.
  • تعزيز الاعتبارات الأمنية: خلال السنوات الماضية، غلب على سياسات الهجرة الأوروبية الطابع الأمني، بمعنى التركيز على البعد الأمني في إدارة هذا الملف، من خلال مجموعات من السياسات، ركزت من خلالها الدول الأوروبية على التعاون مع دول جنوب المتوسط التي تعتبر مصدراً وممراً للمهاجرين لتشديد الرقابة على حدودها، ومنع تدفق موجات الهجرة غير الشرعية إلى الاتحاد الأوروبي، فضلًا عن تعقب شبكات التهريب، واستقبال المهاجرين الذين تتم إعادتهم مرة أخرى في مراكز الاحتجاز.
  • التمييز بين اللاجئين السياسيين والمهاجرين الاقتصاديين: في خضم تطورات أزمة اللاجئين إلى أوروبا، تحاول بعض القوى المناوئة للمهاجرين الادعاء بأن القادمين للقارة الأوروبية هم مهاجرون اقتصاديون وليسوا لاجئين سياسيين، بمعنى أنهم يبحثون عن حياة أفضل ولم يهربوا من مناطق صراعات، ومن بينهم اللاجئون السوريون.
  • إقامة مراكز إيواء: في سبيل التخلص من أعباء استقبال اللاجئين، دعا الاتحاد الأوروبي لإقامة مراكز إيواء ببعض الدول للبت في طلبات اللجوء التي يتقدم بها المهاجرون للتمييز بين اللاجئين السياسيين والمهاجرين الاقتصاديين[24].

أما أهـم ملمح للسياسات الأوروبـيـة فـي مـجـال الهجرة والـلـجـوء السياسي فهو أنّـهـا غير مـوحـدة وتعتمد بشكل كبير على السياسات الوطنية لكل دولـة أوروبـيـة على حـدة فـي المقام الأول، ويمكن القول إنّ أوروبـا منقسمة إلـى معسكرين معسكر دول جنوب أوروبـا في مقابل معسكر الدول في وسط وشمال أوروبا حيث يرى معسكر دول جنوب أوروبا أنّه على خط المواجهة المباشر مع قضايا الهجرة، وأنّه يتحمل العبء الأكبر في التعامل معها، ويطالب بإعادة توزيع أعباء هذه القضية على باقي دول الاتحاد الأوروبي الثماني والعشرين باعتبارها مشكلة أوروبية لا قضية داخلية في حين يرى معسكر دول وسط أوروبا وشمالها أنّ قضية الهجرة هي قضية  داخلية بالأساس وأنّها تستقبل قـدراً من الهجرة غير الشرعية وطلبات اللجوء السياسي[25]،يبقى الخاسر الأكبر من هذا الخلاف السياسي اللاجئين الذين هربوا من جحيم الحروب في بلادهم على أمل أن يجدوا ملاذاً يستطيعون العيش فيه بسلام.

ومن جهة أخرى من الممكن النظر إلى الوافدين الجدد على أنّهم يشكلون فرصةً استثماريةً جيدة للقارة العجوز التي تفوق نسبة عددُ الوفيات فيها عددَ الولادات، حيث من المتوقع أن ينخفض عدد سكان ألمانيا حوالي 6 ملايين شخص مع حلول عام 2030، في حين يتم رفع سن التقاعد في أكثر من دولة أوروبية لعدم وجود أيدٍ عاملة شابة تقوم بالتعويض، إلا أنّ بعض التقارير تشير إلى أن المهاجرين الذين استطاعوا دخول سوق العمل خلال السنوات الخمس الأخيرة، وصلَ عددهم إلى 1.5 مليون مهاجر في ألمانيا وحدها، وهو ما قد يُلقي الضوء على النظرة القاصرة لدى كثيرٍ من الأوروبيين المناهضين للأجانب، بالنظر إليهم على أنهم يشكلون عالةً اقتصادية على البلاد، فمعظم اللاجئين يحملون كفاءاتٍ على اختلافها، سواءَ كانت علميةً أم يدويةً وحرفية، مما يجعلهم مؤهلين بعد الحصول على إذن العمل وتعلُّم اللغة لدخول سوق العمل بدورهم، والمساهمة في دفع الضرائب[26].

الهواجس الأمنية

من الطبيعي أن يمتد أثر الحرب الدامية في سوريا وتداعياتها إلى دول الاتحاد الأوربي بحكم موقعها الجيوسياسي حيث تعتبر حلقة وصل بين قارات العالم الثلاث أوربا وأسيا وإفريقيا وتقع على البحر الأبيض المتوسط الذي يزنر أوربا في شواطئها الجنوبية والجنوبية الشرقية ولها علاقات تاريخية واقتصادية وثقافية مع بعض الدول الأوربية خصوصا فرنسا وبريطانيا بوصفها جزءاً من النفوذ الأنكلو فرنسي التي انتهت إليها نتائج الحرب العالمية الأولى ويمكن تحديد أهم التداعيات الأمنية التي امتدت للقارة الأوربية بما يلي:

  • انتشار عدد من الخلايا غير المعروفة في مختلف المدن الأوروبية فقد شكلت أوروبا ساحة واسعة للخلايا الجهادية والشخصيات المتطرفة وهذا ما أكدته الأحداث التي وقعت في عدد من المدن الأوربية مثل بروكسل وباريس وكان قد أعلن كل من تنظيما القاعدة والدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”، أنّ لهما خلايا نائمة وكامنة منذ فترة تعمل في أوروبا وبالتحديد في بريطانيا وفرنسا وألمانيا والنمسا[27].
  • تقدم اليمين المتطرف في العديد من الدول الأوربية نتيجة عدة عوامل أبرزها تزايد هجمات الإرهاب واستغلال المرشحين لعواطف الجماهير من خلال اللعب على وتر توفير الأمن المفقود منذ هجمات باريس وهي أحزاب معروفة بتوجهاتها المعادية للمسلمين وللوحدة الأوربية[28].
  • استهداف المصالح والمواطنين الأوربيين الذين يتواجدون في مناطق النزاع بهدف ابتزاز دولهم.
  • زيادة أعداد طالبي اللجوء إلى الدول الأوربية والخوف من تبعات تدفقهم على المجتمعات الأوربية ثقافياً ودينياً أدى إلى إغلاق هذه الدول أبوابها بوجههم.
  • تحديد الحقوق والحريات العامة وتشديد الرقابة على وسائل التواصل خصوصاً بحجة الخوف من الجماعات الإرهابية.

وقد أكدت تصريحات الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي فديريكا موغريني، أنّ “موقف الاتحاد الأوروبي من النظام السوري لم يتغير” وهي تدعو إلى حل القضية السورية عن طريق عملية سياسية كما وأكدت أن “دعم الاتحاد الأوروبي للمعارضة سيتواصل في المستقبل” معتبرةً أنّ “التهديدات التي طالت أوروبا والعالم مرتبط بتوسع تنظيم داعش، وأنّ التصدي لهذه التهديدات، يتطلب القيام بأمور داخلية على مستوى الاتحاد الأوروبي وأيضاً، تسريع حل الصراع السوري[29].

خاتمة

من جنيف إلى فيينا مروراً بميونيخ يكاد العالم يعجز عن إيجاد حل للأزمة السورية التي وصلت إلى “أزمة استراتيجية” تسعى كل الدول الفاعلة في الملف إلى حله على وجه السرعة، فمن ثورة على نظام إلى أزمة إقليمية تقاذفتها الدول المحيطة بسوريا، ومن ثم إلى أزمة على المستوى الدولي يتنافس فيها كل من روسيا التي وضعت كل ثقلها على الأرض السورية وتتحكم بالقرار السياسي الرسمي التابع للنظام السوري، والطرف الأمريكي الذي يُجمع الخبراء على تأجيل حل الأزمة ووضعها على طاولة الرئيس الأمريكي القادم.

المعنيون الأوروبيون بمكافحة الإرهاب لا زالوا مترددين حول كيفية التعامل مع الداخل السوري لكن مع ذلك يرون أنه من الضروري بدء التفكير في كيفية الانخراط مع المجتمعات السورية وقد تم حصر المساعدات حول تطبيق العدالة، الأمن، الصحة، الطعام، الأدوية، الطاقة والمياه التي تكسب شرعية في الإدارة المحلية وبهذا يلعب الأوروبيين دوراً كبيراً في المجال الإغاثي ولإيجاد حل سياسي.

المقاتلين الأجانب يشكلون تهديداً رئيسياً لدول الاتحاد الأوروبي، خصوصاً أنّ سوريا تستمر في جذب عدد متزايد منهم، بما في ذلك من أوروبا لذلك على الدول الأوروبية أن تحضر نفسها لتهديد على المدى الطويل.

فكرة أنّ الإسلام هو دين إرهاب وعملية الترويج لذلك آن لها أن تنتهي فهي عملية خطيرة تستغلها الأحزاب السياسية المتطرفة في أوروبا وأيضا يستخدمها الأفراد ذوي الميول العدائية ضد الأجانب العرب لتحقيق مآربهم الخاصة.

لابد من صياغة برامج تدريبية للاجئين السوريين تعلمهم كيفية التكيف مع عادات المجتمع الأوربي حيث اختلاف اللغة والعادات والتقاليد وتؤهلهم لتقبل الآخر، وكذلك الأمر من ناحية الشعوب الأوربية يجب بث برامج تليفزيونية وإذاعية أو حتى عن طريق استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لإيصال رسالة محبة وسلامة وبث روح الإخاء.

هل وصل عجز الاتحاد الأوربي لدرجة أنّه مرهون بكافة قراراته للولايات المتحدة الأمريكية؟ ..فترى قرارته تتبدل وتتلون حسب تصريحات المسؤولين الأمريكيين خصوصاً فيما يتعلق بالقضية السورية!

[1] بعد أن وقع الاتحاد الأوروبي في فخ التنسيق الأمني مع النظام السوري… ما القادم بالنسبة لتركيا؟ د. وسام الدين العكلة، ترك برس، تاريخ النشر 1 /8/ 2016 http://www.turkpress.co/node/24415

[2] مخاوف الاتحاد الأوروبي بشأن سورية، مارك بيريي، مركز كارينغي للدراسات، تاريخ النشر 9/6/ 2014 http://carnegie-mec.org/2014/06/09/ar-pub-55898

[3]   الاتحاد الأوروبي يفرض عقوبات على 10 مسؤولين سوريين، سكاي نيوز عربية، تاريخ النشر 27/10/2016 https://goo.gl/7aUAFY

[4] مخاوف الاتحاد الأوروبي بشأن سورية، (مرجع سابق)

[5] الاتحاد الأوروبي وسوريا-آراء حول الخليج، كريستيان كوخ، مدير مركز الخليج للأبحاث https://goo.gl/483hDw

[6] مخاوف الاتحاد الأوروبي بشأن سورية، مارك بيريي، مركز كارينغي للدراسات، تاريخ النشر 9/6/ 2014 http://carnegie-mec.org/2014/06/09/ar-pub-55898

[7] لا عقوبات أوروبية على موسكو بسبب الأزمة السورية، صحيفة العرب، العدد 10428ص(5)، تاريخ النشر 18/10/2016 https://goo.gl/W1Rdji

[8] بعد أن وقع الاتحاد الأوروبي في فخ التنسيق الأمني مع النظام السوري… ما القادم بالنسبة لتركيا؟  د. وسام الدين العكلة، ترك برس، تاريخ النشر 1/8/ 2016 http://www.turkpress.co/node/24415

[9] المرجع السابق نفسه.

[10] المرجع السابق نفسه

[11] مخاوف الاتحاد الأوروبي بشأن سورية، مارك بيريي، مركز كارينغي للدراسات، تاريخ النشر 9/6/ 2014 http://carnegie-mec.org/2014/06/09/ar-pub-55898

[12]  موقف أوروبا من الأزمة السورية، غياب الفعالية وافتقاد التأثير، براء ميكائيل، الجزيرة تقارير، تاريخ النشر 7/4/ 2012 https://goo.gl/uCQ9H3

[13] المرجع السابق نفسه.  

[14] فهم موقف فرنسا بشأن سورية في ثلاث دقائق، الدبلوماسية الفرنسية، تاريخ النشر 2015 https://goo.gl/D7ZqvA

[15] موقف أوروبا من الأزمة السورية، غياب الفعالية وافتقاد التأثير، براء ميكائيل، الجزيرة تقارير، تاريخ النشر 7/4/ 2012 https://goo.gl/uCQ9H3

[16] موقف المانيا من الأزمة السورية: رؤية في دوافعه واشكالها. مثنى العبيد، المركز السوري للعلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية، تاريخ النشر 9/10/2015 http://www.scirsr.org/posts/812

[17] المرجع السابق نفسه.

[18] الموقف البريطاني من سوريا.. دعم لوجيستي ودبلوماسي للمعارضة وتجنب العسكري، جيمس دينسلون، الشرق الأوسط جريدة العرب الدولية، العدد 12290، 22/7/2012 https://goo.gl/YJemeO

[19] وزير خارجية إيطاليا ينتقد موسكو بشدة لدعمها النظام السوري، محمود الكيلاني، وكالة الأناضول، تاريخ النشر 27/9/2016 https://goo.gl/wUr7Iy

[20] بعد أن وقع الاتحاد الأوروبي في فخ التنسيق الأمني مع النظام السوري… ما القادم بالنسبة لتركيا؟ د. وسام الدين عكلة، ترك برس، 1/8/2016 http://www.turkpress.co/node/24415

[21]المرجع السابق نفسه

[22] أوروبا وأزمة اللاجئين: بين التضخيم الإعلامي والحقائق المُغفلة، رندة صباغ، مصدر الجمهورية، تاريخ النشر 23/12/2015 http://aljumhuriya.net/33874

[23] تقرير يونسيف http://www.unesco.org/new/ar/media-servicesl  

[24] السياسات الأوروبية تجاه اللاجئين: ثلاثية الأمن، الهوية، والقيم الإنسانية، هاني سليمان، المركز العربي والبحوث والدراسات، تاريخ النشر 29/8/2016 http://www.acrseg.org/40345

[25] الاتحاد الأوروبي وقضايا الهجرة: الإشكاليات الكبرى والاستراتيجيات ّ والمستجدات-محمد مطوع، جامعة القاهرة، الصفحة 38.

[26]  أوروبا وأزمة اللاجئين: بين التضخيم الإعلامي والحقائق المُغفلة، رندة صباغ، مصدر الجمهورية، تاريخ النشر 23/12/2015  http://aljumhuriya.net/33874

[27] «الوطن» ترصد «الخلايا النائمة» لـ«داعش» و«القاعدة» فى أوروبا، لطفى السالمان ونعمة الله التابعى، الوطن بوابة إلكترونية شاملة، تاريخ النشر 16/01/2015 http://www.elwatannews.com/news/details/641046

[28] اليمين المتطرف يجتاح أوربا ويضع يسارها على المحك، مسلم عباس، شبكة النبأ المعلوماتية، تاريخ النشر 04/05/2016http://annabaa.org/arabic/reports/6223

[29] موغريني: دعم الاتحاد الأوروبي للمعارضة السورية سيتواصل، العربي الجديد، تاريخ النشر 23/3/2016 https://goo.gl/0FUZpb