شرق الفرات بين الإصرار التركي والمناورة الأمريكية مجهولة الأهداف

شرق الفرات بين الإصرار التركي والمناورة الأمريكية مجهولة الأهداف

شرق الفرات؛ بين الإصرار التركي والمناورة الأمريكية “مجهولة الأهداف

بقلم النقيب محمد علوان

صرح في الآونة الأخيرة مسؤولون أتراك ، بنبرة حسم غير مسبوقة أن تركيا ستنشئ منطقة آمنة بطول 280 كم تمتد من نهر الفرات إلى الحدود “السورية – التركية – العراقية” شرقا، مما سيجبر وحدات حماية الشعب الكردي و حليفها حزب البي كي كي   إلى الانسحاب مسافة 25 كم بعيداً عن الحدود التركية؛ فسارعت واشنطن إلى امتصاص غضب تركيا، وعمدت إلى ثنيها وتأخيرها بعد مفاوضات صعبة استطاعت من خلالها اقناع تركيا بتأخير هجومها العسكري الأحادي ضد وحدات حماية الشعب الكردي من خلال إدخالها في نفق ” خطوات إنشاء المنطقة الآمنة”  أو ما سُمي ” ممر السلام”.                                                     

لا شك أن تركيا تعلمت دروساً قاسية من التأخر الأمريكي السابق في مثل هذه الاتفاقيات، خاصة في مدينة منبج قبل أكثر من عام عندما أدخلت الولايات المتحدة الأمريكية تركيا في دوامة تسيير الدوريات المشتركة على حدود المدينة ، مما دفع وزير الخارجية التركي “جاويش أوغلو” إلى التصريح بأن “تركيا لن تسمح للولايات المتحدة بتعطيل العملية في شرق الفرات كما فعلوا في “منبج” ، ومن جهة أخرى حذّر وزير الدفاع التركي “خلوصي أكار” من أن “تركيا متمسكة بمنطقة آمنة في شمال سوريا يتراوح عمقها بين 30 و 40 كيلومتراً ولن تتردد في اتخاذ إجراء عسكري إذا فشلت الولايات المتحدة في تلبية مطالبها و إجبار الأحزاب الانفصالية على الانسحاب منها، وهذا يدل على أن احتمال التوغل التركي لا يزال عالياً كما كان دائماً، بل ازداد الآن مع بدء ظهور فشل الخطة الأمريكية خصوصا بعد ورود عدة تقارير تثبت استمرار تزويد واشنطن لوحدات الحماية بالسلاح و المعدات اللوجستية .

  تركيا؛ بلغ السيل الزبا

استمرت العلاقة الجيدة بين ميليشيات الحماية والولايات المتحدة لأربع سنوات، وفي العديد من المناسبات  كانت تركيا تهدد بعمل عسكري ضد الميليشيات،  معبرة عن انزعاجها الشديد من تحالف واشنطن العلني لما تعتبره أكبر تهديد لأمنها القومي وخصوصا مع استمرار تزويد واشنطن حليفتها بالسلاح والمعدات إضافة إلى برامج التدريب المستمرة ؛ والآن ومع شراء منظومة S-400 فإنّ أنقرة تجاهلت التحذيرات الأمريكية، ويدل ذلك على أنها وصلت لآخر حدودها مع الولايات المتحدة الأمريكية وأن “السيل بلغ الزبا” لديها كما يقول المثل العربي ، وهذا يفسر تفكيرها الجدي بالعمل العسكري وأن الوقت قد حان لإنهاء هذا الملف مع إعطاء أولوية مطلقة لإنهائه سياسيا بالتعاون مع واشنطن.

 كيف تنظر موسكو إلى شرق الفرات:

موسكو المراقبة عن بعد لكل هذه التجاذبات في شرق الفرات ، طلبت أنقرة منها أن تدعم مطالبها في شرق الفرات تماماً كما فعلت قبل هجوم عفرين الناجح ضد ميليشيات الحماية في 2018م ، ليأتي الرد بشكل غير معتاد من العقيد الروسي “سيرجي رودسكوي” حين قال : “إن قوات الاحتلال الأمريكية تستولي على حقول النفط ومنشآته” في منطقة الجزيرة السورية،  وهم مستمرون في تدريب الجماعات الإرهابية” في الإشارة إلى الوحدات الكردية ،  وتجدر الإشارة إلى أن هذا التغيير في التصريحات الروسية بعد هبوط الطائرة التي تحمل أجزاء منظومة صواريخ s400 في أنقرة ؛ لتغلب سلطة المصالح على ملف شرق الفرات بالنسبة لموسكو .

 ردة فعل وحدات الحماية على التهديدات التركية

لا يوجد لدى الأحزاب الانفصالية أي خطة دفاع حقيقية عن المنطقة في حال بدأ الهجوم التركي، فالمنطقة كبيرة جغرافيا وعشائرها التي تشكل المكون السكاني الأساسي للمنطقة يدينون بالولاء للثورة والحليف التركي أكثر من الأحزاب وحلفائهم، وهذا يجعل من فرضية صد الهجوم أمرا أقرب للمستحيل إلا في بعض المدن ذات الغالبية الكردية كعين العرب مثلا.

تحاول الأحزاب كعادتها؛ استغلال التناقضات بين الدول المؤثرة في سوريا لخلق مظلة مؤقتة تحمي بها نفسها من الهجوم التركي، لذلك كلما شعرت باقتراب وجهات النظر التركية الأمريكية من بعضها البعض، تسارع إلى التقرب من موسكو ونظام الأسد من خلال تصريحات أصبحت أقرب ما تكون للهزلية مع اتفاق المؤثرين على كل شيء.

 الهجوم التركي أمر لا مفر منه 

أخيراً، ينبغي تحليل التوغل التركي المحتمل في شمال سوريا في سياق الوجود العسكري التركي في شمال العراق.

ففي السنوات الخمس الماضية، أقامت تركيا حوالي 13 قاعدة عسكرية في مناطق رئيسية مثل “دهوك” و”أربيل” و”السليمانية” و”زاهو”، مما يشير إلى أن الوجود التركي في شمال العراق طويل الأجل، يُضاف إلى ذلك التعزيزات العسكرية الضخمة التي أرسلتها أنقرة إلى حدودها الجنوبية المتاخمة لشرق الفرات.

إذا التوغل التركي شرق الفرات بات قاب قوسين أو أدنى ويصبح وشيكا عند انتهاء العسكريين الأتراك من مهمة التدرب على منظومة الصواريخ S 400، حيث ستعزز تركيا من قدراتها الدفاعية ضد أي ردات فعل عسكرية ضد أراضيها، والولايات المتحدة الأمريكية تدرك هذه الحقيقة ولكنها تستمر بالمراوغة لكسب أكبر فترة زمنية ممكنة في تأخير الهجوم لأسباب قد تكون مجهولة.

Leave a comment