قوات سورية الديمقراطية الهيكل التنظيمي والرؤى الاستراتيجية

قوات سورية الديمقراطية الهيكل التنظيمي والرؤى الاستراتيجية

تم الإعلان في السادس من أيلول 2018 م عن الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا ، خلال اجتماع تم عقده يوم الخميس 6 أيلول  2018م في مقر مجلس سوريا الديمقراطية بناحية عين عيسى التابعة في إقليم الفرات، وتتألف  الإدارة المذكورة إضافة إلى إقليم الفرات من الأقاليم والمناطق التالية (إقليم الجزيرة – إقليم عفرين – الرقة – الطبقة ودير الزور)

المقدمة

تم الإعلان في السادس من أيلول 2018 م عن الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا ، خلال اجتماع تم عقده يوم الخميس 6 أيلول  2018م في مقر مجلس سوريا الديمقراطية بناحية عين عيسى التابعة في إقليم الفرات، وتتألف  الإدارة المذكورة إضافة إلى إقليم الفرات من الأقاليم والمناطق التالية (إقليم الجزيرة – إقليم عفرين – الرقة – الطبقة ودير الزور)

 طرحت مطلع العام الجاري مجموعة من البنود قالت إنه سيتم التفاوض عليها مع النظام السوري خلال المفاوضات التي ستعقد بين ممثلي الطرفين منها أن ما يعرف بـ”قوات سوريا الديمقراطية ” التي تم  الإعلان عن تأسيسها  في مدينة القامشلي، شمالي سوريا في 10 تشرين الأول 2015م وتبسط سيطرتها حاليا على مساحة  (27.84%) من سورية؛ هي جزء من الجيش السوري، والمسؤولة عن حماية الحدود السورية.

وجدت قوات سورية الديمقراطية نفسها إلى أن تم انتهاء مهامها الأساسية التي شُكلت من أجلها وهي تقديم الأسلحة لها من قبل التحالف الدولي بقيادة واشنطن بهدف محاربة تنظيم “داعش” في منطقة شرق الفرات؛ عدة مرات أمام مفترق طرق بسبب مخاوف التخلي عنها، وعَكس ذلك ما أدلى به ألدار خليل مسؤول العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية، في مقابلة مع “فرانس برس” في باريس: “تلك الدول لديها التزامات سياسية وأخلاقية، وإذا لم يفوا بها فهم يتخلون عنا[1]“، وتذكيرها المستمر بالخطر الدائم لتنظيم داعش والتحذير من محاولات تجميع صفوفه بعد قرار أمريكا أواخر العام 2018م بسحب قواتها من سوريا، وهو القرار الذي وصفته قوات سوريا الديمقراطية بأنه “طعنة في الظهر وخيانة لدماء آلاف المقاتلين”، وإعلانها مؤخرا عن تشكيل المجالس العسكرية في المدن والبلدات التي تخضع لسيطرتها جزءا من تلك المخاوف حول مستقبلها في ضوء ما تشهده المنطقة من تطورات، خاصة أن تشكيل تلك المجالس جاء بناء على أوامر امريكية لإشراك العرب في السلطة بناء على طلبهم[2].

لا شك أن قوات سورية الديمقراطية “قسد” تنامت قوتها بشكل كبير في السنوات الأخيرة، مع استمرار وصول التعزيزات العسكرية لها المكونة من وقود ومعدات عسكرية ثقيلة “ناقلات جنود ومدافع هاون ورشاشات”  ولوجستية وآليات، وباتت أقرب إلى جيش نظامي من ناحية الحجم والانتشار والتسليح ونظام التجنيد الإجباري، وعدد يصل إلى قرابة /60/ ألف مقاتل حسب تقديرات أمريكية.

تأتي أهمية هذه الورقة من كونها تناقش واحدة من أبرز التشكيلات العسكرية التي تُعبر عن واحد من مكونات المجتمع السوري من وجهة نظرها وبصرف النظر عن دوافعها وأسبابها في التسلح، ويمكن للإدارة الذاتية من خلالها أن تحقق ما ترسم له من خطوات سياسية،  من خلال استعراض هيكليتها الحالية وأبرز الفرص والتحديات التي من الممكن أن تحدد مستقبلها.

أولا: الهيكل التنظيمي لقوات سورية الديمقراطية

تأتي أهمية الهيكل التنظيمي لمؤسسة ما إلى أنه يشبه إلى حد كبير الهيكل العظمي للإنسان كونه يمسك بالأنظمة الفرعية، وبدونه تبقى الأقسام المختلفة مجرد وحدات منعزلة عن بعضها، كما أنه يعمل على تحقيق أهداف المؤسسة خاصة إذا ما تحلى بالمرونة التي تجعله قادرا على استيعاب التعديلات التنظيمية المستمرة تبعا للمتغيرات الداخلية والخارجية، وهو ما اتسمت به قوات سورية الديمقراطية التي جعلتها إلى جانب وضوح هدفها ومهامها “محاربة الإرهاب بناء على طلب واشنطن”، وديمومة الدعم الدولي المقدم لها قادرة على الانتقال بالتدريج من الفصائلية التي بدأت بها عملها إلى العمل المؤسساتي المنظم إن استمرت الشروط التي رافقت تأسيسها وتطورها، ويبدو أن قسد وفق هيكلها التنظيمي الموضح أدناه الذي يهدف إلى القيام بمهام عسكرية قتالية، ولوجستية وأمنية:

1 – القيادة العامة: ومنها تصدر كافة الأوامر والتوجيهات إلى كافة المكونات والجهات المعنية، ويقع على رأسها (مظلوم عبدي الذي انضم إلى حزب العمال الكردستاني عام 1990م، وعمل في مكتب عبد الله أوجلان في سورية، وعمل في هكاري جنوب تركيا ونشط أيضا في العراق، وشغل عدة مناصب في الحزب منها مسؤول القوات الخاصة، وتصنفه تركيا واحدا من أخطر الإرهابيين، وظهر في الأول من تموز في أوربا لتوقيع اتفاقية تنهي تجنيد الأطفال ضمن صفوف قواته[3]، الأمر الذي اعتبرته أنقرة انتهاكا من قِبل الأمم المتحدة لكافة القرارات التي اتخذتها حيال مكافحة الإرهاب.)

2 – إدارة الدفاع الذاتي “شؤون الدفاع أو هيئة التجنيد الإجباري”: وتهتم بشؤون التجنيد الإجباري، وتتابع سير العمليات العسكرية، ويتبع لها أفواج وألوية تضم المتطوعين.

3 –  الأيالات والأفواج والألوية التابعة لقيادة العامة لقوات سورية الديمقراطية، والأيالة تعني من الناحية الإدارية منطقة “أيالة مركدة مثلا” ويتبع لكل آيالة خمسة أفواج يسمى الفوج على اسم واحد من القتلى الذين سقطوا في معارك قسد “فوج قورشين”. ويطلقون على سورية بشكل عام اسم الساحة بمعنى هناك “ساحة سورية وأخرى عراقية وأخرى تركية..”

 4 – إدارة الأمن العام: وتضم قوات الأسايش، وقوات الأمن العام، وقوات مكافحة الجريمة المنظمة والجنائية، وقوات النجدة، وتعمل على تنفيذ الحفاظ على النظام العام والسلم الأهلي والأمن الاجتماعي، والحفاظ على المؤسسات المدنية وحماية الممتلكات العامة والخاصة للمجتمع والعديد من مهام المرور والأمن والمداهمات

 5 – إدارة شؤون عوائل الشهداء ويعمل على تقديم الخدمات الاجتماعية والتعليمية والمالية لأسر وذوي القتلى من قوات سورية الديمقراطية “قسد”. 

6 –  إدارة اللوجستيك العام تقوم على تأمين كافة المستلزمات اللوجستية للمقاتلين من الأثاث اللازم كالأسرة والأغطية والوسائد، و المواد التموينية والغذائية من الأطعمة المعلبة واللحوم والخضار والفواكه وغيرها  على كامل جغرافية الشمال السوري.

7 –  قيادة الاكاديميات العسكرية: ويتبع لها كافة المعسكرات والأكاديميات التي من شأنها تدريب العناصر الملتحقين بجميع الاختصاصات العسكرية وبما يتناسب والمهام التي ستوكل لهم “تأهيل قيادين – قنص – فك وهندسة الألغام”، وتعتبر أبرز تلك المعسكرات والأكاديميات معسكرات التدريب التي أقامتها “قسد” في مقر الفرقة ١٧ شمالي مدينة الرقة، و معسكر قرية المحمودلي غرب الرقة، معسكر “صباح الخير” جنوب مدينة الحسكة ، و”أكاديمية الضباط العسكريين ” في عامودا، والأكاديمية العسكرية قرب مدينة عين العرب “كوباني”، والأكاديمية عسكرية في قرية الكنطري بمحافظة الرقة. وأكاديمية الشهيد بروسك من معسكرات التدريب في مدينة الشدادي (60كم جنوب الحسكة)، شمالي شرقي سوريا، و أكاديمية “الشهيدة سارية روناهي”، وأكاديمية ” الشهيد فياض الشبلي”، و أكاديمية “الشهيدة لورانس”، و أكاديمية الشهيد نضال يوسف بكبكا، كما افتتحت أكاديمية تعليمية لمصابي الحرب في محافظة الحسكة الخاضعة لسيطرتها، في 11 آب 2017م، تحت مسمى “الشهيدة فيان كوباني”، للعناية بمصابي الحرب من مقاتليها[4]. وتستوعب تلك المعسكرات في الدورات التي تعلن عنها الفتيات ولا تقتصر على الذكور، كما يتلقى المتدربون فيها دروسا سياسية وفكرية حول فكر عبدالله اوجلان والأمة الديمقراطية و حقوق الأفراد وحقوق المرأة، وهي رغم اختلاف تسمياتها إلا أنها تشترك في المضمون الفكري والعسكري[5].

  8 – الاستخبارات العسكرية: لا تتوفر الكثير من المعلومات عن الجهاز المذكور ضمن قوات سورية الديمقراطية، ويتخذ من مدينة المالكية مركزا لقيادتها، وكان يقودها قبل عامين د.باهوز اردال[6]، إلا أن مقارنة عابرة بين المهام الملقاة على عاتقه ويعلمها أصحاب الاختصاص، والواقع التي تعمل على تنفيذه قسد لضبط الأمن أو مكافحة الإرهاب سابقا “المواجهة مع داعش” من خلال الاهتمام على القوة العسكرية، في وقت يعتمد فيه لنزع فتيل الإرهاب بالدرجة الأولى على مدى القدرة على جمع المعلومات الصحيحة والدقيقة، والكفيلة بمنع وقوع الهجمات ومكافحة الإرهاب، تُظهر محدودية دوره وتأثيره. إلا أنه مع انتهاء المعارك ضد داعش ازداد نشاطه الموجه ضد العاملين من أبناء المنطقة مع فصائل الجيش الحر سابقا، والتحقيق معهم.

9 – الشرطة العسكرية؛ رغم أنها جهاز من أجهزة الجيوش وتعمل على حفظ الأمن والانضباط في صفوف القوات المسلحة ووحداتها، إلا أنها في قسد تختصر مهمتها بإلقاء القبض على المطلوبين وفق قانون التجنيد أو الخدمة الإلزامية تحت مسمى “واجب الدفاع الذاتي” في مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية” في شمال شرقي سوريا.

 10 – ورش الإصلاح والتعدين: يشرف عليها رجل تركي الجنسية، وآخر إيراني و كلاهما من الكرد، وتمتد على مساحة هكتارين كانت سابقا ورش صيانة لآليات الشركة السورية للنفط، ويعمل فيها بحدود /200/ موظف من كافة الاختصاصات ينتقلون بباصات خاصة بهم، وتنقسم هذه الورش على نوعين:

أ – ورش اصلاح الأسلحة والتصفيح، وتقوم بإصلاح الدبابات والمدرعات المعطوبة و الأسلحة الخفيفة، وتعد ورشة الحدادة وهي أكبر الورش وتتضمن إعادة الهيكلة والتصفيح، ويتم فيها تصفيح السيارات وتحويلها إلى مدرعات، إضافة إلى ورشة السلاح الثقيل والخفيف حيث يتم إصلاح وإعادة تأهيل الأسلحة المعطوبة من دبابات ومدرعات وتركسات، والقيام ببعض التعديلات على الأسلحة المستهلكة

ب – ورشة إصلاح السيارات (كهرباء دوزان ميكانيك اطارات)

11 – المجالس العسكرية التي أعلنت عن تشكيلها أواخر حزيران 2019م في مدن وبلدات خاضعة لسيطرتها بينها “تل أبيض، الطبقة، الرقة، عين العرب “كوباني”، الهول في ريف الحسكة، القامشلي”. إضافة إلى المجالس العسكرية السابقة في “منبج، الباب، جرابلس، دير الزور العسكرية”.

12 – حرس الحدود والقوات الخاصة التي جاءت في إعلان قائد قسد مظلوم كوباني عن تشكيل المجالس العسكرية، وخصصت لها وزارة الدفاع الأمريكية في ميزانية عام 2019م مبلغ /250/ مليون دولار لدعم قوة أمنية حدودية تديرها القوات[7].

ثانيا: قراءة في الهيكل التنظيمي للقوات

إن الهيكل التنظيمي الوارد أعلاه لا يمكن اعتباره رسميا، وما تم عرضه هو من مصادر محلية ومن خلال الرصد والمتابعة الإعلامية، بهدف تسليط الضوء على آلية الوقوف على تنفيذ الإجراءات الإدارية والميدانية لتلك القوات، وأن البنى والهياكل الواردة فيه لا يمكن اعتمادها بشكل نهائي، ومرد ذلك التكتم الإعلامي الشديد للقوات الذي يتعلق بنوع الأسلحة المقدمة لها من الجانب الأمريكي والبنية التنظيمية لها التي تصرح بأجزاء منها وفق مقتضيات المصلحة والبروباغندا التي تديرها الماكينة الإعلامية التابعة لها، وعليه يمكن الوقوف على مجموعة من النقاط التي تتعلق به وتقييمه، أهمها:

أ –   يسعى البناء التنظيمي إلى تحقيق جملة من الأهداف يعتبر أبرزها العمل على تقليص الاختلافات بين الأفراد إلى أدنى درجة ممكنة، وضمان التزامهم بمتطلبات ذلك، وهو ما لم يتحقق في قسد. حيث كشف الناطق الرسمي السابق باسم “قوات سوريا الديمقراطية”، طلال سلو أن الولايات المتحدة هي التي تديرها، وكل ما يجري كان عبارة عن مسرحية حتى ولو جرت انتخابات، كما كشف أن التحالف العربي الذي تم تشكيله أثناء عمليات تحرير الرقة بطلب من المبعوث الأمريكي للتحالف الدولي ضد داعش  بريت ما كغورك حمل اسم العرب إلا أنه لم يملك شيئا، وكانت مهمته تَسلم الأسلحة دون أن توزع على العرب والتركمان والسريان، وذلك من أجل عدم ظهور حقيقة وصول هذه الأسلحة إلى (PKK)، ولا وجود عن لوحدة المكونات الخاصة بقسد، وأن المكون الأساس هو الكرد، والقيادة الأساسية التي تمتلك كل القرارات هي قيادة (PKK) [8]. ناهيك عن حملات التطهير العرقي الذي تقوم به قوات حماية الشعب العمود الفقري لقوات سورية الديمقراطية ضد العرب السوريين في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وهو ما كشفت عنه صحيفة التايمز البريطانية في 1 من حزيران 2015م. وبذلك تدلل قسد على أن الشعارات التي رفعتها أرادت من خلالها التأثير على تفكير المواطن الموجود في تلك المناطق والإيحاء بأن قوات “قسد” لديها قوات محررة وقوات تعمل على القضاء على الإرهاب وقوات ستجلب للمواطن الحرية والكرامة والعدالة والمساواة.

ب – اعتماد مبدأ المركزية[9]؛ في قيادة الوحدات والمستويات التنظيمية الأدنى، ونخص بالذكر هنا الوحدات الميدانية والمجموعات العسكرية المقاتلة، وكان لذلك أثر  ذو منحيين:

الأول: إيجابي وضروري للعمل العسكري، مكنها من اتخاذ القرار المناسب في جميع المراحل التي مرت بها، فمثلا أعلنت عن وقف عملياتها العسكرية مؤقتا ضمن المعركة التي أطلقت عليها “دحر الإرهاب “ضد مواقع تنظيم “داعش” بريف دير الزور الشرقي، بسبب الهجمات التركية  على مواقعها التي استهدفت معبر مدينة تل أبيض الحدودي، ما أدى إلى مقتل أحد حراس المعبر وإصابة آخر[10]. كما أن الواقع يشير إلى أن “قسد” قاتلت داعش كفصائل بناء على أوامر عمليات واحدة تصدر من المركز الذي يسيطر عليه اسميا مجلس قيادة قوات قسد، وعمليا يسيطر عليه كوادر PKK وفي مقدمتهم مظلوم عبدي، إضافة إلى فريق الخبراء الأمريكي الذي قاد العمليات ضد تنظيم “داعش”.

الثاني: سلبي يعكس عدم إيمانها لما تدعو إليه من لا مركزية إدارية، وجعلت مهمة الوحدات الأدنى تنحصر في تنفيذ القواعد والضوابط التي وضعتها القيادة العليا، دون أن يكون لتلك الوحدات والوظائف أدنى درجات صلاحيات التقدير والتصرف المستقل.

ج – تتسم قوات سورية الديمقراطية بالمرونة التنظيمية، بصرف النظر عن العوامل الخارجية التي تساعدها في تحقيق ذلك. وهو ما حقق لها التكيف الاستراتيجي بدءا من تأسيسها بهدف تقديم الدعم للأكراد من خلال غطاء ضم المقاتلين الكرد والعرب والتركمان والسريان والأرمن في صفوفها، مرورا بمحاربة داعش والقضاء على الإرهاب وصولا إلى طلب التفاوض مع النظام السوري وفق شروطها، والبدء بتشكيل قوات حرس الحدود في ضوء ما يتم تحضيره للمنطقة التي تسيطر عليها خلال المفاوضات الجارية بشأنها بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية.

د – تتشكل القوات المسلحة من مثلث تتألف أضلاعه الثلاث من (الوحدات القتالية – التأمين الفني والإداري – التدريب القتالي والمعنوي)، ورغم توفر هذه المكونات إلى حد ما في الهيكل التنظيمي لقوات سورية الديمقراطية “قسد”، إلا أنه مفرغ من توزع السلطة فيه على درجات متعددة بين القاعدة والهرم، وكانت المناطق تدار عسكريا وفق ما كشفة العقيد طلال سلو من شخصيات مقربة من قيادة  (PKK)، وتتلقى التعليمات منها، فمثلا تدار المنطقة من منبج ـ كوباني حتى نهاية الجزيرة السورية من قبل خليل تفدام، ويكسبون الأموال من التهريب والرشاوى وتلبى كافة متطلباتهم وهو ما أدى إلى ظهور حالات الفساد.    

ھ – غياب العقيدة العسكرية التي تهدف إلى تعزيز التفكير الإبداعي داخل المؤسسة العسكرية لإيجاد حلول غير نمطية في مواجهة المواقف القتالية والتحديات المتعددة، بالإضافة إلى إمدادها المؤسسات العسكرية بأساليب قيام القوات المسلحة بتنفيذ العمليات المختلفة ووضع دستور محدد يستخدمه القادة العسكريون وواضعو الخطط القتالية أثناء إدارتهم للمعارك. بل إن تذبذب تلك العقيدة المتمثلة بوقوف قوات سورية الديمقراطية في صف الثورة السورية، وضد استبداد نظام الأسد وفق ما قالته ممثلة الإدارة الذاتية الديمقراطية في أوروبا، سينم محمد[11]، ثم عرض تلك القوات خلال تفاوضها مع النظام السوري أن تكون جزءا من جيشه، وإعلانها التفاوض مع تركيا يجعلها تندرج تحت إطار العقيدة التنظيمية الذي يُعد أضيق أنواع العقيدة العسكرية إطارًا مقارنة بالمستويين الأعلى منه “العقيدة الأساسية – العقيدة البيئية” ، وكذلك هو أكثر أنواع العقيدة العسكرية تغيرًا، نظرًا لتأثرها الكبير والمباشر بالتطورات التقنية والخبرات والتجارب الفعلية والتدريبية المستمرة[12]. وذلك يدل على عدم تطور تلك القوات أن تكون جيشا أو جزءا منه.

ثالثا: قوات سورية الديمقراطية؛ الاتفاق في الأسلوب والاختلاف في الرؤية الاستراتيجية

تتفق فصائل المعارضة السورية الفاعلة على الأرض مع قوات سورية الديمقراطية في اعتماد التسلح والعسكرة مع تنامي الاستخدام المفرط للقوة من قبل النظام في سبيل تحقيق أهدافها، إلا أن الأخيرة استطاعت استخدام تنظيم “داعش” في التسويق لنفسها لدى التحالف الدولي الباحث عن عنصر بري سوري “معتدل” يقوم بالمهام القتالية الميدانية، معتبرا الصحفي أحمد خورشيد أن تسابق روسيا وأمريكا للتعاون معها ما هو إلا دليل على قناعتهما بأن قسد هي القوة الوحيدة التي تستطيع دحر الإرهاب نظرا لوجود مشروع سياسي لديها وعقيدة قتالية لا تقل عن عقيدة أي جيش وطني حقيقي[13]، وبالأخص بعد فشل الألوية الأخرى التي دعمتها الغرب وتركيا وعدم استطاعتهما في الحفاظ على الأراضي المحررة سواء تجاه داعش أو النظام. وجيش سوريا الجديد كانت آخر محاولة لها بعد دعمها له بكافة أنواع الأسلحة الثقيلة المتطورة.

مع إعلان قوات سورية الديمقراطية القضاء التام على ما يسمى بالخلافة وخسارة التنظيم لأراضي سيطرته بنسبة مئة في المئة بتاريخ 23 آذار2019م،  تحولت إلى شريك فاعل وبارز في الحرب العالمية على الإرهاب، والورقة الأصعب على الساحة السورية ، من خلال ما عملت عليه من تحسين لموقفها العسكري والاقتصادي والاجتماعي على الأرض،  الذي مكنها من طرح رؤيتها على طاولة المفاوضات حول مستقبل المنطقة والترويج لها بقوة، وهي ما باتت تعرف بالبنود العشرة، التي تضمنت الاحتفاظ بخصوصية تلك القوات “قسد” باعتبارها الخط الأحمر الذي لا يمكن التنازل عنه[14]، ولها الحق في استمرار حماية المنطقة. واعتبار الإدارات الذاتية كجزء من النظام، ولها ممثلون في البرلمان السوري في المركز دمشق، إضافة إلى تمحورها حول مختلف قضايا الحياة والتعليم واللغة والدفاع الوطن والاندماج الحقيقي مع الدولة السورية تحت راية العلم السوري الموحد وسوريا الموحدة[15].

تسعى قوات سورية الديمقراطية الاستثمار فيما تم الوصول إليه والتعامل ببراغماتية مطلقة مع كافة الأطراف لتطبيق الفيدرالية على كافة الأراضي السورية، والعمل نحو سوريا لا مركزية ديمقراطية تعددية، من منظورها، وهي بذلك تقع في طرف مغاير تماما لما تسعى إلى تحقيقه الغالبية العظمى من مجتمع الثورة السورية “العسكري والسياسي” والذي يتمثل بتحقيق هدفين رئيسيين الأول يتعلق بالحريات العامة وتداول السلطة، والمواطنة والمساواة، والثاني يتعلق بالناحية المعيشية والارتقاء بها، إلا أن هيمنة الجانب الأمريكي يمنعها من المضي قدما في سبيل تحقيق ذلك،  حيث هدد قائد قوات التحالف ضد “داعش”، بقيادة أميركا، بول لاكاميرا، بأن الولايات المتحدة ستضطر لوقف مساعداتها العسكرية إلى “قوات سورية الديمقراطية” في حال تحالف مقاتليها مع الأسد أو روسيا، وسيتم قطع العلاقة معهم إذا حدث ذلك[16]. واعتبر المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا “جيمس جيفري” في جلسة لمجلس النواب التابع للكونغرس الأمريكي أن العلاقة مع قوات قسد تندرج تحت إطار الشراكة العسكرية في محاربة تنظيم الدولة إرساء الاستقرار في المنطقة،   وأن أمريكا لا تعمل مع قوات سوريا الديمقراطية على أي مشروع حول المستقبل السياسي (للأكراد السوريين)

رابعا: تحليل نقاط القوة ونقاط الضعف والفرص والتهديدات

 

الخاتمة

يؤكد الباحث السياسي السنغالي “جوبيتر ندياى” على  أنه أينما توجد حركات انفصالية توجد دول منافسة تقدم الدعم لها لأسباب تتعلق بالمكانة والموقع الجيو سياسي من خلال سياسة الإرشاد والدعم المالي والعسكري واللوجيستي.  ويرى الباحث أيضا أن مبدأ تحقيق المصير والذى يعني حق السكان الأصليين أن يقرروا شكل السلطة التي تحكمهم، يعتبر “منفذ” تستخدمه القوى الكبرى لتقسيم الدول وتفتيتها، في مقابل مبدأ آخر يعتبر أكثر عقلانية بحسب وصف الباحث وهو الحكم الذاتي، وفى حصول الإقليم على صلاحيات سياسية وإدارية واسعة منها انتخاب الحاكم وتمثيل في البرلمان يضمن حق التمثيل.

في سبيل ذلك تلقت قوات سورية الديمقراطية أسلحة ثقيلة من الولايات المتحدة من بينها ناقلات جنود ومدافع هاون ورشاشات ثقيلة إلى جانب الذخيرة، بالإضافة لتلقيها الاستشارة من قوات امريكية على جبهات القتال اضافة الى الدعم الجوي من قبل الطيران الأمريكي خلال المعارك ضد تنظيم الدولة،  رغم المعارضة الشديدة من قبل تركيا التي ترى أن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا ليس سوى الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني. وحزب العمال الكردستاني والتنظيمات المرتبطة به مصنف كمنظمة إرهابية لدى كل من أمريكا والاتحاد الأوربي وتركيا، ويهدف إلى: السيطرة على حزام مسلح متصل على طول الحدود السورية – التركية وتأسيس ما يسمى إدارة ذاتية تتكون من المجتمعات المحلية الكردية وغير الكردية على حد سواء.

[1] العربي الجديد – أمين العاصي – خيارات صعبة لقسد:استجاد بفرنسا بعد الفيتو الأمريكي

[2] مقابلة بحثية مع المقدم عبد الله النجار المنشق عن شعبة الأمن السياسي – فرع الحسكة.

[3] عنب بلدي – الجنرال مظلوم أبرز المطلوبين لأنقرة يطل من أوربا

[4] عنب بلدي – قسد تفتتح ثلاث دورات جديدة لتدريب العسكريين

[5] مقابلة بحثية مع المقدم عبد الله النجار المنشق عن شعبة الأمن السياسي – فرع الحسكة.

[6] المرجع مكرر “رقم 5”

[7] عنب بلدي – قسد المجالس العسكرية استراتيجيتنا الجديدة

[8] زمان الوصل –  حكاية تشكيل “سوريا الديمقراطية” بالتواريخ والأشخاص..النص الكامل لحديث “طلال سلو”

[9] – وحدة تحليل السياسات في مركز أسبار للدراسات – التحديات التي تواجه الإدارة الذاتية وقوات سورية الديمقراطية – الاتحاد برس

[10] عدنان الأحمد – العربي الجديد – قسد تعلن وقف عملياتها ضد داعش شرق الفرات

[11] – المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام – الخارطة العسكرية للفصائل المسلحة في سورية – قوات سورية الديمقراطية (3)    

[12] – د. محمد عبد الرحمن عريف – الميادين – كيف تحدد العقيدة العسكرية للدولة؟

10 – المرجع مكرر – رقم 8.

11 – عربي 21 – قسد تكشف شرطها الأساسي لأجل الاتفاق مع نظام الأسد

12 – سبوتنيك عربي – قسد” تقترح أن تكون جزء من الجيش السوري… وتطالب بتوزيع الثروة بشكل عادل

[16] العربي الجديد – خيارات صعبة لـ”قسد”: استنجاد بفرنسا بعد الفيتو الأميركي – أمين العاصي

Comments: 5

  • […] وجدت قوات سورية الديمقراطية نفسها إلى أن تم انتهاء مهامها الأساسية التي شُكلت من أجلها وهي تقديم الأسلحة لها من قبل التحالف الدولي بقيادة واشنطن بهدف محاربة تنظيم “داعش” في منطقة شرق الفرات؛ عدة مرات أمام مفترق طرق بسبب مخاوف التخلي عنها، وعَكس ذلك ما أدلى به ألدار خليل مسؤول العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية، في مقابلة مع “فرانس برس” في باريس: “تلك الدول لديها التزامات سياسية وأخلاقية، وإذا لم يفوا بها فهم يتخلون عنا[1]“، وتذكيرها المستمر بالخطر الدائم لتنظيم داعش والتحذير من محاولات تجميع صفوفه بعد قرار أمريكا أواخر العام 2018م بسحب قواتها من سوريا، وهو القرار الذي وصفته قوات سوريا الديمقراطية بأنه “طعنة في الظهر وخيانة لدماء آلاف المقاتلين”، وإعلانها مؤخرا عن تشكيل المجالس العسكرية في المدن والبلدات التي تخضع لسيطرتها جزءا من تلك المخاوف حول مستقبلها في ضوء ما تشهده المنطقة من تطورات، خاصة أن تشكيل تلك المجالس جاء بناء على أوامر امريكية لإشراك العرب في السلطة بناء على طلبهم[2]. […]

  • Leave a comment