ملامح الثقافة العسكرية عند السوريين (مشاهد وتجارب)

Tags:

تبنت أغلب الدول العربية منذ استقلالها مفهوم العسكرة “عسكرة المجتمع” كاستراتيجية تعبوية، خاصة أن استقلالها جاء حصيلة حروب ضارية وثورات مسلحة على محتليها، وعلى الرغم من وجوب انتهاء هذه الحالة بانتهاء الحالة الموجبة لها نظرا لثقلها على المجتمع المدني، إلا أنها استمرت وأصبح حاكم الدولة هو القائد العام للمنظومة العسكرية لأنها هي من أوصلته إلى سدة الحكم، لذلك حولها من مؤسسة مهمتها تأمين الحماية للدولة والمجتمع من أي خطر خارجي، لأداة بيده وظيفتها قمع الشعوب ووأد الحريات، مما ترك كثيرا من التداعيات على بنية المجتمع، أخطرها تراجع هيبة القانون والقضاء على حساب الوظائف العسكرية والأمنية، وهو ما برز بوضوح في سورية.

مقدمة

شعر الإنسان منذ مراحله الأولى بالحاجة إلى معرفة الطريقة والأسلوب الأنسب للحياة في عالمه، أدى به بالمحصلة دورا بدائيا في تعميم الخبرة الاجتماعية والمعرفة ومن ثم إلى تراكم الخبرات والتجارب عبر المراحل التاريخية ، والتي أطلق عليها لاحقا “الثقافة”، وأصبحت أحد القيم البنيوية الأصيلة في التكوين المعنوي البشري تتطور مع تقدم الكائن البشري لكنها لا تزول باعتبارها تجربة صرفه “للـنوع الإنساني” وإن كانت مختلفة بتفاعلها حسب واقع الزمان والمكان، كما تعمل على إحداث التوازن في العقل البشري القلق الذي تسببه آليات التساؤل والاستفسار، وتعد الهوية التي تميز جماعة من الناس كتعبير عن وجودهم وفق أسلوب معين يميزهم عن الجماعات في زمن محدد وتتداخل مع أسلوب حياتهم ونظامهم، 

تعد المراحل التاريخية واحدة من أهم العوامل التي تحدد الوعي الجمعي لمجتمع ما، وبما أن سورية هي إحدى دول التأثير على مدى التاريخ فقد ارتبط تاريخها بمراحل التطور التي مرت بها الأمة العربية منذ القدم وحتى الآن، ففي عام 1918م دخلت إلى دمشق القوات العربية التي أعلنت الثورة العربية الكبرى منهية 400 عام من حكم الدولة العثمانية، وفي 8 آذار 1920م تم إعلان استقلال سوريا وتتويج الأمير فيصل ملكا عليها، فقد رأى ضرورة العمل على تشكيل جيش وطني مدرب، عهد بمهمة تشكيله للضابط السابق في أركان حرب الجيش العثماني يوسف العظمة، قام العظمة بالمهمة وأسس جيشاً وطنياً سوريا قارب تعداده 10.000 مقاتل، وكان أول جيش وطني سوري قيادةً وتشكيلاً. لم يطل الأمر فقد دخلت القوات الفرنسية دمشق بعد أن رفض قائد الجيش يوسف العظمة قبول إنذار  غورو ، حيث تضمن قبول الانتداب الفرنسي وحل الجيش، وصمم على مواجهة القوات الفرنسية المتقدمة إلى دمشق، في منطقة ميسلون  في 24 تموز 1920م،  واستشهد ومن معه في تلك المعركة[1]، ودخلت القوات الفرنسية دمشق لتنهي الدولة الوطنية، وتنهي معها الجيش الوطني السوري الأول في تاريخ سوريا، وفي العام 1925م أعلنت الثورة السورية الكبرى ضد الانتداب الفرنسي بقيادة سلطان باشا الأطرش في مدينة السويداء، وامتدت لتشمل دمشق وغوطتها وشمال سورية والمنطقة الشرقية، في سنة 1936م وافقت فرنسا على منح سوريا استقلالاً جزئياً، ووقعت معاهدة بين البلدين تنص على منح سوريا استقلالاً منقوصاً، إلا أن فرنسا تنصلت من بنود المعاهدة بسرعة، وفي عام 1941م سيطر الحلفاء على سوريا، وفي 29 أيار 1945م قصفت فرنسا مبنى البرلمان السوري في دمشق ردا على مقاومة السوريين لها، مما أثار المزيد من الاحتجاجات في سوريا والعالم العربي، وانتقلت الأزمة إلى مجلس الأمن الدولي الذي طالب بجلاء القوات الفرنسية عن البلاد. في 17 نيسان 1946م.

تميزت مرحلة ما بعد الاستقلال بعدم الاستقرار السياسي. حيث أُعلنت دولة إسرائيل في عام 1948م على أرض فلسطين العربية وتشكل جيش الإنقاذ للدفاع عن فلسطين وانخرطت فيه سورية جيشاً وشعباً، حيث توافدت أفواج المجاهدين من جميع أنحاء سورية عندما فتح باب التطوع لإنقاذ فلسطين بقيادة فوزي القاوقجي[2]،وفي تموز 1949م كانت سوريا آخر الدول العربية التي وقعت اتفاقية هدنة مع إسرائيل في عهد حسني الزعيم، في عام 1957 كادت الخلافات بين سوريا وجارتها تركيا أن تصل إلى حد المجابهة العسكرية، فقد حشدت تركيا قواتها على الحدود مهددة بغزو سوريا، وبتاريخ 28 أيلول1961م أعلن الجيش السوري فصم الوحدة و الانفصال عن الجمهورية العربية المتحدة، أضف إلى ذلك أن سورية عرفت أعلى معدلات العنف سبيلا إلى تغيير السلطة السياسية بالقوة وسيطرة النمط الانقلابي على الحياة السياسية فيها طوال فترة الأربعينيات والخمسينيات والستينيات حتى وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970م وعمل على فرض العسكرة بثقافتها وسلوكياتها وعممها كأسلوب تفكير لدى المجتمع السوري ككل، وتميزت الفترة بين عامي 1948م و1958م ببروز العسكرة على الساحة السياسية، وتحكمها بالقرار السياسي والحكم، واستمرت هذه الظاهرة بنسب متفاوتة فيما بعد.

خلّف كل ذلك إرثا عسكريا في البنى الفكرية للمجتمع السوري جعله متأهبا بشكل دائم لاعتماد العمل العسكري إن فشل في تحقيق أهدافه من خلال العمل السياسي.

نسلط الضوء في هذه الورقة على ملامح الفكر العسكري لدى أبناء الشعب السوري، وما هي أهم الجوانب التي حاول نظام الأسد الحاكم من خلالها ترسيخ العسكرة، وكيف أثرت المعرفة العسكرية على سلوك السوريين خلال ثورتهم، وكيف تم توظيفها؟

مصطلحات الدراسة

  • الملامح: ما يظهر من أوصاف الوجه ومن مظهر الإنسان العام، وتدل على أنماط السلوك التي يكتسبها الإنسان من المجتمع المحيط به معبرة عن سلوكياته وعادات تفكيره، كون السلوك تعبير عن التفاعل الحاصل بين الكائن الحي ومحيطه وهو كل ما يفعله الإنسان ظاهراً كان أم غير ظاهر.
  • الثقافة العسكرية: تعرف الثقافة بالمعنى العام بأنها واحدة من الأساليب “المحكمة” التي تنوعت وتلونت لفهم وممارسة الحياة الاجتماعية للعيش ضمن الجماعة في هذا العالم. ومنظومة الرموز الخاصة بالجماعة ذات الدلالة اللاشعورية المبهمة أحيانا والواضحة أحيانًا أخرى في صيرورتها مع وقائع العالم[3] وتعني الثقافة العسكرية ما يحمله أفراد جماعة بعينها من معارف وخبرات ومهارات تمكنهم من حمل السلاح واستخدامه وصيانته في الزمان والمكان المناسبين.

أهمية الدراسة

تأتي أهمية الدراسة للوقوف على مدى توظيف الشعب السوري للمعلومات العسكرية والأمنية التي اكتسبها من خلال تأثر الدولة السورية وتأثيرها في الأحداث السياسية والعسكرية لدول المنطقة كونها جزءا منها، ومنحها الموقع الجيوسياسي درجة متقدمة في دورها المؤثر، من جانب، ومن خلال تطبيقه للقوانين المنصوص عليها في الدستور حيث نصت المادة السادسة والأربعون من الدستور السوري الصادر عام 2012م على:

1 – الخدمة العسكرية الإلزامية واجب مقدس وتنظم بقانون.

2 – الدفاع عن سلامة الوطن وصيانة أسرار الدولة واجب على كل مواطن. يترك هذا البند الباب مفتوحا لإنشاء مظاهر عسكرية متعددة في مؤسسات الدولة وبُناها المدنية. من جانب آخر. مقابل سعي النظام الحثيث وجهده البيِّن لتغيير طبيعة الثورة، بتحويلها إلى ما يستطيع أن يتعامل معه، وإلى ما يعتقد أنه يستطيع التغلب عليه “عسكرة الثورة” بهدف تحويلها إلى صراع مسلح مفتوح على كل النتائج والاحتمالات، كون المواجهة بين طرفين غير متماثلين من حيث عناصر القوة، بين دولة تمتلك جيشا نظاميا، وفصائل عسكرية معارضة تعتمد أساليب حرب العصابات.

كما تأتي أهمية الدراسة من كونها ترصد مجموعة من الإجراءات الإدارية المقوننة بمراسيم تشريعية تؤكد على فرض العسكرة على المجتمع السوري من الهرم إلى القاعدة (تعيين الضباط الأمراء “عميد – لواء” بمناصب مدنية كمحافظ أو أمين فرع أو سفير– سن قانون التدريب الجامعي وإنشاء إدارة خاصة به تتبع لهيئة أركان الجيش السوري – قانون التجنيد العام وغيرها).

أولا: أدوات وأساليب تنميط السلوك العسكري في المجتمع

 تجمع كافة المذاهب العسكرية على أن الفوز بأي صراع هو محصلة لتوظيف عدد من القوى وليس القوة العسكرية فقط، ويتم ذلك التوظيف وفق دراسة وإعداد مسبقين لتأمين الغاية من استخدام القوات المسلحة، وبالتالي فإن إعداد الدولة للحرب لا يقع على عاتق وزارة الدفاع وحدها وإنما يشمل الأجهزة الحكومية كلها، كلّ بقدر تعلق الأمر بموضوع اختصاصه،  فقد ساهمت التطورات والأحداث السياسية والعسكرية في المنطقة العربية على إيجاد التعبئة النفسية الذاتية بهذا الاتجاه، وبما أن إعداد الشعب للحرب من أهم اتجاهات إعداد خطط الحرب، نظرا لارتباطه بالعنصر الإنساني وطبيعته البشرية ولاستخدامه جميع قواه المادية والفكرية والعاطفية الكامنة، وباعتباره الهدف والوسيلة عند الدولة، والضمانة لأي نجاح يتعلق بالتنمية والبناء والحرب والسلام إذا ما أُحسن استغلاله وتوجيهه، انطلاقا من ذلك عمل نظام الأسد على أن يدرك الشعب السوري أن بناء الفرد المقاتل يبدأ بصفة أساسية من القاعدة الشعبية حتى يكون مؤهلاً عسكرياً عند التحاقه بالقوات المسلحة، وأنه يجب إعداد هذه القوة شعبياً ومعنوياً وعسكرياً منذ الطفولة لمواجهة أي عدوان محتمل ضدها، من خلال آليات متعددة تهدف إلى تعزيز عسكرة المجتمع والدولة أهمها:

أ – أدوات وأساليب قانونية وتشريعية:

حيث عمل على تأسيس جهاز متكامل من البُنى والهياكل من أجل السيطرة الفكرية والأمنية والتربوية والإدارية داخل مؤسسات الدولة، فتم تأسس الاتحاد الوطني للطلبة عام 1963 باعتباره منظمة “تعمل على تنظيم الطلبة في الجامعات والمعاهد، وفي عام 1968م تم إنشاء “اتحاد شبيبة الثورة” باعتباره منظمة تربوية سياسية تعنى بتربية الفتية من عمر 12-18 سنة، وتأسيس منظمة طلائع البعث بتوجيه من الرئيس السابق حافظ الأسد وبقرار القيادة القطرية رقم /493/ تاريخ 24/3/1974م، كمنظمات تربوية غير نظامية تعمل إلى جوار المنظومة التربوية الرسمية، وتكمل وظيفتها بإنتاج ثقافة مجتمعية تتمثل بالانغلاق السياسي والثقافي والقمع كسبيل لحسم الاختلاف والصراع والتوتر والتزلف من مراكز السلطة[4].  وقانون خدمة العلم أو التجنيد الإلزامي المنصوص عليه في الدستور، وعلى الرغم من أنها تعد المنبع الرئيسي الذي تستمد منه الدولة عناصر القوة المتمثلة في الشباب. ما يجعل مسألة التجنيد الإلزامي موضع قبول لدى الجميع هو العدل في تطبيقها، إلا أن نظام الأسد عمل على إحكام السيطرة من خلالها على أفراد المجتمع وتنظيمهم، بغية تحقيق خضوعهم الكامل وسهولة انقيادهم وتغليب الأيديولوجيا العسكرية والبروباغندا العنفية الممزوجة بالطائفية في سبيل الحفاظ على رمز وطني واحد في الدولة، وهو الرئيس.

بالإضافة إلى سنه وإصداره لقوانين الاحتياط وتشكيل الجيش الشعبي وإدارة الدفاع المدني وإدارة التعبئة لتسخير كافة القطاعات المدنية الخاصة والعامة لخدمة المجهود الحربي، وارتباطها جميعا بوزارة الدفاع تمويلا وتخطيطا وتنفيذا، وتنفيذ البيانات والمشاريع العسكرية المترافقة مع العسكرة الفكرية وشعاراتها المتعددة كالدفاع المشترك، والصمود والتصدي والمقاومة والممانعة وغيرها من الأمور التي ساهمت في عسكرة الأجيال الصاعدة، متخذا من الاستعداد لمواجهة الخطر الإسرائيلي ذريعة لتبرير ذلك[5].

ب – أساليب تعليمية وتربوية:

استخدم نظام الأسد مناهج التعليم كواحدة من أدوات السيطرة الكبرى لتأصيل مفهوم العسكرة عبر السياسة التعليمية التي تنتهجها المؤسسات التعليمية، وحرصها على ضبط الخط الإيديولوجي مع الخط الوطني التي تعمل على ضرورة تنشئة الجيل تنشئة عسكرية من خلال تخصيص حصص دراسية لمادة طلائع البعث في مرحلة التعليم الابتدائي، ومادة التربية العسكرية في مرحلتي التعليم الإعدادي والثانوي وتعيين مدربين لها، وتعتبر(البزة العسكرية ذات اللون الزيتي) لباسا رسميا موحدا لها، يتعلق الجانب النظري فيها بنظريات الانضباط العسكري وخصائص الأسلحة التي يستخدمها الجيش السوري، وينفذ في القسم العملي منها دروس النظام المنضم وفك وتركيب الكلاشينكوف والرمي، ومادة التدريب العسكري الجامعي في المرحلة الجامعية تشرف على تدريب طلاب الجامعات السورية عسكريا، وتقسيمهم إلى اختصاصات عسكرية (مدفعية – إشارة – مشاة – دفاع جوي…)،ويبلغ تعداد عناصرها العسكريين حوالي ستة آلاف بين ضابط وصف ضابط ومجند[6]،وعلى الرغم من أن مادة التدريب العسكري الجامعي كانت مثار سخرية وانتقاد طلاب الجامعات لهزالتها وقلة فائدتها وللتسيب الغالب عليها، إلا أنها بقيت مادة مرسبة حتى العام 2015م عندما صدر المرسوم التشريعي رقم /39/ تاريخ 17/9/2015، القاضي بإلغاء التدريب العسكري في الجامعات والمعاهد الحكومية واعتبار المادة إدارية غير مرسبة[7].

ج – أساليب تحفيزية وترفيهية:

تعمل على زرع النزعة العسكرية والثورية من وجهة نظر النظام في نفوس الصغار عبر الأنشطة الترفيهية والأناشيد وتنظيم المعسكرات التي تعتمد على التخطيط العسكري في تنفيذ برامجها، كنوبات لجنة الانضباط في المعسكر على سبيل المثال، ومعسكرات الشبيبة والصاعقة التي يعيش فيها الطلاب في ظروف مماثلة للحياة العسكرية من سكن في الخيام وتدريبات تطعيم المعارك، والتأقلم مع الطبيعة القاسية، وتمنح هذه المعسكرات درجات إضافية لمنتسبيها تضاف لدرجة الشهادة الثانوية وتخولهم دراسة اختصاصات جامعية لا يمكنهم بدون تلك الدرجات دخولها، وتتبع للاتحاد مكاتب عسكرية ترتبط بوزارة الدفاع، وبقيت هذه المادة في المدارس السورية حتى العام 2003م، والمعسكرات الجامعية الصيفية التي يتم احتسابها جزءاً من الخدمة الإلزامية فيما بعد، ونوعاً من التجهيز العقائدي للشباب الجامعي[8].

د – أساليب إعلامية:

لم يقف النظام عند فرض المواد التي تحمل في ظاهرها التربية العقائدية والوطنية، بل تعداه إلى الإعلام الذي عمل على الإمساك به ليكون الجسر الذي يعبر من خلاله إلى المواطنين في بيوتهم، وفرض على كل من منظمة طلائع البعث واتحاد شبيبة الثورة والاتحاد الوطني لطلبة سوريا إعداد برامج تلفزيونية وإذاعية تنقل تلك المؤسسات من خلالها فعاليتها ونشاطاتها من خلال برامج سميت بأسماء المؤسسات التي تتبع لها (برنامج طلائع البعث على قناة التلفزيون السوري الرسمية الذي تقدمه منظمة طلائع البعث، بهدف تعزيز بعض المفاهيم الوطنية والقومية[9]– برنامج شبيبة الثورة – مع الطلبة – حماة الديار – صوت القوات المسلحة) كما سخر  آلته الإعلامية لدعوات الاحتياط وضرورة التحاقهم بدورات تدريبية عند سماع رمز معين، أو الدعايات التي تطلب من الراغبين للتطوع في صفوف الجيش كضباط أو صف ضباط في الكليات والمعاهد العسكرية وإلباسها لبوس المدافع عن القضايا العربية والداعي لتحرير الأراضي المحتلة.

ج – الاستمالة والإغراء:

تعيين كبار الضباط بعد التقاعد في مناصب مدنية رئيسية أو عسكرية كمستشارين بهدف استمالتهم وضمان ولائهم من جانب، ولفرض الوصاية العسكرية المطلقة على مؤسسات الدولة منهم على سبيل المثال (اللواء رياض حداد السفير الحالي للنظام في موسكو – اللواء ابراهيم المحمود الذي تم تعينه عضوا في مجلس الشعب عن مدينة الرستن بعد تقاعده – العقيد طلال البرازي محافظ حمص –  اللواء المتقاعد جايز حمود الموسى محافظ الحسكة – سليمان حداد رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشعب)

مع بدء الثورة السورية وتحول أطراف بنيوية من الجيش نحو الثورة من خلال تواتر أخبار انشقاقات العديد من الضباط والجنود من الجيش، شكلوا مع من أراد حمل السلاح من المدنيين ما سمي “حركة الضباط الأحرار” و”الجيش السوري الحر” الذي يعد الخصم الرئيس للحكومة من بين من يسمون “المعتدلين”، أثبتت فصائله إلى جانب المدنيين وحاضنته الشعبية كفاءة عسكرية إذا ما قورنت بحجم الدعم المقدم له[10]، مستفيدة من التعبئة العسكرية للمجتمع على المستوى التنظيمي والتعبوي والفكري، تجلّت في حالات عديدة أهمها:

1 – أدت الخبرات العسكرية للثوار إلى تطوير قدراتهم الهجومية والانتقال من حرب الشوارع إلى حرب تحرير المدن، وتصعيد هجماتهم المنظمة من أجل السيطرة على المطارات (مطار تفتناز – مطار منغ- مطار الجراح – مطار مرج السلطان) ضمن ما يمكن تسميته معركة تحرير المطارات التي أطلقوها، والسيطرة على مواقع استراتيجية (الطريق الدولي الذي يصل حمص بحماة – معسكر الحامدية في ريف إدلب) والعمل على تشكيل اندماجات محددة بتنفيذ عمل ما تحت مسمى غرفة عمليات (غرفة عمليات البنيان المرصوص التي انطلقت بداية العام 2017م في درعا) لتحقيق ما نصت علية الأدبيات العسكرية في مبادئ الحرب ( التعاون – استدامة القوات – الهجوم واغتنام المبادرة)

2 – اعتماد عمليات الكر والفر والتمركز في أماكن غير محددة، مستفيدين من سرعة الحركة وخفتها لعدم امتلاكهم السلاح الثقيل الذي يمتلكه النظام واعتماد مبدأ الهجوم المعاكس، فعندما فاجأت “قوات المعارضة” “قوات النظام” في ريف حمص الشمالي أدى إلى تحرير حواجز كانت بيد “النظام”، كحاجز (القطار والمداجن ومعمل البشكير)وتدمير دبابة ومدفع 23مم، إضافة إلى اغتنام رشاش وإيقاع عشرات القتلى في صفوف “قوات النظام”،  إضافة لاعتماد أسلوب التلغيم وخداع “قوات النظام” بالانسحاب وتفجير الألغام بـ “قوات النظام” عند تقدمها[11].

3 – قتل الشخصيات المؤثرة: حيث يروي  شريف هلال قائد (كتيبة الشهيد نضال هلال في بلدة الدار الكبيرة): أنه بعد دخول حزب الله إلى مقر قيادة الهجانة في الدار الكبيرة في كانون الثاني 2014م، لاحظ مرصدنا أثناء خروج إحدى الشخصيات ودخولها إلى مقر الهجانة حدوث استنفار كبير بين مقاتلي الحزب، مما ساعد على تنفيذ عملية قتل لأحد القيادات البارزة في المنطقة.

4- التسلل إلى خطوط تماس العدو، والاسـتخدام المركـب لأسـاليب حـرب العصابـات، يـروي الرائد الشهيد عصام حجـازي (قائـد الكتيبـة التاسـعة– لواء أحفاد عثمان في ريف حماة الجنوبي): أنهـم نفـذوا عمليـة فـي منطقـة سـهل الغـاب اعتمـدت علـى أسـاليب مركبـة فـي اقتحام أحـد الحواجز العسـكرية قـرب منطقة عيـن الطاقـة كمثـال علـى الأمر.

5– التمييز بين أنواع الطائرات وتقدير ما إن كانت تحمل براميل أم لا، وكيفية تنفيذ عمليات الإغارة والانقضاض، ورماياتها سواء أكانت براميلا متفجرة أو حاويات أو ألغاما بحرية، والتمييز بين أنواع الصواريخ والذخائر من خلال صوت الانفجار وكثافة الغبار، وفيما إذا كان هذا الصاروخ ارتجاجي أو عادي أو عنقودي، والمعرفة التامة بطرق تفكيك الذخائر غير المنفجرة والاستفادة من مكوناتها، فالثوار والمدنيون في ريف إدلب الجنوبي منذ التدخل العسكري الروسي باتوا يعرفون أن الطائرة التي تأتي من جهة الجنوب (مطار حماة) محملة بالبراميل وهديرها عال نظرا لحمولتها الزائدة وعند عودتها إلى المطار ينعم صوتها، أما الطائرة التي تأتي من الغرب (مطار حميميم) فهي محملة بالجنود والطعام ولا ترمي صواريخ أو براميل[12].

6 –  صيانة السلاح وبشكل خاص الكلاشينكوف، وإنشاء تقنيات تصنيع السلاح محليا كالمصانع التي أنشأت لتصنيع قذائف الهاون في الغوطة الشرقية وريف حمص الجنوبي قبل سيطرة النظام عليه وريف حمص الشمالي، والشمال السوري، حيث استهدف التحالف الدولي في العام 2016م ورشة لتصنيع السلاح في الشمال السوري تتبع لجيش السنة الذي ينتمي إلى الجيش السوري الحر، وتطوير أساليب الدفاع الجوي لدى الجيش السوري الحر.

7 – الاعتماد على الكمائن (الكمين الذي نفذه فيلق الرحمن في آب 2017م على محور حي جوبر – عين ترما وأدى إلى سقوط 20 عنصرا من قوات الحرس الجمهوري التابع للنظام) وقطع خطوط الإمداد ومحاصرة قوات النظام في أماكن تواجده (كما في مدينة حلب ومحاصرة قواته ما اضطره لاستخدام الطيران وإسقاط الذخائر والمؤن لها) أو السيطرة عليها، كالطريق الدولي الذي يصل دمشق بالحدود الأردنية عن طريق درعا في الجنوب.

8 – جمع المعلومات وتحليلها والقيام بأعمال الرصد والاستطلاع وتخطيط العمليات العسكرية الهجومية أو خلف خطوط العدو وفق ما تم رصده، فقد تمكن مقاتلو جيش الإسلام من التسلل خلف خطوط دفاع العدو وقتلوا عددا كبيرا منهم ضمن معركة ذات الرقاع[13].

9 – تفكيك الألغام والتعامل مع مخلفات العمليات العسكرية من الذخائر غير المنفجرة من قبل فرق الهندسة التي تشكلت وتدربت على يد الثوار الذين خضعوا لدورات عسكرية أثناء خدمتهم الإلزامية في سلاح الهندسة، وافتتاح معسكرات التدريب التي تضم مختلف الاختصاصات (دبابات – مدفعية – مضاد دروع – إشارة) لصقل خبرات المقاتلين وتطوير مهاراتهم.

10 – دفع اتساع رقعة العمل المسلّح ضد قوات النظام، وانقطاع طرق الإمداد، وفقدان منظومة السيطرة والتحكم، إلى محاولة الاستعاضة عن عدم قدرته على الاشتباك الأرضي، أو حشد القوات المسلحة لاستعادة المناطق التي سيطر عليها الثوار بالقصف البعيد المدى، واستخدام المقاتلات الحربيّة لإلقاء مختلف أنواع القنابل بما فيها المحرمة دوليا، والصواريخ البالستيّة الاستراتيجية التي تفاداها الثوار بكونها غير مخصصة لإصابة أهداف متحركة وصغيرة ومحدودة (ميزات عتادهم) من حيث التوزيع، فاقتصرت على إحداث الدمار[14].

11 – اللجوء إلى اعتماد الأنفاق في ظل انعدام التكافؤ في التسليح والمعدات واستخدامها كخطوط إمداد بالذخيرة والمقاتلين. ويتم حفرها بأدوات حفر بسيطة، عبارة عن “كمبريسات كهربائية” وأدوات حفر يدوية ومعاول ومولدات كهربائية ولمبات للإنارة وكابلات وأجهزة لتوليد الأوكسجين، واسطوانات أوكسجين جاهزة لاستخدامها في المسافات الطويلة، وخوذ معدنية وبلاستيكية للحماية من التهبيط، وعربات لنقل الردم للخارج ورافعات لسحب الردم للأعلى، وعند تنفيذ العمل يتم إحاطة المنطقة بالحواجز النظامية وطباعة بطاقات (بطاقة دخول منطقة عسكرية)، ويتم تدعيم السقف بالألواح الخشبية المعدنية.

ساهم الاستعداد النفسي والجسدي بفعل إجراءات النظام السوري الهادفة إلى إلباس المجتمع لباس العسكرة، وتنميط سلوكه إلى سلوك عسكري مع استفزازات عناصر الأمن والشبيحة للمواطنين واقتحام بلداتهم وتقطيع أوصال مناطقهم والتنكيل بهم، ساعد هذا كله في انكشاف غطاء الدولة وبدء الشعب وقطاعاته الاجتماعية بالتسلح كسبيل لإسقاط النظام، والتكيف مع هذا الواقع في ضوء ما يمتلكه من خبرات ومعارف لإدارة المعركة في وجه النظام.

ثانيا: أهداف فرض العسكرة المجتمعية

تعد الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية ذات تأثير كبير على تشكيل البناء الإدراكي والمعرفي للفرد أو المجتمع، ويساهم هذا البناء في تشكيل رؤية الفرد والمجتمع تجاه القضايا، والقدرة على تحليلها واستيعابها لاتخاذ نمط سلوكي وثقافي واجتماعي مناسب حول هذه القضايا، وتعمل السلطة على رسم وإيجاد نمط فكري ومجتمعي وسياسي يلبي الرغبات ويشبع الميول حول القضايا القائمة، وبما أَنَّ عواملَ قوة المؤثر وشدة وضوحه وتميزه وبقائه حاضراً في الوعي لأطول فترة ممكنة واتصاله بالجانب العاطفي؛ لها دور أساسي في قوة التأثير على صياغة الإدراك وبالتالي على توجيه السُّلوك[15]،فقد لعبت المراحل التاريخية والأحداث السياسية التي مرت بها المنطقة العربية بشكل عام والدولة السورية بشكل خاص منذ الحرب العالمية الأولى وحتى يومنا هذا دورا كبيرا في عملية التعبئة النفسية والتوعية الوطنية ودفعت الناس إلى مواجهتها والتضحيات لأجلها. وبناء على ما سبق يمكن تحديد الأهداف المتوخاة من ثقافة التعبئة العسكرية لتصل إلى كل زوايا المجتمع كآلية أساس من آليات الحضور الشعبي وفق عدة مراحل مبنية على الأحداث السياسية والعسكرية للمنطقة:

أ – أهداف التعبئة العسكرية منذ الحرب العالمية الأولى وحتى استقلال سورية:

 أدى وجود سوريا، كغيرها من الدول العربية، تحت ظل الدولة العثمانية لإيجاد الفرصة مناسبة لتوظيف مفهوم القوة في سبيل العمل ضمن المشاريع السياسية التي بدأت تروج في المنطقة بعد ترنح الدولة العثمانية بسبب الحرب العالمية الأولى وتقدم فرنسا وبريطانيا لتقاسم مناطق نفوذها، وبعد أن كانت قوتها في عهد الدولة العثمانية تهدف إلى خدمة التوسع العثماني الذي تشاركه الانتماء الديني أصبحت تسعى لإنجاز الدولة الوطنية معتمدة على مجموعة من العوامل تتمثل بما يلي:

1 –تماسك الجبهة الداخلية والقدرات الذاتية وإمكانية توظيفهما.

2 – تكاتف المجتمع السوري وطبيعة التفاعل بداخله في سبيل تحقيق ما يرنو إليه.

3 – العوامل التي ترتبط بقدرات وسلوك الطرف المقابل (الدولة العثمانية – بريطانيا التي وعدت العرب بالاستقلال).

وبقي هذا التوظيف للقوة من خلال العمل على تحويلها إلى هدف أسمى وطنيا وأخلاقيا وتوجيه طاقاتها بشكل شعوري ضد كل من بريطانيا وفرنسا بشكل خاص، اللتين حاولتا كثيرا لقطع الطريق على أي إنجاز وطني يرسخ استقلالية الدولة السورية الوليدة، ونظرا للرفض الشعبي للتقسيم الذي قامت به عام 1922م واعتداء جنودها على التقاليد والأعراف العربية وإجراءاتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي هدفت إلى خنق روح الثورة والاستقلال، فقد اشتعلت الثورات في معظم المناطق السورية، وهي وإن حملت الطابع المناطقي أو العشائري أو العائلي، إلا أن تضامن المناطق مع بعضها بعضاً يدل على أن الشعب السوري كان متكاتفاً ومتلاحماً في طريقه لإقامة دولته[16].

ب – أهداف التعبئة العسكرية منذ الاستقلال وحتى استيلاء البعث على السلطة في الثامن من آذار 1963م:

ألقت الأحداث الداخلية والخارجية بأبعادها على المجتمع السوري، فقد انسحب الجيش الفرنسي من سورية و لم يترك وراءه سوى مؤسسة فاعلة هي المؤسسة العسكرية وهي غير متجانسة ولها ولاءات مختلفة، وصدر قرار تقسيم فلسطين، فكانت أول مشاركة فعلية لأفراد وضباط من الجيش السوري بعد الاستقلال حيث تطوّع العديد من هؤلاء في صفوف القوات العربية و تركوا مكاتبهم وثكناتهم وتوجهوا إلى الجبهة في فلسطين مثبتين أن الواجب الوطني أسمى من الانضباط العسكري[17]، وصولا إلى الوحدة بين سورية ومصر، التي أتت نتيجة للمد الوطني والقومي ولمواجهة الأخطار المحدقة و حاجة كلا البلدين لمساندة بعضهما، إلا أن تحكم الجيش المصري بكافة مفاصل الحياة المدنية والسياسية والعسكرية دفع بعض الضباط والساسة بقيادة العقيد النحلاوي إلى الانقلاب على مشروع الوحدة عام 1961م ليعيد انقلاب النحلاوي من جديد دوامة الانقلابات العسكرية لأن الخلافات التي دبت بين الضباط السوريين الذين شاركوه انقلابه دفعت مجموعة من الضباط السوريين الموالين لمصر  للتمر د عليه، وانضم إليهم فيما بعد مجموعة من الضباط المواليين للبعث و على رأسهم كل من حافظ الأسد و صلاح جديد ومحمد عمران[18]ليشكل هذا النسق من الأحداث بلورة الحكم العسكري في ظل غياب المؤسسات المدنية والسياسية القادرة على الإمساك بزمام الأمور مع عدم وجود رغبة لديهم في إيجادها، مستفيدين من دعايتهم المعادية للغرب ومخططاته ضد الدول العربية، وتأجيجهم للحالة الوطنية والحماس الشعبي الذي يجب عليه أن يبقى في أعلى درجات الجاهزية والمواجهة أو ما يمكن تسميته بالسياسة الثورية، وعدم محاولة إنتاج حالة ديمقراطية تعمل على تأمين التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة والانتخابات البرلمانية حرصا منهم على البقاء في السلطة وإدارة المجتمع.

ج – أهداف التعبئة العسكرية منذ استيلاء البعث على السلطة وحتى الوقت الحالي:

تكرّست عسكرة المجتمع السوري بآخر انقلاب في الثامن من آذار 1963م عندما استدعت اللجنة العسكرية للانقلاب قادة حزب البعث للمشاركة معها، الأمر الذي سهّل استيلاء قائد القوى الجوية حينها حافظ الأسد على الجيش والحزب بشكل نهائي في انقلاب 16 تشرين1 1970م، أو ما سمي بالحركة التصحيحية، وعمل منذ ذلك الوقت على أمرين: الأول: القضاء على أي بديل عسكري لحكمه كتخلصه من محمد عمران الذي اغتيل في بيروت في العام ١٩٧١م، وسجنه لصلاح جديد منذ استلامه الحكم، والثاني فتح المجال أمام أبناء الأقليات وخاصة (الطائفة العلوية) مستغلا العامل الاجتماعي الاقتصادي الذي شجعهم على ذلك، ألا وهو الفقر، بالإضافة إلى توفر فرصة التسلق الاجتماعي والنفوذ والتمتع بحياة أكثر رفاهية عن تلك التي يوفرها القطاع الزراعي[19] وبالتالي كانوا مجهزين نفسياً للانخراط في بنية التزام طائفية عزم الأسد على بنائها وأوهمهم أنه في حال فقدها فإن ذلك يهدد بفقد ما حصلوا عليه.

استفاد الأسد من المناخ السياسي السائد من جهة أخرى بهدف تعبئة كافة أفراد المجتمع عسكريا، وليبدأ بفلسفة تستند في كلّ وقت إلى استمرار حالة “اللاحرب واللاسلم” في المنطقة مستفيدا من تنامي الشعور العربي بعد العدوان الإسرائيلي في حزيران 1967م بشكل خاص معتمدا في ذلك على نشر وتلقين شعارات التعبئة والتجييش تارة كـ (التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل – سيد الوطن – قائد المسيرة – سورية الأسد قلعة الصمود والتصدي– الصراع العربي الإسرائيلي) أو من خلال إجراءات سياسية تظهر دفاعه عن القضية العربية المركزية “فلسطين” كدعمه وتبنيه لفصائل المقاومة الفلسطينية، وهو ما استمر عليه الابن ليظهر التحريض على العسكرة واستخدام القوة بين فئات المجتمع المستعد والمجهز نفسيا لاستخدام السلاح بشعارات جديدة ظهرت جلية في الثورة السورية التي اندلعت مطلع العام 2011م (الأسد أو نحرق البلد –  الأرض لمن يدافع عنها وليس لساكنيها– الجوع أو الركوع) ويتبين أن النظام لم يكن يهدف إلى تأسيس مؤسسة وطنية تنأى بنفسها عن التجاذبات السياسية المجتمعية كما حصل في تونس ومصر، أو خلق دورة اجتماعية جديدة في المجتمع السوري من خلال فتح باب التطوع والانتساب للعلويين واندماج البنى الطبيعية للمجتمع السوري مع بعضها، إلا أن غاية النظام كانت على عكس ذلك تماماً، وهي ضمان استمراريته في السلطة[20]، وبناء العقد الاجتماعي على فرض نوع من التطابق بين الوطنية والولاء للسلطة وهذا ما بدت نتائجه واضحة في الثورة السورية.

حافظَ نظام الأسد (الأب والابن) على الدور الكبير الذي لعبه الجيش السوري في الحياة السياسية مع إعادة تكوينه الاجتماعي للمؤسسة العسكرية السورية من خلال عسكرة الطائفة العلوية وتحويل معظم الشباب العلويين إلى جنود في الجيش لحماية النظام، ضمن خطته العامة الرامية إلى عسكرة المجتمع السوري بكافة مفاصله والدولة بسائر مؤسساتها فكرا وتخطيطا وتنفيذا؛ بهدف إبعاد المجتمع عن طابعه المدني والخضوع لطابع التبعية للأقوى ضمن تراتبيات ومتواليات يحددها بحسب حاجته لترسيخ مبدأ الولاء للشخصية بدلًا عن مبدأ المواطنة، ومع اندلاع الثورة ودفع النظام بها إلى العسكرة وتفريغها من خزانها المدني الشعبي مستفيدا من البروباغندا الديكتاتورية والتعبئة العسكرية التي غرسها في نفوس أبناء المجتمع السوري، وترويج دعايته الإعلامية عن ذلك بهدف شرخ المجتمع السوري وتقسيمه إلى مؤيد ومعارض بحسب الانتماء الطائفي ليزكي بذلك ويهيج السلوك العدواني بين فئات المجتمع السوري بعضها ضد بعض في مجتمع يجيد غالبية أبنائه استخدام السلاح والتعامل معه، موظفا في سبيل ذلك بالإضافة إلى مراحل التعليم ومناهجها الدراسية التي سبق ذكرها آلته الإعلامية والدبلوماسية لرسم الصورة التي يريدها من العسكرة والطائفية أمام الرأي العام الداخلي والخارجي من خلال إخضاعها لسلطة الأنظمة والقوانين الإدارية والمالية المطبقة على سائر مؤسسات الدولة الاقتصادية والخدمية، دون مراعاة خصوصية العمل الإعلامي وما يتطلبه من أنظمة خاصة تشجع على الإبداع واجتذاب الكفاءات الصحافية الوطنية وتدعم استقلالية هذه المؤسسات.

يعتبر ما أقدم عليه النظام من إنشاء مليشيات تضم أبناء الطائفة العلوية “قوات الدفاع الوطني “وغيرها من الطوائف المناهضة للمعارضة ومنحهم راتباً ثابتاً والحق في التصرف “بالغنائم التي يحصلون عليها أثناء مهاجمتهم القرى والمناطق الثائرة الدليل الأبرز على استثمار النظام سياساته المجتمعية وعسكرة المجتمع الذي عمل عليه سنين طويلة للحفاظ على استمراره[21].

ثالثا: نتائج ظاهرة العسكرة على السلوك المجتمعي

أ – رفع قيمة ومكانة العسكريين في السلم الاجتماعي بسبب ما يروج عن مهامهم وتضحياتهم، التي كانت وراء منحهم النفوذ والسلطة، ما أدى إلى انقسام المجتمع على أساس السلطة والقوة إلى فئتين:

1 – فئة العسكريين الأقوياء وأقاربهم وأصدقائهم القادرين على إخضاع بقية أفراد المجتمع، والحصول على امتيازات خاصة في الوظائف والمناصب والالتفاف على القانون.

2 – فئة المواطنين الذين ليس لهم أبناء أو أقرباء ينتمون إلى أي مؤسسة عسكرية.

ب –تفشي روح العسكرة في المجتمع السوري، وخصوصا لدى الناشئة من خلال انتشار ألعاب نارية تشابه الأدوات العسكرية الحقيقة، وارتداء الألبسة العسكرية المخصصة التي تحاكي في لونها وتفصيلها البزات العسكرية للجيوش النظامية،

ج – تراجع معدلات التنمية وغيابها في بعض المناطق بسبب تخصيص قسم كبير من الميزانية العامة للعسكريين ومخصصاتهم وامتيازاتهم.

د – انتشار ظاهرة التدريب العسكري والتجييش على حساب التنشئة السياسية والتربية الوطنية والثقافة.

ﮬ – التوظيف المناطقي للسلاح: إن قمع النظام للاحتجاجات السلمية، وانكماش دور قوى الأمن وإحجامها عن القيام بمهامها الرئيسية وهي حماية المواطنين، دفع أبناء المناطق الريفية تحديدا والتي تتسم بخصوصيات معينة، وكمحصلة لثقافتهم وقيمهم وعاداتهم وفي سبيل التعويض عن الفراغ الأمني الذي سببته الأجهزة الأمنية والعسكرية للنظام باصطناع الفوضى لمعاقبة المنتفضين ضده، ولامتلاكهم السلاح والتدريب على مهارات استخدامه إلى تشكيل مجموعات وفرق أمنية تعمل على أمن مناطقهم وتنتشر ليلا على مفارزها، وهو ما حرص النظام على استمراره ليعسكر المجتمع بشكل لا إرادي، علما أن بعض أفراد المجتمع السوري يمتلك السلاح كتعبير عن الرجولة أو المباهاة به في المناسبات الاجتماعية.

و – أدت عسكرة المجتمع من الأسفل إلى ظهور ميليشيات محلية قبل الثورة (الشبيحة) اعتمدت على السلاح في تلبية مطالبها وتنفيذ أعمالها واقتصرت على منطقة الساحل قبل الثورة وتم منحها امتيازات معينة نظرا لقربها العائلي مع النظام الحاكم، وبعد الثورة عمل النظام على تشكيل ميليشيات متعددة على شاكلة ميليشيا الشبيحة،

ز – دمج العمل العسكري بالعامل الديني والسياسي والفكري والمناطقي.

ح –شكل الفساد والمحسوبية أداة النظام الرئيسة لكل من عمليتي الاستتباع والمراقبة في أماكن سكن العسكريين وهو ما خلق مناخا عاما من المصالح الضيقة في الجيش والنظام ككل[22].

خاتمة

أدت الظروف السياسية لأغلب الدول العربية لتبني مفهوم العسكرة “عسكرة المجتمع” كاستراتيجية تعبوية خاصة أن استقلالها أتى ثمرة للحروب والصراعات والثورات على محتليها، إلا أن هذه الحالة يجب أن تنتهي بانتهاء الحالة الموجبة لوجودها نظرا لثقلها على المجتمع المدني، وخضوع الدولة بكامل مؤسساتها لقرار المنظومة العسكرية، وتسلط الأجهزة الأمنية بدورها القمعي على مؤسسات الدولة، وهو ما تجلى بوضوح في سورية وأصبح الرئيس هو القائد العام لتلك المنظومة لأنها هي من أوصلته إلى سدة الحكم، وحولها من مؤسسة مهمتها خدمة المجتمع وحمايته إلى أداة بيده لقمع الشعوب ووأد الحريات، ليترك ذلك العديد من التداعيات على بنية المجتمع، أخطرها تراجع هيبة القانون والقضاء على حساب الوظائف العسكرية والأمنية، وسعي القيادات الأمنية والعسكرية لكسب ود الحاكم والولاء له على حساب الولاء للشعب والوطن، وتعميم ثقافة العنف بين أفراد المجتمع واعتماد القوة في حل الخلافات وإحياء النزعات ما قبل الوطنية كالقبلية والمناطقية والعشائرية، وتغييب دور منظمات المجتمع المدني وطابعها الاجتماعي ونشاطها الخدمي على حساب انتشار المظاهر العسكرية كتخصيص طرق ومسالك للعسكريين، وتفضيلهم على بقية المواطنين في المؤسسات الخدمية ، أو انتشار العناصر المسلحة على أبواب المنشآت المدنية ببزاتهم العسكرية وشاراتها مستغلين رمزيتها  في الوعي الجمعي للمجتمع… كل ذلك وغيره بهدف فرض نوع من الهيبة والسطوة للمؤسسة العسكرية والعاملين بها.

 على الرغم من دأب النظام وسعيه لتدعيم ركائز أساسية وترسيخها في صفوف الجيش تتمثل بالمركزية والبعثية والطائفية والرقابة الأمنية، إلا أنه أيضاً مجهّز من ناحية التسليح والتنظيم كباقي الجيوش النظامية، لكن اعتماده الحل العسكري ومواجهة الشعب أفقده القدرة على المبادرة بسبب النقص الحاد في الطاقة البشرية الذي يعانيه، كما أفقده منظومة السيطرة والتحكم بسبب تجنيده للمدنيين ومساندة الميليشيات الأجنبية له (الميليشيات الطائفية) ما اضطره إلى الاستهداف المتعمّد للمدنيين عن سابق إصرار وتصميم، لكونهم يشكلون بيئة حاضنة و داعمة لفصائل المعارضة، والتي ساهمت خبرتها العسكرية وحرية حركتها وسرعة تنقلها واعتمادها عنصر المفاجأة واختيار مكان وزمان الضربات بالشكل المناسب دون إعطائه فرصة صدّها، واعتماده  سياسة القتل لا القتال أدى إلى تراجع قدرته على الاشتباك وانفراط عقد جيشه.

وبالتالي إن إعادة هيكلة الثقافة العسكرية للمجتمع السوري بشكل عام وللقوات المسلحة بشكل خاص، بالتزامن مع الهيكلية البنيوية لجيش وطني بما يتناسب مع مفهوم مدنية الدولة وحق المواطنة والمساواة، هو الخلاص الوحيد لإنتاج مجتمع مستقر وعادل.

[1]اكتشف سورية – يوسف العظمة –

[2]التجديد العربي – يوم تأسيس الجيش العربي السوري – نصر الشمالي –

[3]الثقافة وتفسيرها التاريخي العلمي – وليد مهدي

[4]معهد واشنطن – إيديولوجيا السلطة: خمسون عاما على التعليم – ريمون المعلولي

[5]جيرون – سورية رهينة العسكرة – هوازن خداج

[6]العرب اليوم – حل إدارة التدريب العسكري الجامعي

[7]زمان الوصل – ألحقها بجيشه النظام يحل إدارة التدريب الجامعي

[8]ياسين الحاج صالح، نحو جامعة متقدمة وديمقراطية، المسألة الجامعية وقضية الطلاب في سوريا، بحث منشور في الحوار المتمدن، .

[9]الإعلام وتأثيره في ثقافة الطفل – سبيت سليمان

[10]معهد العالم للدراسات – الدول الراعية والثورة المسلحة السورية: حدود النفوذ الأجنبي– ترجمة يسري مرعي

[11]المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام – ريف حمص الشمالي أهمية الموقع وحساسية الواقع – النقيب رشيد حوراني –

[12]عين المدينة – السوريون وثقافتهم العسكرية – مريم أحمد –

[13] يوتيوب – تسلل مقاتلي جيش الإسلام خلف خطوط العدو في معركة ذات الرقاع  

[14]المجلة – الاستراتيجيات العسكرية الهجينة في الجيش السوري – علي حسين باكير

[15]الحدث – سَيْكولوجيَّة التفكير والسُّلوك السِّياسي رائد دحبور. الجزء الثالث

[16]نشوء الدولة السورية وتطورها – المركز الكردي السويدي للدراسات – إدريس عمر –

[17]حكاية ما انحكت – العسكرة في سورية إلى أين؟ غياث عبد العزيز

[18]مركز الأحواز للدراسات – سورية من الاستقلال حتى حكم الأسد –

[19]المرجع مكرر -رقم 16

[20]صوت حلب – قراءة تاريخية في بنية نظام عائلة الأسد، وديناميات تكوينه (3) – رعد أطلي  

[21]رويترز – النظام السوري يفكك جيشه تدريجيا ويحوله إلى وحدات قتالية طائفية

[22]مركز كارينغي للشرق الأوسط – خضر خضور – غيتو ضباط الأسد