هل استفاد الروس من التجربة الأمريكية في أفغانستان؟

Tags:

هل استفاد الروس من التجربة الأمريكية في أفغانستان؟

إذا أردنا أن نعرف ماذا سيحصل في سوريا، علينا أن نعود للتاريخ السياسي والعسكري في أفغانستان، فروسيا التي وضعت ثقلها في سوريا، في تجربة كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد سبقتها إليها ولكن في أفغانستان، والتي كلفتها 6 ترليون دولار حتى عام 2014 وكبّدت الجيش الأمريكي مايزيد عن 3000 مقاتل بأقل التقديرات حتى اليوم، فهل استطاع الروس أن يأخذوا العبرة مما حصل؟
بدأت روسيا تدخلها العسكري بالقصف الجوي انطلاقاً من قاعدة حميميم المدعومة بمنظومة اس 400 الأحدث روسيّا، والتي جرت توسعتها وزيادة عدد الأسطول الموجود على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وكللت تدخلها بالنزول على الأرض عن طريق خبراء ومستشارين وحتى المجندين للقتال ضد عناصر داعش إضافة لقتالها قوات المعارضة السورية، واستكملت تدخلها باستقدام “شرطة روسيّة” لمراقبة تنفيذ اتفاقات “خفض التصعيد”، كل ذلك في ظل استراتيجية قريبة من خطة الإدارة الأمريكية مع بداية الحرب في أفغانستان، حيث قامت بدفع أكثر من 30 ألف جندي في عام 2001.
إضافة للتدخل العسكري المباشر للولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان، فقد لعبت الإدارة الأمريكية عبر حليفتها باكستان على العامل القبلي، حيث تتمتّع الأخيرة بعلاقات طيبة مع الباشتون الذين يشكلون أكثر من 50% من سكان أفغانستان، ومن ضمنهم عشيرة “محسود” كبرى القبائل في وزير الجنوبيّة “المهادنة” للحكومة الأفغانية، وقبيلة “وزير” المناصرة للحكومة على الحدود الباكستانية، ومن الشمال اعتمد الأمريكان على قبائل الأوزبك والطاجيك والهزارة للتوسع البري وحفظ الأمن، هذا الوضع مشابه لما ولدته الحرب السوريّة وتداخلاتها من حيث الاشتباك السياسي في ظل تفكّك البنية المجتمعية على أسس قومية وعرقيّة وطائفية، فنرى الأكراد ثلاثة أقسام، جزء يحارب تحت غطاء التحالف، وآخر موالي للنظام السوري، ومجلس وطني كردي “يمارس” العمل السياسي في دهاليز الائتلاف، في حين كانت القبائل الخاسر الأكبر في الحرب حتى الآن، منهم من قضى نحبه على يد تنظيم داعش ومنهم من ينتظر ضمن تشكيلات المعارضة والموالاة على حدٍ سواء، وعلى الصعيد الطائفي كان المتصارعون على الساحة السوريّة يدفعون بأدواتهم نحو مصالح تكتيكيّة من أهمها معارك حماة قبيل جنيف5، والتي انتهت مع نهاية جولاته.
أعاد ترامب القوات الأمريكية التي سحبها سلفه أوباما من أفغانستان، ولكن كمسشتارين، فمن خلالهم تم تفعيل دور الشرطة المحلية وتقديم الدعم اللازم بعد تدريبهم لتلك القوات، وذلك لتخفيف أعباء خسائر الجنود الأمريكيين الذين باتو أهدافا دسمة للمقاتلين الأفغان، الأمر الذي فهمه الروس جيداً مستغلين سنوات الحرب السبع التي أنتجت كانتونات مدعومةً دوليّاً وإقليمياً يحكمها هاجس الدفاع عن الذات ضد الآخر أياً كان، من هنا ولج الروس لمنطق المصالحات والهدن “باطمئنان”، لأن الضامن الحقيقي لإنهاءالحرب بعد الموافقة “الأمريكية” هو تمسك الحاضنة الشعبية لكل من النظام والمعارضة بأيّ حلٍ ينهي الحرب والقتل.
تعمل روسيا في هذا السياق على جعل الفصائل المعارضة في سوريا حامية للمرحلة الانتقاليّة القادمة إلى جانب قوات النظام، ضد الفصائل المتشددة التي تصنف على قوائم الإرهاب العالمية، وهذا ما فعلته الولايات المتحدة مع قبائل الباشتون الأفغانية الباكستانية حيث نهضت بعضها على أخرى بحجة دعم السلام والشرعية في البلاد.
في حال نجاح روسيا بتطبيق مناطق خفض التصعيد وتعزيز المرحلة الانتقالية بحل سياسي، فإن سيطرة الروس في سوريا ستتوسع جغرافيا على الأرض، فبالإضافة لمناطق النظام التي تبلغ مساحتها 37% من الأراضي السوريّة، ستكون لروسيا اليد العليا في مناطق المعارضة والبالغة 17.2%، وتسعى في سبيل ذلك بكافة الوسائل المتاحة، سواء عبر التحالفات الإقليمية المربوطة بمسار أستانه أو عبر التحالفات الدولية لمحاربة الفصائل المصنفة على قوائم الإرهاب كجبهة النصرة في محافظة إدلب، لتبلغ نسبة سيطرة الروس 54.2%، ولكن ذلك يبقى مرهونا بأن توافق الولايات المتحدة على أن يقوم الروس بتنسيق الوضع العسكري من خلال جولات أستانه سواء مع الأتراك أو مع الأردن التي تدرب مقاتلي الجبهة الجنوبية المدعومة أمريكيّاً على أراضيها.