Tags:

إيران في “سوريا المهادنة” باقية وتتمدد.

برز خيار التفاوض بعد تمكن قوات النظام من بسط سيطرتها على مدينة حلب، بدعم غير مسبوق من سلاح الجو الروسي، وبعض التوافقات الدولية غير المعلنة، وكانت أستانة محطة المسار العسكري الجديد الذي يتم بموجبه فرض تسويات على المناطق المحاصرة من قبل قوات النظام، في ظل تخلي شبه كامل عن الثورة والثوار، إلا أن سياسة الممكن طغت على النقاشات الثورية، مما جعل أستانة مطلب ميداني ملح، تحفظ من خلاله مناطق الثورة من التوغل الإيراني سواء عبر ضباطها أو ميليشياتها “السوريّة”.


إيران ودورها الذي يتناسب طرداً مع ارتفاع التنسيق الأمريكي الروسي من جهة التمركز على الجغرافية السوريّة “تكتيكيّاً” ، حيث عناصرها يجوبون شرقا “البادية” السورية، ويكسبون مناطق تصل إلى ثمانية آلاف كيلو متر مربع في شهر أيار الفائت، وعكسيّاً مع مستوى الحل السياسي الذي يعني إخراجها من مناطق تشكّل بالنسبة لمشروعها ورقة ضغط في المستقبل السياسي للشرق الأوسط، كما حصل في الهدنة الأمريكيّة الروسيّة جنوب غرب سوريا، حيث رضخ العسكر في إيران للإملاءات الروسيّة وخرجوا من درعا والقنيطرة، وكذلك فعلت أرتال من الفرقة الرابعة، لكن وجودها القوي مقارنة بالتواجد الثوري أو العناصر الروسيّة في محيط عاصمة “الأمويين”، ينبئ بأن إيران لن تتخلى بسهولة عن الدور الذي حلمت به مع انطلاق جولات أستانة.
لكنّ اتفاقا في حمص “يحاك” حالياً وشارف على الانتهاء، وهو الاتفاق الأهم على المستوى الإقليمي ،حيث توجد محافظة حمص بين ثلاث دول إقليمية “العراق، الأردن، لبنان”، وتقع على بوابة نفط الجزيرة، ومنها تُطرَق أبواب حماة ودمشق، ما يفسّر تبادل مناطقها بين قوات النظام وتنظيم الدولة، حيث كان التنظيم يربط من خلال حمص جبهاته في القلمون وأرياف حماة ودمشق ضد الثوار، وكان يغذّي تواجده في كل من لبنان والأردن، لكن تنظيم الدولة يبقى منظمة إرهابية يمكن لمن أراد مهاجمتها أن يحشد ضدها الحشود علناً دون هوادة، إنما الخطر الأكبر يكمن في هدنة حمص الروسية المنشأ، في حال استطاعت إيران تأمين خطوط إمدادها البريّة الذاهبة من العراق إلى حليفها حزب الله في لبنان، وفتح طريقا استراتيجيا لها نحو المتوسط ليهدّد الأمن الدولي، عدا الفوسفات السوري التي وصفت بأنها “الفوسفات العذراء”، والتي تمتلك ترتيبا على مستوى العالم، هذه الثروة اليوم ورقة اقتصادية مهمة بيد الإيرانيين.


لنفترض أن الهدن حافظت على أرواح السوريين، واستطاعت العناصر الروسيّة “السنيّة” حماية تخوم تلك المناطق، وإدخال المواد الغذائيّة الوفيرة، فهل سيتنحى الأسد عبر هذا المسار؟
مما لا شك فيه أن مصير الأسد ليس ضمن أولويات الحكومة الأمريكيّة التي أصبحت تمتلك أكثر من عشر قواعد عسكريّة في شمال وشرق وجنوب سوريا، وتصريحات وزير خارجيتها خير مثال عندما أكّد أن “مصير الأسد بيد الروس”، وحتى الحكومة الفرنسية، خصوم الأسد الأشدّ أوروبيّاً، تخلّت عن إزاحة الأسد كفرضية وحيدة لحل الأزمة السوريّة، ويعلم الأخير ومن خلفه أن بقاءه يعني في مرحلة ما بقاء النفوذ الإيراني، لذلك يسعى معها لعرقلة أي جهد قد يؤدي إلى “حل”، ويتماهى مع الأمريكيين عسكريّاً في “التنف” ويدفع بأبناء المناطق المهادنة إلى الصفوف الأولى لمقاتلة تنظيم الدولة، فيظهر على أنه خيار قوي في معادلة مكافحة الإرهاب، ليبقى في الحكم طالما بقيت أولويات البيت الأبيض محاربة الإرهاب المتمثل بداعش، وتتمدّد إيران طالما بقي نظام الأسد، ليتكشّف لنا حقيقة شعار “باقية وتتمدّد”.