الكاتب: wesam

شرق الفرات بين الإصرار التركي والمناورة الأمريكية مجهولة الأهداف

شرق الفرات بين الإصرار التركي والمناورة الأمريكية مجهولة الأهداف

شرق الفرات؛ بين الإصرار التركي والمناورة الأمريكية “مجهولة الأهداف

بقلم النقيب محمد علوان

صرح في الآونة الأخيرة مسؤولون أتراك ، بنبرة حسم غير مسبوقة أن تركيا ستنشئ منطقة آمنة بطول 280 كم تمتد من نهر الفرات إلى الحدود “السورية – التركية – العراقية” شرقا، مما سيجبر وحدات حماية الشعب الكردي و حليفها حزب البي كي كي   إلى الانسحاب مسافة 25 كم بعيداً عن الحدود التركية؛ فسارعت واشنطن إلى امتصاص غضب تركيا، وعمدت إلى ثنيها وتأخيرها بعد مفاوضات صعبة استطاعت من خلالها اقناع تركيا بتأخير هجومها العسكري الأحادي ضد وحدات حماية الشعب الكردي من خلال إدخالها في نفق ” خطوات إنشاء المنطقة الآمنة”  أو ما سُمي ” ممر السلام”.                                                     

لا شك أن تركيا تعلمت دروساً قاسية من التأخر الأمريكي السابق في مثل هذه الاتفاقيات، خاصة في مدينة منبج قبل أكثر من عام عندما أدخلت الولايات المتحدة الأمريكية تركيا في دوامة تسيير الدوريات المشتركة على حدود المدينة ، مما دفع وزير الخارجية التركي “جاويش أوغلو” إلى التصريح بأن “تركيا لن تسمح للولايات المتحدة بتعطيل العملية في شرق الفرات كما فعلوا في “منبج” ، ومن جهة أخرى حذّر وزير الدفاع التركي “خلوصي أكار” من أن “تركيا متمسكة بمنطقة آمنة في شمال سوريا يتراوح عمقها بين 30 و 40 كيلومتراً ولن تتردد في اتخاذ إجراء عسكري إذا فشلت الولايات المتحدة في تلبية مطالبها و إجبار الأحزاب الانفصالية على الانسحاب منها، وهذا يدل على أن احتمال التوغل التركي لا يزال عالياً كما كان دائماً، بل ازداد الآن مع بدء ظهور فشل الخطة الأمريكية خصوصا بعد ورود عدة تقارير تثبت استمرار تزويد واشنطن لوحدات الحماية بالسلاح و المعدات اللوجستية .

  تركيا؛ بلغ السيل الزبا

استمرت العلاقة الجيدة بين ميليشيات الحماية والولايات المتحدة لأربع سنوات، وفي العديد من المناسبات  كانت تركيا تهدد بعمل عسكري ضد الميليشيات،  معبرة عن انزعاجها الشديد من تحالف واشنطن العلني لما تعتبره أكبر تهديد لأمنها القومي وخصوصا مع استمرار تزويد واشنطن حليفتها بالسلاح والمعدات إضافة إلى برامج التدريب المستمرة ؛ والآن ومع شراء منظومة S-400 فإنّ أنقرة تجاهلت التحذيرات الأمريكية، ويدل ذلك على أنها وصلت لآخر حدودها مع الولايات المتحدة الأمريكية وأن “السيل بلغ الزبا” لديها كما يقول المثل العربي ، وهذا يفسر تفكيرها الجدي بالعمل العسكري وأن الوقت قد حان لإنهاء هذا الملف مع إعطاء أولوية مطلقة لإنهائه سياسيا بالتعاون مع واشنطن.

 كيف تنظر موسكو إلى شرق الفرات:

موسكو المراقبة عن بعد لكل هذه التجاذبات في شرق الفرات ، طلبت أنقرة منها أن تدعم مطالبها في شرق الفرات تماماً كما فعلت قبل هجوم عفرين الناجح ضد ميليشيات الحماية في 2018م ، ليأتي الرد بشكل غير معتاد من العقيد الروسي “سيرجي رودسكوي” حين قال : “إن قوات الاحتلال الأمريكية تستولي على حقول النفط ومنشآته” في منطقة الجزيرة السورية،  وهم مستمرون في تدريب الجماعات الإرهابية” في الإشارة إلى الوحدات الكردية ،  وتجدر الإشارة إلى أن هذا التغيير في التصريحات الروسية بعد هبوط الطائرة التي تحمل أجزاء منظومة صواريخ s400 في أنقرة ؛ لتغلب سلطة المصالح على ملف شرق الفرات بالنسبة لموسكو .

 ردة فعل وحدات الحماية على التهديدات التركية

لا يوجد لدى الأحزاب الانفصالية أي خطة دفاع حقيقية عن المنطقة في حال بدأ الهجوم التركي، فالمنطقة كبيرة جغرافيا وعشائرها التي تشكل المكون السكاني الأساسي للمنطقة يدينون بالولاء للثورة والحليف التركي أكثر من الأحزاب وحلفائهم، وهذا يجعل من فرضية صد الهجوم أمرا أقرب للمستحيل إلا في بعض المدن ذات الغالبية الكردية كعين العرب مثلا.

تحاول الأحزاب كعادتها؛ استغلال التناقضات بين الدول المؤثرة في سوريا لخلق مظلة مؤقتة تحمي بها نفسها من الهجوم التركي، لذلك كلما شعرت باقتراب وجهات النظر التركية الأمريكية من بعضها البعض، تسارع إلى التقرب من موسكو ونظام الأسد من خلال تصريحات أصبحت أقرب ما تكون للهزلية مع اتفاق المؤثرين على كل شيء.

 الهجوم التركي أمر لا مفر منه 

أخيراً، ينبغي تحليل التوغل التركي المحتمل في شمال سوريا في سياق الوجود العسكري التركي في شمال العراق.

ففي السنوات الخمس الماضية، أقامت تركيا حوالي 13 قاعدة عسكرية في مناطق رئيسية مثل “دهوك” و”أربيل” و”السليمانية” و”زاهو”، مما يشير إلى أن الوجود التركي في شمال العراق طويل الأجل، يُضاف إلى ذلك التعزيزات العسكرية الضخمة التي أرسلتها أنقرة إلى حدودها الجنوبية المتاخمة لشرق الفرات.

إذا التوغل التركي شرق الفرات بات قاب قوسين أو أدنى ويصبح وشيكا عند انتهاء العسكريين الأتراك من مهمة التدرب على منظومة الصواريخ S 400، حيث ستعزز تركيا من قدراتها الدفاعية ضد أي ردات فعل عسكرية ضد أراضيها، والولايات المتحدة الأمريكية تدرك هذه الحقيقة ولكنها تستمر بالمراوغة لكسب أكبر فترة زمنية ممكنة في تأخير الهجوم لأسباب قد تكون مجهولة.

المظاهرات في الشمال البواعث والمآلات

المظاهرات في الشمال البواعث والمآلات

ما كاد القصف الروسي للمناطق المحررة يهدأ قليلاً حتى بدأ الشارع في الشمال السوري ينتفض بمظاهرات عمت المناطق، لكن هذه المرة كانت المظاهرات تنادي بإسقاط النظام وإسقاط هيئة تحرير الشام ممثلة برأسها (أبي محمد الجولاني) في سابقة هي الأولى من نوعها.

وإن كان البعض قد استغرب من هذا الحراك فإن الأغرب هو تأخر هذا الحراك إلى هذا اليوم بعد أن تهيأت الأسباب الموضوعية والدواعي الاجتماعية لانفجار الشارع في الشمال المحرر.

فما هي البواعث الحقيقية لحالة الانفجار التي وقعت في الشارع؟

1- هل هي منطلقة من جذور أيديولوجية كما تروج لها المنصات الإعلامية الرديفة لهيئة تحرير الشام؟

2-أم أن هناك أسباب موضوعية من تصرفات وسياسات اتبعتها تحرير الشام خلقت حالة من الاحتقان الذي كان مؤجل الانفجار بسبب حالة الحرب التي كانت تغطي على المشهد وتؤجل كل حديث عن نقد ومحاسبة تحرير الشام؟

 بإلقاء نظرة على طبيعة المتظاهرين الذين ينتمون في معظمهم للشريحة المعارضة للنظام السوري وهم من أهالي المقاتلين الذين لم يبرحوا الجبهات ضده يدرك سقوط فرضية أنهم عملاء للنظام.

وباستصحابنا لمسلمة أخرى وهي أن المليون نازح الذين تحركوا إلى الشمال ولم ينزح ولو واحد منهم باتجاه النظام.

وبمراجعة بسيطة لتاريخ تحرير الشام في وصفها لمخالفيها من الفصائل بالمرتدين والمنافقين والمتآمرين يدرك أن السياسة التي تتبعها المنصات الإعلامية المدافعة عن هيئة تحرير الشام تسعى إلى تحقيق اتهام سياسي يحاول توظيف البعد الإيديولوجي والاستثمار في مسألة التكفير والوصم بالنفاق من أجل تحويل الخلاف السياسي إلى مسألة عقدية دينية بحيث يكون موقف تحرير الشام ومن يدافع عنها هو في فسطاط الدين والإسلام، ومن ينقدها ويطالب بتفكيكها واسقاطها هو خارج دائرة الإسلام.

لكن بنظرة سريعة على الأحوال المعيشية والأداء العسكري وسياسة حكومة الإنقاذ مع الشعب السوري في الشمال يستطيع المرء تلمس الأسباب الموضوعية للمظاهرات التي تحرك بها الشارع.

1-فمن الأسباب السياسية أن تحرير الشام رغم ارتفاع صوتها في تخوين المشاركين في مؤتمر استانا، كانت هي الجهة العسكرية التي طبقت مخرجات أستانا على الأرض عبر إدخال نقاط المراقبة التركية، وتسببت بتسليم مناطق شاسعة في ريف حلب الجنوبي وريف حماة الشمالي للنظام السوري بعد أن قامت بضرب الفصائل المرابطة في هاتين المنطقتين إضافة لإبرام تحرير الشام لاتفاق المدن الأربعة الذي تم من خلاله تهجير أهل كفريا والفوعة بدون أي فائدة تذكر لمصلحة الثورة السورية.

2-ومن الأسباب العسكرية أن تحرير الشام كانت تبرر بغيها وقتالها للفصائل بأنهم يريدون أن يسلموا المناطق للنظام، وأنها إنّما تفكك الفصائل من أجل المحافظة على المناطق المحررة، لكن مع بدء المعارك الأخيرة ثبت ضعف الأداء العسكري لتحرير الشام التي لم تزج بكامل قوتها وإمكانياتها العسكرية في المعركة خصوصاً أنّها استولت على ترسانة من الأسلحة التي سلبتها من الفصائل لدرجة أنّه تم استدعاء فصائل الجيش الوطني ممن حاربتهم سابقا تحرير الشام للدفاع عن المناطق التي تحكمها تحرير الشام من خلال حكومة الإنقاذ.

3- ومن الأسباب الاقتصادية هو أنّ تحرير الشام  تمتلك دخلاً  شهرياً لا يقل عن  9مليون دولار وفق تقديرات بعض المراقبين،  وتتحكم بالمعابر التجارية وعملية الاتجار بالتهريب ،  ولا تزال حكومة الانقاذ التابعة لتحرير الشام  تفرض الضرائب والاتاوات على أقوات الناس وتحاصر الشعب برزقه ومصادر عيشه، ففي الوقت الذي يتيه فيه مليون نازح باتوا في العراء وينامون تحت أشجار الزيتون كانت حكومة الإنقاذ التابعة لتحرير الشام تطالب الناس بدفع زكاة الزيتون، وفي الوقت الذي تسيطر فيه على كافة موارد المنطقة لم  تنشط بمساعدات إنسانية للنازحين ولم تمول غرفة العمليات التي تشكلت من كافة الفصائل لصد هجوم النظام السوري، كل هذه التصرفات سببت حالة من الاحتقان والغليان الشعبي الذي نراه يترجم بمظاهرات متصاعدة ضد تحرير الشام و التي شهدتها المدن والبلدات في الشمال  .

4- الأسباب الأمنية  فلا تزال المنطقة، ورغم أن الملف الأمني تحتكره تحرير الشام،  تشهد حالة من الفلتان الأمني وعملية السلب والنهب والخطف وطلب الفديات، هذا  بالإضافة  للتجاوزات الأمنية لعناصر تحرير الشام التي مارست حالات من القتل تحت التعذيب و اعتقلت بعض الذين توجهوا بنقدها عبر وسائل التواصل الاجتماعي حتى لو كان من التابعين لها أو الموالين كما حصل في قضية الدكتورة علا الشريف، وقد جاء  في تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان إن “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً) مسؤولة عن إخفاء 2000 سوري قسراً، مشيرة إلى مسؤولية “الهيئة” عن مقتل الناشط “سامر السلوم” من مدينة كفرنبل تحت التعذيب.

مآلات الحراك السلمي في الشمال السوري:

1- محاولة الاختراق والتوظيف من قبل هيئة تحرير الشام من خلال بث عملاء لها داخل صفوف الحراك،  وقد أشارت  بعض المعلومات أن حكومة الإنقاذ أخطرت المجالس المحلية المعينة من قبلها بضرورة خروج مظاهرات مؤيدة للمجاهدين (تحرير الشام) كما قامت الهيئة بإنزال جنودها بلباس مدني إلى الشوارع رافعين راية تحرير الشام لعكس صورة تقول أن الهيئة لازالت تملك قوة كبيرة في الشارع، وأن الأصوات المطالبة بإسقاطها تخدم أجندة النظام، كل ذلك أدى لتوسع دائرة الاحتجاج كرد فعل على قمع تحرير الشام والدعاية التحريضية التي تحاول من خلالها شيطنة المتظاهرين ووصفهم بالخونة والضفادع والعملاء، خصوصاً أن الهيئة لازالت تتعامل مع الشارع المنتفض وفق فلسفة النظام السوري (باعتبار أن المظاهرات تحركها أياد خارجية، وأنّهم شرذمة قليلة ولا تعبر عن الشارع بأكمله).

2- تحوّل حركة الاحتجاج السلمية إلى حركة احتجاج عنيف، وهذا متوقف على كمية العنف والاعتقالات التي من الممكن أن تستعملها تحرير الشام في مواجهة المحتجين وقمع المتظاهرين.

3-الاتجاه إلى تصدير المشكلة خصوصاً بعد أن تسربت معلومات عن نية تحرير الشام ومعهم حراس الدين وأنصار التوحيد بهجوم على منطقة “أبو ضهور” بناء على أخبار كاذبة تفيد بأن النظام يحشد في هذه المنطقة، وربما تميل نتائج هذا العمل العسكري بالبداية لصالح الجولاني، ثم يقوم النظام فيما بعد بهجوم معاكس يصل به الأوتوستراد الدولي وسراقب وبذلك يكون قد نقل اهتمام الشارع مجريات معركة ساخنة بدلاً من الحديث عن تفكيك تحرير الشام.

لا يمكن التنبؤ الدقيق بمآلات الحراك الشعبي في المناطق المحررة أمام تعقيدات المشهد السياسي والاجتماعي وامتلاك تحرير الشام قاعدة مجتمعية من المنتمين لها يمكن أن تزج بهم في حراك معاكس ما يخلق حالة من الاستقطاب في الشارع، أو سلوك تحرير الشام سياسة استيعاب الشارع  لتوجيه المظاهرات بحيث تبقى في حدود شعارات إسقاط النظام، لكن رغم ذلك فإنّ حالة الفقر والتهجير وتسلط حكومة الإنقاذ على موارد المنطقة الإنسانية والتسلط الأمني وفرض الضرائب  منذرة بتجدد انفجار الشارع لأسباب تتعلق بالمعيشة والوضع الاقتصادي أيضا.

قوات سورية الديمقراطية الهيكل التنظيمي والرؤى الاستراتيجية

قوات سورية الديمقراطية الهيكل التنظيمي والرؤى الاستراتيجية

تم الإعلان في السادس من أيلول 2018 م عن الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا ، خلال اجتماع تم عقده يوم الخميس 6 أيلول  2018م في مقر مجلس سوريا الديمقراطية بناحية عين عيسى التابعة في إقليم الفرات، وتتألف  الإدارة المذكورة إضافة إلى إقليم الفرات من الأقاليم والمناطق التالية (إقليم الجزيرة – إقليم عفرين – الرقة – الطبقة ودير الزور)

المقدمة

تم الإعلان في السادس من أيلول 2018 م عن الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا ، خلال اجتماع تم عقده يوم الخميس 6 أيلول  2018م في مقر مجلس سوريا الديمقراطية بناحية عين عيسى التابعة في إقليم الفرات، وتتألف  الإدارة المذكورة إضافة إلى إقليم الفرات من الأقاليم والمناطق التالية (إقليم الجزيرة – إقليم عفرين – الرقة – الطبقة ودير الزور)

 طرحت مطلع العام الجاري مجموعة من البنود قالت إنه سيتم التفاوض عليها مع النظام السوري خلال المفاوضات التي ستعقد بين ممثلي الطرفين منها أن ما يعرف بـ”قوات سوريا الديمقراطية ” التي تم  الإعلان عن تأسيسها  في مدينة القامشلي، شمالي سوريا في 10 تشرين الأول 2015م وتبسط سيطرتها حاليا على مساحة  (27.84%) من سورية؛ هي جزء من الجيش السوري، والمسؤولة عن حماية الحدود السورية.

وجدت قوات سورية الديمقراطية نفسها إلى أن تم انتهاء مهامها الأساسية التي شُكلت من أجلها وهي تقديم الأسلحة لها من قبل التحالف الدولي بقيادة واشنطن بهدف محاربة تنظيم “داعش” في منطقة شرق الفرات؛ عدة مرات أمام مفترق طرق بسبب مخاوف التخلي عنها، وعَكس ذلك ما أدلى به ألدار خليل مسؤول العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية، في مقابلة مع “فرانس برس” في باريس: “تلك الدول لديها التزامات سياسية وأخلاقية، وإذا لم يفوا بها فهم يتخلون عنا[1]“، وتذكيرها المستمر بالخطر الدائم لتنظيم داعش والتحذير من محاولات تجميع صفوفه بعد قرار أمريكا أواخر العام 2018م بسحب قواتها من سوريا، وهو القرار الذي وصفته قوات سوريا الديمقراطية بأنه “طعنة في الظهر وخيانة لدماء آلاف المقاتلين”، وإعلانها مؤخرا عن تشكيل المجالس العسكرية في المدن والبلدات التي تخضع لسيطرتها جزءا من تلك المخاوف حول مستقبلها في ضوء ما تشهده المنطقة من تطورات، خاصة أن تشكيل تلك المجالس جاء بناء على أوامر امريكية لإشراك العرب في السلطة بناء على طلبهم[2].

لا شك أن قوات سورية الديمقراطية “قسد” تنامت قوتها بشكل كبير في السنوات الأخيرة، مع استمرار وصول التعزيزات العسكرية لها المكونة من وقود ومعدات عسكرية ثقيلة “ناقلات جنود ومدافع هاون ورشاشات”  ولوجستية وآليات، وباتت أقرب إلى جيش نظامي من ناحية الحجم والانتشار والتسليح ونظام التجنيد الإجباري، وعدد يصل إلى قرابة /60/ ألف مقاتل حسب تقديرات أمريكية.

تأتي أهمية هذه الورقة من كونها تناقش واحدة من أبرز التشكيلات العسكرية التي تُعبر عن واحد من مكونات المجتمع السوري من وجهة نظرها وبصرف النظر عن دوافعها وأسبابها في التسلح، ويمكن للإدارة الذاتية من خلالها أن تحقق ما ترسم له من خطوات سياسية،  من خلال استعراض هيكليتها الحالية وأبرز الفرص والتحديات التي من الممكن أن تحدد مستقبلها.

أولا: الهيكل التنظيمي لقوات سورية الديمقراطية

تأتي أهمية الهيكل التنظيمي لمؤسسة ما إلى أنه يشبه إلى حد كبير الهيكل العظمي للإنسان كونه يمسك بالأنظمة الفرعية، وبدونه تبقى الأقسام المختلفة مجرد وحدات منعزلة عن بعضها، كما أنه يعمل على تحقيق أهداف المؤسسة خاصة إذا ما تحلى بالمرونة التي تجعله قادرا على استيعاب التعديلات التنظيمية المستمرة تبعا للمتغيرات الداخلية والخارجية، وهو ما اتسمت به قوات سورية الديمقراطية التي جعلتها إلى جانب وضوح هدفها ومهامها “محاربة الإرهاب بناء على طلب واشنطن”، وديمومة الدعم الدولي المقدم لها قادرة على الانتقال بالتدريج من الفصائلية التي بدأت بها عملها إلى العمل المؤسساتي المنظم إن استمرت الشروط التي رافقت تأسيسها وتطورها، ويبدو أن قسد وفق هيكلها التنظيمي الموضح أدناه الذي يهدف إلى القيام بمهام عسكرية قتالية، ولوجستية وأمنية:

1 – القيادة العامة: ومنها تصدر كافة الأوامر والتوجيهات إلى كافة المكونات والجهات المعنية، ويقع على رأسها (مظلوم عبدي الذي انضم إلى حزب العمال الكردستاني عام 1990م، وعمل في مكتب عبد الله أوجلان في سورية، وعمل في هكاري جنوب تركيا ونشط أيضا في العراق، وشغل عدة مناصب في الحزب منها مسؤول القوات الخاصة، وتصنفه تركيا واحدا من أخطر الإرهابيين، وظهر في الأول من تموز في أوربا لتوقيع اتفاقية تنهي تجنيد الأطفال ضمن صفوف قواته[3]، الأمر الذي اعتبرته أنقرة انتهاكا من قِبل الأمم المتحدة لكافة القرارات التي اتخذتها حيال مكافحة الإرهاب.)

2 – إدارة الدفاع الذاتي “شؤون الدفاع أو هيئة التجنيد الإجباري”: وتهتم بشؤون التجنيد الإجباري، وتتابع سير العمليات العسكرية، ويتبع لها أفواج وألوية تضم المتطوعين.

3 –  الأيالات والأفواج والألوية التابعة لقيادة العامة لقوات سورية الديمقراطية، والأيالة تعني من الناحية الإدارية منطقة “أيالة مركدة مثلا” ويتبع لكل آيالة خمسة أفواج يسمى الفوج على اسم واحد من القتلى الذين سقطوا في معارك قسد “فوج قورشين”. ويطلقون على سورية بشكل عام اسم الساحة بمعنى هناك “ساحة سورية وأخرى عراقية وأخرى تركية..”

 4 – إدارة الأمن العام: وتضم قوات الأسايش، وقوات الأمن العام، وقوات مكافحة الجريمة المنظمة والجنائية، وقوات النجدة، وتعمل على تنفيذ الحفاظ على النظام العام والسلم الأهلي والأمن الاجتماعي، والحفاظ على المؤسسات المدنية وحماية الممتلكات العامة والخاصة للمجتمع والعديد من مهام المرور والأمن والمداهمات

 5 – إدارة شؤون عوائل الشهداء ويعمل على تقديم الخدمات الاجتماعية والتعليمية والمالية لأسر وذوي القتلى من قوات سورية الديمقراطية “قسد”. 

6 –  إدارة اللوجستيك العام تقوم على تأمين كافة المستلزمات اللوجستية للمقاتلين من الأثاث اللازم كالأسرة والأغطية والوسائد، و المواد التموينية والغذائية من الأطعمة المعلبة واللحوم والخضار والفواكه وغيرها  على كامل جغرافية الشمال السوري.

7 –  قيادة الاكاديميات العسكرية: ويتبع لها كافة المعسكرات والأكاديميات التي من شأنها تدريب العناصر الملتحقين بجميع الاختصاصات العسكرية وبما يتناسب والمهام التي ستوكل لهم “تأهيل قيادين – قنص – فك وهندسة الألغام”، وتعتبر أبرز تلك المعسكرات والأكاديميات معسكرات التدريب التي أقامتها “قسد” في مقر الفرقة ١٧ شمالي مدينة الرقة، و معسكر قرية المحمودلي غرب الرقة، معسكر “صباح الخير” جنوب مدينة الحسكة ، و”أكاديمية الضباط العسكريين ” في عامودا، والأكاديمية العسكرية قرب مدينة عين العرب “كوباني”، والأكاديمية عسكرية في قرية الكنطري بمحافظة الرقة. وأكاديمية الشهيد بروسك من معسكرات التدريب في مدينة الشدادي (60كم جنوب الحسكة)، شمالي شرقي سوريا، و أكاديمية “الشهيدة سارية روناهي”، وأكاديمية ” الشهيد فياض الشبلي”، و أكاديمية “الشهيدة لورانس”، و أكاديمية الشهيد نضال يوسف بكبكا، كما افتتحت أكاديمية تعليمية لمصابي الحرب في محافظة الحسكة الخاضعة لسيطرتها، في 11 آب 2017م، تحت مسمى “الشهيدة فيان كوباني”، للعناية بمصابي الحرب من مقاتليها[4]. وتستوعب تلك المعسكرات في الدورات التي تعلن عنها الفتيات ولا تقتصر على الذكور، كما يتلقى المتدربون فيها دروسا سياسية وفكرية حول فكر عبدالله اوجلان والأمة الديمقراطية و حقوق الأفراد وحقوق المرأة، وهي رغم اختلاف تسمياتها إلا أنها تشترك في المضمون الفكري والعسكري[5].

  8 – الاستخبارات العسكرية: لا تتوفر الكثير من المعلومات عن الجهاز المذكور ضمن قوات سورية الديمقراطية، ويتخذ من مدينة المالكية مركزا لقيادتها، وكان يقودها قبل عامين د.باهوز اردال[6]، إلا أن مقارنة عابرة بين المهام الملقاة على عاتقه ويعلمها أصحاب الاختصاص، والواقع التي تعمل على تنفيذه قسد لضبط الأمن أو مكافحة الإرهاب سابقا “المواجهة مع داعش” من خلال الاهتمام على القوة العسكرية، في وقت يعتمد فيه لنزع فتيل الإرهاب بالدرجة الأولى على مدى القدرة على جمع المعلومات الصحيحة والدقيقة، والكفيلة بمنع وقوع الهجمات ومكافحة الإرهاب، تُظهر محدودية دوره وتأثيره. إلا أنه مع انتهاء المعارك ضد داعش ازداد نشاطه الموجه ضد العاملين من أبناء المنطقة مع فصائل الجيش الحر سابقا، والتحقيق معهم.

9 – الشرطة العسكرية؛ رغم أنها جهاز من أجهزة الجيوش وتعمل على حفظ الأمن والانضباط في صفوف القوات المسلحة ووحداتها، إلا أنها في قسد تختصر مهمتها بإلقاء القبض على المطلوبين وفق قانون التجنيد أو الخدمة الإلزامية تحت مسمى “واجب الدفاع الذاتي” في مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية” في شمال شرقي سوريا.

 10 – ورش الإصلاح والتعدين: يشرف عليها رجل تركي الجنسية، وآخر إيراني و كلاهما من الكرد، وتمتد على مساحة هكتارين كانت سابقا ورش صيانة لآليات الشركة السورية للنفط، ويعمل فيها بحدود /200/ موظف من كافة الاختصاصات ينتقلون بباصات خاصة بهم، وتنقسم هذه الورش على نوعين:

أ – ورش اصلاح الأسلحة والتصفيح، وتقوم بإصلاح الدبابات والمدرعات المعطوبة و الأسلحة الخفيفة، وتعد ورشة الحدادة وهي أكبر الورش وتتضمن إعادة الهيكلة والتصفيح، ويتم فيها تصفيح السيارات وتحويلها إلى مدرعات، إضافة إلى ورشة السلاح الثقيل والخفيف حيث يتم إصلاح وإعادة تأهيل الأسلحة المعطوبة من دبابات ومدرعات وتركسات، والقيام ببعض التعديلات على الأسلحة المستهلكة

ب – ورشة إصلاح السيارات (كهرباء دوزان ميكانيك اطارات)

11 – المجالس العسكرية التي أعلنت عن تشكيلها أواخر حزيران 2019م في مدن وبلدات خاضعة لسيطرتها بينها “تل أبيض، الطبقة، الرقة، عين العرب “كوباني”، الهول في ريف الحسكة، القامشلي”. إضافة إلى المجالس العسكرية السابقة في “منبج، الباب، جرابلس، دير الزور العسكرية”.

12 – حرس الحدود والقوات الخاصة التي جاءت في إعلان قائد قسد مظلوم كوباني عن تشكيل المجالس العسكرية، وخصصت لها وزارة الدفاع الأمريكية في ميزانية عام 2019م مبلغ /250/ مليون دولار لدعم قوة أمنية حدودية تديرها القوات[7].

ثانيا: قراءة في الهيكل التنظيمي للقوات

إن الهيكل التنظيمي الوارد أعلاه لا يمكن اعتباره رسميا، وما تم عرضه هو من مصادر محلية ومن خلال الرصد والمتابعة الإعلامية، بهدف تسليط الضوء على آلية الوقوف على تنفيذ الإجراءات الإدارية والميدانية لتلك القوات، وأن البنى والهياكل الواردة فيه لا يمكن اعتمادها بشكل نهائي، ومرد ذلك التكتم الإعلامي الشديد للقوات الذي يتعلق بنوع الأسلحة المقدمة لها من الجانب الأمريكي والبنية التنظيمية لها التي تصرح بأجزاء منها وفق مقتضيات المصلحة والبروباغندا التي تديرها الماكينة الإعلامية التابعة لها، وعليه يمكن الوقوف على مجموعة من النقاط التي تتعلق به وتقييمه، أهمها:

أ –   يسعى البناء التنظيمي إلى تحقيق جملة من الأهداف يعتبر أبرزها العمل على تقليص الاختلافات بين الأفراد إلى أدنى درجة ممكنة، وضمان التزامهم بمتطلبات ذلك، وهو ما لم يتحقق في قسد. حيث كشف الناطق الرسمي السابق باسم “قوات سوريا الديمقراطية”، طلال سلو أن الولايات المتحدة هي التي تديرها، وكل ما يجري كان عبارة عن مسرحية حتى ولو جرت انتخابات، كما كشف أن التحالف العربي الذي تم تشكيله أثناء عمليات تحرير الرقة بطلب من المبعوث الأمريكي للتحالف الدولي ضد داعش  بريت ما كغورك حمل اسم العرب إلا أنه لم يملك شيئا، وكانت مهمته تَسلم الأسلحة دون أن توزع على العرب والتركمان والسريان، وذلك من أجل عدم ظهور حقيقة وصول هذه الأسلحة إلى (PKK)، ولا وجود عن لوحدة المكونات الخاصة بقسد، وأن المكون الأساس هو الكرد، والقيادة الأساسية التي تمتلك كل القرارات هي قيادة (PKK) [8]. ناهيك عن حملات التطهير العرقي الذي تقوم به قوات حماية الشعب العمود الفقري لقوات سورية الديمقراطية ضد العرب السوريين في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وهو ما كشفت عنه صحيفة التايمز البريطانية في 1 من حزيران 2015م. وبذلك تدلل قسد على أن الشعارات التي رفعتها أرادت من خلالها التأثير على تفكير المواطن الموجود في تلك المناطق والإيحاء بأن قوات “قسد” لديها قوات محررة وقوات تعمل على القضاء على الإرهاب وقوات ستجلب للمواطن الحرية والكرامة والعدالة والمساواة.

ب – اعتماد مبدأ المركزية[9]؛ في قيادة الوحدات والمستويات التنظيمية الأدنى، ونخص بالذكر هنا الوحدات الميدانية والمجموعات العسكرية المقاتلة، وكان لذلك أثر  ذو منحيين:

الأول: إيجابي وضروري للعمل العسكري، مكنها من اتخاذ القرار المناسب في جميع المراحل التي مرت بها، فمثلا أعلنت عن وقف عملياتها العسكرية مؤقتا ضمن المعركة التي أطلقت عليها “دحر الإرهاب “ضد مواقع تنظيم “داعش” بريف دير الزور الشرقي، بسبب الهجمات التركية  على مواقعها التي استهدفت معبر مدينة تل أبيض الحدودي، ما أدى إلى مقتل أحد حراس المعبر وإصابة آخر[10]. كما أن الواقع يشير إلى أن “قسد” قاتلت داعش كفصائل بناء على أوامر عمليات واحدة تصدر من المركز الذي يسيطر عليه اسميا مجلس قيادة قوات قسد، وعمليا يسيطر عليه كوادر PKK وفي مقدمتهم مظلوم عبدي، إضافة إلى فريق الخبراء الأمريكي الذي قاد العمليات ضد تنظيم “داعش”.

الثاني: سلبي يعكس عدم إيمانها لما تدعو إليه من لا مركزية إدارية، وجعلت مهمة الوحدات الأدنى تنحصر في تنفيذ القواعد والضوابط التي وضعتها القيادة العليا، دون أن يكون لتلك الوحدات والوظائف أدنى درجات صلاحيات التقدير والتصرف المستقل.

ج – تتسم قوات سورية الديمقراطية بالمرونة التنظيمية، بصرف النظر عن العوامل الخارجية التي تساعدها في تحقيق ذلك. وهو ما حقق لها التكيف الاستراتيجي بدءا من تأسيسها بهدف تقديم الدعم للأكراد من خلال غطاء ضم المقاتلين الكرد والعرب والتركمان والسريان والأرمن في صفوفها، مرورا بمحاربة داعش والقضاء على الإرهاب وصولا إلى طلب التفاوض مع النظام السوري وفق شروطها، والبدء بتشكيل قوات حرس الحدود في ضوء ما يتم تحضيره للمنطقة التي تسيطر عليها خلال المفاوضات الجارية بشأنها بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية.

د – تتشكل القوات المسلحة من مثلث تتألف أضلاعه الثلاث من (الوحدات القتالية – التأمين الفني والإداري – التدريب القتالي والمعنوي)، ورغم توفر هذه المكونات إلى حد ما في الهيكل التنظيمي لقوات سورية الديمقراطية “قسد”، إلا أنه مفرغ من توزع السلطة فيه على درجات متعددة بين القاعدة والهرم، وكانت المناطق تدار عسكريا وفق ما كشفة العقيد طلال سلو من شخصيات مقربة من قيادة  (PKK)، وتتلقى التعليمات منها، فمثلا تدار المنطقة من منبج ـ كوباني حتى نهاية الجزيرة السورية من قبل خليل تفدام، ويكسبون الأموال من التهريب والرشاوى وتلبى كافة متطلباتهم وهو ما أدى إلى ظهور حالات الفساد.    

ھ – غياب العقيدة العسكرية التي تهدف إلى تعزيز التفكير الإبداعي داخل المؤسسة العسكرية لإيجاد حلول غير نمطية في مواجهة المواقف القتالية والتحديات المتعددة، بالإضافة إلى إمدادها المؤسسات العسكرية بأساليب قيام القوات المسلحة بتنفيذ العمليات المختلفة ووضع دستور محدد يستخدمه القادة العسكريون وواضعو الخطط القتالية أثناء إدارتهم للمعارك. بل إن تذبذب تلك العقيدة المتمثلة بوقوف قوات سورية الديمقراطية في صف الثورة السورية، وضد استبداد نظام الأسد وفق ما قالته ممثلة الإدارة الذاتية الديمقراطية في أوروبا، سينم محمد[11]، ثم عرض تلك القوات خلال تفاوضها مع النظام السوري أن تكون جزءا من جيشه، وإعلانها التفاوض مع تركيا يجعلها تندرج تحت إطار العقيدة التنظيمية الذي يُعد أضيق أنواع العقيدة العسكرية إطارًا مقارنة بالمستويين الأعلى منه “العقيدة الأساسية – العقيدة البيئية” ، وكذلك هو أكثر أنواع العقيدة العسكرية تغيرًا، نظرًا لتأثرها الكبير والمباشر بالتطورات التقنية والخبرات والتجارب الفعلية والتدريبية المستمرة[12]. وذلك يدل على عدم تطور تلك القوات أن تكون جيشا أو جزءا منه.

ثالثا: قوات سورية الديمقراطية؛ الاتفاق في الأسلوب والاختلاف في الرؤية الاستراتيجية

تتفق فصائل المعارضة السورية الفاعلة على الأرض مع قوات سورية الديمقراطية في اعتماد التسلح والعسكرة مع تنامي الاستخدام المفرط للقوة من قبل النظام في سبيل تحقيق أهدافها، إلا أن الأخيرة استطاعت استخدام تنظيم “داعش” في التسويق لنفسها لدى التحالف الدولي الباحث عن عنصر بري سوري “معتدل” يقوم بالمهام القتالية الميدانية، معتبرا الصحفي أحمد خورشيد أن تسابق روسيا وأمريكا للتعاون معها ما هو إلا دليل على قناعتهما بأن قسد هي القوة الوحيدة التي تستطيع دحر الإرهاب نظرا لوجود مشروع سياسي لديها وعقيدة قتالية لا تقل عن عقيدة أي جيش وطني حقيقي[13]، وبالأخص بعد فشل الألوية الأخرى التي دعمتها الغرب وتركيا وعدم استطاعتهما في الحفاظ على الأراضي المحررة سواء تجاه داعش أو النظام. وجيش سوريا الجديد كانت آخر محاولة لها بعد دعمها له بكافة أنواع الأسلحة الثقيلة المتطورة.

مع إعلان قوات سورية الديمقراطية القضاء التام على ما يسمى بالخلافة وخسارة التنظيم لأراضي سيطرته بنسبة مئة في المئة بتاريخ 23 آذار2019م،  تحولت إلى شريك فاعل وبارز في الحرب العالمية على الإرهاب، والورقة الأصعب على الساحة السورية ، من خلال ما عملت عليه من تحسين لموقفها العسكري والاقتصادي والاجتماعي على الأرض،  الذي مكنها من طرح رؤيتها على طاولة المفاوضات حول مستقبل المنطقة والترويج لها بقوة، وهي ما باتت تعرف بالبنود العشرة، التي تضمنت الاحتفاظ بخصوصية تلك القوات “قسد” باعتبارها الخط الأحمر الذي لا يمكن التنازل عنه[14]، ولها الحق في استمرار حماية المنطقة. واعتبار الإدارات الذاتية كجزء من النظام، ولها ممثلون في البرلمان السوري في المركز دمشق، إضافة إلى تمحورها حول مختلف قضايا الحياة والتعليم واللغة والدفاع الوطن والاندماج الحقيقي مع الدولة السورية تحت راية العلم السوري الموحد وسوريا الموحدة[15].

تسعى قوات سورية الديمقراطية الاستثمار فيما تم الوصول إليه والتعامل ببراغماتية مطلقة مع كافة الأطراف لتطبيق الفيدرالية على كافة الأراضي السورية، والعمل نحو سوريا لا مركزية ديمقراطية تعددية، من منظورها، وهي بذلك تقع في طرف مغاير تماما لما تسعى إلى تحقيقه الغالبية العظمى من مجتمع الثورة السورية “العسكري والسياسي” والذي يتمثل بتحقيق هدفين رئيسيين الأول يتعلق بالحريات العامة وتداول السلطة، والمواطنة والمساواة، والثاني يتعلق بالناحية المعيشية والارتقاء بها، إلا أن هيمنة الجانب الأمريكي يمنعها من المضي قدما في سبيل تحقيق ذلك،  حيث هدد قائد قوات التحالف ضد “داعش”، بقيادة أميركا، بول لاكاميرا، بأن الولايات المتحدة ستضطر لوقف مساعداتها العسكرية إلى “قوات سورية الديمقراطية” في حال تحالف مقاتليها مع الأسد أو روسيا، وسيتم قطع العلاقة معهم إذا حدث ذلك[16]. واعتبر المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا “جيمس جيفري” في جلسة لمجلس النواب التابع للكونغرس الأمريكي أن العلاقة مع قوات قسد تندرج تحت إطار الشراكة العسكرية في محاربة تنظيم الدولة إرساء الاستقرار في المنطقة،   وأن أمريكا لا تعمل مع قوات سوريا الديمقراطية على أي مشروع حول المستقبل السياسي (للأكراد السوريين)

رابعا: تحليل نقاط القوة ونقاط الضعف والفرص والتهديدات

 

الخاتمة

يؤكد الباحث السياسي السنغالي “جوبيتر ندياى” على  أنه أينما توجد حركات انفصالية توجد دول منافسة تقدم الدعم لها لأسباب تتعلق بالمكانة والموقع الجيو سياسي من خلال سياسة الإرشاد والدعم المالي والعسكري واللوجيستي.  ويرى الباحث أيضا أن مبدأ تحقيق المصير والذى يعني حق السكان الأصليين أن يقرروا شكل السلطة التي تحكمهم، يعتبر “منفذ” تستخدمه القوى الكبرى لتقسيم الدول وتفتيتها، في مقابل مبدأ آخر يعتبر أكثر عقلانية بحسب وصف الباحث وهو الحكم الذاتي، وفى حصول الإقليم على صلاحيات سياسية وإدارية واسعة منها انتخاب الحاكم وتمثيل في البرلمان يضمن حق التمثيل.

في سبيل ذلك تلقت قوات سورية الديمقراطية أسلحة ثقيلة من الولايات المتحدة من بينها ناقلات جنود ومدافع هاون ورشاشات ثقيلة إلى جانب الذخيرة، بالإضافة لتلقيها الاستشارة من قوات امريكية على جبهات القتال اضافة الى الدعم الجوي من قبل الطيران الأمريكي خلال المعارك ضد تنظيم الدولة،  رغم المعارضة الشديدة من قبل تركيا التي ترى أن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا ليس سوى الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني. وحزب العمال الكردستاني والتنظيمات المرتبطة به مصنف كمنظمة إرهابية لدى كل من أمريكا والاتحاد الأوربي وتركيا، ويهدف إلى: السيطرة على حزام مسلح متصل على طول الحدود السورية – التركية وتأسيس ما يسمى إدارة ذاتية تتكون من المجتمعات المحلية الكردية وغير الكردية على حد سواء.

[1] العربي الجديد – أمين العاصي – خيارات صعبة لقسد:استجاد بفرنسا بعد الفيتو الأمريكي

[2] مقابلة بحثية مع المقدم عبد الله النجار المنشق عن شعبة الأمن السياسي – فرع الحسكة.

[3] عنب بلدي – الجنرال مظلوم أبرز المطلوبين لأنقرة يطل من أوربا

[4] عنب بلدي – قسد تفتتح ثلاث دورات جديدة لتدريب العسكريين

[5] مقابلة بحثية مع المقدم عبد الله النجار المنشق عن شعبة الأمن السياسي – فرع الحسكة.

[6] المرجع مكرر “رقم 5”

[7] عنب بلدي – قسد المجالس العسكرية استراتيجيتنا الجديدة

[8] زمان الوصل –  حكاية تشكيل “سوريا الديمقراطية” بالتواريخ والأشخاص..النص الكامل لحديث “طلال سلو”

[9] – وحدة تحليل السياسات في مركز أسبار للدراسات – التحديات التي تواجه الإدارة الذاتية وقوات سورية الديمقراطية – الاتحاد برس

[10] عدنان الأحمد – العربي الجديد – قسد تعلن وقف عملياتها ضد داعش شرق الفرات

[11] – المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام – الخارطة العسكرية للفصائل المسلحة في سورية – قوات سورية الديمقراطية (3)    

[12] – د. محمد عبد الرحمن عريف – الميادين – كيف تحدد العقيدة العسكرية للدولة؟

10 – المرجع مكرر – رقم 8.

11 – عربي 21 – قسد تكشف شرطها الأساسي لأجل الاتفاق مع نظام الأسد

12 – سبوتنيك عربي – قسد” تقترح أن تكون جزء من الجيش السوري… وتطالب بتوزيع الثروة بشكل عادل

[16] العربي الجديد – خيارات صعبة لـ”قسد”: استنجاد بفرنسا بعد الفيتو الأميركي – أمين العاصي

العملية التعليمية في درع الفرات أول تجربة ناجحة في المناطق المحررة

العملية التعليمية في درع الفرات أول تجربة ناجحة في المناطق المحررة

العملية التعليمية في درع الفرات أول تجربة ناجحة في المناطق المحررة

عمد نظام الأسد خلال حربه المستمرة على الشعب السوري إلى محو أي أثر للحياة في المناطق التي خرجت عن سيطرته ، فاستهدف البنى التحتية و عطل القطاعات الخدمية الأساسية بشكل مباشر من خلال تدميرها بالطائرات أو غير مباشر من خلال حصارها و منع وصول الإحتياجات الضرورية إليها  .

و كان الضرر الأكبر الذي سببته حرب نظام الأسد من نصيب قطاع الصحة ثم قطاع التعليم ، حيث دمرت ميليشيات النظام آلاف البنى التحتية لقطاع التربية و التعليم في المناطق المحررة فوق رؤوس تلاميذها و كوادرها وفق خطة ممنهجة لمحو أي مظهر من مظاهر التنظيم في المناطق المحررة أو الشروع ببناء مؤسسات حقيقية و لعزل المناطق الثائرة على كافة الأصعدة عن سواها من المناطق ، و بهذا الصدد تشير الدراسات و الإحصائيات الأممية إلى أن عدد المدارس التي دمرها نظام الأسد بلغت أكثر 18 ألف مدرسة في انحاء سوريا ، يضاف إلى ذلك تهجير ملايين الأطفال من مدنهم و قراهم باحثين عن العيش الأمن بعيدا عن البراميل المتفجرة ، فحرموا من حقهم الأساسي في متابعة تحصيلهم العلمي .

محاولة مؤسسات الثورة سد احتياجات قطاع التعليم في المناطق المحررة :

رغم المحاولات الحثيثة من قبل منظمات المجتمع المدني و الحكومة المؤقتة و غيرها من المؤسسات ذات الصلة الرامية إلى سد احتياجات التعليم في مناطق سيطرة الثوار ، إلا أنها لم تتمكن من الارتقاء إلى المستوى المطلوب و فشلت في تشكيل نواة تعليمية تكون مرتكزا للانطلاق نحو مؤسسة تعليمية حرة تلبي تطلعات الناس في هذا الجانب ، حيث بقيت هواجس مثل عدم تأمين مستلزمات التعليم و ضعف الرواتب و عدم ديمومة المشروع تسيطر على المشاريع التعليمية التي كان يطلقها بعض القائمين على هذا القطاع في منظمات المجتمع المدني و الذين أكدوا أن مثل هذه الأعباء تحتاج إلى دول و حكومات لتغطيتها و لن تستطيع منظمة انسانية تغطية احتياجاتها .

درع الفرات أول تجربة تعليمية ناجحة في الثورة :

إذا ، ما بين القصف الممنهج للمنشآت التعليمية و انعدام الأمن من جهة و عدم توفر التمويل المادي اللازم للنهوض بأي مشروع تعليمي حقيقي من جهة أخرى كان يقبع قطاع التعليم في المناطق المحررة ، إلى أن بدأت مرحلة جديدة من العملية التعليمية على الأراضي المحررة و ذلك في منطقة عمليات درع الفرات حيث تم استدراك النقاط المعطلة الآنفة الذكر و ذلك بعد تدخل مباشر من الحكومة التركية في دعم مؤسسات التعليم  و منشآتها، حيث رممت المدارس و افتتحت المعاهد و فروع الجامعات المرتبطة بالجامعات التركية و أعدت الكوادر و زادت خبراتها و وضعت الخطط المرحلية لسير العملية التعليمية و تطويرها، و في هذا السياق تحدث السيد محمد نادر حوراني مدير التربية و التعليم في مدينة اعزاز حيث قال : ” لقد بدأ التعليم في مديرية التربية و التعليم في مدينة اعزاز ضمن منطقة درع الفرات يستعيد عافيته بعد مد يد العون من قبل الإخوة الأتراك ، حيث قاموا بترميم المدارس و وفروا كافة الإحتياجات من أثاث و كتب و محروقات و رواتب و وضعوا خططا لتطوير العملية التعليمية من خلال تأهيل الكوادر و رفع مستواها  و ذلك من خلال اخضاعها لدورات تأهيلية تدريبية ، مما انعكس و سينعكس ايجابا على العملية التعليمية برمتها ” .

و أخيرا ، فإنه مع استمرار تقديم الدعم المستمر من قبل الحكومة التركية لهذا القطاع المؤثر و الحيوي في المنطقة و مع تأهيل المزيد من الكوادر و  اكسابهم الخبرات و المهارات الهامة من خلال دورات تأهيلية و العمل بنفس الوقت على استقطاب الكفاءات الثورية  ؛ فإنه يتم تطوير قطاع التعليم في منطقة درع الفرات الذي بات يضم مئات الآلاف من الأطفال السوريين الذين هجرتهم الحرب و هم الآن بأمس الحاجة لاستدراك نقص التعليم الذي سببته الأوضاع التي آلت إليها البلاد في السنوات الماضية  .

محمد علوان

رئيس تحرير مجلة سنابل الثورة

نائب رئيس اتحاد الكتاب و الأدباء السوريين الأحرار

أنفاق قسد أنواعها وآلية إعدادها والأهداف المرجوة منها

أنفاق قسد أنواعها وآلية إعدادها والأهداف المرجوة منها

أنفاق قسد أنواعها وآلية إعدادها والأهداف المرجوة منها

تُشكل استراتيجية الأنفاق وآلية القتال المخفية تحت الأرض إعاقة حركية لأي جيش في العالم، وتعمل على تأمين الحركة والمباغتة والحماية في المناطق غير الصالحة لحرب العصابات التقليدية، ومجابهة التفوق العسكري عند الخصم، كما تنعكس آثارها السلبية على الخصم من خلال التأثير النفسي والمعنوي على عناصره، نظرا لاعتمادها مبدأ المفاجئة في مكان وزمان لا يتوقعهما، من خلال الإعداد لمواقع قتالية مجهولة، وفسح المجال للمقاتلين العمل في مجالين تحت الأرض وفوقها.

ضاقت الولايات الأمريكية المتحدة ذرعا من أنظمة الأنفاق الأرضية لمقاتلي الفيتكونغ، ولعبت دورا رئيسيا في انتصار فيتنام في الحرب، كما شكلت الأنفاق والممرات التي حُفرت داخل الجبال وتحت الأرض وحُصنت بأقوى أنواع الإسمنت المسلح، السلاح الأقوى في أيدي مسلحي الوحدات الكردية، والعائق الأكبر أمام تقدم كل من الجيش التركي والسوري الحر نحو وسط المدينة خلال معركة غصن الزيتون التي انطلقت بتاريخ 20 كانون الأول من العام 2018م.

بدأت قوات سورية الديمقراطية “قسد” بزيادة وتيرة العمل بتجهيز الأنفاق بعد انسحابها من مدينة عفرين وعدم قدرتها على الاحتفاظ بها، معتمدة في تنفيذ ذلك على ما أعلن التحالف الدولي عن تشكليه مطلع العام 2018م “قوة أمنية حدودية من قسد تتألف من 30 ألف مقاتل” لنشرها على طول الحدود السورية، وقَسمت قوات سورية الديمقراطية المنتسبين إلى تلك القوة إلى قسمين؛ فئة الشباب الذين لا تزيد أعمارهم عن عشرين عاما للقيام بمهام الحفر والتعزيل، وفئة كبار السن الذين كلفوا بمهمة مراقبة الحدود مع تركيا، ويتقاضى عناصر كلا الفئتين تعويضا ماليا يبلغ مقداره /200/ دولار شهريا، إضافة إلى العمال المدنيين الذين يعملون بأجر يومي ويشكلون الثلث من التعداد العام للفريق المكلف بهذه المهمة، وبذلك يصل عدد من يقومون بحفر هذه الأنفاق قرابة /2000/ بين منتمٍ لقسد، أو من خارجها وذلك بحسب مصادر محلية.

تنقسم الأنفاق التي تم الإشارة إلى منفذوها إلى قسمين الأول: الأنفاق المفتوحة و يتم حفرها في المناطق المكشوفة  بالآليات الثقيلة، ومن ثم تدعيمها بالإسمنت وتجهيزها بفتحات التهوية كمرحلة نهائية، ومن ثم تغطيتها بالتراب وتمويهها. أما النوع الثاني فهي الأنفاق المخبأة ويتخذون من المدارس والمدن والقرى مداخل لها ونقاطا للبدء بإنجازها، ويتم تدعيمها أيضا بالإسمنت المسلح وتجهيزها بفتحات للتهوية، ولا يتجاوز عرض الأنفاق بنوعيها  /2م/ وكذلك يبلغ ارتفاعها، إلا أن شبكة الأنفاق المذكورة يبلغ طولها مجتمعة ما يزيد عن /1500كم/. إلا أن الأنفاق في كل من القامشلي والمالكية وعامودا فهي كبيرة وواسعة وتسمح بدخول سيارة متوسطة الحجم، كما يُضاف للنوعين المذكورين الأنفاق الكبيرة المتواجدة في المدن التي اندحر منها تنظيم الدولة “داعش”.

تنتشر الأنفاق بشكل عام التي تقوم قوات سورية الديمقراطية منذ أكثر من عام بتجهيزها في كافة المناطق والمدن الخاضعة لسيطرتها، وبشكل خاص في القرى المحاذية للحدود التركية و التي يقطنها مواطنون أكراد، ويعتبر أهمها النفق الذي يتم حفره في القامشلي في الجهة المقابلة لمدينة نصيبين التي تقع ضمن الحدود التركية على عمق يزيد عن خمسة عشر مترا بهدف الوصول إلى مدينة نصيبين، إضافة إلى عدد من الأنفاق في المنطقة الصناعية في مدينة القامشلي وقد تم نصب خيمة عند مدخل كل واحد منها وهي لا تبعد أكثر من 1 كم عن الحدود التركية، كما تتواجد الأنفاق في المدن الخاضعة لسيطرتهم حيث يوجد مثلا في مدينة القحطانية أربع أنفاق تربط كل من الفوج التابع لقوات سورية الديمقراطية ويقع غرب المدينة، والمركز الثقافي، ومبنى الأمن العسكري في المدينة الذي كان سابقا يتبع للنظام وتستخدمه قسد حاليا كواحد من مقراتها القيادية، ومدرسة عبد القادر الجزائري للتعليم الأساسي وهي إحدى مقرات قسد أيضا.

إن الأنفاق وبناء على المعلومات السابقة تهدف قسد من ورائها إلى تحقيق أمرين، يتمثل الأول في استمرار الاتصال والتواصل وقت الحرب وتتواجد فيها قيادة تلك القوات، وتحتوي مراكز قيادة وسيطرة لإدارة عملياتها العسكرية المحتملة، وتوزيع المهام على المقاتلين. أما الثاني لتحقيق مبدأ التماس مع العدو وتنفيذ المناورة فيها لأطول فترة ممكنة، والقيام بالمهمات الكبيرة والالتفاف حول القوة العسكرية المقابلة، ومواجهة قوات الخصم بشكلٍ يحقق مبدأ المفاجئة، وتنفيذ ما يمكن تسميته بالكمين المستور. وتزود تلك الأنفاق بجميع الاحتياجات من طعام وشراب وذخائر ومعدات للصيانة بهدف البقاء فيها لأطول فترة ممكنة.

تعد استراتيجية حفر الأنفاق تكتيكا أو أسلوبا حربيا يتم اللجوء إليه عند الضرورة الملحة، ومن الممكن أن يتحول إلى سلاح استراتيجي قادر على قلب موازين القوى، وصياغة معادلات صراع جديدة تصنع التفوق إذا ما توفرت عوامل التماسك لدى الطرف الذي اعتمد تلك الاستراتيجية، وهو ما لا يتوفر لدى قوات سورية الديمقراطية التي تشهد المنطقة التي تسيطر عليها انفلاتا أمنيا ملحوظا وخاصة في مدينة دير الزور، وتنتشر فيها حالات الخطف والاعتقال والاغتيال، كما تشهد في الوقت نفسه استنفارا كاملا وخاصة في مدن تل أبيض وسلوك والقرى القريبة منهما بريف الرقة الشمالي، ومدينة رأس العين في الحسكة، لدرجة العمل على تسيير دوريات بالدراجات النارية، الأمر الذي يعكس التخوف الكبير الذي يكتنف قسد وقادتها من الحرب التي تلوح في الأفق نظرا لبدء العد التنازلي للعملية العسكرية الكبيرة ضد “قوات سوريا الديمقراطية” شرقي الفرات وفق ما نشرته صحيفة “يني عقد”، وغياب العقيدة القتالية الذي يعكسه الانقسام الحاد داخل صفوف متزعمي “قسد” حيث يسعى قسم من القيادات الكردية والعربية السورية تجنب المواجهة مع الجيش التركي وفصائل المعارضة السورية وتجنب سيناريو مدينة عفرين، بينما يلقى هذا الأمر اعتراضا من القيادات غير السورية التابعة لحزب “العمال الكردستاني” وتحديدا من “جبال قنديل”.

رسائل الاستراتيجية الجديدة لفصائل المعارضة السورية: التقدم لتحرير مناطق جديدة من قوات الأسد

رسائل الاستراتيجية الجديدة لفصائل المعارضة السورية: التقدم لتحرير مناطق جديدة من قوات الأسد

فشلت قوات النظام التي بدأت بدعم من روسيا، بحملة عسكرية واسعة على المناطق المشمولة باتفاق “خفض التصعيد” بأرياف إدلب وحماة، وما رافقها من حملات إعلامية تروج بأنها “المعركة الأخيرة” والحاسمة مع فصائل المعارضة في شمال سوريا،  ورغم مضي حوالي الثلاثة أشهر على انطلاقتها في تحقيق أي تقدم، وسط خسائر بشرية فادحة كشفت عنها صفحات التواصل الاجتماعي المقربة من النظام.

المقدمة

فشلت قوات النظام التي بدأت بدعم من روسيا، بحملة عسكرية واسعة على المناطق المشمولة باتفاق “خفض التصعيد” بأرياف إدلب وحماة، وما رافقها من حملات إعلامية تروج بأنها “المعركة الأخيرة” والحاسمة مع فصائل المعارضة في شمال سوريا،  ورغم مضي حوالي الثلاثة أشهر على انطلاقتها في تحقيق أي تقدم، وسط خسائر بشرية فادحة كشفت عنها صفحات التواصل الاجتماعي المقربة من النظام.

يدل الوضع بالشمال السوري عن قرب، إلى أن المعارضة السورية باتت تمتلك القوة العسكرية والتخطيط الإستراتيجي الذي يمكنها من التقدم على حساب قوات الأسد رغم كثافة الطلعات الجوية، إلا أنها تكتفي بالعمليات النوعية و صد محاولات الأسد للتقدم، ويبدو أنها تهدف في المرحلة الحالية (قبل القمةً التي تجمع قادة الدول الثلاث “تركيا روسيا إيران” لمناقشة حل الأزمة السورية، إضافة لنقاش ما يجري في محافظة إدلب) إلى تشتيت قوات الأسد والروس، ومنعهم من ترتيب حملة عسكرية جديدة على ريف حماة الشمالي ومحافظة إدلب، ولذلك تتبع استراتيجية السرعة والمفاجئة، وهو ما حدث بجبل التركمان والحماميات، حيث تنفذ عمليات نوعية وتلحق الخسائر بقوات الأسد ثم تنسحب،  حرب ارادات وصراع توازنات عالمية يتم من خلالها تصفية حسابات خارجية داخل الأراضي السورية.

أولا: ملامح الاستراتيجية العسكرية الجديدة لفصائل المعارضة:

تكشف قراءة متأنية لمجريات الحملة العسكرية شمالي حماة وجنوبي إدلب وظروفها، عن اتجاه آخذ بالتصاعد نحو الاستقرار الاستراتيجي لموازين القوة في ميدان الساحة السورية بأكملها، وعلى مختلف مستوياتها، ولا يقتصر على الصعيد العسكري فقط، قد يتكرس في جولة أستانة 13، على شكل اتفاق سياسي يستند إلى آخر النتائج الميدانية العسكرية، التي تسعى فصائل المعارضة السورية العمل على تثبيتها بالاعتماد على تنفيذ مجموعة من التكتيكات العسكرية المركبة والمتداخلة وأهمها:

أ _ التلويح بالقدرة على فتح محاور جديدة تنهك النظام من خلال تنفيذ عمليات خاطفة باتجاهها، حيث أعلنت المعارضة السورية في التاسع من تموز 2019م عن بدء معركة “فإذا دخلتموه فإنكم غالبون” للسيطرة على مواقع ميليشيا الأسد في جبل التركمان, تمكنت من خلالها كسر الخطوط الدفاعية الأولى للميليشيات على عدة محاور هناك والسيطرة على بعض النقاط على محور “برج الزاهية” في جبل التركمان، وتنفيذ سلسلة مِن العمليات العسكرية على أكثر مِن 20 نقطة لـ قوات “نظام الأسد”[1]، كما استهدفوا مواقع جيش الأسد بعدد كبير من القذائف الصاروخية والمدفعية. وعملت الفصائل العسكرية على تحريك هذه الجبهة مِن أجل “إرباك قوات النظام وميليشياتها، وتشتيت معاركها في أرياف حماة وإدلب واللاذقية”، كما أنّها جبهة مجاورة لـ منطقة (جبل الأكراد) التي شهدت أيضا خسائر بشرية ومادية كبيرة في صفوف “النظام” عندما حاول بدعم جوي روسي مكثف، التقدم على محور “الكبانة” وغيره مِن المحاور في منطقة جبل الأكراد شمال اللاذقية.

بالإضافة إلى سيطرة فصائل المعارضة السورية على بلدة وتلة الحماميات الاستراتيجية في ريف حماة الشمالي، بعد هجوم مفاجئ شنته ضد قوات الأسد في المنطقة، وتأتي استراتيجية التلة بسبب رصدها لمنطقة كرناز بشكل كبير وطريق كرناز الشيخ حديد، إضافة إلى عدد من المناطق في ريف حماة، واستخدم مقاتلو الفصائل في هذه المعركة السلالم للوصول إلى رأس التل[2].

 ب _ إظهار قوات النخبة لدى الفصائل: حيث تتضمن هيكلية كل فصيل وحدات “مهام خاصة” تختلف عن باقي العناصر بالتدريبات التي يتلقونها، والعمليات العسكرية التي يدخلون فيها، والتي تكون على شكل “عمليات إغارة” في عمق مناطق النظام السوري. وتنحصر الوحدات الخاصة في “تحرير الشام” بـالعصائب الحمراء، والتي أعلن عن تشكيلها في آب 2018، وارتبط اسمها بجميع العمليات الخاصة والنوعية التي تعلن عنها تحرير الشام، وروج لهم كمقاتلين بارزين تدربوا على جميع الفنون القتالية[3]، ويعمل مقاتلوها خلف خطوط العدو، وبين الفترة والأخرى يبرز اسمهم في هجمات تعلن عنها “الهيئة” تستهدف مواقع لقوات الأسد في محيط محافظة إدلب وأرياف حماة وحلب، حيث هاجمت القوات الخاصة التابعة لـهيئة تحرير الشام موقعًا لقوات الأسد في قرية كفرهود ريف حماة الشمالي، وتمكنت من قتل أكثر من سبعة عناصر من قوات الأسد وجرح آخرين.

 ج _ التطور في المنظومة الصاروخية الموجهة، والتوسع في بنك الأهداف: حيث استهدف تنظيم “أنصار التوحيد”، القاعدة العسكرية الروسية شمال غربي مدينة مصياف بريف حماة، بصواريخ غراد بعيدة المدى، وطال القصف عدداً من المواقع ومستودعات الأسلحة التابعة للفيلق الخامس في محيط مصياف، ما يدل على أن عمليات القصف والاستهداف النوعي التي تنفذها المعارضة تحمل دلالات مهمة، ومن ضمنها إمكانية ضرب أهداف بعيدة وقريبة للمليشيات والقوات الروسية، وسهولة استهداف غرف عملياتها، وامتلاك معلومات وتفاصيل كافية لشل حركتها وإشغالها الدائم من خلال النيران الموجهة والصاروخية المتوسطة والبعيدة. والهدف الرئيسي للعمليات، إجبار العدو على وقف هجماته البرية والانسحاب إلى خريطة السيطرة ما قبل أيار 2019م. كما أن نيران تلك المنظومة وصلت إلى أهم معاقل القوات الروسية في اللاذقية، حيث استهدف فصيل “أحرار الشرقية”، التابع لـ”الجيش الوطني” استهدف قاعدة حميميم بعدد من صواريخ غراد بعيدة المدى، أصاب بعضها أهدافاً داخل القاعدة وبعضها الآخر تصدت له الدفاعات الجوية الروسية، وهذه هي المرة الأولى التي يستهدف فيها فصيل معارض القاعدة الروسية، ويعلن عن العملية[4].

د _ اعتماد مبدأ تكتيكات وأساليب الحرب اللامتماثلة: سمحت بكسر موجة التفوق العسكري الروسي، كاستخدام أسلوب الانتشار الواسع لتفادي الإفناء بالنيران المركزة، وتجنب فخ “التطويق الاستراتيجي” الذي وقعت فيه فصائل حلب إبان المعارك الشرسة لفك الحصار عنها، عندما منحتها روسيا معبراً صغيراً بالقرب من مدرسة المدفعية، واستخدام وسائط بدائية، مضافٌ إليها تقنيات عالية، مثل الطائرات الخشبية المسيرة التي استخدمت بفعالية للاستطلاع، وإلقاء قنابل صغيرة في بعض المواقع، أحدثت بلبلة وحالة من التشتت، أدّت الى فرار مجموعات كاملة، واستخدام الدراجات النارية بكثافة، بحيث وصلت مفارز الاقتحام إلى أهدافها بسرعة كبيرة وبتوزع كبير على مسرح العمليات، وتفاوت الروح المعنوية لدى الطرفين، وتنفيذ عمليات إعادة انتشار مستمرة في خطوط التماس بما يتناسب مع خطورة كل محور وحجم العتاد والعدد المعادي فيه.

ثانيا: تأثير الاستراتيجية العسكرية للفصائل العسكرية على الأداء العسكري للنظام وحلفائه

أ _ قدمت المعارك الأخيرة دليلا واضحا على أن النظام السوري يفتقر إلى القوة البشرية لاستعادة السيطرة على بقية البلاد، كما أظهرت ضعف الروح المعنوية لدى جنود النظام وعدم تحمسهم للقتال، وأنهم يقاتلون على مضض ويفتقرون لمهارات القتال، ما دفع النظام إلى مناشدة موسكو حتى تطلب من جيشها المشاركة في العمليات العسكرية وتنظيم الهجوم. كما أطلق موالون للنظام حملة تحت عنوان؛ “بدنا نتسرح” عبر مواقع التواصل اﻻجتماعي (فيس بوك)، مطلع تموز الجاري، وطالبت الحملة بتسريح دورات محتفظ بها منذ ثمانية أعوام في الخدمة العسكرية، لتعكس بذلك مدى التململ داخل صفوف القوات والميليشيات الموالية لها بعد استنزاف الشباب في معارك لخدمة بشار وحليفته روسيا[5].

ب _ قيام الضباط الروس بتكثيف تواجدهم وعملياتهم الاستطلاعية على محور سهل الغاب بهدف رسم خطط للهجوم على سهل الغاب من أجل السيطرة عليه، والوصول إلى الطريق الدولي حلب-اللاذقية ومدينة جسر الشغور، والاطلاع على مدى امكانية نجاعة تغيير المحور أو فتح محور جديد من سهل الغاب باتجاه جسر الشغور، تشارك فيه قوات “السبيتسناز” مع المرتزقة الروس مع مليشيات الأسد[6]، علماً بأنه ليس لدى الروس القوة البرية لمثل هذا العمل، كما أنهم متخوفون من مضادات الدروع على طرفي سهل الغاب ومتخوفون أيضاً من عدم قدرة ميليشيات الأسد على القيام بمثل هذا العمل. وكذلك دخول الميليشيات الإيرانية كالحرس الثوري والميليشيات التابعة له والموالية على شكل مجموعات في معارك ريف حماة بعد الاستنجاد بها بسبب الخسائر التي مني بها النظام.

ج _ أكدت صحيفة “سفابودنايا براسا” الروسية في تقرير لها” أن جيش بشار الأسد إلى جانب بعض الميليشيات الموالية له، لم يتمكن من محاربة المعارضة المسلحة التي تسيطر على إدلب و أنه من الصعب تكذيب مشاركة قوات برية روسية في المعارك حسب ما أعلنت وزارة الدفاع الروسية، أو نفي ذلك مثلما فعلت وزارة الدفاع الروسية التقارير الواردة حول إرسال قوات برية روسية للقتال ضد فصائل المعارضة في جبهات إدلب شمالي سوريا[7].

د _   اعتماد مبدأ الإبادة والأرض المحروقة من خلال حملات القصف الجوي واستخدام الأسلحة شديدة الفعالية، كجزء من تحقيق الأهداف السياسية، كما حدث في خان شيخون و كفرنبل ومعرة النعمان ومعرشورين، حيث تدفع شدة القصف والقتل والتدمير الكثيرين للترحيب بأي اتفاق يؤدي إلى وقف هذه المجازر.

ثالثا: ملامح حرب الإرادات الناجمة عن الموقف العسكري المتشكل من أداء فصائل المعارضة

يظهر تصريح الرئيس التركي عن استعداد بلاده لتحضيرات سيتم تنفيذها في تل أبيض وتل رفعت، وأنه نقل الموضوع إلى زعماء روسيا والولايات المتحدة وألمانيا خلال مباحثاته معهم مؤخرًا. وسعي بلاده لعقد اجتماع حول تنسيق انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، لمناقشة سبل إنشاء منطقة آمنة وأبعادها في البلد العربي، واستمرار وصول التعزيزات العسكرية التركية ومنها فرق الكومندوز، وما صرح به وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو  إنه في حال عدم تأسيس المنطقة الآمنة فإن تركيا سوف تقوم  بإجراء عملية عسكرية  شرقي نهر الفرات[8]، والطلب من الجيش الوطني الذي شكلته الفصائل الثورية في منطقتي “درع الفرات” و”غصن الزيتون” شمال حلب، رفع الجاهزية العسكرية، والاستعداد لعمل عسكري مرتقب، أن  ملف إدلب هو رسالة واضحة إلى نظام الأسد وحليفه الروسي من قِبل خصومهم الإقليميين والدوليين بأنه لا يمكنكم أخذها بالقوة و عليكم الجلوس إلى المفاوضات.

 كما تعكس المعركة في إدلب حالة عدم الوفاق التام بين الأسد وحلفاؤه فيما يتعلق بالمعركة، نظرا لتضارب المصالح، كما لا تؤيد الدول الغربية خاصة الأوربية الحملة الروسية على المنطقة، الأمر الذي دفع لافروف وزير الخارجية الروسي في مقابلة مع صحيفة راينيس بوست الألمانية للقول أن موسكو تبحث عن حل لا يضر المدنيين، وأن القضاء على بؤرة الإرهاب في سوريا يعتبر من مصلحة الاتحاد الأوروبي، لأنه سيخفض مستوى التهديد الإرهابي القادم من المنطقة[9].

الخاتمة

عملت تركيا بعد أن رفضت روسيا انسحاب النظام من القرى والبلدات التي سيطر عليها ومنها بلدة كفر نبودة، والالتزام باتفاق مناطق خفض التصعيد على التنسيق مع الفصائل المسلحة وتزويدها بأسلحة وعتاد عسكري نوعي منه مضادات الدروع التي لعبت دوراً كبيراً في صد محاولات نظام الأسد المتكررة التقدم نحو إدلب وريف حماة الشمالي، فضلاً عن إمدادهم بعشرات العربات العسكرية المدرعة، حيث تنظر إلى مناطق الشمال السوري وخاصة محافظة إدلب الحدودية معها باعتبارها مرتبطة بالأمن القومي التركي، إذ أن أنقرة التي تستقبل حوالي 4 ملايين لاجئ سوري على أراضيها لم تعد قادرة على استيعاب موجة لجوء جديدة حسبما أكد بعض المسؤولين الأتراك مؤخراً، إضافة إلى استثمارها في قابلية مقاتلي المعارضة في اكتساب مهارات قتالية متقدمة، وخبرات عالية تستفيد منهم في معارك قادمة.

[1] تركيا بالعربي –  عمليات عسكرية للفصائل على 20 نقطة النظام” شمال اللاذقية

[2] عنب بلدي – العميد أحمد بري – معركة ذات السلالم

[3] – هيومن فويس – العصائب الحمراء يدخلون معارك حماة.

[4] المدن – خالد الخطيب – المعارضة توسّعُ بنك أهدافها: القواعد الروسية في مصياف وحميميم

[5]– تركيا بالعربي – صحيفة روسية: “جيش الأسد” فشل في معارك إدلب.. ومعنويات جنوده منهارة وليس لهم إرادة قتالية

[6]– أورينت نت – بعد فشلها.. خطة روسية جديدة للهجوم على سهل الغاب

[7] الدرر الشامية – صحيفة روسية: “جيش الأسد” فشل في معارك إدلب. ومعنويات جنوده منهارة وليس لهم إرادة قتالية

[8] رابطة المستقلين الكرد السوريين – أوغلو :إذا لم يتم تأسيس المنطقة الآمنة سوف نبدأ عملية عسكرية واسعة.

[9] الاتحاد برس – لافروف: سنبحث عن حل لا يضر المدنيين في إدلب ولن نتسامح مع وجود الإرهابيين