Category: أبحاث سياسية

الاستراتيجية الروسية بين الشيشان وسوريا

الاستراتيجية الروسية بين الشيشان وسوريا

تبلغ المساحة التي تخضع لسيطرة المعارضة السورية ضعف مساحة الشيشان، وعلى رغم أن حرب الشيشان دارت بين روسيا الاتحادية وإحدى الجمهوريات الفيدرالية (على حد وصف الروس) ولم تكن محل صراع إقليمي ودولي كما هو الحال في سوريا، إلا أنه يتعين على الفاعلين وصناع القرار في الثورة السورية أن يدركوا قدرات “عدوهم الروسي” ويفهموا استراتيجياته العسكرية والسياسية ويقرؤوا تاريخه وتجاربه، ويتحسسوا العقلية التي تتحرك بها القيادة الروسية والتي لم تتغير منذ أكثر من عقدين من الزمن، ولعل من أبرز التجارب الحديثة التي تستحق الدراسة والتأمل وتولد رؤية عميقة عن الاستراتيجية التي يتحرك بها الروس هو تعاملهم مع التجربة الشيشانية في نيل الاستقلال.

المقدمة

لقد زاد النفوذ الروسي على الخريطة السورية بعد تعزيز التدخل العسكري الروسي في النصف الثاني من العام 2015، بعد أن وافق “مجلس الاتحاد الروسي” على تفويض الرئيس “فلاديمير بوتين” باستخدام القوات المسلحة الروسية خارج البلاد إثر طلب الحكومة السورية لذلك، كما تعزز النفوذ الروسي أيضاً بعد الدور المحوري الذي لعتبه روسيا في المفاوضات السياسية في أستانة وهامبورج والقاهرة حول مناطق خفض التصعيد؛ والتي تهدف إلى وقف إطلاق النار، وفك الحصار عن المناطق المحاصرة والإفراج عن المعتقلين وعودة المهجرين تمهيدا لحل سياسي شامل بحسب التصريحات الروسية، إلا أن تلك الاتفاقات ما زالت محط الأنظار وقيد الاختبار، في ظل الخلافات الروسية الإيرانية والتفاهمات الروسية الأمريكية، وقدرة الضامن الروسي على الوفاء بالتزاماته.

إلا أنه بدا واضحا للجميع أن حلا قادما للمسألة السورية لن يكون دون موافقة روسية، ولن تَخلوَ لوحة الحل من لمسات الضباط والسياسيين الروس.

ومع هذا الدور المحوري الذي يلعبه الروس في سوريا، تعين على القيادات وصناع القرار في الثورة السورية والقائمين على المفاوضات فيها أن يدركوا قدرات “عدوهم الروسي” ويفهموا استراتيجياته العسكرية والسياسية ويقرؤوا تاريخه وتجاربه، ويتحسسوا العقلية التي تتحرك بها القيادة الروسية  والتي لم تتغير منذ أكثر من عقدين من الزمن، ولعل من أبرز التجارب الحديثة التي تستحق الدراسة والتأمل وتولد رؤية عميقة عن الاستراتيجية التي يتحرك بها الروس هو تعاملهم مع التجربة الشيشانية في نيل الاستقلال مرورا بحرب الشيشان الأولى ومفاوضاتها، وحرب الشيشان الثانية وخاتمتها المثيرة بقيادة رئيس الوزراء ” فلاديمير بوتين” الذي يرى في تلك التجربة نجاحا شخصيا وانتصارا لا يمكن محوه من ذاكرة روسيا الاتحادية، بعد أن كانت الشيشان مستنقعا لم يعرف الروس كيفية الخروج منه إبان الحرب الشيشانية الأولى، في حين أصبح “بوتين” يرى في الشيشان “رافعة” أوصلته إلى سدة الحكم، بعد نجاحه بحرب الشيشان الثانية.

وبالرغم من أن المساحة التي تخضع لسيطرة الثوار في سوريا قد تكون ضعف مساحة الشيشان، إلا أن تلك الرقعة الجغرافية (الخضراء) الخاضعة لنفوذ فصائل المعارضة السورية، باتت ممزقة مبعثرة من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، وبات التعامل العسكري والسياسي مع كل منطقة على حِدَة، وبشكل منفرد مستقل، وبات من الممكن جدا تنفيذ أي مخطط في ظل عدم وجود تمثيل سياسي وعسكري واحد للثورة السورية، بل وانقسام كل منطقة من مناطق الثورة على نفسها، علاوة على الانقسام العام الذي تعيشه ككل.

وبالرغم من أن حرب الشيشان يمكن اعتبارها حربا داخلية أيضا، بين روسيا الاتحادية وإحدى الجمهوريات الفيدرالية (على حد وصف الروس) ولم تكن محل صراع إقليمي ودولي كما هو الحال في سوريا، إلا أنه يمكن سحب تلك التجربة على مناطق متفرقة من سوريا، كالغوطة الشرقية وريف حمص الشمالي مثلا، رغم الدور المحوري الذي تلعبه الولايات المتحدة الأمريكية و بعض الدول الإقليمية، إلا أن موقع تلك المناطق وتعرضها للحصار وعدم كونها مناطق حدودية يقلل من الصراع الإقليمي عليها ويترك للروس حرية الحركة والتعامل معها نسبيا، كما أنه من المؤكد أن روسيا استفادت من بعض فصول التجربة الشيشانية لتطبقها في حربها الدائرة في سوريا، ومما يزيد احتمالية استنساخ التجربة الشيشانية أو الاستفادة منها أن المُخَطِّطَ في الشيشان وسوريا واحد؛ وهو رئيس الوزراء الروسي “فلاديمير بوتين”، ومن جانبه صرح الرئيس الشيشاني “رمضان قديروف” في وقت سابق أن سوريا تعتزم دراسة تجربة الشيشان في مكافحة الإرهاب[1].

تناقش هذه الورقة البحثية التجربة الشيشانية ومراحلها، والاستراتيجية الروسية لإنهاء الصراع فيها، مع محاولة لتحليل تلك التجربة ومقاربتها بتطورات الثورة السورية والاستراتيجية الروسية في التعامل مع المناطق المحررة فيها.

إشكالية البحث:

تقوم إشكالية البحث على التعرف على ماهية الاستراتيجية الروسية في التعامل مع القضية الشيشانية ومقارنتها مع الاستراتيجية المتبعة من قبل الروس في سوريا لاستخلاص الدروس المستفادة منها.

فرضيات البحث:

يستند البحث إلى الفرضيات التالية:

  • تَعتبُر القيادةُ الروسية أن الاستراتيجية الروسية المستخدمة في الشيشان هي استراتيجية ناجحة ويمكن نقلها إلى أماكن أخرى كسوريا.
  • واقع التشرذم الذي عاشته الثورة السورية أغرى الروس في اعتماد استراتيجية التعامل مع الشيشان في سوريا.
  • إن عوامل التشابه بين الواقع في الشيشان وسوريا لا يعني بضرورة حتمية وصول الاستراتيجية الروسية لنفس النتائج لاختلاف العوامل المؤثرة في القضية السورية.

منهجية البحث:

تم إعداد الدراسة وفق المنهج التاريخي من خلال عرض التجربة الشيشانية، ثم الانتقال في نهاية المبحث الأول إلى المنهج التحليلي أثناء عرض الحرب الشيشانية الأولى والثانية، والانتقال في المبحث الثاني إلى المنهج المقارن أثناء مقاربة التجربة الشيشانية بتطورات الوضع في سوريا.

الباب الأول: مراحل التجربة الشيشانية، والاستراتيجية الروسية لإنهاء الصراع

أولا: الشيشان لمحة جغرافية

أ _ الموقع والتضاريس

تقع الشيشان في منطقة جبال (القوقاز) – التي تمتد بطول 60 ميلاً ما بين البحر الأسود غربًا وبحر قزوين شرقًا – وهي في الجنوب من موسكو (بحوالي 1000 ميل)*، ويحدها من الجنوب كل من داغستان وجورجيا، وداغستان وروسيا شمالا، وأوسيتا الشمالية وأنجوشيا غربًا[2].

وتتنوع طبيعتها الجغرافية ما بين غابات وجبال ـ يفوق ارتفاعها 4000م ـ وسهول وأنهار، ومناخات تتراوح بين الباردة والمعتدلة، وتتراكم الثلوج في الشيشان كل عام من أوائل تشرين الثاني، حتى أواخر آذار بسمك يتراوح بين 1 إلى 1.5 مترا، وحددت تلك الظروف المناخية والطبيعة الجغرافية طبيعة الحرب والقتال فيها منذ العهد القيصري وحتى اليوم[3] ، وتعد حاليا إحدى جمهوريات روسيا الاتحادية وتخضع لنفوذها المباشر وتتمتع بحكم ذاتي في الوقت نفسه، عاصمتها (غروزني) التي أنشئت عام 1817م, وهي كلمة شيشانية تعني المرعب، وتستأثر بحوالي ثلث سكان الشيشان، وهي مدينة محصنة تقع على رابية حول نهر السونج.[4]

ب _ المساحة والسكان

رغم شهرتها، إلا أن الشيشان ذات مساحة محدودة تبلغ (17.000 كم2)[5]، إلا أن الحكومة الروسية قامت باقتطاع مساحات منها لتبلغ مساحتها في الوقت الحالي (15800 كم2)[6] لتحاكي مساحتها مساحة دولة قطر العربية تقريبا، والتي تبلغ مساحتها (11437 كم2)[7]، ويستطيع المرء أن يقطع جمهورية الشيشان بالسيارة من الشمال إلى الجنوب في نحو ساعتين ومن الشرق إلى الغرب في أقل من ساعة.[8]

(وعددُ الشيشانيين في العالم ـــ رغم التقديرات المختلفة ـــ حوالي مليون ونصف نسمة، وإن غالبية الشيشانيين (حوالي المليون) كانوا يعيشون في الشيشان قبل الحرب الشيشانية الأولى 1994 ـــ 1996 في حين كان هناك تواجد للشيشانيين أيضا بأعداد ذات شأن في روسيا وكازاخستان وجورجيا وتركيا وسوريا والأردن وكان استقرارهم في هذه الدول ــــ إلى حد كبير ــــ نتيجة الترحيل الجزئي للسكان بين القرن 19 والقرن 20 ومن بعده الترحيل في العام 1944).[9]

ثانيا: الشيشان …قراءة تاريخية حتى إعلان الاستقلال

لم تنعم الشيشان في تاريخها القديم أو الحديث بالهدوء والاستقرار، بل كانت بشكل دائم على صفيح من نار، وشكل لها موقعها الجيوسياسي والجيواستراتيجي أهمية بالغة، وخطرا دائما بسبب أطماع الدول الكبرى بمنطقة القوقاز، وعلى رأس تلك الدول روسيا القيصرية بتقلباتها الشيوعية ثم الاتحادية الفدرالية، حيث بقيت لها اليد العليا في الشيشان عبر أغلب المراحل التاريخية التي مرت بها.

أ _ الشيشان تحت الحكم الإسلامي

بدأ انتشار الإسلام في الشيشان في القرن الثامن الميلادي في عهد الأمويين، ولكنه كان انتشارا بطيئا حتى القرن السادس عشر الميلادي، وقد انتشر الإسلام بجهود الحركات الصوفية، التي عرفت بالمريدية، وارتبطت بالمقاومة ضد الروس في القرن الثامن عشر الميلادي.

والشيشانيون جميعهم من السُّنَّة، وهم شافعيو المذهب، ولا يوجد بينهم يهودي أو مسيحي شيشاني، وأكبرهم ثلاث عشائر الأرستغوي والنوختشي والغلغاي.

كما كانت منطقة القوقاز قبل الغزو الروسي تحت السيطرة العثمانية، عدا أذربيجان التي كانت تحت سيطرة الصفويين في إيران، أما شمال القوقاز – ومنها بلاد الشيشان – لم تكن تحت السيطرة المباشرة للعثمانيين، بل كانت تحت نفوذهم، وقد كانت هذه الشعوب راضية بهذا الوضع بسبب العقيدة والمذهب، كون الدولة العثمانية بمنزلة المرجع الديني لهم، لكونها “حاملة راية الخلافة الإسلامية”.[10]

ب _ الأطماع الروسية في الشيشان

بدأت الأطماع الروسية في القوقاز قبل أكثر من ألف عام، وبالتحديد عام 943م، وأخذت روسيا تحتل المناطق القوقازية منطقة تلو الأخرى، وما إن حل عام 1785م، حتى تحولت جميع المناطق الشمالية من القوقاز بما فيها الشيشان إلى ولايات روسية، ولم تهدأ جذوة النضال ضد المستعمرين الروس، وظهر الشيخ منصور الشيشاني الذي نظم المقاومة ضد المحتلين الروس، وجاء بعده الإمام مولى الداغستاني وقاد ثورة الداغستان والشيشان مقتفيا أثر الشيخ منصور، وخلفه الإمام شامل في المقاومة، وقد حشدت القيادة القيصرية له (200) ألف رجل، أي حوالي ثلث الجيش القيصري، وقامت بهجوم كبير هزمت على إثره الشيشان وداغستان عام1859م.[11]

ج _السيطرة السوفيتية على الشيشان

لم تخمد الثورة الشيشانية كليا حتى قيام الدولة البلشفية عام 1917م، حيث تجددت حركة التحرير لتحاول الشيشان أكثر من مرة تكوين جمهورية مستقلة، مستغلة أحداث الثورة الشيوعية، إلا أن الشيشان بقيت خاضعة لنفوذ الاتحاد السوفيتي وتعرضت لحملات التهجير بحجة تعاون القوقازيين مع الألمان في الحرب العالمية الثانية.

د _جوهر دوداييف وإعلان الاستقلال عام 1991م

مع نهاية عقد الثمانينات بدا الاتحاد السوفيتي منهكا، وما لبث أن فكك أجزاءه بنفسه، فأعلن الشيشان الاستقلال عام 1991م، وقاد حركة النضال المطالبة بالاستقلال “جوهر دوداييف”* الذي أصبح في 2 تشرين الثاني عام 1991م رئيسا للجمهورية بعد انتخابات فاز فيها بنسبة 80% من بين ثلاثة مرشحين”[12]، وبإشراف 27 دولة معترف بها في الأمم المتحدة ليشهد المراقبون الدوليون على نزاهتها، وبإعلان دوداييف الاستقلال عن الاتحاد الروسي عاد الصراع الروسي الشيشاني إلى الواجهة وبلغ أوجه في عام 1994 ـ 1996م، فيما بات يعرف بحرب الشيشان الأولى.

ثالثا: الحرب الشيشانية الأولى 1994 ـ 1996م[13]

أ _ التمهيد لحرب الشيشان الأولى … جوهر دوداييف والصراع الداخلي مع حلفاء الروس

بعد انتخاب “جوهر دوداييف” رئيسا للشيشان أقسم اليمين على القرآن الكريم، ولم يقسم على الدستور الروسي، وتم وضع أول دستور للبلاد، ونص الدستور على أن الأديان منفصلة عن أعمال الدولة، وتم الإعلان عن تأسيس معهد الدولة للدراسات الإسلامية بالعاصمة غروزني، وأرسل دوداييف الوفود الشيشانية إلى الأقطار العربية والإسلامية للتعريف بالقضية الشيشانية، وبادر إلى تصفية الوجود السوفييتي في الشيشان بجميع أشكاله، وأمر بمحاصرة الحاميات العسكرية الروسية بالمسلحين الشيشان الذين كانوا يهاجمون بأسلوب مبتكر، وذلك بأن يتقدم حشود من النساء والأطفال ليضمنوا امتناع الجنود الروس من إطلاق النار عليهم، وكانت هذه العمليات تجري بقيادة القائد الميداني “شامل باسييف”، وفي أيار 1992م تركت القوات الروسية جميع الأسلحة الثقيلة وانسحبت من الشيشان، وأمر  حينها الرئيس الروسي يلتسن* بفرض حالة الطوارئ في الشيشان، وتحركت قوة عسكرية روسية إلى غروزني لفرض حالة الطوارئ، لكن عشرات الآلاف من المواطنين احتشدوا في مطار غروزني ومنعوا القوات الروسية من الهبوط، وإثر ذلك قام جوهر دوداييف بتشكيل وحدات الجيش الشيشاني وتشكيل الكتيبة الإسلامية لمن يرغب من مسلمي القوقاز في التطوع، وواجهت بعض الهيئات الموالية للسوفييت “جوهر دوداييف” معتمدة على ولاء وزارة الداخلية السوفيتية في الشيشان، وعمل السوفييت على تشكيل ضغط داخلي وخارجي على دوداييف، حيث رفضت روسيا الاعتراف به كرئيس شرعي للشيشان، واستطاعت روسيا أن تمنع تطور الشيشان اقتصاديا، كما أنها منعت السلاح والتدريب عن الجيش الشيشاني، وذلك في محاولة منها لمنع دوداييف من تشكيل جيش قوي وتعرضت الشيشان لحصار خانق، وسعى دوداييف للتقارب مع موسكو وتجنب التصعيد معها والدخول في حالة حرب بشرط اعترافها بالجمهورية الشيشانية جمهورية مستقلة في المجتمع الدولي، إلا أن موسكو أصرت على اعتبارها جزءا من الاتحاد الروسي وسعت لتقويض حكومة دوداييف، ودبرت له أكثر من محاولة اغتيال باءت جميعها بالفشل.

ب _ محاولة الانقلاب الفاشلة

تابعت موسكو دعم الأحزاب والجماعات المعارضة داخل الشيشان، وفي 26 تشرين الثاني 1994م وبإيعاز من موسكو قامت المعارضة بهجوم كبير على العاصمة غروزني لاحتلالها، وقامت قوات المعارضة برئاسة عمر افتورخانوف بإرسال بعض الآليات الثقيلة لمفاجأة القوات الحكومية الشرعية، واستخدمت المعارضة أسلحة ثقيلة في هجومها وألقت بكل ثقلها معتبرة هذه المحاولة الأمل الوحيد في إسقاط دوداييف وبدأت الهجوم بـ 6 دبابات T72، وفرضت حصارا على غروزني وقامت 40 مروحية بتمشيط العاصمة وضرب الأهداف الاستراتيجية فيها، وفي الأيام التالية تلقت المعارضة تعزيزات روسية مكونة من 25 دبابة ثقيلة ودارت معارك عنيفة بين قوات دوداييف وقوات المعارضة، وتمكنت المعارضة من دخول غروزني وبعد ساعتين اقتربت دبابات المعارضة من قصر الرئاسة وأصبحت على بعد أمتار منه، وهنا تصدت لها قوات جوهر بكل شراسة وسرعان ما تحقق النصر لهم واضطرت قوات المعارضة والقوات الروسية التي آزرتها إلى التراجع تاركة وراءها مائتي فرد بين قتيل وجريح وأسير، وعدد كبير من المدرعات المحترقة، لتسقط آخر ورقة بيد موسكو للتأثير على دوداييف من داخل الشيشان، ما دفع يلتسن للدخول في مواجهة سافرة مع قوات جوهر دوداييف فيما بعد.

ج _ حرب الشيشان الأولى 1994 ـ 1996م

إثر فشل المحاولات الروسية بالقضاء على الحركة الانفصالية الشيشانية عبر وكلائها هناك، أصدر يلتسن مرسوما يقتضي شن هجوم روسي واسع على الشيشان في 7 كانون الأول 1994م، وكان ذلك مفاجئا للروس وللعالم كله، ولعل أبرز أسباب اتخاذ هذا القرار:

  • حرصه عل تماسك الاتحاد الروسي، فاستقلال الشيشان يمثل تشجيعا للقوميات الأخرى.
  • محاولة روسيا الظهور بمظهر القوة وأنها ما زالت قوة عظمى بعد تفكك الاتحاد السوفيتي والفشل في أفغانستان والانسحاب منها.
  • طمع روسيا بالنفط الشيشاني ورغبتها بالتحكم بأنابيب النفط المارة من أذربيجان إلى الشيشان نحو الغرب.
  • صرف أنظار الروس عن المشاكل الداخلية والفشل الاقتصادي والمجاعات الداخلية بمشاكل وحروب خارجية.
  • بسط الأمن والبطش بالمؤسسات الديمقراطية داخل روسيا.

كان الاستعداد لهذه الحرب من قبل جوهر دوداييف قائما، وقد علم بإعلان يلتسن قبل إصداره فتأهبت قواته المؤلفة من /15/ ألف مقاتل، واستنفرت التشكيلات العسكرية بما فيها صواريخSS22، ورحّل النساء والأطفال إلى الجبال بعيدا عن غروزني، وذكرت مصادر صحفية أنه ارتدى الكفن استعدادا للموت دفاعا عن بلاده.

في الوقت الذي كانت فيه روسيا عالقة بعدة حروب أخرى وبأزمات داخلية عدة، كان يرى يلتسن أن حربه في الشيشان حرب سهلة خاطفة كما صورها له وزير الدفاع الروسي بقوله: “إن فرقتين من قوات المظلية الروسية تستطيع أن تنهي الوضع في الشيشان خلال ساعتين فقط”.

وهكذا أمر يلتسن /40/ ألفا من قواته بالزحف إلى الشيشان ومعهم أحدث الأسلحة الثقيلة، في حين نبههم جوهر دوداييف أن يدركوا تاريخ الشعب الشيشاني ونضاله القديم ويقرؤوا تاريخهم وفشلهم في أفغانستان مصرحا: “إن أفغانستان ليست سوى نزهة مريحة أمام ما ستلاقونه في الشيشان”.

بدأ الهجوم الروسي على ثلاث محاور مدعمة بالدبابات والمدفعية والطائرات، وتصدى المقاتلون الشيشانيون للغزو الروسي وألحقوا به الخسائر الكبيرة بقيادة جوهر دوداييف ميدانيا، واستطاعت غروزني الصمود لثلاثة أسابيع أمام الحملة الشرسة التي لم تميز بين الأهداف المدنية والعسكرية، قبل أن يتمكن الروس من دخول المدينة في 31 كانون الأول 1994م، ولم يكن هذا الاقتحام يعني السيطرة على غروزني، بل بدء المعارك والمقاومة في أزقتها وشوارعها لأكثر من شهر أمام ما ترميه الدبابات والمدفعية من قذائف، وما تلقيه الطائرات من صواريخ حولت المدينة إلى مدينة أشباح، وذكرت العالم ببرلين أيام الحرب العالمية الثانية، ولم يستطع الروس دخول القصر الرئاسي، والتف المقاتلون حول القيادة التاريخية لجوهر دوداييف حسب ما وصفها المجاهدون والباحثون، وبقي العلم الشيشاني حتى الأسبوع الثالث من شهر شباط للعام 1995م يرفرف فوق قصر الرئاسة الذي أصبحت ساحته مقبرة للدبابات الروسية، ودارت في رحاها أعنف المعارك وأحبط المقاتلون المتمركزون في القصر والأبنية المجاورة محاولات الروس البائسة قبل أن يستقدم الروس تعزيزاتهم ليصل عدد القوات الروسية في الشيشان لنحو /400/ ألف جندي وتبدأ في بداية الأسبوع الرابع من شهر شباط معركة هي الأعنف مدعومة بعشرات الدبابات والطائرة وتنهال القذائف على غروزني بمعدل قذيفة في كل 30 ثانية.

وفي 21 شباط سقط قصر الرئاسة  بعد /73/ يوما من المعارك العنيفة والخسائر الكبيرة في صفوف القوات الروسية، إلا أن جوهر دوداييف ومن بقي معه من المقاتلين الشيشان انسحبوا إلى الجبال لترتيب عمليات جديدة بعد سقوط العاصمة الذي لم يعنِ خسارة الحرب، وقاوم المدنيون العزل الجيش الروسي وخرجوا في وجهه بالآلاف ورفضوا قراراته، وتحولت استراتيجية المقاتلين نحو حرب العصابات وتنفيذ العمليات الانغماسية في العمق الروسي، وظهر شامل باسييف القائد العسكري الشيشاني على الساحة بعد عملية “بوديونوفسك” في عمق الأراضي الروسية لإجبار روسيا على إجراء مفاوضات مع الشيشان دون قيد أو شرط، تمهيدا للوصول إلى اتفاق ينهي الحرب، ويجبر الروس على الانسحاب والاعتراف باستقلال الشيشان.

د _ عملية “بوديونوفسك”

قاد شامل مجموعة مكونة من /143/ مقاتلا في 13 حزيران 1995م بعملية ناجحة خطف فيها نحو  /1500/ رهينة روسية بعد الهجوم على أحد المستشفيات الروسية، وكانت العملية مفاجئة للرأي العام الروسي والعالمي، خاصة أن روسيا أعلنت أن المقاومة الشيشانية قد انتهت تماما، وأصدر يلتسن أوامره للقوات الروسية بالتحرك على الفور واستخدام الحسم العسكري، وتوجهت الوحدات الخاصة التابعة للمخابرات إلى “بوديونوفسك” لمهاجمة المستشفى فاستهدفت رماياتها الرهائن والمقاتلين الشيشان ولم تنجح بإطلاق سراح الرهائن، ما أرغم رئيس الحكومة الروسية على إجراء اتصال هاتفي مع القائد شامل باسييف بُثَّ على الهواء مباشرة وطلب شامل إجراء استفتاء في روسيا عن الوضع في الشيشان إلا أن ذلك رُفض، ثم اشترط باسييف وقف إطلاق النار  والأنشطة العسكرية وبدء محادثات في الشيشان، وقدم الجانب الروسي ضمانات للمقاتلين الشيشان بعدم ملاحقتهم ومتابعتهم أو منعهم من الوصول إلى أماكن يأمنون فيها، وقد انتهت العملية بخروج المقاتلين الشيشان ومعهم /190/ رهينة بينهم /160/، صحفيا، و /8/ نواب أعضاء في الدوما، وأرغمت عملية “بوديونوفسك” الروس على توقيع اتفاق مع الشيشان نص على وقف الأعمال العسكرية وتبادل الأسرى ووقف كل العمليات الفدائية، ونزع سلاح المقاتلين الشيشان بعد انسحاب القوات الروسية من جمهورية الشيشان مع السماح للشيشانيين بالاحتفاظ بوحدات للدفاع الذاتي تضم كل منها ما يصل إلى /20/ رجلا في كل قرية أو مستوطنة، أما بالنسبة لشامل باسييف فقد انحنى أمام الروس المختطفين، وطلب منهم المعذرة وكرر “سامحوني” ثلاث مرات مؤكدا أنه كان مكرها لا بطلا.

ھ _ عملية الذئب الوحيد

كان من الممكن أن تكون عملية “بوديونوفسك” آخر العمليات الشيشانية لو التزم الروس بتعهداتهم وتعاملوا مع قضية الشعب الشيشاني بجدية، إذ أن روسيا لم تلتزم بالاتفاقية التي وقعتها مع المقاتلين الشيشان واستمرت في تتبع المقاتلين الشيشان جوا وبرا، لتعود العمليات العسكرية ويتمكن المقاتلون من إصابة قائد القوات الروسية في الشيشان، ليشن المقاتلون الشيشان بعدها عملية شبيهة بعملية شامل باسييف ولكنها هذه المرة بقيادة “سلمان رادويف”  /28/ سنة صهر “جوهر دوداييف” في التاسع من كانون الثاني 1996م.

حيث تمكن من التسلل مع مجموعة من الفدائيين مكونة من  /150/  فدائيا إلى قرية “بيروفوماسكايا” الروسية واستطاع أسر  /1500/ رهينة في مستشفى “كزليار”، ليصدر يلتسن أوامره مصرا على خيار القوة في حل قضية الرهائن هذه المرة أيضا، لتطوق القرية بآلاف الجنود وعشرات الدبابات وتصدر الأوامر بقصف القرية واجتياحها ليُقتل جميع الرهائن وتُدمر القرية الصغيرة بالكامل.

 إلا أن اللافت بالعملية أن “سلمان رادويف” استطاع الانسحاب بالوقت المناسب مصطحبا 60 رهينة روسية مدنية، وقد علق الرئيس جوهر دوداييف على عملية صهره: “ستكون هناك مئات العمليات المشابهة إذا لم ينسحب الروس من الشيشان”.

و _اغتيال جوهر دوداييف

إن اشتداد ضربات المقاتلين الشيشان على القوات الروسية أدى لانهيار الروح المعنوية ودفع روسيا للبحث عن سبل لقلب الموازنة خاصة بعد عملية “يرش ماردي” التي راح ضحيتها أكثر من /60/ جنديا وضابطا روسيا، وكان الانتقام لهذه العملية إحدى أهم الدوافع التي جعلت الروس يجددون التخطيط لاغتيال “جوهر دوداييف” بعد عدة محاولات فاشلة.

ليتم بعدها اغتيال جوهر دوداييف في الساعة العاشرة والنصف من مساء يوم 21 نيسان 1996م إثر استهدافه بغارة جوية روسية، بعد مكالمة هاتفية أجراها مع أحد البرلمانيين الروس حول طبيعة الاتفاق بين الشيشان وروسيا، عندها أقلعت طائرتان روسيتان من إحدى المطارات القريبة وقامت بعملية الاغتيال هذه.

وبعد ثلاثة أيام من الحزن والأسى على القائد الشيشاني اجتمع قادة الشيشان وأعلنوا مبايعة سليم خان ياندرباييف رئيسا مؤقتا للشيشان لمتابعة النضال من أجل الاستقلال والحرية.

ز _ سليم خان ياندرباييف… رئيسا مؤقتا للشيشان

تابع ياندرباييف نهج جوهر دوداييف في محاربة الروس واستمرت المعارك والعمليات العسكرية ضد الروس وأعلن أنه سيستمر بالنضال حتى نيل الاستقلال، ومع اقتراب الانتخابات الروسية أعلن يلتسن إعلانا مفاجئا صرح فيه أنه مستعد للاجتماع بالقادة الشيشانيين، وإجراء مفاوضات معهم[14]، وبالفعل أبدى ياندرباييف استعدادا لبدأ تلك المحادثات والمفاوضات، ليتم عقد اللقاء المرتقب في موسكو 27 أيار 1996م بين ياندرباييف ويلتسن وليتم التوقيع على اتفاق تضمن “وقف الأنشطة العسكرية في الشيشان تمهيدا لإجراء مفاوضات سياسية، وتم الاتفاق على تبادل الأسرى خلال أسبوعين”، ثم زار يلتسن الشيشان للمرة الأولى أواخر أيار 1996م زيارة خاطفة أكد خلالها أنه سيسحب عددا من الوحدات العسكرية الروسية من الشيشان، مؤكدا في الوقت نفسه أن الشيشان جزء لا يتجزأ من روسيا ولن يسمح بانفصالها على حد تعبيره، إلا أن ما جرى على الأرض مغاير للاتفاق والتصريحات التي أدلى بها يلتسن خلال حملته الانتخابية واستمر القصف الروسي، وكان الرد الشيشاني باستهدافهم القوات الروسية بعدة عمليات راح ضحيتها مئات القتلى، وكانت العملية الكبرى التي خططوا لها هي إعادة السيطرة على العاصمة الشيشانية “غروزني”.

ح _ تحرير غروزني:

بعد أن أيقن الشيشانيون أن هذه المفاوضات عبثية لكسب الوقت وخداع الرأي العام الروسي والعالمي، وضع قادة المقاتلين الشيشان خطة محكمة لاقتحام غروزني والمدن الشيشانية الكبرى وانتزاعها وتحريرها من القوات الروسية وإرغامها على الدخول في مفاوضات حقيقية لإنهاء الحرب، وتم تحديد السادس من آب 1996م موعدا لبدء الهجوم الشامل على غروزني وغيرها من المدن الشيشانية، وفي الصباح شن الشيشانيون هجومهم بقيادة “شامل باسييف” في حين قامت قوات أخرى بالهجوم من محاور أخرى، ليتمكنوا من بسط سيطرتهم الفعلية على غروزني عدا بعض الجيوب الصغيرة في فترة وجيزة، حيث تم قتل وأسر المئات من الجنود الروس وتم حصار أكثر من /7/ آلاف جندي روسي وكانت العملية بالتزامن مع تنصيب يلتسن في موسكو لفترة رئاسية ثانية، وتم إلقاء القبض على الحكومة الشيشانية الموالية لروسيا ومن بينهم رئيس البرلمان الشيشاني، ومدير الأمن الفيدرالي في الشيشان، وقام الروس بالانسحاب من غروزني مرتكبين مجازرا مروعة أثناء انسحابهم انتقاما من الشيشانيين، وبعد هذا الانتصار صرح شامل باسييف أنه مستعد لإجراء مفاوضات مع الروس وأنه مستعد لاستقبال الروس في غروزني المحررة وتأمين الحماية الكاملة لهم، قبلت روسيا العرض وأُرسلت وفدها ليلتقي بأصلان مسخادوف رئيس الأركان الشيشاني، حيث تم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، ولكن الروس كعادتهم لم يلتزموا به فاستأنف الشيشانيون حرب التحرير وألحقوا بالروس هزيمة نكراء وقطعوا طرق الإمدادات واشتد الحصار على الجنود الروس، وبعد خروج الأمور عن السيطرة الروسية اضطر الروس إلى توقيع اتفاقية (خاسيا فورت) والتي تضمنت:

  • وقف إطلاق النار على كامل الأراضي الشيشانية مع بدء الانسحاب الجزئي للقوات الروسية والشيشانية من العاصمة غروزني، وتشكيل دوريات مشتركة من قوات الشرطة لإعادة النظام.
  • تضمن الاتفاق تحديد الوضع القانوني المستقبلي للجمهورية الشيشانية التي استقلت عن روسيا منذ 1991م، وذلك في 31 كانون الأول 2001م، وأن يتم ذلك وفقا لمبادئ حقوق الإنسان وحق تقرير المصير عبر استفتاء شعبي مؤجل، وحتى ذلك الحين فإن على موسكو إعادة إعمار الجمهورية التي دمرتها الحرب تماما وفتح مطار غروزني…

وفي توقيع الاتفاقية إشارات تعمق من دلالات استقلال الشيشان، التي خاضت الحرب دون أي دعم خارجي كما صرح وزير الخارجية الشيشاني “إننا لم نتلق دعما خلال حرب الاستقلال من أحد غير الله ولم تدعمنا أي دولة عربية أو إسلامية”[15].

وبسبب بطء سير الاتفاقات والضغط الشعبي المتزايد الذي تعرضت له روسيا إثر خروج مظاهرات طالبت بإنهاء الحرب في الشيشان، عُقد اتفاق جديد اقتضى سحب لواءين روسيين من الشيشان ليتم بعد ذلك انسحاب آخر جندي روسي في 5 كانون الثاني 1997م.

ط _ أصلان مسخادوف … رئيسا منتخبا للشيشان

بعد انسحاب القوات الروسية، تم إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية هي الثانية في البلاد بعد انتخابات عام 1991 ليفوز بها أصلان مسخادوف بنسبة 67% وذلك بإشراف ومراقبة دوليين.

وقد شارك أصلان بالمعارك ضد الروس بصفته رئيسا للأركان، وأُعلن عنه رئيسا شرعيا للشيشان في الثاني عشر من شباط 1997م، وبعد تسلمه الرئاسة شرع أصلان مسخادوف باتخاذ القرارات الهادفة إلى تنظيم البلاد وإحلال الأمن والنظام وفرض هيبة الدولة، كما تبنى قيام الدولة على أسس إسلامية وصرح أنه لا تَعَارضَ بين الإسلام والديمقراطية الحرة.

وعقدت روسيا آمالها على أن يكون موقف مسخادوف أقل صلابة من جوهر وباسييف، إلا أن تصريحاته تعالت بالدعوة لاستقلال الشيشان، ما زاد تخوف الروس ودعاهم لفرض حصار جديد على الشيشان والتحذير من الاعتراف بها كدولة في المجتمع الدولي، في حين قام مسخادوف بإرسال البعثات لمختلف الدول، ما زاد من غضب الروس، وأعقب ذلك بتعيين شامل باسييف نائبا أولا لرئيس الوزراء ـ في محاولة منه لإرضاء التيارات المتصارعة في الشيشان ـ ما اعتبرته موسكو إهانة لها، وخاصة أن قرار العفو عن المقاتلين الشيشان لم يشمل باسييف، وبقي أصلان على مواقفه حتى توقيع “معاهدة عن السلام ومبادئ العلاقة بين الاتحاد الروسي وجمهورية إيتشكيريا “الشيشان” الإسلامية” في 12 أيار 1997م بين الرئيس الروسي الشيشاني أصلان مسخادوف والرئيس الروسي بوريس يلتسن.

ثم وقع مسخادوف مع رئيس الوزراء الروسي عدة اتفاقيات أخرى تتعلق ببناء المشاريع وإطلاق سراح المعتقلين واتفاقات أخرى تتعلق بمجال النفط، وتابع مسخادوف نشاطات حكومته الدبلوماسية حيث زار عدة دول عربية وأجنبية منها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والمملكة العربية السعودية وغيرها في محاولة لنيل اعتراف دولي باستقلال بلاده.

كما نما الاقتصاد الشيشاني ـ بعهد مسخادوف ـ بشكل تدريجي ليتم ترميم 40% مما دمرته الحرب في فترة وجيزة، وسعى مسخادوف بإرساء قواعد الشريعة الإسلامية وتطبيق قواعدها في المحاكم وإصدار المراسيم المتعلقة بمنع الاختلاط وارتداء الزيّ الإسلامي ومنع إنتاج الكحول وفتح المدارس الإسلامية وجعل تدريس الديانة الإسلامية إلزاميا في جميع المدارس بعد أن كان ذلك ممنوعا في العهد السوفيتي.

لم تلق عملية إرساء الشريعة الإسلامية قبولا روسيا ودوليا، خاصة ما يتعلق بتنفيذ حكم الإعدام من قبل المحاكم الإسلامية بحق بعض المجرمين، وقد ندد بذلك الرئيس الروسي يلتسن شخصيا، وأن ذلك يتنافى مع التزامات روسيا بحماية حقوق الإنسان ويتنافى مع قواعدها الفيدرالية[16]، في حين رد مسخادوف أن ذلك ضروري لمكافحة الجريمة وأن عددا من أحكام الإعدام ستنفذ في الأيام القادمة، وقد تناغم الإعلام الغربي والأمريكي مع الحملة الروسية ضد الإسلام في الشيشان وتوالت التصريحات المحرضة والمخاوف الروسية من تحالف قوقازي إسلامي وبادر شامل باسييف إلى الاجتماع مع قادة الداغستان وتم تشكيل اتحاد شعبَي الشيشان والداغستان لترسيخ وحدة الشعبين ودعم استقلالهما ـ من وجهة نظر باسييف وخطاب ـ  ومعروف أن داغستان حينها كانت تحت النفوذ الروسي، إلا أنها تعيش حالة انتفاضة ضد الروس، وفي 20/5/1998 قاد نادر حاج اللايف احتجاجا ضد السياسة الروسية ورأى البعض أن هذا سيجر لحرب جديدة مع موسكو، في حين رأى آخرون أنه أمر طبيعي ينم عن إرادة شعبية، واقتداء بالتجربة الشيشانية.

رابعا: الحرب الشيشانية الثانية 1999 ـ 2002م

أ _ ذريعة الحرب وشرارتها الأولى (إعلان إمارة إسلامية في داغستان)

لم تعجب النهاية التي خُتمَت بها الحرب الشيشانية الأولى الكثير من السياسيين والعسكريين الروس، خاصة وأن ما حققته الشيشان بات حافزا لاستقلال العديد من جمهوريات روسيا الاتحادية، وأبرزها جمهورية “داغستان” المجاورة، حيث علت فيها الصيحات المطالبة بالاستقلال، إلا أن تركيبة المجتمع الإثنية والعرقية شديدة التنوع، رأت في الوجود الروسي صمام أمان يمنع حكم طائفة على حساب الطوائف الأخرى، ومع ذلك فقد استطاع “بهاء الدين محمدوف” تشكيل عدد من الفصائل المسلحة، ورغم أن الحكومة في غروزني لم تدعمه إلا أنه نال تأييدا كبيرا من “شامل باسييف” و “سلمان راديوف” و “خطاب”، التيار الأكثر راديكالية بين المجاهدين الشيشان، وما لبث أن تحول هذا التأييد لمشروع توحد وإعلان دولة إسلامية، سُبقت بعملية عسكرية في الأراضي الداغستانية، وقد أفصحت هذه العملية عن فشل ذريع وتسرع وتهور لدى القيادة الميدانية الشيشانية، ففي حين لم يكن هناك علم لدى الرئيس الشيشاني “أصلان مسخادوف” والعديد من القيادات الأخرى لم تُعرْ العملية أي اعتبارات بميزان القوى، سار باسييف بأقل من ألفي مقاتل!! للعبور نحو داغستان وتحرير عدة قرى فيها وإعلانها إمارة إسلامية هناك، وتوحيدها مع الشيشان التي لم تكن مؤهلة لذلك، فلم تستطع “إمارة داغستان” الصمود شهرا واحدا، أمام الهجوم الروسي، كما أن المقاتلين الشيشان تفاجؤوا بعدم التأييد الداغستاني الإسلامي للعملية، في حين ظنوا أنهم سيُستقبلون استقبال الفاتحين ويثور معهم الشعب الداغستاني، إلا أن النتائج أتت خلافا لتلك التوقعات، ويؤيد المراقبون الداغستانيون أن العملية سارت بعلم الاستخبارات الروسية لجعلها ذريعة لفتح جبهة شمال القوقاز مجددا “كانت التشكيلات المسلحة تقترب مشيا نحو قرية انسلتا تحت بصر القوات الروسيةِ وكان القطاع مرئيا من المطار الواقع قرب القريةِ ولم تعترض القوات الروسية هذا السير فيما كانت طائرة عمودية واحدة تكفي لإبادتهم!”[17]، وبعد سيطرة باسييف وخطاب على عشرة قرى داغستانية تقريباً، وفي الخامس من آب 1999م تحديدا، أعلن رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية عن إرسال وحدات كبيرة من قوات الجيش إلى داغستان[18] بعد تشكيل مجلس الشورى الإسلامي الذي قاده شامل باسييف وكان خطاب “سامر  بن عبد الله السويلم” قائد المجاهدين العرب في الشيشان نائبا له ـ ومن الجيد أن ننبه أن باسييف ومن معه من معارضي أصلان مسخادوف الذي أنكر صلته بالعملية.

في ٢٤ آب ١٩٩٩م دخلـت القـوات الاتحادية الروسية القرى الجبلية في داغسـتان بعد أن انسحب منها المقـاتلون الشيشانيون الذين سيطروا عليها ما يزيد على الأسـبوعين واجهوا خلالها هجمات روسية شرسـة، إلا أن ذلك لم يكن يعنى نهاية الحرب في شـمال القوقاز وإنما نقل ميدان القتال للشيشان، وهو ما كان يحذر منه مسخادوف منذ اندلاع القتال في داغسـتان[19].

ب _ بداية الحرب الشيشانية الثانية

توترت العلاقات بين روسيا والشيشان إثر ما جرى في داغستان، وصرح فلاديمير بوتين (رئيس الوزراء المعين حديثا) بضرورة ملاحقة الإرهابيين داخل الأراضي الشيشانية، واتهم الجمهورية بدعم هؤلاء المقاتلين، ومن ناحية أخرى وبحلول أيلول من العام 1999م أصبح القصف الروسي على الأراضي الشيشانية شبه يومي[20].

ومما أجج العلاقة الشيشانية الروسية حينها حدوث عدة تفجيرات في العاصمة الروسية موسكو راح ضحيتها أكثر من مئتي مدني روسي، لتتوجه أصابع الاتهام إلى المقاومة الشيشانية مباشرة دون أن تتبنى تلك العملية، في حين صرح خطاب بأن العملية ليست من تخطيطه ولا تنفيذه، بل إن الداغستان الذين واجهتهم روسيا بالقصف والتشريد هم من عبّروا عن حقهم بهذه الطريقة.

وحاولت حكومة غروزني تهدئة الأمور مع موسكو  وإجراء الاتصالات لتجنب وقوع هذه الحرب، إلا أن أمارات قبول الحرب بدت تلوح بالأفق، ولم يكن تعنت روسيا في شن هذه الحرب هو المشكلة الوحيدة أمام الشيشانيين، بل كان التصدع الداخلي يضرب بأعماق الشيشان، مع بدء المعركة ودخول القوات الروسية إلى الأراضي الشيشانية، أصدر مسخادوف أثناء القتـال مرسـوماً بإعفاء المفتي أحمد الحاج قادروف من منصبة واتهمه بتقويض الاستقلال والدفع نحو تصديع الأمة، وهو ما جاء بسبب رفـض المفتـي تبني فكرة إعلان الجهاد ضد روسيا، وتأكيـده على ضرورة مناهضة التطـرف الأصـولى وملاحقة الأصوليين، وقد وجد المفتي في القائد الميداني سليم ياماداييف بمنطقة جـوديرميس (ثانية كبريات المدن الشيشانية ) حليفاً ناصـره في معركته ضد الأصوليين منذ عـام ١٩٩٨م، وكان المفتي قد اقترح من قبل على مسخادوف أن يتم تسليم مدبري الغزو الشيشاني لداغستان إلى سلطات جمهورية داغستان، ولـيس إلـى القوات الفيدرالية على اعتبار أن هذه الخطـوة تمثل حلاً وسطاً يكفل للجميع ماء الوجه، إلا أن مسخادوف رفض ذلك الاقتراح وبعد أن قام مسخادوف بإقصاء قـادروف، أعلن شامل باسييف نفسه مفتياً للشيشان مع أن الهيئات الإسلامية هناك لم تنتخبه كما هو المفترض”[21]، ومع بدء الاجتياح البري للشيشان تطورت أحداث هذا الهجوم سريعا، وأجرى قاديروف مفاوضات مع روسيا أدت إلى استسلام عدة قرى شيشانية دون أي طلقة، كما قاتلت العديد من المجموعات الشيشانية المحلية إلى جانب القوات الروسية، وانضم لها بعض المحسوبين على قيادات الشيشان ـ ومنهم عمدة غروزني السابق على سبيل المثال ـ وتتابعت الأحداث والمعارك الشرسة إلى أن تم حصار غروزني تمهيدا لاقتحامها، وكان أمام المقاتلين الشيشان خياران اثنان: إما الانسحاب إلى الجبال وتجنيب المدينة حربا ضروسا ودمارا شاملا، أو اتخاذ قرار الصمود، وفي غضون ذلك أبدى مسخادوف استعداده للتفاوض وحل الميلشيات غير الشرعية وشجب الإرهاب، إلا أن بوتين أصر على ضرورة ما أسماه “تحرير الشعب الشيشاني” ليستمر حصار غروزني قرابة العام، تردت خلاله الأوضاع الإنسانية داخل غروزني، وبدأ القادة العسكريون يبحثون عن مخرج لتجنيب المدنيين مزيدا من المآسي، إلا أن قرار العملية العسكرية الروسية كان أقرب من قرار الانسحاب، حيث بدأ نحو 50 ألف جندي روسي مدعوم بالدبابات والطائرات إضافة لألفي جندي شيشاني موالٍ للقوات الروسية، بدؤوا الهجوم تحت غطاء مدفعي كثيف، حيث قصفت غروزني منزلا منزلا، وبقيت آثار الدمار التي وصفتها الأمم المتحدة حينها بأنها المدينة الأكثر دمارا على وجه الأرض.

ومع بدء تلك العملية العسكرية واحتدام المعارك، انسحبت إحدى الفصائل الشيشانية المرابطة من أحد المحاور، ما أدى إلى خلل كبير تسبب بزعزعة داخلية في صفوف المقاتلين الشيشان دفعهم في نهاية المطاف إلى الانسحاب الكامل من المدينة تحت قصف القوات الروسية، لتتم في 6 /2/2000 السيطرة الروسية الكاملة على مدينة غروزني.

وليتم بعدها مطاردة المقاتلين في الجبال الشيشانية، وتَحول استراتيجية المقاتلين الشيشان نحو حرب العصابات والتركيز على العمليات الفدائية في العمق الروسي، ليرد الروس بدورهم بسلسلة من عمليات الاغتيال التي استهدف أغلب القيادات الشيشانية، حيث لحق العديد منهم بقائد الاستقلال “جوهر دوداييف” ورحلوا على نفس الطريقة “الاغتيال” مع خلافات بسيطة في طريقة التنفيذ، حيث تم اغتيال “خطاب” قائد المجاهدين العرب في الشيشان ونائب شامل باسييف، باستخدام السم الذي وصله عبر رسالة قدمها له بعض الجواسيس، وذلك في عام 2002م، ويُقتل أصلان مسخادوف الرئيس الشيشاني السابق بعملية خاصة نفذتها المخابرات الروسية في العام 2005م، وتتم تصفية شامل باسييف في انفجار سيارة للذخيرة قيل أنه من تدبير المخابرات الروسية أيضا في العام 2006م، كانت هذه أبرز عمليات الاغتيال التي عصفت بقيادة العمل الشيشاني المسلح، الذين تفرق شملهم بين قتيل وطريد وأسير، فقد توفي سلمان رادويف الذي اعتقلته أجهزة الأمن الروسية اف اي بي (كي جي بي سابقا) في العام2000م في منطقة بيرم، وأُدين أمام المحكمة العليا في داغستان بتهمة احتجاز رهائن في مستشفى كيزليار، العملية التي مر عليها البحث سابقا، [22]
كما تمت مطاردة الشيشانيين في الشتات وتمت عدة عمليات اغتيال بحقهم، منها عملية اغتيال الرئيس الشيشاني الأسبق سليم خان يندرباييف الذي كان خلفا لجوهر دوداييف، ويعد من أبرز الممولين للحركة الجهادية في الشيشان، وذلك يوم الجمعة 13/2/2004م، في العاصمة القطرية الدوحة إثر انفجار قنبلة يدوية وهو يستقل سيارته،[23]
كما جرى استسلام عدد من القادة الاستقلاليين بمن فيهم وزير الدفاع السابق محمد خامبيف وقائد الحرس الرئاسي السابق شارع تورلايف وقائد قوات القسم الخاص بوريس ايداميروف.. وآخرون،[24] ليعلن رئيس أجهزة الاستخبارات الروسية نيكولاي باتروتشيف في العام 2002م في تصريح نقلته وكالة أنتر فاكس أن القوات الروسية قتلت حوالي ألف مقاتل شيشاني منذ بدء العام الجاري، وأشارت مصادر عسكرية روسية إلى مقتل ستة منهم خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة.

وقال باتروتشيف الذي تتولى أجهزته العمليات الحربية في الشيشان أن القوات الروسية نفذت حوالي/1800/ عملية خاصة على الأراضي الشيشانية هذا العام، ضبطت خلالها حوالي /4500/ قطعة سلاح فردية،[25] ليكون عام 2002م هو العام الذي يمكن اعتباره نهاية للحرب الشيشانية الثانية بحسب مؤرخين.

ج _ الشيشان الجديد … بقيادة أحمد قاديروف

اتجهت روسيا من جانب الحل العسكري للعب على الخلافات الداخلية بين الشيشانيين حيث تغيرت الخريطة الشيشانية بعد نهاية الحرب الأولى على نحو أبرزَ غلبةَ التيار الإسلامي على القومي والشيوعي، ولكن انقسم هذا التيار بين روافد عدة اختلفت بدورها، فهناك تيار “الجماعة” الذي يدعو إلى إعلان دولة إسلامية فورا ويرفض الهدنة ويدعو إلى الجهاد ضد روسيا وهو الذي يضم باسييف، وتيار الإسلاميين المعتدلين والذي يؤيد مسخادوف، وتيار الطرق الصوفية وعلى رأسها المفتي أحمد قديروف.[26]

ويصعب تحليل شخصية قاديروف المتناقضة التي خاضت حروب الاستقلال وأيدت الاحتلال فيما بعد، فقد كانت “الخطب النارية للمفتي أحمد قاديروف في عام 1995م حينما كان صوته ينادي الشيشانيين على دقات طبول الحرب: “أيها الرجال، يا من تدافعون عن الإسلام والشيشان، ها هو مصير أوطانكم بين أيديكم، إذا كنا لا نزيد عن مليون مجاهد يواجهون  /150/  مليونا من الروس فإن القضاء على روسيا نهائيا لا يستوجب أكثر من أن يقتل كل رجل منا  /150/ كافرا منهم”[27] وكان أحمد قاديروف قد ولد في كازاخستان عام 1951م  وكانت أسرته ضمن مئات الألوف من الشيشانيين الذين اقتلعهم السفاح  السوفييتي ستالين وفرض عليهم التهجير القسري خلال الحرب العالمية الثانية، و اشتغل منذ صغره بحفظ القرآن الكريم، وبعد أن أنهى دراسته الثانوية وعمل ميكانيكيا في إحدى المزارع الحكومية، درس في عدة مدارس ومعاهد دينية مثل مدرسة بخاري الإسلامية ومعهد طشقند الإسلامي، وأصبح نائبا لإمام المسجد الجامع في مدينته غودير ميس عام 1986م، ثم سافر لاستكمال دراساته الإسلامية في الأردن عام 1990م، وفي عام 1993م عُين في منصب مساعد المفتي العام للشيشان، وحينما استعرت حرب الشيشان الأولى (1994-1996) عين في عام 1995م مفتيا للشيشان في اجتماع حضره سليم خان ياندربييف وأصلان مسخادوف وشامل باسييف وقادة وأئمة آخرون بعدما رأوا في قاديروف مقومات علمية[28]* وكاريزمية أهّلته آنذاك لتولي هذا المنصب البالغ الأهمية في جمهورية تشهد أكبر عاصفة في تاريخها الحديث، وخلال هذه الحرب صنفت موسكو قاديروف واحدا من أخطر أعدائها في الشيشان لقدرته البلاغية على شحن عاطفة الشيشانيين بقدسية الجهاد ضد الروس “الكفار”، واعتبر بوريس يلتسن أن إسقاط رأس قاديروف أثمن من إسقاط رأس أصلان مسخادوف الذي انتخبه الشعب الشيشاني في 27-1-1997م رئيسا لخمس سنوات،[29] إلا أن تحولا كبيرا طرأ على مسيرة الرجل في العام 1999م حين قام اللواء الإسلامي بقيادة باسييف وخطاب بالهجوم على داغستان وبدت أمارات حرب جديدة مع الروس تلوح بالأفق، أعلن قاديروف رسميا -كمفتٍ للشيشان- عدم شرعية ما قامت به جماعة خطاب وباسييف، وصرح بالقول:  “إذا كنا نعتبر أنفسنا كيانا مستقلا فقد حدث انتهاك وعدوان من قِبلنا -نحن الشيشانيين- على روسيا الفيدرالية فوق أراضي داغستان، وأنا أعتبر ذلك خيانة من جانبنا لاتفاقية الصلح الموقعة بين يلتسن ومسخادوف في عام 1996م، لقد دخل المقاتلون إلى المناطق الأكثر تدينا، وحيث لا يوجد أناس ناطقون باللغة الروسية، وعندما دخلوا إلى هناك سمع المهاجمون الأذان، فتعجب بعض المقاتلين العرب المشاركين بالهجوم، والذين خُدعوا بأمر الجهاد ضد الكفار، فطلبوا العودة، لكن تمت تصفيتهم في اللحظة الأخيرة”.[30]

وفيما يصفه كثير من المقاتلين الشيشان والمحللين بالعميل الخائن؛ الذي أعدته روسيا منذ زمن بعيد ليقوم بالاطلاع على دخائل المقاومة ومعرفة أسرارها وتسليحها ومصادر تمويلها ونقاط الضعف فيها، وإبلاغ كل هذه المعلومات إلى أجهزة المخابرات الروسية التي كان يرأسها فلاديمير بوتين، يبرر قاديروف موالاته للروس بأنه الخيار الأمثل للحفاظ على ما تبقى من الشيشان، حيث صرح قاديروف بأنه قال لمسخادوف عند الدخول الثاني للقوات الروسية عام 1999م: إن الفرصة الوحيدة لتفادي الحرب تتمثل في إصدار أمر بطرد كافة الأجانب، وعلى رأسهم خطّاب، بالإضافة إلى تجريد شامل باسييف من كافة الرتب والمسؤوليات، ورفع دعوى ضده ولو كإجراء شكلي يهدف تحاشي انتقال الحرب إلى أراضينا، بالإضافة أيضًا إلى خطر كافة الحركات المتطرفة مهما كانت تسمياتها، وكان جوابه أن هذا ما تريده موسكو، ولذلك لن أقدم على هذه الخطوة، وهنا افترقت بنا الطرق على حد قوله.

ليبني قاديروف علاقاته المنفردة مع الكرملين والاستخبارات الروسية، ويكون له الدور الأكبر في عملية بسط النفوذ الروسي على الأراضي الشيشانية “كما لعب دورا خطيرًا في تسليم مدينة “جودِرْمس” -ثاني أكبر المدن الشيشانية- للقوات الروسية دون طلقة رصاص واحدة، مما حافظ على المدينة من التدمير الشامل الذي واجهته العاصمة”[31]، ومع انتهاء الحرب الشيشانية بالسيطرة على غروزني وملاحقة المقاتلين إلى الجبال وقتل وأسر واستسلام العديد منهم، فاز قاديروف سنة 2003م في انتخابات [مزيّفة] بالرئاسة الشيشانية حيث لم يترشّح ضده أحد.. ففاز بالتزكية.. وفى 9 أيار 2004م وَقع انفجار ضخم في ملعب دينامو بغروزني- خلال الاحتفال بيوم النصر-  أدى إلى مصرع الرئيس الشيشاني أحمد قديروف واثنين من حرسه ورئيس مجلس الجمهورية حسين عيساييف، كما أسفر الانفجار عن مقتل ما لا يقل عن /32/ شخصا، وجرح نحو /46/ آخرين بينهم القائد العسكري الروسي في القوقاز الجنرال فاليري بارنوف.”[32]

وانتهت بذلك قصة قاديروف الغامضة والمثيرة، وفيما اتهمه الكثيرون بالعمالة والخيانة،أَثبَتت بعض آرائه وتوجهاته صحتها، حيث لم يثمر تهور الطرف الآخر وتضحياته، باسييف ومن معه، بتحقيق الآمال الشيشانية بالاستقلال، بل جلب للشيشان حربا غير متكافئة لم يكن الشيشانيون جاهزين لها وأضاع الحلم الشيشاني تحت رماد الدمار وبين شعاب الجبال، ليكون المسلك الذي سلكه مسخادوف السياسي البارع والعسكري الناجح هو الأكثر صوابا ورجحانا، لو التفّ حوله كل من جماعة باسييف وقاديروف، إلا أن ما حدث خلاف ذلك، كما أن تسارع الأحداث وتطورها السريع وما قدمه قاديروف من عمالة مباشرة للروس إضافة لرفض الروس التفاوض معه أو مساومته في ظل توفر قائد جديد “قاديروف” أكثر ولاء وانصياعا، جعل مسخادوف يميل لمعسكر باسييف وخطاب على الرغم من الخلافات القديمة بينهم وعلى الرغم من توافق الرؤية بينه وبين قاديروف ـــــ قبل انطلاق ــــــ الحرب على ضرورة المضي ببناء الشيشان أولا والنهوض بالجمهورية وتطوير أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية قبل التفكير في أي مشاريع إقليمية، وذلك قبل أن يصبح قاديروف بالنسبة لمسخادوف العدو رقم واحد.

وهكذا انتهت الحرب الشيشانية وضاع الحلم الشيشاني وانتهت معه قصة رفقاء السلاح جميعا “قاديروف ومسخادوف وباسييف”، الذين قتلوا جميعا على التوالي في الأعوام 2004م ـ 2005م ـ 2006م.

ليتولى رئاسة الجمهورية الشيشانية “رمضان قديروف”، تاليا أبيه بحكم البلاد بقبضة حديدية، حتى سماه البعض ببوتين الشيشان، إلا أن “الاستثناء الوحيد في قبضة قديروف هو اعتماده على الدين لاكتساب شرعيته بين مسلمي الشيشان مهما بدا ذلك زائفًا، ومهما أثار حفيظة التقدميين من الروس في موسكو، ففي بلد يحظر تعدد الزوجات يدافع قديروف علنًا عن حقه في اتخاذ أربعة زوجات، وإن ادعى أنه لم يجد امرأة جميلة بما يكفي فعليًا لتصبح زوجته الثانية، كما أنه أمر النساء بتغطية رؤوسهن، ومنع تداول الخمور، ويتفاخر عادة بابنه الحافظ للقرآن وهو لا يزال في السادسة من عمره.”[33]

خامسا: الاستراتيجية الروسية لإنهاء الصراع

أ _حرب الشيشان الأولى … تحليل استراتيجي

كان للأهمية الجيوسياسية والجيواسترتيجية لمنطقة القوقاز بشكل عام والشيشان بشكل خاص دور كبير في استبسال روسيا لإعادتها إلى الحظيرة الفيدرالية منذ إعلان الاستقلال على يد جوهر دوداييف 1991م، إلا أن توقيت الإعلان كان صعبا على الروس الذين كانوا يعيشون مرحلة انتقالية تتمثل بالردة عن الشيوعية إلى أقصى درجات الرأسمالية، حيث انهار الاتحاد السوفيتي في ذلك العام، وبدت روسيا عاجزة أمام دعوات الاستقلال تلك، ليتمثل ردها بدعم أنصارها، بشكل مباشر أو غير مباشر، دون التخطيط الكافي لكسب الحرب، ومع التقاط الأنفاس وبعد ثلاث سنين فقط عام 1994م عقد الروس العزم للقضاء على الحركة الانفصالية في الشيشان، لما تمثله من خطر على الأمن القومي الروسي، وعلى وحدة روسيا الاتحادية حيث سيشجع نجاح الشيشان في نيل استقلالها باقي دول وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، لتسير على نفس الدرب بحسب ما يراه السياسيون والعسكريون الروس، (وفي حال سقوط القوقاز الكبير في قبضة القوميين الإسلاميين، ربما تختفي الدولة الروسية في شكلها الحالي، وتتم “يوغسلفتها” بدينامية التفكيك بعوامل وتطورات داخلية متتابعة أو بتدخل مباشر من الغرب، يقول بوتين في هذا الإطار: “إذا لم نوقف المتطرفين في الشيشان اليوم فسنواجه غدا يوغسلافيا ثانية في أراضي روسيا الاتحادية كلها”)[34] إلا أن العملية العسكرية الروسية في الشيشان رغم نجاحها المبدئي وسقوط غروزني بيد الروس، لم تستطع تحقيق الأهداف المرجوة، بل سرعان ما انقلبت الطاولة على الروس ليتمكن الشيشانيون من هزيمتهم، وينالوا استقلالهم مجددا.

ولعل أبرز عامل في هذا النصر هو التفافهم حول قيادة واحدة متمثلة ب “جوهر دوداييف” وعدم تسرب الخلافات والمشاريع المتضاربة إلى قيادات المجاهدين، الأمر الذي كان له الدور الأكبر في انتصار الروس في الحرب الشيشانية الثانية 1999م،كما كان التكتيك العسكري المتبع متمثلا بحرب الاستنزاف متميزا جدا، إذ كانت أعداد القتلى والأسرى الروس في العملية الواحدة تصل لعدة مئات وكان تدمير الآليات بالعشرات، وحسب تقارير واردة فإن ما خسره الروس في الحرب الشيشانية الأولى تجاوز ما خسروه خلال حرب أفغانستان بسنيها العشرة.

ومن الإنصاف أن يُذكر هنا دور باسييف وخطاب وراديوف وغيرهم ممن قادوا العمليات العسكرية التي لم يعرف لها التاريخ الحديث مثيلا في براعة التخطيط وشجاعة التنفيذ، إلا أن تلك البطولات والتضحيات لم يتم استثمارها بالشكل الصحيح، ولم توضع في مسار متكامل مع باقي الجهود الرامية لاستقلال الشيشان، خاصة بعد انتصار المقاتلين في الحرب الشيشانية الأولى.

وعَوداً على ذي بدء؛ فقد أثرت تلك المعارك الطاحنة على مجريات الأمور، لتدفع روسيا بقيادة يلتسن، إلى التفاوض مع الشيشانيين وتوقيع اتفاق مبدئي مرضٍ لهم، وغامض المعالم، أدى في الوقت نفسه إلى انسحاب الروس من الشيشان، ولم يكن أمام الروس خيار آخر، فقد بدت الشيشان مستنقعا مخيفا، كما تعالت الأصوات المعارضة في الداخل الروسي رافضة هذه الحرب “الخاسرة” بكل المقاييس.

وهكذا يمكن تلخيص استراتيجية المقاتلين الشيشان:

  • التفافهم حول قيادة واحدة والتركيز على هدف واحد تمثل باستقلال الشيشان.
  • صمودهم في حرب الاستنزاف وتمتعهم بإرادة قتال عالية، واتباعهم لتكتيكات عسكرية مبتكرة أبرزها تنفيذ عدة عمليات في عمق الأراضي الروسية.
  • قدرتهم على التفاوض في الوقت المناسب وتمتعهم بالمرونة السياسية الكافية، فلم يمانع الرئيس الشيشاني من استقبال الوفد الروسي على أراضي الشيشان، بل دعاهم للتفاوض أكثر من مرة، بل إنه زار روسيا في وقت لاحق.

في حين افتقرت الاستراتيجية الروسية لأية معالم واضحة، ولم يتمتع السياسيون والعسكريون الروس بالذكاء الكافي الذي يؤهلهم لاستثمار إمكانياتهم الهائلة وكسب الحرب، إذ كان الاعتماد الكلي على سياسة الأرض المحروقة، وكان هناك استهتار كبير بتقدير قدرات الخصم حين تباهى وزير الدفاع الروسي حينها بأن الحرب ستحسم بعد ساعات من انطلاقها، إلا أن الحرب استمرت سنتين وكلفت روسيا آلاف القتلى والجرحى.

ب _ حرب الشيشان الثانية … تحليل استراتيجي

كانت المدة الفاصلة ما بين حرب الشيشان الأولى وحرب الشيشان الثانية هي الفيصل الحاكم والميزان الذي حدد الطرف المنتصر في الحرب القادمة، فماذا جرى على الصعيد الشيشاني، وما استجد في الاستراتيجية الروسية؟

1_ على الصعيد الشيشاني:

لقد ارتكب المجاهدون الشيشان عدة أخطاء استراتيجية حرفت مسارهم وأضاعت مكتسباتهم وقطعت المسافة الفاصلة بينهم وبين الحرب الشيشانية الثانية، وساهمت في الهزيمة السريعة فيها.

■ الخلافات الشيشانية الداخلية تعصف بمنجزات الحرب

جرت الانتخابات الرئاسية في الشيشان في تموز ١٩٩٧م وتنافس فيها ثلاثة مرشحين عبّروا عن القوى السياسية المختلفة داخل الشيشـان، فكان هناك شامل باسييف القائد الميداني الذي تطالب موسكو برأسه، ويعبـر عـن الاتجـاه المطالب بالاستقلال الفوري للشيشان، وهنـاك سليم خان ياندرباييف الذي كان نائباً لجـوهر دوداييف وتولى مقاليـد السـلطة بعـد مقتـل دوداييف وكان ياندرباييف معبراً عـن ذلـك الاتجاه الذي لا يرى مانعاً من الانتظار لفتـرة انتقالية على طريق الاستقلال، وأخيراً هنـاك أصلان مسخادوف الذي وقّع الاتفاق الأخيـر واعتبرته روسـيا آنـذاك رمـزاً للاعتـدال الشيشاني وكان يحظى بقبولها، وتحقق ما كانت تأملــه موســكو بفــوز مســخادوف بالانتخابات التي حضرها مراقبون من روسيا.[35]
وفي اليوم الأول الذي أدى فيه مسخادوف يمين الولاء بعد انتخابه رئيسا، خرج الرئيس السابق سليم خان يندرباييف من القاعة مع بعض أنصاره، ولم يلتق بمسخادوف إلا في المحكمة الشرعية عندما أقسم بأنه لم يحاول اغتياله، وفي اليوم نفسه قال باسييف إن نتائج الانتخابات مزورة معلنا عدم اعترافه بشرعية الرئيس.

وامتلك كل قائد ميداني رؤيته الخاصة للخروج من الأزمة الاقتصادية والسياسية، ولم يخف أي منهم طموحه في الاستحواذ على السلطةِ لأن كل منهما يتزعم فصائل مسلحة، ولديه كل الأسباب للاستقلال الذاتي، وبقيت الأمور على هذه الحالِ بمعنى تقسيم الشيشان إلى ولايات قبلية لكل منها شيخها.[36]

■أصلان مسخادوف وحيدا في وسط الميدان

كان هناك تياران اثنان بارزان يتجاذبان الساحة الشيشانية، فمن جهة التف حول باسييف وخطاب عدد كبير من المجموعات المسلحة التي حملت أفكارا أكثر تشددا وطالبت بسرعة تشكيل دولة إسلامية، وإعادة إطلاق العمليات العسكرية ضد الروس، كان هناك تيار آخر تمثل بأحمد قاديروف وعدد من المجموعات الملتفة حوله والذي طالب “بمناهضة التطرف الأصولي وملاحقة أنصاره وطردهم”. ليبقى مسخادوف وحيدا يكافح من أجل نيل اعتراف دولي ببلده ولا يهدأ متنقلا من بلد إلى بلد يُعرّف المسؤولين عن قضية الشيشان وحقه بالاستقلال، ويسعى بخطوات راسخة لتحقيق نهضة إسلامية وأخرى اقتصادية، وقد اجتهد بالجمع بين الخيار الديمقراطي وتعاليم الشريعة الإسلامية، و نُقل عنه في إحدى التصريحات أن الإسلام لا يمانع في أن يختار الشعب حاكمه، إلا أن القادة الميدانيين “واصلوا اتهام مسخادوف بسبب افتقار جمهوريتهم للسلطة المركزية، متناسين بذلك أنهم من أفقدها السلطة المركزية القوية، فما إن ينوِ الرئيس الشيشاني اتخاذ قرار لا يتماشى مع رغباتهم، حتى يسارعوا إلى إرسال فصائلهم المسلحة إلى غروزني، كلهم فعل ذلك في أوقات مختلفةِ وكانوا أثناء الحرب يشيدون بكفاءة مسخادوف، العقيد في الجيش السوفيتي؛ وعندما أصبح رئيسا صار عميلا للكرملين!

وسعوا إلى الإطاحة به بإعلان تطبيق الشريعة الإسلامية، ويترتب على ذلك تغيير نظام الحكم ورأس السلطةِ، بَيد أن الرئيس الشيشاني سبقهم إلى إعلان تطبيق الشريعة في نهاية 1998م، الأمر الذي جردهم من هذه الورقة”[37].

وقد قربت هذه الخطوة غير المدروسة أصلان مسخدوف من التيار الجهادي المتمثل بخطاب وباسييف، على الرغم أن مسخادوف لم  يكن راضيا تماما عن هذه الخطوة، وكان يرى تأجيلها لحين توطيد الأمن وترسيخ الاستقلال، إلا أن الضغط المتزايد من تيار باسييف أجبره عليها، وبعد اشتعال الحرب الثانية ورفض بوتين إجراء أي مفاوضات مع الشيشانيين، وجد مسخدوف نفسه في خندق باسييف وخطاب، متخفيا في جبال الشيشان الوعرة، وقد أضاع الشيشان فرصته الذهبية بنيل استقلاله، بل واعتراف روسيا الضمني بقيادة الشيشان المتمثلة بمسخادوف يوم أن استقبل الرئيس الروسي يلتسن الرئيس الشيشاني أصلان مسخدوف في الكرملين في وقت سابق، وكذلك الأمر يوم زار الرئيس الأسبق سليم خان يندرباييف روسيا والتقى يلتسن هو الآخر، حيث بادره يلتسن بزيارة مماثلة خاطفة للشيشان، إلا أن تعنت التيار الجهادي واستمراره بعمليات الخطف والتفجير واستهداف الروس مدنين وعسكريين أثار حفيظة الروس، وسرع خططهم عندما توج التيار الجهادي عملياته بدخول داغستان وإعلان الدولة الإسلامية، الأمر الذي استجر القوات الروسية التي أطاحت بالحلم الشيشاني.

الاستعجال بمظاهر الأسلمة التي أثارت الرأي العام العالمي

لقد أثّر الاندفاع الكبير لدى المجاهدين الشيشان ورغبتهم في تحقيق أملهم في إقامة دولة إسلامية على مجريات الأمور، حيث لم يفضل المجاهدون إحداث تغيير تدريجيي لا يلفت الانتباه، ولا التريث لتدعيم الاستقلال ورص الصفوف الداخلية وبناء قوة حقيقية، وقد كان لإقامة المحاكم الشرعية وتنفيذ أحكام الإعدام بحق بعض المفسدين دور كبير في تأجيج الرأي العالمي ضد القضية الشيشانية*.

التوسع السابق لأوانه نحو داغستان بدخول اللواء الإسلامي إليها بقيادة شامل باسييف

لم تكن مظاهر الأسلمة وحدها التي ساهمت في تصنيف الجماعات المقاتلة في الشيشان، بل كان للعملية الفاشلة التي قادها شامل باسييف وخطاب، في داغستان وأدت لانسحاب سريع سبقه إعلان دولة إسلامية موحدة بينها وبين الشيشان، كان لها الدور الأكبر في ذلك، وقد أقر باسييف لاحقا بخطئه في هذه العملية طالبا المغفرة من أصلان مسخادوف لعدم إعلامه بها، ولعل لتلك العملية دلالات عديدة على عدم إدراك المجاهدين حينها لميزان القوى وعدم قدرتهم على تقدير الموقف بالشكل الصحيح، حيث لم يتجاوز عددهم الألفي مقاتل، وأدى الطمع بتحقيق مكتسبات كبيرة لا تتناسب مع حجم الإمكانيات المتاحة لفقدان كل شيء أمام هذه القوة العظمى.

كما نمّ عن رجوح رأي أصلان مسخدوف ورسوخ خطواته، والذي عارض العملية ونفى أن يكون له أي علم بها، إذ كيف لمجموعة لا تتعدى الألفي مقاتل أن تقيم وحدة بين داغستان والشيشان، وتقيم دولة إسلامية وتجابه دولة عظمى!! والشيشان حينها منقسم على نفسه وأولى بتوحيد نفسه مِن توحده مع غيره، وقد شكلت تلك العملية ذريعة مهمة لنقض الاتفاقات الروسية وتغطية الحملة المسعورة على الشيشان والتي أدت لانهيار الحلم الشيشاني، وتنطوي صفحة الشيشان في بناء نفسه وتدعيم استقلاله والتي امتدت لنحو /3/سنوات.

أضف إلى ذلك أنه “في ظل استشعارها الخطر من المد السلفي على وضعها باعتبارها ممثلا للإسلام الرسمي، بادرت الإدارة الدينية المحلية للمسلمين في داغستان بطلب للبرلمان الداغستاني لحظر الوهابية، وهو ما استجاب له البرلمان في ١٦ أيلول ١٩٩٩م، ولاحقا قدمت قوانين مشابهة في إنغوشيا، وقباردينو – بلقاريا، والقرتشايو الشركس، وأخيراً في الشيشان”[38] حيث كان الاعتماد الروسي متركزا على التيار الإسلامي المتصوف بزعامة أحمد قاديروف.

الاختراق الأمني

عانى الشيشانيون في الفترة الممتدة بين الحربين من اختراق كبير، وعلى مستويات عليا، فقد نجحت الاستخبارات الروسية بتجنيد مئات العملاء، والتواصل المباشر مع قادات الجهاد السابقين وتأليبهم وكسبهم لصالحها، وكان من أبرز أشكال هذا الاختراق هو التواصل المنفرد مع الروس من قبل قيادات العمل المسلح بدعوى تحقيق مصلحة البلاد، لا العمالة ابتداء، ليتطور الأمر منتهيا بإغراءات وامتيازات وعمالة مباشرة.

غياب المرجعية الدينية خاصة بعد عزل مفتي الشيشان وإهدار دمه

لقد بدا واضحا جليا فقدان المرجعية الإسلامية الراسخة في هذا البلد، التي تشتتت ما بين الصوفية والسلفية، وبين إنكار أو إقرار المفاوضات السياسية، والتريث أو الاستعجال بإعلان الدولة الإسلامية، لتغيب السياسة الشرعية عن ساحة العمل ويغيب فقه الموازنة، ويسود النزاع والتناحر الشرعي، خاصة بين السلفية الجهادية المتمثلة بتيار باسييف، والصوفية المتمثلة بتيار قاديروف، والمعتدلين المتمثلين بمسخادوف، وبالرغم من أن العرب القادمين لم يتقلدوا مناصب قيادة عليا ومنهم خطاب  الذي آثر التراجع خطوة صغيرة للوراء وترك القيادة لأهل المنطقة، فقد بدت لمساتهم “الجهادية” واضحة جلية في تحركات جماعة باسييف التي كان لها الدور الأكبر بتسريع الحرب مع الروس قبل الاستعداد الكامل لها، كما زاد الطين بلة، انشقاق مفتي الشيشان “أحمد قاديروف” وتنسيقه مع القوات الروسية، وإهدار دمه لاحقا من قبل أصلان مسخدوف واعتباره العدو رقم واحد، لتخلو الساحة الشيشانية من مرجعية إيديولوجية هي الأهم في توحيد جماعات مقاتلة كانت جل تحركاتها نابعة من دوافع إيديولوجية أكثر منها قومية، أضف إلى ذلك أن الكثير من قيادات المقاتلين في الشيشان كانوا ضباطا في الجيش الأحمر السوفيتي قبل أن يتحولوا لتبني قضية الاستقلال وصبغها بالطابع الإسلامي ومنهم جوهر دوداييف الذي قضى عمره في صفوف الجيش السوفيتي، وأصلان مسخادوف الجنرال السابق فيه أيضاَ.

2_ على الصعيد الروسي:

لم تَرُقْ لروسيا هزيمتها في الحرب الشيشانية الأولى، والتي كسرت هيبتها الدولية وأضرت بأمنها القومي ووحدة أراضيها، ومصالحها الاقتصادية أيضاً، ويرجع البعض أسباب الحرب الشيشانية لمصالح روسيا الاقتصادية فيها وعلى رأسها ” مشاريع نقل غاز ونفـط منطقة بحر قزوين الهائل الحجم إلـى مينـاء نوفروسييك الروسي على البحر الأسود والتي تمر عبر غروزني، حيث يعتبر تأمين طريـق شبكة الأنابيب بمثابة الضامن لدور روسيا في استراتيجيات نقل نفط قزوين”.[39]
كما أنه من الممكن استعراض أسباب أخرى للحرب أكثر عمقا ترتبط بالجيبولوتيكية الغربية في أوراسيا ومنطقة “قلب العالم” والتي تتلخص بعزل روسيا عن العالم الإسلامي وتأجيج الصراع بينهم لمنع أي تحالف محتمل، “هذا التحالف الذي يمكن أن يقوي روسيا ويفقد الغرب مكتسباته، ولهذا كان يجب أن يجعلوا من روسيا العدو الأول للعالم الإسلامي (أفغانستان، طاجيكستان، البوسنة، الشيشان)، ثم يدفعوها إلى حرب مع العالم الإسلامي ليتدخل جنودهم بمهمة “حفظ السلام” في مناطق مختلفة من العالم.”[40]

وقد تحدث الفريق (ليونيد إيفا شوف) رئيس دائرة العلاقات الدولية في وزارة الدفاع الروسية، في تصريح له لقناة (الجزيرة) التي التقت به في مكتبه في (هيئة الأركان العسكرية الروسية) عن أسباب اشتعال الحرب مجددا في شمال القوقاز عام 1999م: هم بالتالي ـ يقصد الإرهابيين ـ يسهمون في تحقيق حلم الغرب القديم في الإيقاع بين روسيا والعالم الإسلامي، فقد تحدث عن ذلك السيد (كسينجر) منذ فترة قاصداً حلمه بالإيقاع بين روسيا والإسلام.[41]
 ليقع الغرب في متناقضة عجيبة، ففي حين يدعم روسيا ماديا ويؤيد حربها على الإرهاب، يعترف بحق الشيشان بالمطالبة بهويتهم القومية وحرية تحديد المصير، وتتوالى التصريحات المتناقضة من المسؤولين الغربيين بين تأييد وشجب لموسكو وتأييد وشجب للمقاتلين الشيشان، وبغض النظر عن الأهداف واللمسات الغربية، فقد سارت الأمور نحو التصعيد العسكري، الذي امتاز هذه المرة بخطواته المدروسة، وتخطيطه المتقن خلال ثلاث سنوات والاستفادة من أخطاء الحرب الشيشانية الأولى لتُبنى الاستراتيجية الجديد على عدة ركائز:

1) كسب الوقت بعقد اتفاقيات توهم بالاعتراف باستقلال الشيشان، وتساعد على متابعة الإعداد لمدة ثلاث سنوات لعملية عسكرية أمنية متقنة.

2) ترويض الرأي العام العالمي بشماعة الإرهاب ومحاربته واستجرار الجماعات الشيشانية لتنفيذ عمليات “إرهابية” في العمق الروسي، وإيجاد ذريعة قوية لنقض الاتفاقات المبرمة مع الحكومة الشيشانية والتملص منها، بحجة مسؤوليتها عن عملية داغستان الفاشلة التي قادها باسييف وخطاب دون علم أصلان مسخادوف.

3) الاستمرار بالخيار العسكري، مع بعض التعديلات في تكتيكات الحرب، وذلك للظهور بمظهر القوة وإعادة الهيبة الروسية أمام المجتمع الدولي وجمهوريات روسيا الاتحادية، خاصة بعد أن كُسرت عقب هزيمة الشيشان الأولى، وأن بوتين رئيس الوزراء الجديد يريد أن يثبت وجوده أمام الغرب والعالم والداخل الروسي، وقد تحدد هذه الحرب عنوانا لتعامل الغرب مع روسيا وقائدها الجديد.

4) الاعتماد على العملاء الشيشانيين والمقاتلين المحليين بشكل رئيسي واختراق المقاومة الشيشانية بأرفع المستويات ممثلا بأحمد قاديروف الذي ساهم بتسليم جوديرميس ثاني أكبر المدن الشيشانية دون قتال بعد تصاعد الخلافات بين الجماعات الشيشانية القومية والإسلامية، والإسلامية نفسها بين معتدل ومتصوف وسلفي جهادي.

5) الاستفادة من عامل الوقت والإرهاق النفسي الذي تعرض له الشعب الشيشاني بعد سنوات الحرب، وإعطاء التطمينات للمقاتلين الراغبين بالاستسلام أو الانضمام لصفوف الموالاة، عبر مفتي الشيشان السابق الذي استطاع إقناع العديد، وخاصة وأن روسيا قامت بتلميعه وتعيينه رئيسا للشيشان.

6) عدم إعطاء المقاتلين الشيشان فرصة للهجوم على غروزني مجددا كما حدث في الحرب الأولى وذلك بملاحقتهم في المنطقة الجبلية والاعتماد بشكل رئيسي على سلاح الاغتيالات وتصفية القيادات الشيشانية، حيث بدا تجنيد العملاء حينها أسهل بكثير منه في الحرب الشيشانية الأولى، حتى لم يبق قائد شيشاني مؤيد للاستقلال بعد سنوات قليلة، فقد تم اغتيال خطاب وأصلان مسخادوف، وشامل باسييف وسليم يندرباييف واعتقل العديد من القيادات الشيشانية أيضا مثل القائد الميداني البارز سلمان راديوف وغيرهم الكثير.

7) تهدئة الشعب الشيشاني بتعيين رئيس شيشاني سني، يلبي المصالح الروسية، وقادم من الوسط الشيشاني في الوقت نفسه، فقد كان “أحمد قاديروف” رئيس الشيشان الجديد، قائدا ميدانيا سابقا في صفوف المقاتلين الشيشان، والمفتي العام لجمهورية الشيشان، والناطق الرسمي والشرعي من بني جلدة الشيشانيين والذي يتولى إقناعهم بالشرعية الروسية وعدم شق عصا الطاعة.

8) إعادة الإعمار وتفعيل الخدمات والإبقاء على بعض مظاهر الأسلمة (غير الجهادية) وتقوية الاقتصاد الشيشاني بشكل تدريجي.
وبذلك نجحت الاستراتيجية الروسية الجديدة بتجنب إخفاقات حرب الشيشان الأولى لتخرج روسيا منتصرة في هذه الحرب غير مبالية بما خلفته من دمار وقتلى، وليخرج بوتين من هذه الحرب أكثر قوة وصلابة، وبنظرات أكثر حدة وذكاء، مستمرا في قيادة روسيا الاتحادية حتى وقتنا الراهن.

رغم ذلك مازال الاستقرار في الشيشان استقرارا حذرا، حيث يذكر الصحفي سبياستيان سميث،* الذي زار الشيشان مرات عدة، كان آخرها قبل تأليفه كتاب “جبال الله … الصراع على الشيشان”، عن وضع الشيشان إبان الحرب الشيشانية الثانية وعن كره الكثيرين لأحمد قاديروف واعتباره خائنا باع القضية الشيشانية، وعن الروح القتالية العالية لدى بعض المقاتلين المختبئين في الجبال، وكان ذلك إثر جولة ميدانية ثرية وعدة مقابلات أجراها مع سكان شيشانيين وجنود وقيادات في جيش الاستقلال.[42]

الباب الثاني: مقاربة التجربة الشيشانية بتطورات الثورة السورية

أولًا: الاستراتيجية الروسية العامة في سوريا

أ _ تطورات الاستراتيجية الروسية في سوريا

“إن روسيا لم تعد تشكل عامل توازن مع الولايات المتحدة، وإنما توافقت معها على مجموعة من الاستراتيجيات… ولهذا فإن روسيا لم تتحدَّ الولايات المتحدة في أي مشكلة دولية، وكانت قمة هذا التراجع الروسي هو أنه عندما نشبت أزمة إقليم كوسوفو في يوغوسلافيا سنة 2000، وقامت دول حلف الأطلنطي بشن اعتداءات شاملة على يوغسلافيا استهدفت تدميرها، فإن روسيا لم تتحرك لدعم حليفتها يوغسلافيا، وفي الشرق الأوسط احتكرت الولايات المتحدة عملية التسوية السياسية، وتم تهميش الدور الروسي، ومن ثم بدأت الولايات المتحدة في عملية تصفية الحسابات مع كل الدول الرافضة للنموذج الأمريكي مثل كوريا الشمالية، وليبيا، والعراق، والسودان، مستثمرة في ذلك هامش المناورة الواسع الذي تتمتع به كقوة عظمى وحيدة”،[43] ومع بدء الثورة السورية تطلع الروس إلى هذا الميدان الجديد باعتباره فرصة لإعادة المكانة الدولية وتحقيق المصالح الروسية المتشعبة في المنطقة والعالم، حيث (يمنح حضور روسيا في الأزمة السورية فرصة ومجال اتباع سياسة متعددة المسارات في علاقاتها بالولايات المتحدة والقوى الإقليمية الرئيسية في إطار صوغ سياسة الإقليم، وتمثل سوريا أوكرانيا مصغرة  في الوطن العربي والشرق الأوسط، تدير روسيا من خلالها علاقاتها…. من منطلق أنها قوة كبرى لها مصالح وطنية في الوطن العربي والشرق الأوسط ينبغي الحفاظ عليها، شأنها في ذلك شأن كل قوة كبرى)،[44] وأن تأخذ المعارضة السورية بعين الاعتبار طبيعة السياسة الروسية البراغماتية ومقاطعتها مع مصالحها، وهنا لا بد من مسح سريع لتطور الاستراتيجية الروسية:

اعتمدت الاستراتيجية الروسية منذ انطلاق الحرب السورية على الركائز التالية:

  1. الحفاظ على آخر قواعدها العسكرية في الشرق الأوسط وعلى قاعدتها الوحيدة في البحر المتوسط.
  2. الحفاظ على مصالحها الاقتصادية المتمثلة بـ:
    1. بيع الأسلحة للنظام السوري.
    2. احتكار تجارة الغاز العالمية بترسيخ هيمنة شركة “غاز بروم” الروسية على إمدادات الطاقة، وإفشال أي مشروع منافس يهدف لنقل الغاز الآسيوي إلى أواسط أوربا، على غرار مشروع خط أنابيب الغاز “نابكو”.[45]
  3. مجاراة الدور الأمريكي “العدو التقليدي” وعدم السماح له بالاستفراد بالمنطقة خاصة بعد سقوط النظام في العراق.
  4. امتلاك ورقة ضغط ومساومة في المفاوضات مع الولايات المتحدة والغرب في الملفات الأخرى العالقة مثل أوكرانيا وشبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا لها مؤخرا.
  5. الحفاظ على نظام الأسد وحمايته من السقوط باستخدام القوة العسكرية، باعتباره الحليف القادر على حماية تلك المصالح.

إلا أن تحولات عديدة طرأت على الساحة السورية دعت روسيا لتعديل استراتيجياتها ومن هذه التحولات:

  1. تنامي الدور الإيراني الحليف والذي يزج بالمقاتلين الشيعة من كل مكان في ساحة المعركة للدفاع عن مصالحه؛ في حين تعجز روسيا عن التضحية بالعنصر البشري الروسي وتخفق في تجنيد الوكلاء.
  2. تنامي دور وكلاء الولايات المتحدة “الأكراد” وإقامة عدة قواعد أمريكية في أماكن سيطرتهم.
  3. استعادة النظام لمساحات واسعة من الأراضي السورية الخاضعة لسيطرة المعارضة.
  4. ارتفاع فاتورة الإنفاق الروسي على الحرب في سوريا، وتنامي خسائر الاقتصاد الروسي.

وبناء على ما سبق اتخذت عدة استراتيجيات تهدف من خلالها إلى:

  1. تحجيم الدور الإيراني في الريف الدمشقي بإقصاء إيران من اتفاقيات خفض التصعيد.
  2. خلق توازن بين النظام والمعارضة (مسك العصا من المنتصف) بإبقاء تهديد محدود لدمشق وإعاقة السيطرة الكاملة للنظام وإيران على الأرض، لتستخدم موسكو كانتونات المعارضة كورقة ضغط على دمشق، حيث لم تفرض في الاتفاق على المعارضة تسليم سلاحها أو التراجع عن مناطق نفوذها.
  3. لعب دور الوسيط والضامن بين قوات النظام ـ والمعارضة، بنشر شرطة روسية سنية للمراقبة والخروج بمظهر أكثر دبلوماسية لكسب المعارضة السورية لجانبها.
  4. ترسيخ الهيمنة على شرق المتوسط من خلال:
  • أ‌- توقيع عقود جديدة مع النظام السوري تتعلق ببقاء قواعدها البحرية لمدة تزيد على خمسين عاما.
  • ب‌- عدم السماح للأكراد بالوصول إلى سواحل المتوسط في حال بدء معركة ضد “جبهة النصرة” في إدلب، لما يشكله ذلك من تهديد لقواعدها هناك بسبب ارتباط الأكراد الوثيق بالولايات المتحدة الأمريكية.
  1. التحالف مع الأتراك في الحرب على الإرهاب وفق المفهوم التركي على حساب قوات النظام وإيران من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأكراد من جهة أخرى، ضمن أي عملية مرتقبة على إدلب.
  2. التفاهم مع الأمريكان على تحجيم الدور الإيراني وتقاسم بعض مناطق النفوذ في الجنوب والوسط السوري.
  3. عدم التورط عسكريا بمعارك استنزاف تخوضها روسيا، كتلك التي خاضتها في حلب، يترتب عليها تبعات عديدة أبرزها تنامي خسائر الاقتصاد الروسي وارتفاع تكاليف الحرب.
  4. مجاراة الدور الأمريكي ومحاولة التموضع على كامل الخارطة السورية من الشمال إلى الجنوب مع عقد اتفاقيات بين النظام والمعارضة بشكل منفرد، ونشر شرطة روسية في مناطق خفض التصعيد تمهيدا للسيطرة المباشرة أو غير المباشرة على تلك المناطق.

ثانيا: نفاذ الخيار العسكري في سوريا يحاكي حرب الشيشان الأولى

بدأت روسيا تدخلها العسكري في سوريا بتاريخ 29 أيلول من العام 2015م، وألقت بثقلها العسكري في حلب، مستنزفةً قوتها العسكرية في حرب كر وفر استطاعت حسمها في نهاية المطاف، إلا أن المقاتلين الذين خسروا حلب أوصلتهم طبيعة سير العمليات القتالية إلى نتيجة مفادها: أن ما قد تخسره لصالح النظام في سنة يمكن إعادته في أسبوع واحد، وهذا ما حصل في معارك حلب نفسها ثم في عدة معارك في حمص وحماة واللاذقية ودرعا وريف دمشق، وكأن المقاتلين الذين حرروا تلك المناطق وأعادوها قادرين على تحرير حلب ثانية، وكأن الشبه بينهم وبين مقاتلي الشيشان في الحرب الشيشانية الأولى – والذين خسروا غروزني ثم ما لبثوا أن أعادوها وطردوا الروس منها – كبير إلى حد بعيد، فلا بد لروسيا أن تحافظ على مكتسباتها، بعد إدراكها لاستحالة الحسم العسكري، أو علو تكاليفه وطول مدته على أقل تقدير، فليس من المتوقع أن تستطيع روسيا الحسم بأقل من خمس سنوات أخرى، ما سيزيد من ترنح الاقتصاد الروسي، فبحسب بعض التقارير تزيد تكاليف الحرب على مليار$ في السنة، دون تعويض يذكر، في حين تعتمد الولايات المتحدة بدعم وكلائها الأكراد ووكلائها في الجبهة الجنوبية على المال الخليجي، كما يُعتقد بأن التكلفة اليومية لتحليق المقاتلات الروسية بمعدل تسعين دقيقة، والمروحيات قرابة الساعة، ارتفع إلى /710/ آلاف دولار، كما أن الطائرات الحربية الروسية تلقي يوميا قنابل وقذائف تقدر تكلفتها بنحو /750/ ألف دولار، لتكون روسيا الآن مستعدة ـ رغم انتصارها في حلب ـ أن تقدم بعض التنازلات لإدراكها حجم القوة الكامنة لدى المعارضة السورية خاصة في ظل دعم بعض القوى الإقليمية والدولية لهم.

وترى في اتفاقيات خفض التصعيد مخرجا مناسبا، والتي ستكون مرحلة إعداد للحرب الجديدة بعد سنة أو سنتين ربما أو ثلاثة مثل الفترة الممتدة بين حرب الشيشان الأولى والثانية.

ثالثًا: اتفاقيات خفض التصعيد والاستراتيجية الروسية على ضوء حرب الشيشان الثانية

أ _ خفض التصعيد والإعداد الروسي

إن ما حدث في الشيشان في مرحلة ما بين الحربين الأولى والثانية على الصعيد الشيشاني الداخلي وعلى صعيد الإعداد الروسي يدعو للوقوف والتأمل بإمكانية وقوعه في مرحلة خفض التصعيد أم لا؟

لقد قامت روسيا في أيام خفض التصعيد في الشيشان (الفترة الممتدة ما بين الحرب الشيشانية الأولى والثانية) بعدة خطوات مهمة كان أبرزها:

  • تجنيد العملاء واختراق القيادات الشيشانية لتكون رأس حربة في عمليتها القادمة.
  • إيجاد ذريعة لخرق الاتفاقات الدولية التي وقعتها مع الشيشان مستخدمة حماسة بعض الجهاديين غير المدركين لميزان القوى.
  • تطوير تكتيكاتها العسكرية والأمنية، واعتمادها بشكل رئيسي على سلاح الاغتيالات وتصفية القيادات لاحقا.
  • إعدادها لحل سياسي مناسب جمع ما بين حماية مصالحها وتهدئة الشعب الشيشاني بتعين أحمد قاديروف مفتي الشيشان السابق والقائد البارز في القوات الشيشانية المناهضة لروسيا رئيسا للشيشان.

كما وقع المقاتلون الشيشان بعدة أخطاء استراتيجية، أبرزها:

  • إذكاء فتيل الخلافات ما بين الإسلاميين والقوميين من جهة، وبين الإسلاميين أنفسهم، جهاديين ومعتدلين ومتصوفين موالين للروس.
  • الطمع بتحقيق مكتسبات كبيرة تفوق حجم الإمكانيات المتاحة، والانشغال بتنفيذ عمليات في داغستان والعمق الروسي على حساب توطيد الأمن والاستقرار الداخلي، وترتيب أوراقهم العسكرية.
  • عدم الالتفاف حول القيادة الشرعية المتمثلة برئيس الشيشان “أصلان مسخادوف” وعدم التركيز على الهدف الرئيسي المتمثل بنيل الاستقلال والاعتراف الروسي والدولي به.

كما انطوت الاستراتيجية الروسية على شن حرب على الأراضي الروسية بعد فترة الإعداد تلك، تهدف لإعادة الشيشان للحظيرة الروسية وفق خطط تكتيكية أكثر من الخطط السابقة التي اعتمدتها في الحرب الشيشانية الأولى، فهل ستواجه قوات المعارضة في سوريا مصير مشابه بعد انقضاء مدة الإعداد ويتم خرق اتفاقيات خفض التصعيد لتبدأ المعركة الجديدة وفق خطة بوتين في حرب الشيشان الثانية؟

أم أن المعركة الحقيقية لم تعد ضرورية بالنسبة للروس، إذ يكفي سحب إرادة القتال والبحث عن “قاديروف سوريا” أو عدة شخصيات مماثلة، لانتزاع تلك المناطق من نفوذ المعارضة السورية كما حدث في “جوديرميس” ثاني أكبر المدن الشيشانية والتي سلمها قاديروف للروس دون قتال؟

وفي حال استطاعت روسيا تطوير استراتيجيتها الشيشانية بتحقيق أهدافها والحفاظ على مكتسباتها دون الدخول في حرب مباشرة، فلا شك أنها لن تستغني عن:

  • تجنيد العملاء سياسيا وعسكريا، وقد سبق وأن استطاعت روسيا صناعة معارضة سياسية متمثلة بمنصة موسكو، إلا أنها لم تستطيع صناعة وكلاء على الأرض السورية يؤدون الدور العسكري.
  • سياسة الاغتيالات وتصفية القيادات المعارضة.
  • امتلاك رأس الهرم، وصناعة قديروف سوري لكل منطقة من مناطق خفض التصعيد، ولا سيّما المرجعيات الدينية المحلية التي انحازت إلى نظام الأسد مع بداية الثورة.
  • دب الخلاف بين فصائل المعارضة واستثمار ذريعة الإرهاب في الوقت المناسب وبالشكل الذي تريد لخرق الاتفاقات ونقض الالتزامات.

ب _ اختلاف مناطق خفض التصعيد عن بعضها البعض وعن الساحة الشيشانية

لا شك أن مناطق خفض التصعيد الثلاث التي تم الاتفاق عليها في الجنوب وفي الغوطة الشرقية وريف حمص الشمالي، والمنطقة الرابعة في إدلب، مختلفة عن بعضها البعض لاختلاف جغرافيتها وتركيبتها الفصائلية، ففي حين تحظى الغوطة الشرقية والقلمون الشرقي وريف حمص الشمالي بفرصة أكبر لتطبيق سيناريو مماثل لحرب الشيشان الثانية لبعدها عن تأثير القوى الإقليمية والدولية بشكل مباشر بسبب إحكام الحصار وعدم اتصالها بأي دولة حدودية، فإن كلاً من إدلب في الشمال، ودرعا في الجنوب تخضع لتجاذبات الدول المتصارعة، ما يعني تطوير الاستراتيجية الروسية السابقة وتعديلها أو تغييرها أو البحث عن تفاهمات معينة تصب في صالح تطبيق تلك الاستراتيجية، وقد أبدى الروس براغماتية عالية في هذه الحرب متفوقين على جميع اللاعبين الآخرين، ففي حين تتنكر روسيا لحليفها وشريكها الإيراني وتحاول إقصاءه، تبني الاتفاقيات المشتركة مع الأمريكان في هامبورغ حول وضع الجنوب، ثم ما تلبث أن تتنكر للأمريكان وحلفائهم الأكراد في الشمال، بتحالفها الضمني غير العلني مع الأتراك، كما ظهر جليا محاولتها التقارب من المعارضة التي تصفها “بالمعتدلة”.

ولعل تلك البراغماتية قد جعلت من الروس فاعلا مرنا في المعادلة السورية، لا يمكن تجاوزه أبداً بل يجب التعامل معه عند الحديث عن أي خطوة عسكرية أو سياسية.

التوصيات:

أ_ العلاقة مع الروس

تتحرك السياسة الروسية مدفوعة بتحقيق مصالحها، على عكس إيران التي تتحرك بدوافع إيديولوجية لتحقيق مصالحها فقد كان من الممكن لحكومة أصلان مسخدوف في الشيشان تمرير بعض المصالح المرتبطة باستخراج النفط ومد خطوط الطاقة على حساب بعض المكتسبات التي تدعم أركان تلك الحكومة الناشئة، والأمر مماثل إلى حد بعيد في الحرب السورية، لذلك يشكل الانتقال بين المعسكر الشرقي والغربي وفق المتغيرات الداخلية والخارجية أس الديناميكية السياسية الناجحة، باعتبار أن التاريخ الأمريكي أو الغربي بشكل عام ليس أكثر إنسانية في تعاملهم مع الشعب العراقي أو الأفغاني أو السوري في الرقة مقارنة مع ما فعله الروس بالشعب السوري، إضافة إلى محاولة الغرب الحثيثة للإيقاع بين روسيا والعالم الإسلامي و هو ما أدركته نخبة في الوسط الروسي ” فقد رأى كل من الجنرال بيتروف و ميخائيل كروغوف أن التحالف مع العالم الإسلامي وليس محاربته يمكن أن يخرج روسيا من أزماتها التاريخية”[46]، ولعل مما يدعم هذا الرأي هو التصريحات التي أدلى بها رئيس مديرية العمليات العامة في هيئة الأركان الروسية الجنرال “سيرغي روتسكوي “أن الاستخبارات الأمريكية هي من حرضت فصائل المعارضة على انتهاك اتفاقية خفض التصعيد التي ترعاها موسكو”.[47]

ب_ العلاقة مع الجهاديين

يُظهر عرض التجربة الشيشانية بوضوح الفشل الذريع الذي ارتكبه بعض من يمكن وصفهم “بالسلفيين الجهاديين” بقيادة باسييف وخطاب، والذين اعتذروا لاحقا عما سببوه لحكومة أصلان مسخدوف من إحراج وتحمل لتبعات حرب لم يكتمل الإعداد لها، والتي أودت في النهاية بتلك الحكومة الناشئة التي كانت تحاول تدعيم الاستقلال بالتدريج، إلا أن الجهاديين أنفسهم ـــ مع الأسف ـــ ربما لم يقرؤوا تلك التجربة ولا شبيهتها في أفغانستان أيام حكم حركة طالبان، وعليه فإن المشروع الوطني الذي تجمع عليه المعارضة وحاضنتها الشعبية والقدرة على طرحه وما يلزمه من أدوات للبدء بتنفيذه يقطع الطريق على هؤلاء (الجماعات السلفية الجهادية في سورية “القاعدة”) دون إنكار متانة عقيدتهم العسكرية وقدرتهم العالية على التضحية، أو محاباتهم والارتهان لأجنداتهم لتنفيذ مشروعهم.

ج _الحذر من العملاء رفيعي المستوى

قد يستغرب البعض إن لم نحمل قاديروف وحده فشل الشيشان في نيل استقلالها، والحقيقية أن مقدمات عديدة دفعته للعمالة لصالح الروس، والتواصل الأحادي معهم ـ وليس هذا تبريرا لتلك العمالة، فقد كان من المفترض أن يكون ذلك التواصل على شكل مفاوضات شاملة تقوم بها السلطة الفعلية بتأييد من الجماعات الأخرى، إلا أن ما حدث خلاف ذلك فمع تهور باسييف كان انبطاح قاديروف، وعليه فقد بات توحيد القيادة العسكرية مع القيادة السياسة في الساحة السورية أمرا ضروريا خشية محاولة الاختراق والاستفراد بطرف دون غيره خاصة أنها دخلت ساحة المفاوضات وتلقي الوعود والامتيازات من الروس، وما حدث في الغوطة الشرقية خلاف ذلك، حيث وُقعت اتفاقيتان ببنود مماثلة مع الروس، وجلس جيش الإسلام وفيلق الرحمن كل على حِدَة مع الطرف الروسي، وقد تكون تلك المفاوضات الأحادية التي أجراها جيش الإسلام وفيلق الرحمن أحد مداخل الاختراق عبر إعطاء الوعود الكاذبة والتطمينات الخادعة من قبل الروس لاستمالة طرف على حساب بقية الأطراف.

د _الالتفاف حول قيادة واحدة، والاتفاق على هدف وطني جامع

لعل النجاح الذي حققه الشيشانيون في حربهم الأولى يعود لتوحدهم حول قيادتهم المتمثلة “بجوهر دوداييف” وتركيزهم على هدف وطني جامع تمثل بتحقيق الاستقلال عن روسيا الاتحادية.

وعلى المعارضة السورية إدراك ما فاتها وإعادة تشكيل نفسها سياسيا وعسكريا، تحت قيادة واحدة وهدف وطني جامع يبتعد بها عن مستنقع المشاريع الحزبية الضيقة، وعلى الإسلاميين أن يدركوا أن أصلان مسخدوف وباسييف وغيرهم في الحرب الشيشانية الثانية طالبوا بإجراء مفاوضات واقعية تنقذهم من الهزيمة المحتّمة مع الروس إلا أن السيف قد سبق العزل، وفات أوان التنازلات الواقعية، وإن المشروع الوطني الجامع وتحقيق الحرية والكرامة لمختلف شرائح الشعب السوري، هي المقدمة الصحيحة والبيئة الخصبة لنجاح أي مشروع، حيث سيطرح كلٌ مشروعه وفق منافسة حرة، وهنا لابد من عدم التخلي بأي حال عن السلاح الذي يعد صمام أمان يحمي تلك الحرية لتكون مكسبا صلبا لا يمكن سحبه أو الانقلاب عليه.

ھ _العمل على الإعداد بمختلف أشكاله في المرحلة الراهنة (مرحلة إيقاف التصعيد)

من السهل جدا على الروس خرق تلك الاتفاقيات الموقعة في حال ارتأت موسكو عدم جدواها، بل إن خروقات عديدة حصلت في الفترة الماضية، فيجب على المعارضة السورية أن تأخذ بحسبانها أن الحرب لم تضع أوزارها بعد، بل قد تكون بدأت للتو، وعلى المعنيين إعداد مشاريع الإعداد المختلفة سواء العسكرية الهجومية أو الدفاعية، أو السياسية التي يجب أن تسعى لنيل مزيد من الاعتراف الدولي، أو الداخلية على الصعيد الأمني والفكري والشعبي.

الخاتمة

لقد كانت التجربة الروسية في الشيشان بمراحلها التي مرت بها، إحدى أهم تجارب الشعوب في نيل استقلالها والتي خلطت نجاحا باهرا مع فشل مرير، كما يمكن اعتبار الحربين الشيشانيتين الأولى والثانية وما أفرزته الحركة الانفصالية في الشيشان، إحدى أهم التجارب العسكرية والسياسية في تاريخ روسيا المعاصر بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وبوصلة ترسم القيادة الروسية من خلالها سياساتها الخارجية في منطقة الشرق الأوسط المستعرة على وجه الخصوص.

ولتتابع القيادة الروسية التخطيط في سوريا على نفس الوتيرة واضعة مصالحها الاقتصادية على رأس اهتماماتها في محاولة لاحتواء الثورة السورية بعد التمدد الكبير الذي حققته مستخدمة أساليب مشابهة لأساليبها بالحرب الشيشانية وبأسماء مختلفة مثل اتفاقات خفض التصعيد ومنصة موسكو وغيرها.

وفي هذا الصدد نترقب تلك الاستراتيجية وما أفرزته من مفاوضات منفردة تقوم بها فصائل الثورة السورية قد تودي في نهاية المطاف بحلم الثورة السورية، وتغري ضعاف النفوس بمكتسبات هشة زائلة، وفي حال استطاعت روسيا الاستفادة وتطوير استراتيجيتها الشيشانية بتحقيق أهدافها والحفاظ على مكتسباتها دون الدخول في حرب مباشرة، فلا شك أنها لن تستغني عن:

1) تجنيد العملاء سياسيا وعسكريا.

2) سياسة الاغتيالات، وتصفية القيادات المعارضة.

3) امتلاك رأس الهرم، وصناعة قديروف سوري لكل منطقة من مناطق خفض التصعيد.

4) دب الخلاف بين فصائل المعارضة واستثمار ذريعة الإرهاب في الوقت المناسب وبالشكل الذي تريد لخرق الاتفاقات ونقض الالتزامات.

وعليه فإن الثورة السورية بأمسّ الحاجة لاستدراك الموقف بالاجتماع على هدف وطني واحد وقيادة حقيقية تقود هذه المرحلة الحرجة بجدارة، وتوازن بين العمل العسكري والنشاط السياسي، وترضى بالحرية السياسية والدينية والفكرية والاقتصادية كهدف مرحلي يتيح لها الإعداد لتحقيق أهداف أكبر، مستفيدة من هوامش الخلافات الروسية والإيرانية، مع التأكيد على ضرورة عدم التخلي عن سلاح الثورة وتسخيره لحماية تلك الحرية وجعلها مكسبا صلبا لا يمكن سحبه مع مرور الزمن، وفي هذا السياق لا بد من نشر الوعي الفكري لدى مختلف الشرائح للحاجة الماسة إليه في بناء الدولة الوطنية.

[1]انظر: قاديروف: سوريا تعتزم دراسة تجربة جمهورية الشيشان في مكافحة الإرهاب، موقع عربي سبوتنيك

*1000 ميل تعادل 1600 كم تقريبا

[2]الشيشان…الموقع الجغرافي، موقع قصة الإسلام (إشراف د. راغب السرجاني)

[3]أ. خالد حسين العدواني: قراءة في خريطة الشيشان

[4]الشيشان… الموقع الجغرافي: مصدر سابق

[5]نفس المصدر

[6]سناء الدويكات: أين تقع الشيشان، موضوع (أكبر موقع عربي بالعالم)

[7]علا العناتي: كم مساحة قطر

[8]أ. خالد حسين العدواني: مصدر سابق

[9]انظر: زليم خان يندربي (سليم خان يندرباييف رئيس سابق لجمهورية الشيشان)، الشيشان: السياسة والواقع، ترجمة د. سليمان ماجد، ص 10

[10]الشيشان… أرض الجهاد المنسية، موقع د. محمد موسى الشريف

[11]انظر: محمد عوض الهزايمة: قضايا دولية (تركة قرن مضى وحمولة قرن أتى)، جامعة العلوم التطبيقية، عمان الطبعة الأولى 2005، ص206ـ 207

*ولد جوهر دوداييف (جوهر بن داود) عام 1944، سنة تهجير الشيشان في عهد ستالين، وكانت عائلته من بين المهجرين، وأمضى الرئيس 13 سنة الأولى من حياته في المنفى في جنوب كازاخستان، والتحق بالكلية الحربية عام 1966م وتخرج من أكاديمية (تامبوف) كطيار حربي، وفي عام 1968 أصبح عضوا في الحزب الشيوعي وأصبح قائد القوات الجوية السوفيتية في أستونيا ثم قائد فرقة استراتيجية للطيران البعيد المدى، وقد رفض أوامر الحكومة السوفيتية عام 1991 بمهاجمة برلمان ومحطة تلفزيون أستونيا وعاد إلى الشيشان واستقال من الجيش السوفيتي للتفرغ للعمل السياسي وتحقيق استقلال بلاده وقاد النضال ضد الروس إلى أن استشهد في 1996 إثر هجوم صاروخي.

[12]محمد عوض الهزايمة: مصدر سابق، ص 207 ـ 208

[13]انظر كل من: محمود عبد الرحمن: تاريخ القوقاز (نسور الشيشان في مواجهة الدب الروسي)، بيروت، دار النفائس، الطبعة الأولى 1999م، ص145ـ ص212

حرب الشيشان الأولى والثانية: المنتدى العربي للدفاع والتسليح

أبي عبيد القرشي، غروزني جحيم الروس

المراحل السياسية والعسكرية التي مرت على بلاد الشيشان، موقع شيشان الأردن

*بوريس يلتسن: هو سياسي روسي سوفياتي وأصبح أول رئيس للاتحاد الروسي، وامتدت ولايته من عام 1991 إلى عام 1999. منذ استقلال الشيشان حتى حرب الشيشان الثانية.

[14]انظر: محمود عبد الرحمن، مصدر سابق، ص 183

[15]المصدر السابق، ص 191

[16] انظر: المصدر السابق، ص 211

[17]افتعال حرب داغستان أدى إلى انهيار “الحلم الشيشاني”،

[18]أ. أحمد عبد الحافظ: مسلم وشمال القوقاز بين دوافع الاستقلال وعوائقه: من الحرب الشيشانية الأولى إلى الحرب الشيشانية الثانية، مركز الحضارة للدراسات السياسية، ص 585،

[19]نفس المرجع، ص 587

[20]انظر نفس المرجع، ص 588

[21]نفس المرجع، ص589

[22]وفاة زعيم الحزب الشيشاني سلمان رادويف في السجن الروسي، موقع اليوم

[23]انظر: عاطف معتمد عبد الحميد: الاغتيال في الصراع الروسي الشيشاني … مصير الشتات، الجزيرة

[24]قاديروف نهاية رحلة بين موالاة روسيا ومجاهدتها

[25]وفاة زعيم الحزب الشيشاني سلمان رادويف في السجن الروسي، مصدر سابق

[26]أ. أحمد عبد الحفيظ: الحرب الشيشانية، مركز الحضارة للدراسات السياسية، ص 585

[27]أحمد قاديروف منقذ الشيشان أم خائنها

[28]نفس المصدر

[29]نفس المصدر

[31]محمد يوسف عدس: الغدر والخيانة في الحرب الشيشانية، جريدة الشعب

[32]نفس المصدر

[33]الشيشان واللعبة الحذرة بين بوتين وقاديروف، موقع نون بوست

[34]كاظم هاشم نعمة، روسيا والشرق الأوسط بعد الحرب الباردة (تحديات وفرص)، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، بيروت 20016، ص 29 ـ 30

[35]أ. أحمد عبد الحافظ: مرجع سابق، ص 584

[36]افتعال حرب داغستان أدى إلى انهيار “الحلم الشيشاني”\لسوفيتيِِيدا في وسط الميدان. يعة فيها.ستراتيجية حرفت مسارهم وأضاعت مكتسباتهم وقصرت المسافة الفاصلة بينهم وبين الحرب الشيشانية ا

[37]نفس المرجع

*انظر: زليم خان يندربي (سليم خان ياندرباييف الرئيس السابق لجمهورية الشيشان)، الشيشان: السياسة والواقع، مصدر سابق. يتحدث فيه الرئيس الشيشاني السابق عن الصراع الروسي الشيشاني ويتجلى في الكتاب بشكل واضح رؤية كثير من الشيشان للصراع على أنه صراع معسكرين “إيمان” و “كفر”، ويتحدث فيه عن الجهود الحثيثة لتشويه صورة الإسلام وإبعاده عن الحكم وعن أحقية الشيشان في جهادهم في داغستان، وعن ضرورة تحكيم الشريعة إلى غير ذلك… وإن كان الكاتب مصيبا في كثير من وجهات نظره ولم يهمل دور السياسة إلا أن قصورا واضحا في فهم ميزان القوى والمعادلة الدولية بدا على الأرض وانتهى بإضاعة الحلم الشيشاني في نيل الاستقلال وإقامة دولة إسلامية كما يتحدث زليم خان.

[38]د. أحمد عبد الحافظ، المسلمون في روسيا: ما بين الإرث التاريخي والإشكاليات المعاصرة

[39]أ. أحمد عبد الحافظ: مرجع سابق، ص 591

[40]أسباب حرب الشيشان

[41]ليونيد إيفا شوف … أحداث الحرب في داغستان، الجزيرة، لقاء أكرم حجازي، مع الفريق (ليونيد إيفا شوف)

*سبياستيان سميث مؤلف وصحفي حاز على جوائز عديدة. وعمل مراسلا في واشنطن، وموسكو ولندن للقسم الناطق بالإنكليزية في وكالة الصحافة الفرنسية.

[42]انظر: سيباستيان سميث، جبال الله … الصراع على الشيشان، ترجمة مروان سعد الدين، الدار العربية للعلوم ـ ناشرون، الطبعة الأولى 2007، ص 17 ـ 45

[43]د. محمد سيد سليم، تطور السياسة الدولية في القرنين التاسع عشر والعشرين، القاهرة، كلية العلوم السياسية والاقتصاد، دار الفجر للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2002، ص 644

[44]كاظم هاشم نعمة، مصدر سابق، ص 54 ـ 55

[45]انظر: د. راشد ابانمي، خط أنابيب «نابوكو».. اللعبة الجيوسياسية الكبرى حول الطاقة، جريدة العرب الاقتصادية الدولية

ناتاليا غريب، إمبراطور الغاز، ترجمة د. عمار قط، مكتبة مدبولي

[46]أسباب حرب الشيشان: مصدر سابق.

[47]انطر: “روسيا”: الاستخبارات الأمريكية حرضت الفصائل على انتهاك خفض التصعيد في سوريا، موقع الدرر الشامية

نظام الأسد والاستثمار البراغماتي للقضية الفلسطينية

نظام الأسد والاستثمار البراغماتي للقضية الفلسطينية

لقد اتخذ نظام الأسد من القضية الفلسطينية ركنا استراتيجيا في البروباغندا الإعلامية، ووظفها في توطيد دوره الإقليمي والدولي، وعمل على شق الصف الثوري وضرب الشرعية الفلسطينية تحت شعارات الحفاظ على الثوابت التاريخية، إذ شكل بضعة فصائل فلسطينية مرتبطة بأجهزته الأمنية أكثر من ارتباطها بقضيتها الوطنية، معتمدا في ذلك على الدوافع السياسية لنهجه، المتمثلة بحسابات الداخل وبازارات الخارج الإقليمية، ليضمن بذلك بقاء نفوذه و دوره الإقليمي في المنطقة، والذي اتبعه من خلال بعض المراحل التاريخية التي مرت بها القضية الفلسطينية، ومع بداية الثورة السورية في آذار 2011م، حاول زج الفلسطينيين بشكل عام في مواجهة السوريين المنتفضين ضد حكمه من خلال تجنيدهم ضمن فصائل موالية له، إذ لم يكن المطلوب موقفاً سياسياً فقط.

المقدمة

بدأ حافظ الأسد منذ انقلابه في العام 1970م العمل على حماية نظامه من الضغوط الخارجية من خلال تفعيل الدور الإقليمي الذي رسمه لسوريا والاحتفاظ بدوره في الخريطة السياسية لهذه المنطقة، ببقائه حاضرا في كل نزاعاتها وقدرته على صياغة مكان خاص لها وسط تسابق المصالح الغربية على النفوذ والمكاسب الجيوسياسية فيه، وحرصه على الإمساك بالورقتين الفلسطينية واللبنانية وإحكام قبضته عليهما بانتهازية شديدة، ولم يدع شيئا لم يفعله لشق المؤسسات الفلسطينية المكونة لمنظمة التحرير، ولم يتعاط بشكل ملائم مع تبلور الهوية والكيانية الوطنية الفلسطينية المتمثلة باستقلالية القرار الفلسطيني الذي حرص عليه الرئيس الراحل ياسر عرفات، ولم يقدر أهميتها متجاهلا التفاوت بين الوضع السوري والوضع الفلسطيني الباحث عن مكان له في الخريطة الدولية.

مثّل تغييب الشعب الفلسطيني من المكان والزمان، أي من الجغرافيا والتاريخ أحد أهم المرتكزات الأساسية التي قام عليها المشروع الصهيوني، وشاركه فيها نظام الأسد في سورية، وليس أدل وأبلغ على ذلك من تحفظه على قرار مجلس الأمن لنقصه القوة الديناميكية المحركة له (رقم 1397 الصادر في آذار 2002م) الخاص بحق الفلسطينيين في إقامة دولة لهم، على الرغم من أنه أول قرار من نوعه يصدر عن هذا المجلس، وعكس وقوف العالم إلى جانب الفلسطينيين بحسب المستشار السياسي للرئيس عرفات نبيل أبو ردينة[1].

ساهم حافظ الأسد بتأسيس القيادة القطرية الفلسطينية لحزب البعث بسوريا كمعبر للتدخل بالشأن الفلسطيني، ومن ثم أسست أجهزته الأمنية فصائل موالية، وساهمت في شق بعض الفصائل، مثل حركة فتح حينما انشق عنها سعيد مراغة أبو موسى “الموالي لحافظ الأسد” عقب حرب لبنان، وتبعها عدة انشقاقات من الجبهتين الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين، وأضحت الفصائل المنشقة، والتي كان وراءها النظام السوري، أكثر ولاء من الفصائل الأم، وأطلق عليها فصائل التحالف، وهي تقاتل اليوم مع النظام السوري ضد الشعب.

تسلط الدراسة -وهي مهما بلغت من العمق والحجم فإنها لا تحيط بحجم المكر والاستغلال للقضية الفلسطينية من قبل النظام السوري – فإنها تسلط الضوء على الدوافع السياسية لمثل النهج الذي اتبعه الرئيس السوري السابق حافظ الأسد من خلال بعض المراحل التاريخية التي مرت بها القضية الفلسطينية، وبعد الثورة من خلال البحث في العوامل الأيديولوجية والسيكولوجية التي دفعت نظام الأسد إلى الاعتماد عليها في قتل الشعب السوري الثائر، غير آبه بالمقتضى السياسي والوطني.

مشكلة الدراسة

بلغ التدخل السوري في الشأن الفلسطيني ذروته مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة في العام 1970م وتحكمه بكلّ مفاصلها، لأن أي نظام أو حزب في المنطقة العربية يسعى لهدف ما، فإنه يحاول استغلال القضية الفلسطينية للوصول إلى مبتغاه، لما تكتسبه القضية الفلسطينية من أهمية على المستوى الإقليمي والدولي، وبما أن العلاقة بين النظام السوري والفلسطينيين اتسمت بالمد والجزر باستمرار بسبب نزوع منظمة التحرير الفلسطينية نحو استقلالية القرار الوطني الفلسطيني، ومحاولته “النظام” إدارة القضية الفلسطينية وفق رؤاه، وادّعائه أنها تعبّر عن المصالح القومية العليا للأمة العربية باعتبار سوريا دولة هامة في الصراع العربي الإسرائيلي، كونها من دول الطوق ولديها جزء محتل من أراضيها (الجولان) كما أنها تشكل حلقة وصل رئيسية في محور ما يسمى الممانعة، واعتقاده أن تلك السياسة مبرر للوجود والاستمرار  لما تمثله من أهمية في الواقع القيمي للمجتمع السوري والفلسطيني، غير أن الوقائع التاريخية تكشف أسلوباً متناقضاً في تعامل نظام البعث مع الفصائل الفلسطينية.

أهمية الدراسة

تتجلى أهمية الدراسة في تسليطها الضوء على أن النظام السوري اعتبر القضية الفلسطينية الركن الاستراتيجي في  البروباغندا الإعلامية له، ووظفها أبشع توظيف وعمل من خلال ادعاءه الحرص والخوف عليها على شق الصف الفلسطيني وضرب الشرعية الفلسطينية، وتشكيل بضعة فصائل فلسطينية ترتبط بأجهزة أمن النظام السوري أكثر من ارتباطها بقضيتها الوطنية، ومع بداية الثورة السورية في آذار 2011م، حاول زج الفلسطينيين بشكل عام في المواجهة بينه وبين الشعب وبين فصائلهم الموالية للنظام، أو التي تتخذ من دمشق مقرا لها، خاصة أن المطلوب لم يكن  موقفاً سياسياً فقط. كما تكمن أهمية الدراسة في إظهار أن دافع النظام وراء الاهتمام بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني أكثر من القيادات الفلسطينية نفسها هو التجلي الواضح لدوره الإقليمي وبسط حالة اللا استقرار في المنطقة بعدم قدرته على الحرب ولا على السلم.

‌هدف الدراسة

تهدف الدراسة إلى إظهار احتكار نظام الأسد (الأب والابن) القضية الفلسطينية سياسيًا وعسكريًا وعقائديًا واستخدامها وفق اعتبارات براغماتية في حسابات الداخل وبازارات الخارج الإقليمية، ليضمن بذلك بقاء نفوذه في المنطقة، عبر احتواء الفصائل الفلسطينية الفاعلة، بالقوة تارة وبالنفوذ والسلطة تارة أخرى، وتقديم نفسه نموذجا استثماريا مطلوبا بشدة وإلحاح للقوى الإمبريالية ثم للنظام العالمي الجديد، خاصة أن الرقابة الاجتماعية التي مارسها نظام الأسد في جميع أنحاء البلاد طالت الفلسطينيين وتم اعتقال المعارضين لسياسته في هذه القضية من أبناء الشعب الفلسطيني، كما لم تكن حياتهم أفضل ولا أسوأ من حياة بقية مكونات المجتمع السوري، على الرغم من أن خطابات النظام المعادية للغرب والصهيونية جعلته يبدو كحليف صَدوق للفلسطينيين[2].

منهج الدراسة

تعتمد الدراسة منهج البحث التاريخي، والمنهج الوصفي التحليلي مستندة إلى جملة من الأحداث السياسية وما أفرزته من نتائج من الناحية السياسية على القضية الفلسطينية وعلى السياسة السورية، وما ورد من الناحية الدلالية في الأقوال التي تخص موضوع الدراسة من قبل بعض الفاعلين فيها.

أولا: الوضع الاجتماعي والاقتصادي لفلسطينيي سورية

منح القانون /260 / لعام 1956م الصادر في عهد الرئيس شكري القوتلي وحكومته اللّاجئ الفلسطيني كافة الحقوق الممنوحة للمواطن السوري ما عدا حقي الترشح والانتخاب، وبيّن القانون المذكور أن التسهيلات المقدمة للفلسطينيين في سوريا ليست من عطاءات النظام السوري ومواقفه القومية، وإنما تعود إلى بداية تواجد الفلسطينيين في سوريا على إثر نكبة 1948م والتي هجّرت العدد الأكبر من الفلسطينيين، وإلى حالة التعاطف مع القضية الفلسطينية والاحتضان الشعبي والرسمي لها[3]،

 قدّر مكتب الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأوسط سنة 2011م بأن نصف مليون فلسطيني يعيشون فوق التراب السوري[4]، ويتركز67% منهم في العاصمة السورية دمشق، والمخيمات القائمة في ضواحيها مثل اليرموك وسبينة وجرمانا وخان الشيح والسيدة زينب وذانون والرمدان والحسينية. في حين يتوزع الباقون 33% على المحافظات الأخرى، اللاذقية وحلب وحماه وحمص ودرعا والمخيمات القائمة فيها، وينقسمون إلى فئات في الحقوق كما يلي:

1 – لاجئي عام 1948م: هم النسبة الأكبر من اللاجئين، وتشرف على شؤونهم الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب، ويتمتعون بحقوق المواطن السوري في كافة المجالات الوظيفية والمهنية والتعليمية، عدا الانتخاب والترشح لعضوية مجلس الشعب.

2 – لاجئي عام 1956م: تم تسجيلهم على قيود مؤسسة اللاجئين وعلى قيود الأونروا، وينطبق عليهم ما ينطبق على الفئة الأولى سوى أنهم لا يستطيعون دخول سوق العمل إلا من خلال التعاقد بصفة مؤقتة.

3 – نازحي عام 1967م: بعضهم يعامَل معاملة فئة عام 1956 والبقية يعاملوا معاملة الأجنبي إذا كانوا من حملة الوثائق المصرية(قطاع غزة)، ومعاملة العربي لمن يحمل جواز السفر الأردني المؤقت.

4 – نازحي عام 1970م: تعتبر أوضاع هذه الفئة الأكثر تعقيداُ لأن غالبيتهم لا يملكون وثائق، وعلى حاملي وثائق السفر المصرية والأردنية تجديد إقامتهم في سوريا دورياً كل سنة، وثمة تعقيدات لدخولهم سوق العمل بالإضافة للصحة والتعليم[5].

يضاف إلى الفئات السابقة ما يلي:

1 – لاجئو جنوب لبنان الذين تم استهدافهم خلال الغزو الإسرائيلي سنة 1982م.

2 – اللاجئون الفارون من العراق نحو سوريا عقب حرب الخليج في 1990م، والغزو الأمريكي للعراق سنة 2003م.

3 – الفلسطينيون المنضوون في صفوف المقاومة وعائلاتهم، وقد حصلوا على الإقامة بقوة الأمر الواقع، وبعد طرد مسؤولي فتح سنة 1983م وتدهور العلاقات بين منظمة التحرير والسلطات السورية أصبح الفلسطينيون القادمون من البلدان التي تجمعت فيها الوحدات العسكرية الفلسطينية (اليمن – تونس – الجزائر – السودان) يخضعون للاستجواب لبيان علاقتهم بمنظمة التحرير الفلسطينية[6].

قامت سورية، ومنذ بداية اللجوء الفلسطيني، باتخاذ عدد من الخطوات القانونية بما يضمن معاملة الفلسطينيين على قدم المساواة مع المواطنين السوريين في المجالات الاقتصادية والاجتماعية. في جميع ما نصت عليه سواء منها المتعلقة بحقوق التوظيف والعمل والتجارة والتعليم والانتساب إلى النقابات السورية (مثل نقابة الأطباء، المحامين، والمقاولين إلخ)، ويكون للفلسطيني الواجبات والحقوق ذاتها التي تكون للمواطن السوري في النقابات السورية. كما يحصلون على وثائق سفر خاصة بهم لتسهيل الانتقال من وإلى سوريا، ولا تقييد على حركتهم داخل البلد حتى عام 2012، كما كان لهم الحق في العمل، والتدرج الوظيفي إلى أعلى الدرجات في السلم الوظيفي. ويؤدون الخدمة العسكرية داخل وحدات خاصة تابعة لجيش التحرير الفلسطيني باستثناء الأطباء والمهندسين منهم الذين يُؤدون خدمتهم في الجيش السوري، مع احتفاظهم بجنسيتهم الأصلية ومعاملتهم كالسوريين تماماً للتأكيد على الموقف السوري الرافض للتوطين بكافة أشكاله وصوره، وعملا بتوصيات جامعة الدول العربية الهادفة إلى الحفاظ على الهوية الفلسطينية، باستثناء المرأة المتزوجة من مواطن سوري[7]،وهذا ما ميّز اللاجئين الفلسطينيين في سوريا المسجلين في سجلات مؤسسة اللاجئين الفلسطينيين مقارنة بباقي تجمعات اللاجئين الفلسطينيين في مناطق اللجوء المختلفة،

للفلسطينيين مصدران للدخل، الأول: ليس بمتناول يد السلطات السورية لخضوعه لوكالة غوث اللاجئين (الأونروا)، ودخل بموجب برنامجها البعض منهم عالم الأعمال وخاصة التجارة[8]، وتوفر الأونروا في سورية الصحة والتعليم والإغاثة والخدمات الاجتماعية لتجمعات اللاجئين الفلسطينيين، والثاني: المال المرسل من قبل المغتربين في دول الخليج والدول الغربية.

بشكل عام اندمج الفلسطينيون في المجتمع السوري من خلال علاقات العمل والمصاهرة وسكن عدد كبير من السوريين من مختلف الفئات والطبقات في المخيمات كاليرموك في دمشق والرمل في اللاذقية[9]، على الرغم من ظروفها الاجتماعية والاقتصادية الصعبة، وقد لمع نتيجة التداخل الاجتماعي فيما بينهما أسماء عديدة في الاقتصاد والأدب والرياضة، إلا أنه ما يقع على السوري يقع على الفلسطيني في مستويات حياته كافة، وتطالب السلطات ضيوفها بامتثال كامل والتحاق غير مشروط بالنظام القائم، وتبقي إدارة المخيمات من صلاحياتها، وربما تفسر المعاملة بأسباب ديمغرافية، فعدد الفلسطينيين المقيمين في سوريا لا يتجاوز ثلاثة بالمائة من عدد السكان، ولهذا فإن استقبالهم لا يشكل عبئًا كبيرًا على الاقتصاد والمجتمع السوري على عكس الحال في لبنان والأردن[10]، وأن الأراضي السورية لم تشهد مواجهات عسكرية بين الفصائل الفلسطينية وسلطات البلد المضيف كما في لبنان والأردن.

مع انطلاق أولى التحركات الشعبية في آذار 2011م وجدوا أنفسهم في وضع صعب ودفعتهم السياسات العقيمة والمستفزة التي اعتمدها النظام (دفع النظام في 15 أيار 2011م بعض فلسطينيي سوريا لعبور الخط الفاصل عند بلدة مجدل شمس واستفزاز الجنود الاسرائيليين الذين ردوا بإطلاق النار وأسقطوا أربعة قتلى منهم – تنظيم مظاهرة في الخامس من حزيران من العام نفسه في مرتفعات الجولان التي أدت إلى سقوط 23 قتيلا منهم) وبدؤوا يوما بعد يوم، يرون بأم أعينهم ويسمعون بآذانهم ما يفعله نظام الأسد، وهو ما دفعهم إلى تغيير موقفهم شيئا فشيئا لإدراكهم أن الأنظمة تأتي وتروح، ولكن الشعوب هي الخالدة، باستثناء بعض المنظمات الفلسطينية ومن يدور في فلكها من الفلسطينيين، مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي لم تنتظر طويلا لتحمل السلاح دفاعا عن نظام الأسد الذي آواها لعقود[11].

ثانيا: الفلسطينيون والنظام الأمني في سورية

ساهم النظام السوري منذ البداية في تأسيس القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي على الأراضي السورية وبرعاية أجهزته الأمنية لتكون أداته التي يتغلغل من خلالها بالشأن الفلسطيني ويصل إلى باقي فصائل الثورة الفلسطينية ويعمل على اختراقها وإضعافها من خلال دعم عملية الانشقاقات التي حصلت في صفوفها فيما بعد.

كذلك عمل على إضعاف الحراك الثوري الفلسطيني بشكل عام، و منع الثوار الفلسطينيين من استخدام الأراضي السورية في منطقة القنيطرة والجولان المحتل، حتى أنه منع ليومنا هذا أي مواطن فلسطيني أن يطأ بقدمه أرض محافظة القنيطرة المحاذية بحدودها مع الكيان الصهيوني المحتل، ووضع عبر أجهزته الأمنية آلية مراقبة شديدة للمخيمات الفلسطينية، فوظف كافة المؤسسات الفلسطينية التي تعمل داخل المخيمات مثل الاتحادات الشبابية والمهنية وأغلبها يتبع للتنظيم الفلسطيني لحزب البعث، حتى المخاتير يتعين على الواحد منهم أن يكون بعثيا وينفذ ما يطلب منه من الجهات الأمنية، لتوفر هذه المؤسسات والقائمين عليها كافة المعلومات الأمنية عن السكان اللاجئين من كافة نواحي الحياة، فضلا عن انتشار أجهزته الأمنية في هذه المخيمات وربطها بمئات المناديب “المخبرين” لإيصال المعلومات بشكل يومي، واستخدم مكاتب ومقرات الفصائل الفلسطينية داخل المخيمات للتجسس على اللاجئين الفلسطينيين، واعتقل المئات منهم عقب حرب لبنان ومات الكثير منهم تحت التعذيب في الأقبية الأمنية بتهم سياسية ملفقة ( سجن المزة العسكري- سجن كركون الشيخ حسن- سجن صيدنايا).

سهّل النظام السوري إقامة الفعاليات الثقافية والفلكلور الفلسطيني ليرسخ من خلالها فكرة الانقسام وتزكيته، فمثلا تعمل حركة فتح الانتفاضة على تنظيم ندوة ثقافية أو مؤتمر ما بموافقة النظام وتدعو المحاضرين فيها للحديث في محاضراتهم وكلماتهم حول سياسة حركة فتح الأم وتخوينها ومن يقف وراء تصرفاتها “ياسر عرفات”، وازدادت وتيرة مثل هذه اللقاءات بعد اتفاقية أوسلو التي تم استثمارها أسوأ استثمار لتشويه صورته وانعدام حسّه الوطني، ولم تكن تلك الفعاليات الثقافية تخلو من تمجيد النظام السوري والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقد نحت هذا المنحى أغلب الفصائل الموالية للأسد مثل الجبهة الشعبية – القيادة العامة – وجبهة النضال الشعبي الفلسطيني وغيرهما.

عمل النظام على احتجاز كافة الأموال التي تعود ملكيتها لمنظمة التحرير الفلسطينية، كما وضع يده على كافة أملاك حركة فتح بعد الخلاف مع قيادتها عقب الاقتتال الذي جرى بين الطرفين في لبنان، ويعتبر ملف الأملاك العائدة لحركة فتح شائكا ومعقدا نظرا لضخامته وما يتضمنه من أملاك وعقارات واسعة في دمشق وريفها ودرعا وبعض المحافظات الأخرى، ومبلغ مالي يقدر بــــــ/6 مليون دولار / لا يزال حتى الآن في بنك سورية المركزي يتقاضى العاملون في الفصائل الفلسطينية من استثماراته رواتبهم وصرفياتهم، وللأجهزة الأمنية التابعة للنظام دور كبير في تعقيده من خلال تسليم جزء من هذه الممتلكات لحركة فتح الانتفاضة التي يدعمها رغم احتجاج شديد من قيادة حركة فتح ولجنتها المركزية، وإعطاء وكالات لعدد من الأشخاص والمحامين على بعض تلك الممتلكات، نذكر منهم المحامي ظافر الخضراء، ويتولى إدارة هذا الملف  فرع فلسطين التابع لإدارة المخابرات العسكرية، ويعمل على توزيع  بعض هذه الممتلكات على الموالين له، فمثلا تم تسليم بيت الرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس الكائن في ساحة العباسيين بدمشق للممثل المعروف بولائه للنظام بشار إسماعيل، وبقي الأخير مقيما فيه إلى أن طلبه الرئيس الفلسطيني من الرئيس السوري عند زيارته لدمشق بعد وفاة ياسر عرفات.

يعتبر فرع فلسطين كابوسا بالنسبة للفلسطينيين، وخاصة قسم الضابطة الفدائية المختص بالشأن الفلسطيني وحركات المقاومة الفلسطينية المعارضة، والذي زرع مئات الجواسيس من اللاجئين الفلسطينيين مستغلا ظروفهم الاجتماعية الصعبة منذ بداية السبعينات في فصائل الثورة الفلسطينية المتواجدة على الأراضي السورية واللبنانية من خلال تطويعهم في هذه الفصائل بصفة فدائيين، و هم في الحقيقة عناصر أمنية يتلقون رواتبهم من القسم المذكور، ومهمتهم جمع المعلومات السرية التي تتعلق بفصائل المقاومة الفلسطينية وإيصالها إلى قسم الضابطة الفدائية بفرع فلسطين، حتى الفصائل الفلسطينية الموالية للأسد كان ولازال لدى كل فصيل منها ضابط ارتباط مع فرع فلسطين (قسم الضابطة الفدائية) ولهؤلاء اجتماع أسبوعي أو نصف شهري مع رئيس القسم يتم من خلاله تلبية مطالب قيادة فرع فلسطين مهما كانت وتزويدهم بالتوجهات السياسية التي تتناغم مع النظام وتتناسب مع ظروفه السياسية السائدة، وكان لفرع فلسطين الدور الكبير وبتوجيه من قيادة النظام  في أبرز الانشقاقات التي حصلت في الثورة الفلسطينية وفصائل المقاومة الفلسطينية[12]، وهو ما سنأتي على ذكره لاحقا.

كما تمثل سياسة الاعتقال بحق الكوادر القيادية لمنظمة فتح الأم ومناصريها إحدى صور تعامل النظام السوري مع الفلسطينيين لتكون بمثابة رسالة انتقام يوجهها إلى قيادة المنظمة الرسمية بسبب اختلافها السياسي معه، فمثلا أمضى سمير الرفاعي، عضو اللجنة المركزية، في سجن المزة ست سنوات، ويشغل حاليا رئيس إقليم سورية لحركة فتح، ولايزال العديد منهم قيد الاعتقال حتى الآن.

ثالثا: أبرز التكتلات السياسية والعسكرية الفلسطينية العاملة في سورية وموقفها من الثورة

1-حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح: توجد عبر دوائر ولجان منظمة التحرير الفلسطينية (الدائرة السياسية – الدائرة التنظيمية– اللجنة التنفيذية…) ومؤسساتها ويطلق عليها أيضا سفارة فلسطين أو ” ممثلية منظمة التحرير”، ويدير أمورها في سوريا الدكتور سمير الرفاعي، مدير مؤسسة أسر الشهداء وعضو اللجنة المركزية في الحركة، وكذلك أنور عبد الهادي ممثل منظمة التحرير في سوريا (سفارة) وهو مقرب من المخابرات السورية “فرع فلسطين” منذ فترة طويلة ويعمل لصالحهم، ولم تحدد موقفها بشكل واضح اتجاه الثورة السورية، وانشق عنها سعيد موسى مراغة الملقب بــــ “أبو موسى” وأسس بدعم كبير من الرئيس السابق حافظ الأسد حركة فتح الانتفاضة، واستولى على مقرَي قيادة الكتيبتين الأولى والثانية التابعتين لقوات اليرموك التابعة لفتح في 9/5/1983، وأعلنوا بدء (حركة تصحيحية) في فتح، وأيده نمر صالح، وسميح أبو كويك، والعقيد موسى العملة من دمشق، واشتركت الجبهة الشعبية والقيادة العامة ومنظمة الصاعقة في القتال ضد قوات فتح، وعقب الانشقاق أقدم النظام السوري على تسليم جزء كبير من الممتلكات الكبيرة العائدة لحركة فتح الأم في سوريا خاصة في دمشق وريفها للفصيل المنشق، حركة (فتح الانتفاضة). 

اتهم ياسر عرفات السلطات في دمشق أثناء تواجده فيها بأنها وراء ما حدث وندد بتدخل القوات السورية، وصرح بتعرضه لمحاولة اغتيال على الطريق ما بين دمشق وحمص. ليطلب على إثرها منه رئيس الأركان السوري حكمت الشهابي في 24/6/1983 مغادرة سوريا وعدم العودة إليها مستقبلاً، وتعقَّد الموقف أكثر مع مطالبة الأسد أبا عمار بالاعتذار ومطالب تنظيمية وسياسية أخرى. ولذلك أعلنت القوات السورية في 31/7/1983م بدء تدخلها المباشر إلى جانب تحالف (المنشقين – القيادة العامة – الصاعقة)،واستؤنف القتال في الشمال اللبناني حتى جرت محادثات لترحيل مقاتلي فتح بضمانات من سوريا والسعودية وفرنسا ومصر عبر البحر، وغادر عرفات طرابلس في 19/12/1983م بحماية البحرية الفرنسية وأشاد الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران بعملية إخراج عرفات وحمايته في البحر باعتبارها عملية تخدم السلام[13].

2 -حركة فتح الانتفاضة (بقيادة عدلي الخطيب أبو فاخر): لها مليشيات مسلحة تعمل مع قوات النظام في محيط مخيم اليرموك وفي ريف دمشق ومناطق أخرى.

3-الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (القيادة العامة) بقيادة أحمد جبريل وطلال ناجي (المتزوج من عمة أسماء الأسد زوجة الرئيس السوري الحالي) وابنه خالد جبريل: لها قوات مسلحة تعمل مع قوات الأسد منذ اليوم الأول للثورة، وتقاتل الشعبين الفلسطيني والسوري وتنتشر في محيط مخيم اليرموك وريف دمشق ومناطق ريف السويداء، ولاقى الانشقاق استياءً كبيرا في أوساط النخب السياسية الفلسطينية وقيادة الجبهة الشعبية بقيادة جورج حبش الذي ساءت علاقته مع نظام الأسد بشكل كبير عقب الانشقاق وعليه تم إصدار حكم بالإعدام على جورج حبش غيابياً من محكمة أمن الدولة، ألغي هذا الحكم لاحقاً بعد عودة العلاقات مع الجبهة الشعبية (حبش) عندما عادت إلى الساحة السورية، ويعتبر أبرز ما قاله: إن هذا الذي يجري في بيروت (الحرب على المخيمات) على يد قوات حركة “أمل” لا يمكن أن يكون قد تم بدون ضوء أخضر سوري”. (الرأي العام 1985/06/11)[14]

4 – الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ” جورج حبش” انبثقت عن حركة القوميين العرب.

5 –الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين (نايف حواتمة): شيوعية يسارية تؤيد نظام الأسد وتعارض الثورة السورية لها مقرات في دمشق ومقرها الرئيسي في منطقة الأوزبكية بدمشق، لا تشارك بالقتال إلى جانب الأسد، وانشق عنها ياسر عبد ربه وأسس حركة “فدا” بدعم من حافظ الأسد وتبع ذلك العديد من الانشقاقات التي كانت وراءها أجهزة أمن النظام السوري[15].

6-جبهة النضال الشعبي الفلسطيني بقيادة خالد عبد المجيد: تعمل وفق أجندة الأسد، وتقاتل إلى جانب نظام الأسد في دمشق وريفها ودرعا.

7-الجهة الشعبية لتحرير فلسطين: لها مقرات في مدينة دمشق وريفها إلا أنها تأخذ دور المؤيد السياسي لنظام الأسد فقط دون المشاركة بالقتال إلى جانبه.

8-جبهة التحرير الفلسطينية “أبو نضال الأشقر”: هي جبهة صغيرة ذات توجه يساري ولا تملك قوات في سوريا، إلا أنها تملك مكاتب ومقرات في دمشق وتؤيد نظام الأسد سياسياً.

 9 -الحزب الشيوعي الفلسطيني: هو حزب صغير، عبارة عن مجموعة أشخاص، يؤيد سياسة نظام الأسد ويعارض الثورة السورية، لا توجد لديه قوات مسلحة ويقتصر حضوره على العمل السياسي.

10-حركة الجهاد الإسلامي: يرأسها الدكتور رمضان عبد الله شلح، وتتواجد مكاتبها في دمشق وتؤيد نظام الأسد ومقربة منه سياسياً، ولها علاقات وطيدة مع إيران لما تقدمه لها من دعم مادي وعسكري، ولا تشارك النظام السوري في القتال، ولم يصدر عنها موقف واضح تجاه الثورة السورية.

11-جيش التحرير الفلسطيني تأسس من قبل القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي – التنظيم الفلسطيني –  عام 1969م، ويرأسه اللواء محمد طارق الخضراء وهو موالي بالمطلق لنظام الأسد وتتوزع قواته على عدة جبهات في دمشق وريفها والسويداء ودرعا. ويتكون من ثلاثة ألوية مشاة وصاعقة، وهي “قوات حطين” ومقرها في قطنا قرب دمشق، و”قوات أجنادين”، و”قوات القادسية” وتتمركز قرب محافظة السويداء جنوبي البلاد، وبعض الكتائب المستقلة المساندة، كما ينتشر في العديد من الدول العربية كالأردن (لواء بدر) ومصر.

12-طلائع حرب التحرير الشعبية” (قوات الصاعقة): وهي منظمة فلسطينية قومية موالية لحزب البعث، تأسست أثناء حرب حزيران عام 1967م، وتتخذ قيادتها العسكرية من بساتين كفر سوسة والتي تقع إلى الجنوب من دمشق مقراً لها، ويعتبر لطف غنطوس، عمر خليفة، عبد الله الحوراني، إميل صبيح، يوسف البرجي، هاجم الهنداوي، ضافي الجمعاني (أبو موسى)، حسن الخطيب، محمد رباح، أمين سعد (الأخضر العربي)، علي أبو الهوى، سليمان أبو منديل، يوسف قطناني (أبو الوليد)من أبرز قيادييها[16]. لها قوات عسكرية تقاتل إلى جانب قوات النظام منذ بداية الثورة، وأعلنت وقوفها إلى جانب نظام الأسد حتى يومنا هذا، ويقودها فرحان أبو الهيجا، عضو القيادة القومية للحزب، والأمين القطري للتنظيم الفلسطيني.

وجرت عدة انشقاقات من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحركة فتح والجبهة الديمقراطية، كان في الظاهر أن سبب الانشقاقات أيديولوجي أو تبني فكر سياسي معين، إلا أن الحقيقة كان وراءها أنظمة عربية وأجنبية وعلى رأسها نظام الأسد فمثلاً انشقت مجموعة من عناصر وقيادات حركة فتح وأسست حركة فتح – المجلس الثوري – وتلقت دعما غير محدود من أنظمة عربية كليبيا والعراق والنظام السوري الذي عمل على هذا الجانب ودعم مجموعة الفصائل التي انشقت وأحاطها بالرعاية، ما ساهم في إضعاف الثورة الفلسطينية والكفاح المسلح الفلسطيني وتحويل البوصلة الثورية من نضال ضد المحتل الصهيوني إلى خلافات ضمن الأطر التنظيمية والفكر السياسي، وكان لفرع فلسطين الدور الكبير، وبتوجيه من رأس النظام، في أبرز الانشقاقات التي حصلت في الثورة الفلسطينية وفصائل المقاومة.

رابعا: التدخل في القضية الفلسطينية-الآليات والنتائج

وظف النظام السوري القضية الفلسطينية كورقة لتحقيق مصالحة في الداخل والخارج وفق آليات مركبة ومتشابكة، وأدوات السيطرة الخشنة والناعمة تتمثل بــ:

1 – ادعاء البعد القومي للمسألة الفلسطينية:

انطلق التصور السوري للقضية الفلسطينية على أنها قضية قومية وشأن عربي، على اعتبار أن سوريا دولة حدودية (مع إسرائيل)، ولديها تجمع فلسطيني كبير، ما يبرر أن يكون لها دور في الشأن الداخلي الفلسطيني. وبناء على ذلك، لم يتعاط نظامها بشكل ملائم مع تبلور الهوية والكيانية الوطنية الفلسطينية[17]، الذي كان أحد الأسباب الرئيسة وراء الاختلاف مع ياسر عرفات الذي سعى لاستقلالية القرار الفلسطيني، وأن تبقى البندقية الفلسطينية والقرار الفلسطيني في وضعية الاستقلال التام عن جميع الأنظمة العربية، وأن تنأى الثورة الفلسطينية عن الصراعات بين هذه الأنظمة، وكذلك عن النزاعات الداخلية في كل قُطر، حيث خاطبه حافظ الأسد عام 1976م بقوله: “إنكم لا تمثلون فلسطين بأكثر مما نمثلها نحن. ولا تنسوا أمرًا، أنه ليس هناك شعب فلسطيني وليس هناك كيان فلسطيني، بل سوريا، وأنتم جزء لا يتجزأ من الشعب السوري، وفلسطين جزء لا يتجزأ من سوريا. وإذاً فإننا نحن، المسؤولون السوريون، الممثلون الحقيقيون للشعب الفلسطيني.[18]” ولم يُخفِ رغبته الجامحة في التحكم والسلطة واستحضار المستلزمات العقائدية لمشروعه، كالترويج لمصطلح الصمود على أنه البديل عن النصر؛ ومقارعة المشاريع الاستعمارية والتوازن الاستراتيجي مع العدو الصهيوني ومسيرة البناء والتحرير وصولا إلى المقاومة والممانعة، مستغلا الحيز الكبير والثابت الذي شغله الصراع العربي الفلسطيني من ثقافة الجمهور ووعيه ليقدم نفسه على أنه المدافع الأول عن القضية دون إنكار دفاعه عن الحقوق الفلسطينية في المحافل المختلفة وفقاً لما يناسب سياسته الخارجية تجاهها والتي مثلت أهم مكونات شرعيته.

2 – النظام كأداة تنفيذ في يد الدول الكبرى:

نظرا لارتباط النظام العربي، بصيغته القديمة، بالنظام الدولي القديم، فقد عمل على الاستجابة لمتطلباته، وبالتالي فإن مشاريع الحيازة على السلطة وخاصة بالنسبة للنظام السوري نُسجت على قاعدة التواطؤ بين الغرب وهذا النظام الذي يعطي المبرر لتعاطي العالم مع الواقع الذي يقيمه على أنه واقع مؤقت[19]، ويضع، من جانبٍ آخر، شعَبه أمام حقيقة تقول أن هناك مؤامرة دائمة تواجهه وهو ما يجعل من مجرد استمراره انتصارا يبيح له تسويق شعاراته على أنها انجازات نضالية، دون الكف عن الادعاء بالحرب الكونية التي تُشن ضده وأن شرعيته تتأتى من وقوفه عقبة أمام الغرب والامبريالية، إلا أن الثورة السورية 2011م كشفت عكس ذلك وفتحت الطريق أمامه على مرأى أعدائه بحسب زعمه أن يتصرف بشعبه كما يشاء قتلا وتدميرا وتهجيرا، نظرا لجسامة الدور الذي يؤديه على المستوى الإقليمي والدولي، فقد سبق للنظام الدولي أن صمت عن التدخل السوري في لبنان بعد أن نجح الأخير بتقديم أوراق اعتماده بإغلاق الحدود البرية الأردنية أمام العمليات الفدائية الفلسطينية.

3 – التكوين النفسي للأشخاص في التنظيمات الفلسطينية:

يتطلع أعضاء الجماعة إلى تسلق سلم السلطة والمكانة داخل التنظيم، وكثيرًا ما يتعجل البعض منهم الوصول إلى هذه المكانة ولا يحققون طموحهم، ويتطلع بعضهم إلى الوصول إلى هذه الإمارة عن طريق الانشقاق عن جماعته بأي دعاوى إيديولوجية أو آراء سياسية، ويسعى إلى تكوين جماعة مستقلة، ويعمل على استقطاب أعضاء جُدُد؛ بهدفٍ تحقيق طموحه في الوصول إلى الزعامة، ونتيجةً لذلك تتصارع هذه الجماعات فيما بينها فكريًّا، وهذا الصراع في حقيقته صراع على الزعامة، وتحرص هذه التنظيمات المتكاثرة من بعضها على ألا يصل هذا الصراع إلى حد استخدام العنف فيما بينها، وقد تختلف الأفكار فيما بينها وقد تختلف الأساليب التي يستخدمونها، ولكن يربطهم جميعًا وحدة الهدف المشترك، وقد عمل النظام السوري على الاستثمار في هذا المجال في علاقته مع النخب السياسية الفلسطينية مستفيدا من عقدة “كاريزما الفرد” الموجودة في الشخصية الفلسطينية بشكل عام والمترتبة على إرث (الحزب، الجماعة، الطائفة، والعائلة)[20]،وفَهمه للعلاقات المترابطة بين الأفراد والمواقف التي تتأثر بمعتقداتهم السياسية.

4 – التدابير الإدارية والتنظيمية:

أدت سياسة النظام في تعامله مع الفصائل الفلسطينية ومجال التحرك الذي منحه لها إلى ضمورها وتراجع قيمتها التمثيلية، وبات يقتصر دورها كفصائل معارضة لفتح والسلطة، وعلى موقفها المعارض لخط المفاوضات والتسوية، وهذا ما يتبدى من اجتماعاتها ومؤتمراتها وبياناتها ومظاهراتها، أكثر مما يتبدى من مكانتها التمثيلية في المجتمع، أو من دورها في مقارعة العدو الصهيوني. لأنه حَصَرَ تجربتها السياسية في المنحى المدني المتمحور حول الأنشطة التنظيمية والإعلامية دون “التفرغ” في الفصائل، وعمل على اندماج الفلسطينيين في الحياة الاقتصادية السورية، فمثلا لم يكن لتنظيم “فتح” في مخيمات سورية نشطاء متفرغون، باستثناء المتفرغين في مقر الإقليم (في مخيم اليرموك) لأغراض إدارية، ثم إن نضوب الإمكانيات المادية التي تحكم بها النظام بشكل نسبي بين الفصائل، رغم سيطرته على ممتلكات منظمة التحرير الآنفة الذكر، أدى إلى خلق ظاهرة العاطلين عن العمل من ناشطي الفصائل والفدائيين السابقين، الذين باتوا على قارعة الطريق (مثلا تجد بائعا على الرصيف أو في سوق الخضار كان في السابق ضابطا أو مسؤولا في أحد الفصائل)، وعدم تأثر المخيمات في سورية بالعمل السياسي الفصائلي بسبب تباعد توزعها الجغرافي، والعمل على بناء قناعات سياسية تتمثل بالالتفاف حول راية المقاومة والدعاية لها[21]، ويبقى كل ما ذكر سابقا أمر نسبي بين الفصائل، بالإضافة إلى سعي النظام على العمل بالتدريج على تغيير عقيدة الفصائل الفلسطينية المسلحة التي تتخذ من سورية معسكرات تدريب لها وتحويلها من ذراع عسكرية لتحرير فلسطين ودورها الوطني في مواجهة العدو الصهيوني إلى أداة عسكرية يسيطر النظام عليها من كافة الجوانب، المالية واللوجستية والتنظيمية والتدريبية، إلى أن أحكم السيطرة عليها خلال العقود السابقة واستخدمها كإحدى أدواته في المواجهات العسكرية خلال الثورة السورية، ويأتي على رأسها جيش التحرير الفلسطيني[22].

وأفرزت تلك الآليات عدة نتائج وفق ما يلي:

1 – على الصعيد الداخلي: أنتج في سياق نشاطه السياسي والمجتمعي شعارات ومفاهيماً للاستهلاك الداخلي (القائد الرمز – الحزب الحاكم – الاستعداد لمواجهة الاستعمار) ورسم الاستراتيجيات التي تكفل استعادة الأراضي المحتلة باعتبارها موضوعا تعبويا لتعزيز شرعيته وتغطية استبداده بتسليط الأمن والمخابرات على الشعب الذي وجد نفسه بين عدو احتل الأرض وآخر اغتصب المواطنة والحياة.

 2 – على الصعيد الخارجي: سعى من خلال تحكمه بالقضية الفلسطينية أن يكون اللاعب الأقوى في المنطقة، ولم يتورع عن أي عمل ضدها لإحكام قبضته على دفتها، لتعزيز نفوذه الجيوسياسي وتحقيق التوازنات التفاوضية والابتزازات الإقليمية ليضمن بذلك بقاء نفوذه في المنطقة، ولابتزاز الأنظمة العربية الأخرى وأخذ “إتاوة” منها بدعوى مواجهة إسرائيل[23]،

3 – على صعيد القضية الفلسطينية: تقييد الحركة الوطنية الفلسطينية والتدخل في شؤونها والتلاعب بأوضاعها وإضعاف الهوية الوطنية؛ خاصة أن القوى الفلسطينية المحسوبة على السياسة السورية لم تستطع تعزيز حضورها أو دورها في المجتمع الفلسطيني، أكان ذلك في الداخل أو في الخارج، ولم تستطع تأكيد دورها في ساحة الصراع ضد إسرائيل، في حين أنها ظلت تركز دورها في معارضة القيادة الفلسطينية، أي قيادة فتح. 

خامسا: قراءة في أبرز المحطات التاريخية للنضال الفلسطيني وما وراء تدخل النظام السوري بها – أهداف وتداعيات.

تطلّع الرئيس السوري السابق منذ بداية بروزه في المشهد العسكري السوري للقيام بدور متميز في معادلات الحرب والسلام في المنطقة، وتعزيز مكانته الإقليمية في الشرق الأوسط، ورغم أنه أكد على تلازم المسارات العربية في المفاوضات مع إسرائيل، فقد عمل على مبدأ الاستحواذ على الورقة الفلسطينية بالتزامن مع صعود الطرف الفلسطيني على الخريطة السياسية والجغرافية، الذي حرص على استقلالية القرار ورفض أي نوع من الوصاية المتمثل بياسر عرفات وقيادة فتح، ليكون التوتر سيد الموقف في هذه العلاقة عبر مراحلها التاريخية:

1 – اعتقال ياسر عرفات بتهمة التحضير لأعمال تخريبية 1964م، عندما كان ينقل شحنة من المتفجرات من لبنان إلى الأردن عبر الأراضي السورية بعلم اللواء سويداني، رئيس الأركان، إلا أن أمر الاعتقال عن قائد القوات الجوية والدفاع الجوي، حافظ الأسد، الذي كان يتمتع بنفوذ واسع داخل الجيش السوري، وبخاصة أفرع الاستخبارات فيه ليكون رسالة موجهة له ولتنظيم فتح وسائر التنظيمات الفدائية التي كانت في طور التشكل، مفادها أن من أراد التنسيق مع القيادة السورية فعليه المرور عبر بوابة اللواء الأسد دون سواه[24].

2 – محاولة اغتيال ياسر عرفات 1966من قبل المخابرات العسكرية السورية، التي قصفت مواقع منظمة التحرير الفلسطينية في مخيمي شاتيلا وبرج البراجنة لإخراج عرفات، وحينها قال الشهيد صلاح خلف أبو إياد “الآن أدركنا تآمر الأسد علينا وأن له علاقات أوثق مع إسرائيل والكتائب[25].

3 – النكسة 1967م: دعم الاتحاد السوفيتي، باعتباره إحدى الدول الاشتراكية التي انفتحت الدول العربية عليها في تلك المرحلة، حزب الشعب الشيوعي السوري الذي دعم بدوره موقف حافظ الأسد، وكيف حمّل استراتيجية الحرب الشعبية طويلة المدى مسؤولية الفشل، وقرر ألا يترك قرار المقاومة بيد الفدائيين الفلسطينيين وأحكم سيطرته على الجيش المدعوم سوفياتياً، وأصدر عددا من القرارات لخنق المقاومة الفلسطينية ومنع القيام بأي عملية دون موافقة رسمية كتابية، ما وسع خلافه مع قيادة الحزب بقيادة صلاح جديد، لتبنيه استمرار الحرب الشعبية الذي حسمه حافظ الأسد بانقلابه في 16 تشرين2 1970م[26]. ومن الجدير ذكره أنه بمجرد إعلان الدولة الإسرائيلية كان الاتحاد السوفياتي أول دولة تعترف بإسرائيل رسميا ودعمها سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا وفتح باب الهجرة لليهود من دول شرق أوروبا وتدريب الطيارين الإسرائيليين في تشيكوسلوفاكيا.

4– أيلول الأسود 1970م: أحجم حافظ الأسد عن تأمين الغطاء الجوي للقوات السورية التي دخلت الأردن لتطويق الاشتباكات بين الجيش الأردني والثورة الفلسطينية، عقب معركة الكرامة التي قتل فيها 250 جندي إسرائيلي وجرح 450، وفقد جيش الاحتلال الإسرائيلي مئات الآليات، وصنف هذا النصر على أنه أول انتصار لجيش عربي على إسرائيل وانضمت حشود ضخمة من الشباب إلى تنظيمه، حركة فتح.

ترك القوات الفلسطينية تذبح في أحراش جرش وعجلون بعد التهديد شديد اللهجة الذي وجهته الولايات المتحدة الأمريكية وطالبته بسحب القوات السورية من الأردن، ملوحة بإمكانية تدخل بري وجوي إسرائيلي[27]، الأمر الذي سمح للجيش الأردني وطيرانه بتدمير جزء كبير من القوات السورية حتى انسحبت[28]، والقضاء على التواجد الفلسطيني المسلح تماما، وإغلاق الحدود البرية أمام “الفدائيين “من الجانب الأردني.

 وعمل على لعب دور الحامي للقضية الفلسطينية والفدائيين، ليقوم باستضافة الفصائل الفلسطينية الهاربة من أتون الجحيم وفتح المعسكرات لهم واستمالتهم واستعمالهم مستغلا رفع النظام المصري غطاءه السياسي عن حركة فتح وقيادة منظمة التحرير بعدما راحت تهاجمه بعنف بسبب قبوله لمبادرة روجرز الرامية لوقف حرب الاستنزاف.

5 -الحرب الأهلية اللبنانية 1975 – 1976م ومحاصرة مخيم تل الزعتر من قبل الجيش اللبناني “ميشيل عون” والجيش السوري[29].

اشتعلت الحرب الأهلية اللبنانية الأولى 1975م بين جبهتين: اليمين المتمثل في الكتائب المارونية (حزب الكتائب بزعامة بيير الجميل، وميليشيا النمور التابعة لحزب الوطنيين الأحرار بزعامة كميل شمعون، وميليشيا جيش تحرير زغرتا بزعامة طوني فرنجيه، وميليشيا حراس الأرز)، واليسار اللبناني والقوى الوطنية اللبنانية المتحالفة مع المقاومة الفلسطينية. واندفع حافظ الأسد لتأييد اليمين وطرح نفسه كحاضن وداعم له، وبمجرد تحقيق المقاومة الفلسطينية – اللبنانية الانتصارات، وتنامي قوتها وامتداد الشرارة الثورية لداخل سوريا .دفع بـ 30 ألف جندي سوري، فشل خلالها في السيطرة على المدن اللبنانية الرئيسية، ثم حاول احتلال المواقع الاستراتيجية لعزل بؤر المقاومة عن بعضها، مما أخل بموازين القوى لصالح الكتائب المارونية، التي اندفعت لإبادة المقاومة مرتكبة مجازر بشعة في الأحياء الفقيرة (الكرنتينا والمسلخ والنبعة) وأهمها مذبحة مخيم اللاجئين “تل الزعتر” الذي رزح /52/ يوماً تحت الحصار الخانق والقصف السوري بينما ذبحت كتائب الموارنة 4000 فلسطيني، وهو عدد مقارب لضحايا نكبة 1948م[30].

ويمكن إيجاز الأسباب التي دفعت حافظ الأسد إلى التدخل بما يلي:

  • خوف النظام أن يجرّ النظام اليساري اللبناني الجديد النظام السوري إلى معركة لا يريدها مع العدوّ الإسرائيلي
  • الخوف من خلق موطئ قدم لخصومه العرب في لبنان، وخصوصاً النظام العراقي.
  • الخشية من خسارة النظام السوري للورقة اللبنانيّة.
  • منع ياسر عرفات من تقوية فصيله في منظمة التحرير على حساب الفصائل الموالية لسوريا.
  • الخوف من أن تثوير الوضع اللبناني سيؤدّي إلى تثوير الوضع السوري، وكان لهذا لو حدث، أثر إيجابي لحرب تحرير فلسطين الشعبيّة[31].

6– الاجتياح الإسرائيلي لبيروت 1982م:

منذ انتقال قيادة الثورة الفلسطينية إلى لبنان أوائل 1971م، وحتى خروجها منه بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت في 1982م، كان صراع قيادة منظمة التحرير ضد محاولات النظام السوري للسيطرة على القرار الوطني الفلسطيني مسارًا رئيسيًا من مسارات الحرب الأهلية اللبنانية المتعددة، إذ أحدث الدخول الفلسطيني المسلح في لبنان ارتباكًا في معادلات التوازنات اللبنانية الطائفية والطبقية والحزبية الهشة أصلًا، مُرجِحًا كفة الحركة الوطنية اللبنانية ذات التوجه القومي اليساري التي كانت حليفًا طبيعيًا لسوريا قبل الحرب الأهلية، وأثارت هذه التحولات قلق النظام السوري إزاء احتمالية تحول لبنان عملياً إلى كيان منفلت عن هيمنة القيادة السورية وغير منضبط لحساباتها الإقليمية في الصراع مع إسرائيل، وعمل خلال هذه التطورات على تصفية عرفات وقصف مواقع له في مخيمي شاتيلا وبرج البراجنة بلبنان[32]، وفي ذلك يقول صلاح خلف (أبو إياد): أرسل ياسر عرفات اثنتي عشرة رسالة إلى حافظ الأسد يطالبه بفك الحصار المفروض علينا في بيروت، وعندما لم يتلق جوابـاً أرسل مبعوثاً خاصاً، وبعد أن سلم رسالة عرفات، وعرض عليه سوء الأوضاع وصلف العدو أجاب حافظ الأسـد: (أنـا أريـد أن تهلـكوا جميعـاً لأنكم أوبــاش). يتابع خلف بقوله: عندئذ أدركنا تآمر الأسد علينا، وأن له أوثق العلاقات مع إسرائيل والولايات المتحدة وحزب الكتائب.[33] ولأن عرفات يدرك أن وجوده في دمشق سيحوله إلى ممثل شرفي للقضية الفلسطينية قام بتوزيع قواته على عدة دول عربية مستثنيا سورية رغم أنها الدول الوحيدة في محيط إسرائيل لا تزال في حالة مواجهة حقيقية معها.

استغل النظام السوري الوضع الذي آل إليه ياسر عرفات وقبوله بعمليات “السلام” المقترحة (خطة ريغان)، وعمل على شق الصف الفلسطيني أثناء اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر 1983، وتمكين المنشقين من السيطرة على مكاتب الحركة ومعسكراتها في سوريا ولبنان، في مرحلة شهدت نوعاً من الاقتتال الفلسطيني في منطقتي البقاع وطرابلس بلبنان[34].

7–اتفاقية عمان والحرب على المخيمات الفلسطينية في لبنان 1985 – 1988م:

رأى حافظ الأسد في الاتفاق الذي وقّعه عرفات في 11 شباط 1985م مع الملك حسين في عمّان، القاضي بقيام اتحاد كونفدرالي مستقبلي بين الأردن والدولة الفلسطينية المُتوقع إقامتها على أي جزء يتم تحريره من أراضي فلسطين، والسعي لتسوية سلمية ينتهي بها الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية وفق قرارات الأمم المتحدة، رأى أن عرفات ألقى بالورقة الفلسطينية بيد الملك حسين حارمًا إياه منها، وبدأ فصل دامٍ جديد من الصدام بين الأسد وعرفات، على يد حركة أفواج المقاومة اللبنانية (أمل)، تساندها فتح-الانتفاضة بتوجيه سوري[35]، واللواء السادس المنشق عن الجيش اللبناني في حصار وقصف المخيمات الفلسطينية (صبراـ شاتيلاـ برج البراجنة)والقوات المتحصنة بداخلها في بيروت وجنوب لبنان بهدف إرهاب الشعب الفلسطيني وفقدان الأمل في النضال والمقاومة، ومثلت تلك المرحلة إرهاصات لوجود فرق عسكرية منضبطة توظف في التوازنات السياسية ولا تنحى منهج العمل الفدائي كما في الحالة الفلسطينية وهو ما بات يعرف اليوم بحزب الله اللبناني.

8– مؤتمر مدريد 1991م:

تعتبر ثنائية المفاوضات أحد شروط عقد مؤتمر مدريد، وهو ما كان يرفضه النظام السوري الذي يقبل بعملية التسوية من حيث المبدأ، إلا أن وقوف منظمة التحرير الفلسطينية إلى جانب صدام حسين ومقاطعته سياسيا من دول الحلف المتشكل آنذاك، وتوجه أمريكا بأن يدفع ياسر عرفات الثمن من القضية الفلسطينية، وجد النظام السوري نفسه في المكان الصحيح فيما يتعلق بمؤتمر مدريد للسلام، دون تحقيق أي تقدم على المسار السوري-الإسرائيلي، ليؤكد أن حافظ الأسد يرى في ياسر عرفات “عقبة ينبغي إزالتها ” أو النيل منها متجاهلا ما للقضية وشخصيته من بعد رمزي ووطني، مستغلا في سبيل ذلك تدجين فصائل فلسطينية تخلت عن سلاحها وكفت عن مقاومة الاحتلال.

9– تسوية أوسلو وتشكيل السلطة الفلسطينية:

كان من بين الأسباب التي دفعت ياسر عرفات للالتفاف على مسارات مؤتمر مدريد أن النظام العربي ذهب إلى هذا المؤتمر من دون أن يكون للفلسطينيين وفد مستقل، وعلى قدم المساواة مع الوفود الأخرى، بل جاؤوا إلى المؤتمر ضمن الوفد الأردني، وهو ما أثار حفيظة القيادة الفلسطينية،

 وعلى الرغم من الإجحاف الكبير بحق القضية الفلسطينية في أوسلو إلا أنه تم تشكيل السلطة الوطنية الفلسطينية، وعودتها إلى الداخل الفلسطيني في غزة والضفة الغربية بصلاحيات حكم ذاتي محدودة، وهو ما كان يطمح إليه ياسر عرفات لتحقيق الكيانية الوطنية الفلسطينية، وبالتالي انتزع من النظام السوري- الذي لم يكف عن الهجوم على مسار أوسلو وما تمخض عنه- صفة الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، كما أن هذا النظام لم يكف عن محاولات تصفيته سياسيا، والتي بلغت ذروتها عندما انسحب رئيس وفد السلطة الوطنية الفلسطينية فاروق القدومي احتجاجا على رفض لبنان رئيس القمة العربية آنذاك /2002/ السماح لياسر عرفات بإلقاء كلمته مباشرة عبر القمر الصناعي أمام القادة الحاضرين[36].

10 – التقرب من التنظيمات الإسلامية واحتضانها (حركة حماس):

أدى أوسلو إلى تجميد المقاومة المسلحة، وهذا أدى بدوره إلى بروز التنظيمات الإسلامية (حركة حماس) الذي لم يتردد النظام السوري (بشار الأسد) بدعمها لتكون ورقته الجديدة في مسار القضية الفلسطينية وصراعه مع قيادتها الرسمية في ضوء عجز الفصائل الفلسطينية المتواجدة في سوريا (الصاعقة، القيادة العامة، فتح الانتفاضة) عن القيام بمثل هذا الدور، وأيد سيطرتها على غزة بقوة السلاح 2007م عقب رفض السلطة نتائج الانتخابات الفلسطينية، ووقف إلى جانبها في العدوان الإسرائيلي على غزة 2009م لتعزيز أوراقه التفاوضية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ومواقفه اتجاه دول المنطقة فمثلا ظهر تباين واضح داخل الحركة بين تيارين: الأول يفضل إصلاح العلاقة مع مصر، والثاني وهو الاتجاه التابع لسوريا وإيران، يصعد بوجه النظام المصري واضعا العصي في عجلة المفاوضات التي دعت إليها القاهرة من أجل استئناف الحوار الفلسطيني[37].والاستفادة من الشعبية الكبيرة التي تتمتع بها هذه الحركة في غزة والضفة والمهجر للحصول على تعاطف الفلسطينيين مع بشار الأسد. والتعويض عن إخفاق الفصائل الدائرة في فلكه، إذ وجد فيها ضالّته لمناكفة القيادة الفلسطينية، على رغم احتساب «حماس» على منظومة “الإخوان المسلمين” .

 11 _ تدمير مخيم نهر البارد على يد الجيش اللبناني:

يضم المخيم 6174 أسرة مؤلفة من 31499م فرداً، عمل النظام السوري على استثمار قربه من الحدود السورية لتنفيذ إحدى العمليات الأمنية التي بدأها في لبنان بعد إخراجه منه مكرها بموجب القرار الصادر عن مجلس الأمن الدولي 1559، فدفع برجل يدعى شاكر العبسي، زعيم تنظيم فتح الإسلام والمنشق عن فتح الانتفاضة، مع رجاله إلى المخيم والقيام بأعمال يمكن توظيفها في الشأن اللبناني بشكل عام، كاختطاف رجال أمن، أو القيام بتفجيرات لخلق توترات طائفية[38]، هنا سارعت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين/القيادة العامة باتهام تيار المستقبل بإعداد مقاتلي فتح الإسلام لخوض “حرب مذهبية” ضد الشيعة من أجل إضعاف حضور حزب الله. وبموجب هذه التصرفات التي تكاد تكون مكشوفة بالنسبة لجهة التخطيط والتنفيذ والأهداف المتمثلة بتغطية جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، والحرب على مؤسسات الدولة اللبنانية، شن الجيش اللبناني حملة عسكرية نتج عنها تدمير المخيم وإجلاء سكانه منه، ليضاف إلى تدمير مخيمات تل الزعتر وصبرا وشاتيلا. ويتمكن في نهاية المطاف شاكر العبسي من الفرار.

سادسا: فلسطينيو سورية والثورة السورية

عانى الفلسطينيون في سوريا ما عاناه المواطن السوري، سواء من الناحية الاقتصادية، أو من ناحية القبضة الأمنية التي حكمت المجتمع السوري، ومع اندلاع الثورة السورية تعجل النظام السوري باتهامهم بأنهم يفتعلون الصراع في الجنوب السوري، وفي الساحل في اللاذقية (اتهام المستشارة الرئاسية بثينة شعبان للفلسطينيين في مخيم الرمل بما حصل في اللاذقية)[39]، وجرهم نحو الصراع الدائر ليبدأ فصلا جديدا من فصول مأساتهم الممزوجة مع الكثير من تفاصيل المأساة السورية، وتطرأ على المجتمع الفلسطيني السوري تبدلات كارثية على كافة المستويات الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والثقافية جعلته في حالة من اللا استقرار والضياع.

أ – الموقف من الثورة.

في الوقت الذي لم تغب التجارب المأساوية للاجئين في الأردن ولبنان والعراق والكويت عن مركز إدراكات فلسطينيي سوريا لحساسية ما يجري، احترمت القوى المحركة للثورة السورية في مرحلتها السلمية خصوصية المخيمات الفلسطينية ولم تحاول استخدامها أو إقحامها في فعالياتها حيث كانت المظاهرات التي تجري في محيطها تقف عند حدود تلك المخيمات[40]، مقابل سعي النظام المحموم لجر الفلسطينيين لطرفه من خلال الأطراف الفلسطينية المرتبطة به وسعيها لإثارة الفتن بين الفلسطينيين وجوارهم السوري، وتشكيل لجان شعبية تقف إلى جانب النظام، واستخدامه المخيمات كنقاط عسكرية لمهاجمة المناطق المجاورة، وبالتالي أدت السياسات المستفزة التي يعتمدها النظام إلى تأجيج غضب الشارع الفلسطيني منها، على سبيل المثال تنظيمه لمظاهرة في الخامس من حزيران 2011م في مرتفعات الجولان، أدت المواجهات مع الجيش الإسرائيلي خلالها لسقوط 23 قتيلاً، وترافقت جنازاتهم مع مظاهرات في مخيم اليرموك ضد الفصائل الفلسطينية التي يشعر اللاجئون بالاستياء منها، حيث اتهموهم بالتورط مع النظام السوري عبر إرسال الشباب نحو الموت، بهدف خدمة الماكينة الدعائية لحزب البعث تحت شعار المقاومة والممانعة، وقد تجاوز هذا الغضب ترديد الشعارات مثل “الشعب يريد إسقاط الفصائل” ليصل الأمر لأعمال عنف واشتباكات أدت لسقوط 14 متظاهرًا وحرق مقرات الجبهة الشعبية، القيادة العامة التي نظمت المظاهرات في الجولان[41]. ليتبلور الموقف الفلسطيني اتجاه الثورة السورية في اتجاهين:

الأول: الموقف الرسمي: هو مزيج من الحياد الذي أعلنه الرئيس محمود عباس، والمشاركة الفعلية التي تمثله الفصائل الفلسطينية التي احتضنها النظام السوري ويُعتبر سبب بقائها، والتي وجدت نفسها بعد أن تم إفراغها على يدي النظام من محتواها المتمثل بفعاليتها في مواجهة العدو، وبالتالي أفقدها مكانتها بين شعبها؛ فنمى عند أغلبها قناعة مفادها أن مصيرها بات وثيق الصلة بمصير النظام، ما يفسّر المواقف والسلوكيات المتوتّرة التي باتت تعتمدها، وضمن ذلك محاولاتها إقحام المخيمات فيما يجري،

ويعتبر أسلوب الإغراءات المالية في تعامل النظام مع التنظيمات الفلسطينية أحد أنجع طرقه، فقد وجه الرئيس السوري بشار الأسد بتشكيل لجنة لتسليم حركة فتح الأم أرضا تعود ملكيتها لمنظمة التحرير الفلسطينية على طريق دمشق – حمص الدولي عند مفرق حفير تبلغ مساحتها 700دونم، بسبب ما صرح به عزام الأحمد عضو اللجنة المركزية لحركة فتح الأم في العام 2013م أن ما يجري في سورية صيف قاحل وليس ربيع عربي وهو ما أشعل فتيل الخلاف بين فتح الأم وفتح الانتفاضة.

ويمثل الاتجاه الثاني: الغالبية العظمى من اللاجئين الفلسطينيين في سورية، دفعت به الطبيعة السلطوية التدخلية للنظام وعطف الفلسطينيين على الثورة السورية، ومناصرتهم للمطالب العادلة للسوريين، على الرغم من عدم انخراط الفلسطينيين في الحياة السياسية السورية، وغياب المرجعية الوطنية لهم مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية كل مخيم بحسب موقعه الجغرافي وقربه أو بعده عن المناطق السورية الساخنة.

في المحصلة انخرط الفلسطينيون في كل فعاليات هذه الثورة، المدنية والسلمية، التي كانت تجري خارج المخيمات، في المظاهرات والاعتصامات والتجمعات، وفي المعركة على الرأي العام، وفي العمل الإغاثي والإعلامي. ومنهم من استشهد ومن اعتقل ومن عذّب ومن اختطف، بحكم ميوله وعواطفه السياسية، مثلهم مثل الشباب السوريين، حتى إن رصد حجم الخسائر البشرية نتج عنه استشهاد 2800 لاجئ فلسطيني في سورية منذ بداية الثورة السورية وحتى بداية عام 2015م[42].

ب – فصائل عسكرية فلسطينية في مواجهة الشعب الثائر

يغلب على معظم الميليشيات المساندة لقوات النظام التوجه القومي اليساري، وينسجم خطابها مع نموذج حزب البعث السوري المعادي للصهيونية، وأبرزها:

1 -لواء القدس: تشكل في تشرين الأول 2013م من دون إعلان رسمي مستغلا تردي الأوضاع الاقتصادية وانعدام الموارد المالية للعائلات الفلسطينية وانتشار البطالة، ليُغري الشباب برواتب مالية منتظمة، حيث ضمَّ في بداياته أغلبية فلسطينية. وشارك في العديد من المعارك على خطوط جبهات مدينة حلب وريفها، ما تسبب بمقتل المئات من أفراده، البالغ عددهم الإجمالي 1800 مقاتل، بينهم نحو 500 فلسطيني. ويتوزع عناصره في محيط مخيم النيرب وقرب مطار النيرب العسكري والمدني، وفي قرى العزيزة والشيخ لطفي وحيلان وغرب سجن حلب المركزي ومحيط مخيم حندرات، وفي محيط مبنى الاستخبارات الجوية[43]، ويقوده المدعو محمد السعيد، وهو فلسطيني سوري، مرتبط بالاستخبارات السورية والإيرانية.

2 -ميليشيا قوات الجليل: ميليشيا فلسطينية تأسست عام 2011 م. بقيادة فادي ملاح من مهجري مخيم خان دنون بريف دمشق، كجناح عسكري لحركة شباب العودة الفلسطينية لمحاربة الثورة السورية، تعمل قيادته ضمن مخيم خان دنون لاستقطاب شباب المخيم وزجهم في المعارك، واشترك في معارك جبهات القلمون واللاذقية ووصل إلى دير الزور[44].

3 – حركة فلسطين حرة -الجناح العسكري- قوات درع الأقصى: ميليشيا فلسطينية تأسست عام ٢٠٠٨م برئاسة ياسر فشلق، شاركت ضد الثورة، وزعيمها العسكري سائد عبد العال المعروف بتهريبه للمخدرات وسوابق النصب والاحتيال، خسرت العديد من عناصرها في المعارك الناشبة في محيط المخيمات الفلسطينية[45].

 4 -ميليشيا الحزب الفلسطيني الديمقراطي -سوريا العودة والتحرير:  تنظيم سياسي له جناح عسكري يتزعمها مازن شقير من أصحاب السوابق والاحتيال وتأسيس الشركات الوهمية، تقاتل هذه المليشيا مع نظام الأسد في دمشق وريفها.

شكل النظام هذه الفصائل لتوجيه رسالة إلى الفصائل الموالية له (ميليشيا الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين -القيادة العامة وقوات الصاعقة -فرع البعث الفلسطيني، وميليشيا فتح الانتفاضةـ حركة التحرير الوطني الفلسطيني، وميليشيا جيش التحرير الفلسطيني، وميليشيا جبهة النضال الشعبي الفلسطيني) على أنها ميليشيات احتياطية في حال أظهرت عدم الرغبة للامتثال لأوامره، ولإشاعة انطباع أنّ نسبة كبيرة من الفلسطينيين تقف في صفّ النظام وتقاتل إلى جانبه.

سابعا: خلاصة

1 -عمل النظام السوري من خلال توظيف الخطاب الممانع لخلق أدوات داخل الصف الفلسطيني نفسه تعمل لحسابه وتنفذ أجندته. فجيش التحرير الفلسطيني المشكّل من السلطة الحاكمة في دمشق رفع شعار تحرير الأرض، لكن وظيفته الفعلية كانت محاربة الفلسطينيين في لبنان لحساب النظام. والنهج ذاته تمارسه في الوقت الراهن بعض التنظيمات المليشيوية الفلسطينية عبر مشاركتها في حصار مخيم اليرموك وتجويع سكانه، أو القتال على جبهات أخرى إلى جانب الميليشيات الإيرانية في الساحة السورية.

2 – أثبتت المظاهرات في حيفا والقدس وأماكن أخرى من فلسطين رغم قلة المشاركين فيها دعم الشعب الفلسطيني للشعب السوري، وأنه لا يمكن لدعاية النظام السياسية أن تخدع فلسطيني الداخل[46].

 3 –تسعى إسرائيل من وراء تعزيز العلاقة إلى تنصيب بوتين كوسيط بينها وبين النظام السوري، على افتراض أن النظام سوف ينجح في الحفاظ على سلطته بمساعدة التدخل الروسي، وتعتبر هذه العلاقة إشكاليةٌ بالنسبة إلى الفلسطينيين، خاصة أن التركيز الإسرائيلي نحو الدعم الروسي هو زيادة الانتقادات الأمريكية والأوروبية للسياسات الإسرائيلية مثل توسيع المستوطنات غير الشرعية.

 4 -عمل الصراع في سوريا على استنزاف الفلسطينيين على كافة المستويات المادية والبشرية والوطنية، كما عمل مع اندلاع الثورة السورية وتشابك المواقف الدولية على تقزيم القضية الفلسطينية التي كانت تشكل أهمية مركزية لدى الرأي العام العالمي.

5 –فقدت بعض الفصائل الفلسطينية نظرا لتغليبها المصلحة الفصائلية على المصلحة الوطنية رصيدها الشعبي بعدما اقتصر حضورها في المشهد السوري على حصار المخيمات الفلسطينية وتدميرها وتشريد سكانها، وتأمين الغطاء الإعلامي لانتهاكات النظام السوري للفلسطينيين بعد تدميره عدداً من المخيمات خاصة أنها لا زالت في مرحلة تحرر وطني.

6 –لم تتمتع الفصائل الفلسطينية على الساحة السورية بأي ثقل وازن بين الفلسطينيين وهو ما أثبته الموقف المجتمعي للفلسطينيين اللاجئين في سورية، كما أنها لم تستطع توليد أي حالة نموذجية بديلة في مجتمع اللاجئين في سورية، وانعدام دورها في مجال الهدف الرئيس منها وهو الصراع مع إسرائيل.

الخاتمة

أمعن النظام السوري في كل مراحله في استهداف الفلسطينيين ووجودهم المادي والمعنوي وبشتى الأدوات السياسية والعسكرية، فهو نظام لم يتورع عن قتل شعبه حتى يتورع عن قتلهم، وهو ما بدا جليا خلال الثورة، وبات بالإضافة إلى استهدافهم جسديا مستقبلهم الوطني يكتنفه الغموض لأن عمليات إخلاء وتدمير مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في سورية وعدم السماح لهم بالعودة إليها إطلاقاً، ولو انتهت المواجهات العسكرية، تهدف في الحقيقة إلى تصفية قضية هذه المخيمات وبالتالي إنهاء حق العودة الذي يعتبر على الدوام عقدة المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين وبالتالي يقدم النظام السوري خدمة كبيرة للاحتلال الإسرائيلي، ومرد كل ذلك إلى أن هذا النظام لم يستطع هضم التبلور الحاصل في الوطنية الفلسطينية، وظل يتعامل مع القيادة الرسمية كما يتعامل مع أي فصيل فلسطيني آخر لتحقيق سياسته بأبعادها الجغرافية والعسكرية.

[1]المركز العربي للمعلومات – مفهوم الدولة الفلسطينية

[2]الشبكة – الفلسطينيون والحرب السورية: بين الحياد والمعارضة– سمر بطراوي

[3]مؤسسة الدراسات الفلسطينية – الفلسطينيون في سورية بين مطرقة الثورة وسندان النظام – طارق عزيزة

[4]نون بوست:الفلسطينيون في سوريا بين جحيم المخيم وضياع القضية (2/1) – فرانتز غلاسمان – أستاذ علوم سياسية فرنسي

[5]منظمة التحرير الفلسطينية – مركز الأبحاث – فلسطينيو سوريا وتحولات المشهد السوري – نبيل السهلي

[6]مقالات نشرت في مجلة الدراسات الفلسطينية – الفلسطينيون في سوريا وعملية السلام

[7]المرجع السابق.

[8]المرجع السابق.

[9]مؤسسة الدراسات الفلسطينية – الفلسطينيون في سورية بين مطرقة الثورة وسندان النظام – طارق عزيزة

[10]مرجع سابق – رقم 4

[11]الجزيرة نت – فلسطينيو سوريا بين المطرقة والسندان

[12]مقابلة أجراها معد الدراسة مع مساعد 1 منشق من شعبة الأمن السياسي.

[13]فلسطين أونلاين – حركة فتح تاريخ من الانشقاقات (3)  

[14]جدلية – جورج حبش

[15]المرجع مكرر رقم 12 – أفاد المصدر بأن ياسر عبد ربه انشق عن الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في عام 1989م، وثبت كما يروي أن حالات الانقسام الفلسطيني كانت تقف وراءها الأجهزة الأمنية السورية، خاصة أنه جرت اشتباكات عقب انشقاق عبد ربه بين الطرفين في مخيم اليرموك دون أن تحاول تلك الأجهزة رأب الصدع بينهما وهو ما يدل على قبولها بالأمر، وبعد اتفاق أوسلو وقف ياسر عبد ربه ضد النظام السوري وأصبح من القربين لياسر عرفات.

[16]وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية – منظمة طلائع حرب التحرير الشعبية

[17]فلسطين – إشكالية العلاقة السورية الفلسطينية – ماجد كيالي

[18]إضاءات – بين فكي الأسد: مطاردة الثورة الفلسطينية (1970–1991) الجزء الثاني– أحمد محرم

[19] دار الساقي – الممانعة وتحدي الربيع – بهاء أبو كروم

[20]جيل -الحراك الشبابي الفلسطيني: نظرة إلى التجربة– محمد عامر

[21]عرب 48 – تجربة العمل السياسي الفلسطيني في سورية: الخصائص والتوقعات – ماجد كيالي

[22]العربي الجديد – استغلال فلسطينيي سورية: أبرز ألوية ومليشيات الفصائل الموالية – عدنان أحمد

[23]جيرون – الثورة السورية وقضية فلسطين – ماجد كيالي  

[24]إضاءات – ماذا قدمت سوريا الأسد للقضية الفلسطينية؟ البداية (1963–1970) – الحلقة الأولى– أحمد محرم

[25]وطن يغرد خارج السرب – تقرير يكشف عن سر علاقة الراحل ياسر عرفات بالأسد والنظام السوري.. تآمروا عليه وفشلوا– وعد أحمد

[26]النظام السوري وأكذوبة دعم المقاومة

[27]حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) دور منظمة التحرير الفلسطينية في العلاقات العربية – العربية – فادي قدري أبوبكر

[28]المرجع مكرر رقم 23

[29]شباب الشرق الأوسط – مجزرة تل الزعتر من صفحات الحرب الأهلية اللبنانية – محمود عرفات

[30]المرجع مكرر رقم 25

[31]صحيفة الأخبار سوريا ولبنان:1976 – أسعد أبو خليل

[32]أورينت نت – في ذكراه العاشرة: ياسر عرفات والأسد عدوٌ ما من صداقته بدّ – عبد السلام الشبلي ُ

[33]الحقيقة – من جرائم نظام الأسد ضد الفلسطينيين– أحمد محمود الحيفاوي

[34]الجزيرة نت – المحطات التاريخية للتوترات السورية الفلسطينية

[35]المرجع السابق.

[36]العربي الجديد – الفلسطينيون ونظام الأسد.. للتاريخ ولكي تعرف الأجيال – عدلي صادق

[37]فلسطين الثورة – سوريا تواصل عرقلة الحوار الفلسطيني والقطاع يتهيّأ للانتفاض على سلطة “حماس

[38]الجزيرة نت – فتح الإسلام

[39]عرب 48 – فلسطينيو سورية وصعوبة خيار النأي بالنفس  

[40]منظمة التحرير الفلسطينية – مركز الأبحاث – ثورة السوريين وأثرها على مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا – ماجد كيالي – عدد 252

[41]نون بوست – الفلسطينيون في سوريا بين جحيم المخيم وضياع القضية (2/1) – فرانتز غلاسمان – أستاذ علوم سياسية فرنسي

[42]الجزيرة نت – تأثيرات الثورة السورية على المخيمات الفلسطينية

[43]المرجع مكرر رقم 21

[44]كلنا شركاء – النظام يدفع بميليشيا (قوات الجليل) الفلسطينية للدفاع عن مواقعه– سعيد جودت

[45]بلدي – الميليشيات الفلسطينية والقومية حليفة الأسد– تركي مصطفى

[46]المنشور – فلسطين والثورة في سورية – بدور حسن – ترجمة: وليد ضو

المسار السياسي للثورة السورية منذ تأسيس المجلس الوطني السوري وصولاً لمفاوضات جنيف

المسار السياسي للثورة السورية منذ تأسيس المجلس الوطني السوري وصولاً لمفاوضات جنيف

في الوقت الذي كان فيه المنتفضون السوريون يخوضون معركتهم العسكرية على الأرض مع قوى النظام وحلفائه من خلال تشكيلاتهم العسكرية الجديدة ،كان السياسيون يرسمون النهج الذي ستبنى عليه سوريا المستقبل من خلال الهيئات والتيارات والكتل السياسية التي أنتجوها وعملوا على تقويتها وتدعيمها بالانخراط ضمن الكيانات الممثلة للشعب السوري ومن ثم الدخول في معترك المفاوضات، سواء منها المتعلقة بالشق السياسي أو العسكري.

المقدمة

اندلعت موجة من الاحتجاجات الشعبية في مدينة درعا بتاريخ18 آذار 2011 ضد ممارسات تعسفية ارتكبها قادة أمنيون أخذت أشكالا متعددة من الكبت والفساد وقمع الحريات التي عاشتها البلاد في ظل حكم نظام البعث، ما لبثت أن تحولت هذه الاحتجاجات السلمية تدريجيا إلى نزاع مسلح شمل أغلب الجغرافيا السورية، ونتيجة الحاجة لتمثيل الحراك الشعبي في المحافل الدولية والتواصل مع الدول الصديقة والداعمة للحراك السوري، بدأت قوى المعارضة والمفكرون السوريون بالتكتل وإنشاء كيانات سياسية ضمن برامج وأهداف مختلفة، أدت في كثير من الأحيان لشق الصف وكسر التوافق نتيجة غياب برامج مشتركة تحقق تطلعات السوريين المنتفضين، ورغم ضعف الأداء وتعدد المشاريع إلا أنهم أثبتوا جدارتهم خلال المفاوضات في جنيف، والتي ترعاها الأمم المتحدة بهدف التوصل لحل سياسي ينهي معاناة السوريين، ناهيك عن مسار أستانا الذي يهدف لضبط وقف إطلاق النار برعاية كل من روسيا وتركيا وإيران بين الأطراف المتصارعة على الأراضي السورية تحت ذريعة تعزيز مؤتمر جنيف والدفع بعجلة المفاوضات خطوة باتجاه الأمام،لكن تباين المواقف على الصعيد الدولي بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا من جهة وعلى الصعيد الداخلي بين النظام والمعارضة من جهة أخرى جعل المسارين يراوحان في المربع الأول، فلا وقف إطلاق النار صمد، ولا المعتقلون أفرج عنهم، وبقيت المناطق المحاصرة تعيش ظرفا مأساويا مع استعصاء واضح في ملف هيئة الحكم الانتقالي بسبب رفض النظام مناقشته قبل الاتفاق على سلة مكافحة الإرهاب. 

المحور الأول: الهيئات السياسية المعترف بها كممثل للمعارضة السورية:

تشكلت العديد من الهيئات بداية بالمجلس الوطني السوري والائتلاف الوطني السوري، إضافة للهيئة العليا للمفاوضات التي تمثل الشعب السوري ونالت اعترافاَ ودعماَ دولياَ واسع النطاق، إلا أنّ الحمل الملقى على عاتقها كان أكبر من إمكانياتها فلا تزال تعاني في هيكليتيها وأهدافها وممثليها رغم خطورة المرحلة التي تمر بها البلاد في ظل الموازين الدولية الجديدة. 

المجلس الوطني السوري

إن الحاجة لتمثيل الحراك الشعبي في المحافل الدولية دفعت لتشكيل المجلس الوطني السوري في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2011 بإسطنبول في تركيا، ضم أغلب أطياف المعارضة منها الإخوان المسلمون وإعلان دمشق والمؤتمر السوري للتغيير وممثلون عن المكونين الآشوري والكردي، إضافة لبعض المفكرين المستقلين، وترأسه المعارض والأكاديمي السوري برهان غليون المقيم في العاصمة الفرنسية باريس.

أهدافه:

  • يلتزم المجلس في تحقيق أهدافه بالمبادئ الأساسية الآتية:
  • العمل على إسقاط النظام بكل الوسائل المشروعة.
  • تأكيد الوحدة الوطنية بين كافة مكونات المجتمع السوري (بعربه وكرده وإثنياته وباقي الطيف الديني والمذهبي)، ونبذ دعوات الفرقة والانقسام.
  • حماية الاستقلال الوطني، والمحافظة على السيادة الوطنية.
  • تأمين الدعم السياسي للثورة السورية.
  • ضمان عدم حدوث فراغ سياسي.
  • بلورة خارطة الطريق للتغيير الديمقراطي في سورية.

التحدّيات التي أضعفت أداء المجلس الوطني السوري:

  • ممارسة جماعة الإخوان المسلمين السورية وباقي الكتلة الإسلامية نفوذاً مفرطاً على عملية صنع القرار والسياسات فيه.
  • توتّر العلاقات بين أحزاب المعارضة الكردية والناشطين والمجلس الوطني السوري منذ البداية، لأن المجلس الوطني وجماعة الإخوان السورية النافِذة قاوما المطالب الكردية بالفدرالية أو “اللامركزية السياسية”، التي من شأنها أن تمنح الأكراد حكماً ذاتياً داخل سورية.
  • تردد المجلس الوطني في تسليح الثوار ودعم مطالب التدخل الخارجي لحماية المدنيين.
  • كثرة الانشقاقات عن المجلس الوطني، حيث كان أولها خروج الأحزاب الكردية، تلاها استقالة هيثم المالح وكمال اللبواني والعديد من أعضاء المجلس، ثم تبعهم مجموعة 74 المؤلفة من أعضاء سابقين في الإخوان المسلمين.

وبحسب الدكتور برهان غليون ترجع أسباب الفشل إلى ما يلي:

أولا: لأنّها ليست معارضة تمثل قوى اجتماعية واضحة وتمتلك الحد الأدنى من الانتظام الفكري والسياسي والإداري والخبرة، وإنما هي مجموعات محدودة وأفراد عاشوا غالبا في الحصار والعزلة، وتعودوا أن يتنافسوا على رهانات بسيطة أهمها الظهور، ظهور الاسم أو الموقع.

ثانيا: أن «شبه المعارضة» هذه قررت منذ البداية أن تضع يدها على الثورة لتعوم نفسها بعد غرق طويل، كما يقول المثل العامي، فأصبحت تتصارع على السيطرة عليها وعلى أجهزتها الوليدة، بدل أن تتوحد ضد عدوها الحقيقي.

ويصل د. غليون في الختام إلى قناعة، أن إنقاذ سوريا يحتاج قبل أي شيء آخر إلى قيادة تنتزع الملف السوري وقضية السوريين من الأيادي الكثيرة التي تتلاعب بها، وتعيد توحيد السوريين حولها، وتمهد لعهد المصالحة والعودة إلى حضن الوطنية الجامعة بعد تخليص سوريا من وحوشها الكاسرة.

الائتلاف الوطني السوري

أعلن في العاصمة القطرية الدوحة يوم 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2012، ممثل من معظم التشكيلات والكيانات السياسية المعارضة والثورية، من بينها المجلس الوطني السوري، والهيئة العامة للثورة السورية، ولجان التنسيق المحلية، وحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي، وحركة معا من أجل سورية حرة وديمقراطية، والكتلة الوطنية الديمقراطية وتيار مواطنة.

إلى جانب قيادة الجيش الحر، والحراك الثوري، والمجلس الثوري لعشائر سوريا، ورابطة العلماء السوريين، واتحادات الكتاب، والمنتدى السوري للأعمال، وهيئة أمناء الثورة، والمكون التركماني، والمجلس الوطني الكردي، والمنبر الديمقراطي، والمجالس المحلية لكافة المحافظات، إضافة إلى بعض الشخصيات الوطنية وممثل عن المنشقين السياسيين. 

لقيت أخبار تشكيل الائتلاف الجديد ترحيباً داخل سورية إلا أن الائتلاف لم يضم تمثيلا لمجموعات مثل هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي أو عدد من الفصائل الإسلامية.

أما أهداف الائتلاف الوطني المُعلَنة فهي ما يلي:

  • توحيد دعم القيادة المشتركة للمجالس العسكرية الثورية والجيش الحر.
  • إنشاء صندوق دعم الشعب السوري بتنسيق دولي.
  • إنشاء اللجنة القانونية الوطنية السورية.
  • تشكيل حكومة انتقالية بعد الحصول على الاعتراف الدولي.

أسباب فشل الائتلاف في تمثيل الحراك الثوري:

بنية الائتلاف: يعاني الائتلاف منذ نشأته من أزمة بنيوية، حيث أنه لم يأت تعبيرا لحالة تطور ذاتية عندما أسس بمبادرة خارجية من قبل دول إقليمية وغربية، وهو عاجز عن إنتاج السياسة وعن تطوير خطابه في اتجاه يجعله خطابا جامعا لكافة مكونات الشعب السوري، وهو بالتالي غير قادر على طرح أي بديل.

أعضاؤه: وبالنسبة لأعضائه فهم غير مؤهلين سياسيا للاضطلاع بمهامهم، لأنَّ جل هؤلاء لم يسبق لهم العمل في مواقع سياسية أو دبلوماسية أو مواقع لها صلة بكيفية اتخاذ القرار السياسي، إضافة إلى إبعاد من يملكون هذه الخبرات خوفاً على مناصبهم، عدا عن تضارب المصالح الدولية والإقليمية والحزبية والفئوية داخل المعارضة ذاتها.

الوضع الإداري: استشراء الفساد الإداري والمالي في أوساط الائتلاف ومؤسساته، فضلاً عن عدم تمكنه حتى الآن من تحقيق تواجد ملحوظ في الأراضي المحررة أو كسب ثقة أبناء هذه المناطق أو الجهات الفاعلة فيها.

الوضع السياسي: لم يتبع الائتلاف برامج واضحة لتحقيق أجندته السياسية، بل على العكس من ذلك حرص بعض أصحاب القرار فيه على اتباع سياسة التهميش للكفاءات العلمية واستبعاد أصحاب الخبرة السياسية والدبلوماسية، ولهذا لم يكن لديه أي دراسة للمواقف السياسية للدول وأجنداتها إلا بقدر خدمة الثورة السورية، وفق تعبيره.

دوليا: على المستوى الدولي فقد أثبت الائتلاف فشله في كافة المحافل الدولية والإقليمية وحتى العربية، ولم يستطع تسويق نفسه كممثل حقيقي للشعب السوري.

الأزمة المالية: تقلص حجم الدعم الإقليمي والدولي، إضافة إلى تمدد قوى “الإرهاب” في مناطق سورية كانت تحت سيطرة المعارضة المعتدلة.

الهيئة العليا للمفاوضات

تأسست في ١٠ كانون الأول ٢٠١٥-وذلك تعزيزا للعملية السلمية والدفع بالحل السياسي، ودعم الجهود المبذولة لوقف إطلاق النار بهدف إنهاء معاناة الشعب السوري، وقد تم تخويلها من كافة أطياف المعارضة السورية بالدخول في عملية التفاوض نيابة عنها وفق ثوابت ومبادئ محددة.

وحرصت الهيئة على تحقيق ذلك من خلال القنوات الدبلوماسية والدعوة إلى تنفيذ القانون الدولي، وخاصة المادتين 12 و13 من قرار مجلس الأمن 2254 وتطالب بما يلي:

  • فك الحصار عن المدن والمناطق المحاصرة.
  • تمكين الوكالات الإنسانية من توصيل المساعدات لجميع من هم في حاجة إليها.
  • الإفراج عن جميع المعتقلين.
  • وقف عمليات القصف الجوي والمدفعي والهجمات ضد المدنيين والأهداف المدنية.
  • أن تتقيد جميع الأطراف فوراً بالتزاماتها بموجب القانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.[1]

ولتحقيق ذلك فقد أكدت الهيئة على أن رفع المعاناة عن الشعب السوري هي مسألة إنسانية يجب معالجتها خارج ميادين التنازع السياسي، والإصرار على اعتبارها فوق مستوى التفاوض، إذ لا يسوغ مقايضة المواقف السياسية بمعاناة الشعوب.

المعوقات التي تعترضها:

  • عدم وجود تمويل خاص ودائم للهيئة واعتمادها المباشر على المنح المقدمة من الدول الصديقة.
  • الخلافات البينية والمحاصصة بين الكتل المشكلة للهيئة العليا للمفاوضات، لا سيما الإسلاميين والديمقراطيين.
  • عدم وجود شريك حقيقي يبحث عن السلام في سوريا ،فلا يزال النظام السوري يدير ملف المفاوضات بذات العقلية الإقصائية داخل أروقة الأمم المتحدة وفي المحافل الدولية، ويرفض الدخول بأي مبادرات جادة لحل القضية.
  • التجاذبات الإقليمية والدولية وعدم وجود إرادة دولية للاتفاق على صيغة حل ينهي الحرب الدائرة في سوريا.
  • عدم وضوح السياسة الأمريكية الجديدة في سوريا بعد ضربة الشعيرات ،فلا تزال تحمل الكثير من التأويلات.
  • المراوغة الروسية وعدم تطابق الوعود التي تطلقها مع ما يحصل على الأرض في ظل المسار الذي تديره في أستانا.
  • الأطماع الإيرانية التي تستغل الملف السوري للوصول للمتوسط وتسويق نفسها كقطب إقليمي على حساب المعارضة والنظام السوريين على حدِّ سواء.

المحور الثاني: الكتل والجماعات السورية المعارضة

الإخوان المسلمون

تأسست جماعة الإخوان المسلمين في سورية في ثلاثينيات القرن العشرين بمبادرة من عدد من الطلاب والمثقفين، وشغل مصطفى السباعي أول مراقب لإخوان سوريا، وهي تُعد امتدادًا لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، التي أسسها حسن البنا في العام 1928، ويشغل محمد حكمت وليد منصب مراقبها العام حاليًا، ساهمت في كافة الفعاليات السياسية خلال الثورة السورية منذ تأسيس المجلس الوطني السوري، إلى انخراطها بالائتلاف الوطني السوري.

مسيرتها خلال الثورة:

  • في بداية الاحتجاجات مطلع العام 2011، اتسم موقف الجماعة بالحذر، فأحجمت عن المشاركة فيها بداية. ولم تصدر بيانها الرسمي الأول دعماً للثورة إلا في أواخر نيسان 2011.
  • تطالب بالتدخل الخارجي لحل الأزمة السورية على أنه الحل الوحيد الممكن، ودعت إلى تدخل تركيا وإنشاء مناطق إنسانية محمية في الأراضي التركية.
  • اتهم الإخوان المسلمون جامعة الدول العربية بالفشل في حل الأزمة السورية والتستر على جرائم النظام السوري.
  • طالبت المجتمع الدولي بحماية المدنيين وإنشاء ممرات آمنة، ونقل مسؤولية حل الأزمة من جامعة الدول العربية إلى مجلس الأمن الدولي.
  • دعمت خطة أنان، ورحبت بقرار الأمم المتحدة اللاحق لإرسال مراقبين دوليين إلى سورية.
  • أصدرت يوم 25 آذار/ مارس 2012 وثيقة “عهد وميثاق”[2] حددت فيها الأطر العريضة لمفهومها لسورية ما بعد سقوط النظام، داعيةً إلى بناء دولة مدنية حديثة ديمقراطية تعددية. 
  • طالبت بقيام دولة يتساوى فيها المواطنون جميعاً على اختلاف أعراقهم وأديانهم ومذاهبهم واتجاهاتهم.[3]

الائتلاف العلماني الديمقراطي السوري

تأسس بالعاصمة الفرنسية باريس، ويضم عددا من الأحزاب السورية المعارضة، أبرزها: الحزب الديمقراطي الآشوري وحزب الحداثة وحزب الانفتاح والحزب الديمقراطي الكردي وحزب الوحدة الشعبية الكردية وحركة وفاق.[4]

يعبر عن نفسه بأنه نواة المعارضة السورية العلمانية والديمقراطية التي ظهرت أثناء الأزمة السورية، تشكل لدعم القتال ضد نظام بشار الأسد. ولقد دعا الائتلاف أيضًا إلى التدخل العسكري في سوريا، في شكل فرض منطقة حظر طيران مثل تلك التي فرضت في كوسوفو، مع إقامة منطقة آمنة ومدن آمنة. ولقد ترأس هذا الائتلاف رندة قسيس.

وقد عرفوا العلمانية التي يؤمنون بها بأنها تلك التي تكرس الحياد في المجال العام و تفصل الروحي عن الزمني والمؤسسات الدينية عن مؤسسات الدولة، وأنها المرتبطة عضويا مع الديمقراطية بما تعنيه من تحقيق لمبدأ المحاسبة و المراقبة و فصل للسلطات الثلاث و احتكام لإرادة الشعب و تكريس لسيادته العليا و صون للحريات العامة، و مع اعتماد الشرائع الدولية لحقوق الإنسان مرجعية عليا للعقد الاجتماعي السوري الجديد، تتشكل الذرى المعيارية للائتلاف ، وتتحدد ثوابته السياسية والقيمية ، التي يعول عليها أن تكون الضامن الصاد لأي تعصب أو تطرف أو شمولية تتخذ من الدين أو الموقف الفكري أو الهدف السياسي غطاء لها[5]

نهجه السياسي خلال الثورة:

  • رسم صورة لسوريا العلمانية التي عرفها بأنها تكرس الحياد في المجال العام وتفصل الروحي عن الزمني والمؤسسات الدينية عن مؤسسات الدولة، وربط العلمانية بالديمقراطية جاعلا من الشرعة الدولية لحقوق الإنسان “مرجعية عليا للعقد الاجتماعي السوري”.
  • يلتزم بـ “السقف الوطني” الذي حددته الثورة السورية وهو طلب الحماية، بمعنى البحث عن أي وسيلة تجعل النظام يتوقف عن قمع شعبه.
  • خطة التحرك لديه تشمل الاتصال بالحكومات التي أيدت الثورة السورية وبالمنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني من أجل توفير الدعم للثورة وتشديد الضغط على النظام الحاكم في دمشق لوقف العنف وحماية المدنيين.
  • دعا إلى تأسيس مجلس منتظم تمثيلي يحظى بشرعية الثورة والثوار، ولا يقصي أحدا ولا يمر من خلال علاقات “الكولسة” والأبعاد الشخصية والحزبية الضيقة، وندد بكل محاولات الهيمنة على المشهد السياسي واعتبرها بمثابة خيانة للثورة.
  • يدعو المجتمعين العربي والدولي من أجل القيام بواجبهما لحماية المدنيين وفقا للمواثيق الدولية.
  • يؤمن بحق الآخر في الوجود مهما اختلف لونه السياسي شرط أن يقبل الاحتكام إلى صندوق الاقتراع.
  • يدحض دعاية الحكومة التي تقدم الثورة على أنها سلفية تعصبية طائفية معتبرا أن ما تعرفه سوريا هو ثورة الشعب السوري بكل أطيافه الإثنية والدينية والسياسية.
  • أبدى شعوره بـالصدمة نتيجة لبعض المواقف والتصريحات التركية ومنها التضييق على اللاجئين السوريين في تركيا.

إعلان دمشق

إعلان دمشق” هو ائتلاف علماني معارض صاغته عام 2005 العديد من تجمعات وأفراد المعارضة، للمطالبة بديمقراطية متعدّدة الأحزاب، وهو يدعو إلى انتقال تدريجيّ وسلمي إلى الديمقراطية والمساواة بين جميع المواطنين في سورية علمانية وذات سيادة. ولقد وقعت “خمس جماعات معارضة صغيرة” على الإعلان وهم التجمع الوطني الديمقراطي القومي العربي، والتحالف الديمقراطي الكردي، ولجنة المجتمع المدني، والجبهة الديمقراطية الكردية، وتيار المستقبل. ولقد شارك أيضًا في إعلان دمشق حركة العدالة والبناء في سوريا.

شاركت غالبيّة الموقّعين على إعلان دمشق في مؤتمري أنطاليا وإسطنبول اللّذين أدّيا إلى تشكيل المجلس الوطني السوري في تشرين الأول/أكتوبر 2011، عند هذه النقطة بدا أن إعلان دمشق يخضع إلى هيمنة حزب الشعب الديمقراطي السوري بزعامة رياض الترك وحركة العدالة والبناء بزعامة أنس العبدة[6].

 سياسة الحزب تجاه الثورة:

  • رفض إعلان دمشق ككتلة مستقلة التدخّل الأجنبي، لكن بوصفهم جزءاً من الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، يدعو الموقّعون إلى التدخّل العسكري الخارجي.
  • أعطى إعلان دمشق الأولوية للانتقال السلمي، لكن بوصفهم جزءاً من الائتلاف الوطني، يطالب الموقّعون بتسليح المعارضة.
  • يرفض الحوار مع النظام.
  • يدعم خطّة عنان للسلام. 

حزب الشعب الديمقراطي السوري

أسّسه رياض الترك في العام 1973، وكان يُعرَف أصلاً بالحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)، وتخلّى عن الماركسية اللينينية لصالح الديمقراطية الاشتراكية في العام 1979 إلى أن غيّر اسمه في العام 2005 [7]، لعب “دورًا أساسيًا” في إنشاء المجلس الوطني السوري بقيادة جورج صبرة.

الموقف السياسي إزاء الأزمة:

  • يدعو الحزب إلى تدخّل عسكري خارجي.
  • يدعو إلى تسليح المعارضة.
  • يرفض الحوار مع النظام.
  • يدعم خطة أنان للسلام.

المجلس الأعلى للثورة السورية

أُسِّس المجلس الأعلى لقيادة الثورة السورية في 4 أيلول/سبتمبر 2011، وهو يضمّ 40 مجلساً ثورياً من كل بلدة ومدينة رئيسة في سورية، ركّز في البداية على العمل الثوري السلمي عبر تنظيم التظاهرات المناهضة للنظام ونشر المعلومات عن الثورة.

الهدف الأساسي المُعلَن الذي يرمي المجلس الأعلى إلى تحقيقه هو إسقاط النظام وتحرير سورية، من أجل إرساء دولة ديمقراطية تقوم على العدالة والحرية والمساواة. بيد أن المجلس لا يمتلك أجندة سياسية محدّدة الملامح، ولا يتبع أي حزب أو إيديولوجية.

وفي حين عارض المجلس الأعلى عند تأسيسه كلاً من التدخّل الخارجي المسلح وتسليح المعارضة، أصبح الآن يرى أن التدخّل والدعم الأجنبيَّين، ولاسيما من الدول العربية، ضروريان لإسقاط النظام.[8]

يعتمد في نهجه لتحقيق ما يطمح إليه على اعتماد مبدأ التعاقدية في كل ما يتعلق بإدارة شؤون حياة المواطنين وسيادة الوطن، من خلال صياغة دستور عام يترجم العقد الاجتماعي إلى مواد وبنود عملية تحقق إرادة وطموحات الشعب في كافة ميادين الحياة واعتماد محكمة دستورية عليا يختارها الشعب مباشرة لتكون ذات استقلالية تامة ومرجعية دستورية عليا حرة الإرادة، فيما تقضي وتبرم في فض الخلافات والنزاعات وفي ترجيح القوانين والقرارات الأفضل لتحقيق مصالح الشعب وسيادة الوطن.

لجان التنسيق المحلية في سوريا

شبكة تضم الجماعات المحلية التي تنظم التظاهرات وتعد تقارير بشأنها كجزء من الأزمة السورية، ولقد تشكلت تلك الشبكة عام 2011 من حوالي 70 لجنة محلية في جميع أنحاء البلاد.

ترى أن إسقاط النظام السوري هو الهدف الأول والرئيس للثورة، وهي تعطي الأولوية للحوار واستخدام التدابير غير القسرية وغير العنيفة في حين تدعو إلى انتقال سلمي إلى دولة ديمقراطية وتعددية تقوم على الحرية والمساواة لجميع المواطنين.

في البداية كانت تعارض التدخل العسكري الأجنبي وتسليح المعارضة، ولكن موقفها تحول تدريجياَ مع تصاعد عنف النظام، ومع تشكيل الجيش الحر واتساع دوره، بدأت اللجان تدعو المجتمع الدولي لاتخاذ موقف أقوى ضد نظام الأسد.

المهام التي عملت على إنجازها:

  • تقديم التقارير الإخبارية والتطورات على أرض الواقع في سوريا ونقل المعلومات إلى وسائل الإعلام العربية والدولية.
  • تتعاون مع مركز توثيق الانتهاكات في سوريا والإبلاغ عن إحصاءات عدد ضحايا الحرب والمعتقلين والأشخاص ممن هم في عداد المفقودين منذ الثمانينيات.
  • تعزيز العصيان المدني كوسيلة لمحاربة نظام الأسد.
  • تطورت في بعض الحالات لتصبح مراكز للسلطة المدنية وعملت على تلبية الاحتياجات الطبية والقانونية وكذلك المساعدات الإنسانية.

حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي

حزب سياسي قومي تأسس عام 1964على المستوى الوطني لإقامة نظام سياسي ديمقراطي يجسد إرادة الشعب وتطلعاته في الوصول إلى مجتمع الديمقراطية والكفاية والعدل الاجتماعي والتداول السلمي للسلطة. حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي (حزب ناصري) يلتزم بالمبادئ والأهداف القومية التي نهضت بها قيادة جمال عبد الناصر [9]

يقوده حاليا صفوان قدسي[10]، كان من أوائل الأحزاب التي أصدرت بيانات ومواقف واضحة من الثورة السورية، آذار 2011، وكانت كوادره في العديد من المحافظات من النشطاء والفاعلين في صفوف الثورة، خصوصا في ريف دمشق ودرعا والسويداء والرقة وحلب.

ساهم الحزب بتشكيل هيئة التنسيق الوطنية في أيلول 2011، وشارك في معظم حوارات المعارضة في الخارج، وهو ما أدى فيما بعد إلى خروج مجموعة كبيرة من كوادره وقواعده عن قيادة الحزب التقليدية والبقاء تحت اسم الحزب، ولكن باسم اللجنة التنفيذية تمييزا لها عن القيادة التقليدية التي تعرف باسم المكتب السياسي، وذلك على خلفية الموقف من الثورة، وخطاب هيئة التنسيق ودورها.

كان الحزب منذ البداية من ضمن القوى التي تشكل منها الائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة، وشارك بفاعلية في ذلك مع مختلف المكونات.

يتميز الحزب بوجود مختلف عناصره وكوادره في الداخل، حتى الآن وهو ما منع إعلان أسماء قيادته (اللجنة التنفيذية)، التي يقودها محمد فليطاني-من مدينة دوما، وممثل الحزب بالائتلاف قاسم الخطيب.[11]

حركة معا من أجل سورية حرة وديمقراطية

أعلنت مجموعة من المثقفين السوريين في 23 حزيران 2011 عن تشكيل هيئة المؤسسين لحركة ” معاً من أجل سورية حرة وديمقراطية” كهيئة مدنية تحت التأسيس”.

وكلفت اللجنة التنسيقية للحركة الدكتور منذر بدر حلوم لإدارتها خلال مرحلة التأسيس، كما اختير الدكتور منذر خدام ناطقاً إعلامياً باسم الحركة ومن بين الموقعين على بيان التأسيس ثائر ديب، لؤي حسين، منذر مصري، سمر يزبك، أسامة محمد، هنادي زرقة، روز ياسين حسن.[12]

تسترشد في نشاطها بالمبادئ الآتية:

  • دعم النضال السلمي للشعب من أجل الحرية والديمقراطية وبناء الدولة المدنية.
  • فضح نهج العنف ومقاومته بأشكاله ومصادره كافة.
  • تعزيز الوحدة الوطنية ومقاومة كل أشكال التحريض الطائفي والتفرقة بين السوريين.
  • تعزيز القيم الوطنية ومناهضة التدخل الخارجي وسياسات الهيمنة.
  • تعزيز ثقافة الاختلاف وقبول الآخر.
  • نشر وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان.
  • تعزيز مفهوم المواطنة والأسس التي ينبني عليها.

ويمثل الحركة داخل الائتلاف الوطني السوري السيد بسام يوسف.

الكتلة الوطنية الديمقراطية

تأسست في شباط 1925 ،بعد أن سمح المفوض الفرنسي السامي الجنرال سراي بحرية إنشاء الجمعيات والأحزاب السياسية، وكان التأسيس على يد مجموعة من السياسيين السوريين المطالبين بوحدة البلاد واستقلالها ومنهم عبد الرحمن الشهبندر مؤسس حزب الشعب أيام الملك فيصل الأول.

أهم الأهداف التي يراها “الحزب الوطني السوري” هي الحرية التامة للمواطنين السوريين، ومكافحة سياسات التجهيل والخداع والاضطهاد الفكري والمادي. ويعتبر الحزب أن حرية الإنسان السوري هي «حرية مقدسة غير منقوصة ولا مشروطة في كافة المجالات وحتى لو كانت تلك الحرية لا تتفق مع الحزب في أطروحاته وأفكاره فسيعمل هذا الحزب على صونها وتقويتها لأنها هي أساس كل إبداع». والعدالة هي الهدف الثاني في حين أن الهدف الثالث هو المساواة بين كافة الأعراق المكونة للشعب السوري وكافة الديانات وكافة الطبقات الاجتماعية.

أما مبادئ الحزب الخمس الرئيسية فهي: الوطنية للوطن، والشخصية السورية المتميزة، وكل ما هو غير سوري فهو عنصر غريب، والسوري يسعى لخدمة السوريين ورخائهم بغض النظر عن اتجاههم السياسي أو الفكري، وللسوريين مطلق الحرية بممارسة كل رغباتهم وتطلعاتهم شرط ألا ينتج عن ذلك أي ضرر يلحق بأي سوري.

الموقف السياسي إزاء الثورة[13]:

  • تدعو الكتلة إلى تدخّل عسكري خارجي.
  • تدعو إلى تسليح المعارضة.
  • ترفض الحوار مع النظام.
  • تدعم خطة أنان للسلام.

تيار مواطنة

منظمة سياسية سورية نشأت في دمشق مع بدايات الثورة السورية، وتكوَّن أكثر أفرادها عند تأسيسها من ناشطين سياسيين خاضوا في مراحل سابقة تجربة العمل السياسي الديمقراطي والملاحقة والاعتقال إضافة إلى عدد من الشباب المشارك في المظاهرات والاعتصامات وفي النشاط الإعلامي الداعم للثورة، يتبنى تيار مواطنة مشروع الدولة المدنية الديمقراطية في سوريا الموحدة جغرافياً وبشرياً[14]. ويمثل التيار داخل الائتلاف الوطني السوري السيد موفق نيربية. 

منهجه في التفاعل مع مجريات الثورة وتطور وقائعها وظروفه:

  • يرى أنّ وضع ثوابت دائمة للرؤية السياسية أمر غير منطقي ولا عملي.
  • يعرف الإحياء الوطني بمعنى الوطنية الجامعة لكل المواطنين تحت سقف واحد يحتفظ لكل فرد بحقوقه وواجباته وبحريته وكرامته، والانطلاق منها في السلوك ونحوها في العمل السياسي.
  • ينظر للإسلاميين بأنهم ضربة قوية تمت باستخدام سطوة الإيديولوجيات الدينية على تعدد مصادرها من أجل تحجيم دور الوطنية السورية الجامعة والقادرة وحدها على إبقاء الثوار موحدين.
  • يدعو لإنهاء الاستبداد وقطع الطريق عليه من غير رجعة ومحاربة الإرهاب والتطرف بكل أشكاله وبكل الطرق.
  • ينادي للانتقال إلى دولة مدنية ديمقراطية حديثة تضمن الحرية والكرامة لكل مواطنيها ومكوناتها.
  • يدعو للانفتاح على كل القوى المعارضة من دون أحكام مسبقة وبناء هيكلية جديدة أكثر تمثيلاً وفعلاً وثورية انطلاقاً من البنى الموجودة نفسها أو من شرعيتها.
  • جوهر العلمانية وأساسها بنظره هو فصل مؤسسات الدولة وأشخاصها المفوضين عن المؤسسات الدينية وشخصياتها البارزة، ولذلك كان سهلاً التوافق بين الإسلاميين المعتدلين والعلمانيين المعتدلين على مطلب الدولة المدنية.
  • اعتبار حقوق الإنسان كما نصت عليها الشرائع الدولية مبدأ لا تنازل عنه فالإنسان هو القيمة العليا.
  • الانطلاق من مبدأ المواطنة المتساوية لكل فرد سوري لرسم مستقبل لسوريا كدولة مدنية ديمقراطية حديثة.
  • يدعو للالتزام بقرارات الشرعية الدولية وآخرها القرار رقم ٢٢٥٤ المبني على بيان جنيف1.
  • أهمية التوصل لتشكيل هيئة حكم انتقالية بالتراضي، تكون كاملة الصلاحيات من أجل قيادة مرحلة انتقالية تثمر انتقالاً نهائياً من حالة الاستبداد إلى دولة ديمقراطية مدنية حديثة لكل مواطنيها ولكل مكوناتها.

الحراك الثوري

مكتب الحراك الثوري يتكون من مجموعة من ناشطي الحراك الثوري، الذين شاركوا في الثورة السورية وخرجوا من سورية لأسباب مختلفة، ومن كل المحافظات السورية، واجتمعوا على هدف رئيسي هو إسقاط النظام الاستبدادي بكل أركانه ومكوناته.

أسس المكتب ليقوم بالمهام التالية:

  • تقديم الدعم المعلوماتي والتواصل بين الثوار ومختلف اللجان والهيئات الثورية.
  • تطوير رؤية استراتيجية بالتشاور مع المكاتب الأخرى.
  • تنشيط وتطوير عمل الحراك الثوري على الأرض.

ويقوم بدور الوسيط الذي يساعد الإعلام العالمي في الحصول على مقابلات شهود عيان ونشطاء من الحراك الثوري للحصول على الدعم السياسي وطرح رؤيته السياسية من خلال ما يدور على الأرض.[15]

مواقفه خلال الثورة:

  • طالب بوقف كافة أنواع التفاوض مع الأطراف الإقليمية والدولية، في حال لم يتم التفعيل الفوري لاتفاق وقف إطلاق النار في سورية بشكل كامل وشامل.
  • أعلن رفضه القاطع للاتفاق الذي بين اللجنة الممثلة لحي الوعر وممثلين عن النظام بوساطة ضباط روس من قاعدة حميميم، والذي أدى لتهجير سكان حي الوعر إلى مناطق متفرقة من سوريا.
  • اعتبر قرار إغلاق مكتب رئاسة الائتلاف في القاهرة قرارا أرعن، وانحيازا تاما من الائتلاف لرؤية فصيل سوري معين وعدائه لنظام القاهرة، ويقصد هنا الإخوان المسلمين، في ظل حاجة الشعب السوري لكل الأصدقاء والإخوة ليعبر من هذا المضيق الحرج الذي هو فيه.

نشاطاته خلال الثورة:

سعى مكتب الحراك الثوري بالتنسيق مع باقي الكتل لتوحيد الكلمة وتنسيق العمل، وبناء على ذلك تم تأسيس لجنة للعمل المشترك تحت اسم لجنة العمل المشترك لقوى الحراك الثوري السوري، تم الإعلان عنها رسميا بتاريخ 19/6/2012، وتضم هذه اللجنة:

صالح الحموي – هادي العبد الله عن الهيئة العامة للثورة السورية.

مطيع البطين – واصل الشمالي عن المجلس الأعلى لقيادة الثورة.

جمال الوادي عن الحراك الثوري المستقل.

مهمتها:[16]

  • تشكيل غرف للتواصل مع الداخل.
  • تنظيم زيارات ميدانية للداخل السوري بشكل مستمر بهدف التنسيق والدعم.
  • ربط الثوار على الأرض مع خبراء وممولين وداعمين.
  • حشد الدعم للثورة السورية عن طريق تكثيف التواصل مع الأطراف الدولية والإقليمية.
  • المشاركة الفعّالة في المؤتمرات التي تخص الثورة السورية.

المجلـس الإسـلامي السـوري

هيئة مرجعية شرعية وسطية سورية، تسعى إلى جمع كلمة العلماء والدعاة وممثلي الكيانات الشرعية، وتوجيه الشعب السوري، وإيجاد الحلول الشرعية لمشكلاته وقضاياه، والحفاظ على هويته ومسار ثورته.

من أهداف المجلس الإسلامي السوري:

  • تكوين مرجعية شرعية دينية علمية للشعب السوري ولأهل السنة والجماعة من كافة الشرائح.
  • حشد الدعم للثورة في سورية والتعاون على ترشيدها والمحافظة على مكتسباتها.
  • توحيد الفتوى الشرعية في الأمور العامة، وإصلاح الشأن الديني بما يتناسب مع أحكام الشريعة ومقتضيات العصر.
  • تعزيز القواسم المشتركة وإبراز جوانب الاتفاق واحتواء الخلافات والسعي في حلها.
  • السعي لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وصونها من كل عبث وتحريف وتبديل، ومناهضة أفكار الغلو والتشدد.
  • توحيد الرؤى وتنسيق المواقف والجهود تجاه النوازل والقضايا الكبرى، والمحافظة على وحدة الدولة السورية، وترسيخ هويتها الإسلامية.[17]

مواقفه خلال الثورة :

  • ينظر لدور المجتمع الدولي تجاه الثورة بأنه متآمر، داعياً الثوار في الداخل لنبذ الفرقة وتوحيد الجهود والعمل بجد على تحقيق الوحدة فيما بينهم.
  • يدعو إلى ضرورة اختيار مفتي لسوريا من داخل المجلس.
  • لا يحوي المجلس أفرادا أو كيانات عسكرية، وذلك على اعتبار نوع الاختصاص في المهام والوظائف، وهذا لا يعني أن المجلس سينأى بنفسه عن التوجيه والإرشاد وبيان الموقف الشرعي فيما يتصل بالأمور العسكرية.
  • المجلس ليس بديلا عن أحد بل هو داعم للجميع وليس تشكيلا سياسيا، وليس له أي تنسيق مع الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية.
  • يسعى لتوحيد الموقف الصادر عن العلماء في الفتاوى والقضايا ذات الشأن السوري العام، وأمام الدول والمنظمات والهيئات الإقليمية والدولية.
  • شرعية المجلس تأتي من الشرع الإسلامي الحنيف والشعب السوري المسلم.
  • يعمل على تأكيد صورة التسامح التي عاشتها سوريا منذ 1400 عام، من تفاهم وتعايش مشترك بين كافة الأعراق والأديان.
  • لا مكان للفكر التكفيري داخل سوريا، والدولة الإسلامية ISIS تقوم بنشر هذا الفكر “لكونها مخترقة من قبل مخابرات النظام السوري، والمخابرات الإيرانية والعراقية”.
  • لا يشترط في أعضائه الانشقاق عن نظام الأسد.

المنتدى السوري للأعمال

المنتدى السوري للأعمال هيئة مستقلة غير ربحية، تضم مجموعة واسعة من رجال وسيدات الأعمال السوريين في داخل سورية وخارجها ممَّن اجتمعت إرادتهم ومبادئهم وتطلعاتهم لدعم الحراك الثوري ورؤية مستقبل مزدهر في سورية.

الأهداف:

  • تمكين وتنمية المجتمع المدني ومواصلة الاستثمار بمشروع الإدارة المحلية.
  • بناء القدرات وتوسيع الآفاق نحو مجتمع الفاعلية والتمكّن والاقتدار.
  • تعزيز الاكتفاء الذاتي من خلال دعم المشاريع التنموية.
  • طرح الحلول والسياسات في مسائل لها علاقة حيوية بالواقع السوري والسياق الإقليمي.
  • تعزيز الثقافة السياسية القادرة على بناء المؤسسات الديمقراطية في البلد. [18]

مهمة المنتدى ورؤيته للعمل[19]:

  • يسعي لضم أكبر عدد من رجال وسيدات الأعمال والاقتصاديين داخل وخارج سوريا، للمشاركة في دعم الثورة السورية.
  • يقوم بجميع الأنشطة الداعمة للثورة السورية وللشعب السوري ،مع المحافظة على سيادة ووحدة الدولة السورية والنسيج الوطني السوري بكافة مكوناته.
  • يشارك بفعالية في دعم ومواكبة ثورة الشعب السوري لتحقيق تطلعاته، والتمتع بحقوقه الإنسانية في الكرامة والحرية.
  • التعاون والتنسيق مع المنتديات والجمعيات والمؤسسات العاملة في الميدان الاقتصادي ذات الرؤى والأهداف المشتركة التي تدعم الثورة السورية، أو التي تساعد في إحداث نهضة اقتصادية في سوريا.
  • يشارك في وضع رؤية للاقتصاد السوري في المرحلة المقبلة، وما يلزمها من دراسات واستراتيجيات وخطط وأفكار.

المكون التركماني

تنظيمات سياسية تعبر عن تطلعات التركمان السوريين وعن نهجهم، وكذلك تطالب بحقوقهم على مستوى المعارضة السورية وفي المحافل السياسية المختلفة، واستجابةً لهذه الحاجة الضرورية، انطلقت بعض الأحزاب التركمانية مثل: “الحركة التركمانية الديمقراطية السورية” و “الكتلة الوطنية التركمانية السورية”.

وقد أكدت هذه التنظيمات السياسية على تمسكها المبدئي بوحدة الأراضي السورية، والمطالبة بحقوق القومية التركمانية ضمن سقف الوطن السوري الذي يضم كلّ السوريين دون إقصاء أو تهميش لأحد، كما سعت إلى تمثيل التركمان ضمن الهيئات السياسية المعارضة لحكم النظام الأسدي، حيث أخذت الحركة التركمانية الديمقراطية السورية والمجلس السوري التركماني تسعة مقاعد في عضوية المجلس الوطني السوري، كما تمثلت الكتلة الوطنية التركمانية بسبعة مقاعد.

وعند تشكيل الائتلاف الوطني السوري تمثّل التركمان فيه بثلاثة ممثلين، اثنان منهم ينتمون إلى الحركة التركمانية الديمقراطية السورية والكتلة الوطنية التركمانية، وأما الثالث فهو شخصية تركمانية مستقلة[20].

المجلس الوطني الكردي

تتوزّع جماعات المعارضة الكردية السورية بين ثلاث هيئات: المجلس الوطني الكردي في سوريا والمجلس الوطني السوري وهيئة التنسيق الوطني للتغيير الديمقراطي، إلا أن أغلب الأعضاء ينتمون للمجلس الوطني الكردي الذي يعتبر مظلة جامعة للأحزاب الكردية.

تشكّل المجلس الوطني الكردي في سورية في 26 تشرين الأول 2011 وتم وضع البرنامج السياسي برعاية مسعود بارزاني رئيس حكومة إقليم كردستان العراق، وينص على:

  • الاعتراف الدستوري بالهوية القومية الكردية وبـ “الشعب الكردي الذي يعيش على أرضه التاريخية”.
  • إلغاء السياسات والقوانين المطبّقة على أكراد سورية، بما في ذلك حظر استخدام اللغة الكردية وإنشاء المدارس الكردية والتعويض على المتضررين حتى الآن.
  • تحقيق اللامركزية السياسية في الحكم في سياق وحدة الأراضي السورية.[21]

منبر النداء الوطني

تم إنشاؤه عام 2012 نتيجة اندماج فصيلين سياسيين هما “المنبر الديمقراطي السوري” و “حركة النداء الوطني” تحت شعار “حريّة، مواطنة، مساواة”، وذلك لتأسيس حاضنة لإطلاق مشروع الدولة الديمقراطية التعددية المستقلة ذات السيادة مع قناعته بأن لا حل عسكري في سوريا.

يدعو للعودة إلى أهداف الثورة الأولى ومواجهة التطرّف والإرهاب، إرهاب السلطة الاستبدادية كما إرهاب التنظيمات الجهاديّة، واستعادة استقلال القرار الوطني السوري عبر خلق جبهة عريضة من كلّ الوطنين الديمقراطيين في سوريا، ثمّ لإنجاح العمليّة السياسيّة وخروج المقاتلين الأجانب وعزل المتطرّفين وإرساء مرحلة انتقاليّة على أسس سليمة تهدف إلى إعادة اللحمة للوطن ووقف القتال وإطلاق سراح المعتقلين والمصالحة الوطنيّة ومعاقبة مجرمي الحرب قانونياً، وإعادة المهجّرين قسريّاً. هذا يتطلّب بالضرورة إعادة إحياء المجتمع المدني، أحد حوامل الثورة الأساسية، وتنشيط دوره على صعيد كافّة البلدات والقرى والمحافظات والمناطق.

أكد المتحدث باسم الجمعية العمومية للمنبر الديمقراطي حازم نهار بأن المنبر “ليس كتلة سياسية أو حزباً سياسياً منافساً لأي من تكتلات المعارضة السورية، بل هو ساحة لبناء التوافقات والمشتركات بين السوريين من أطياف سياسية عديدة”، وشدد على أن تمويل نشاطات المنبر لن يتم إلا عبر مال نظيف لرجال أعمال سوريين فقط [22].

المجالس المحلية لكافة المحافظات

 مؤسسة مدنية ليس لها علاقة بأمور العسكرة والكتائب، إنما تعنى بتأمين طلبات الناس وحاجياتهم وتحاول تأمين البنى التحتية في المناطق المحررة.

تتنوع طريقة تشكيل وتعيين أعضاء المجالس المحلية في سوريا بين انتخاب وتوافق وتعيين ومبادرة فردية، وبحسب مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، فإنَّ معظم المجالس تشكلت عبر التوافق المحلي، حيث أشارت نسبة 57 % من السكان إلى ذلك، فيما انخفضت نسبة التعيين عن طريق الانتخاب إلى 38 %، بينما بقيت النسبة المتبقية والتي لا تتجاوز الـ 5 % للتعيين عن طريق المبادرات الفردية.

أهداف المجالس المحلية:

تهدف المجالس المحلية في المرحلة الحالية إلى سد الفراغ الذي تركته الدولة الغائبة، من خلال تقديم الخدمات المدنية لأكبر قدر ممكن من الأفراد بأفضل طريقة ممكنة، على أن تكون نواة البلديات المستقبلية، والتي ترتبط بالحكومة المؤقتة.[23]

حركة المجتمع التعددي السورية

أطلقها عدد من نشطاء الثورة والحراك السياسي السوري في باريس برئاسة رندا قسيس، حيث أصدرت الحركة بياناً صحافياً أكدت فيه أنها جزء من الحراك الثوري العام بكافة أشكاله، وأكدت فيه دعم نضال الشعب السوري في بناء دولة مدنية ديمقراطية تعددية استنادا إلى الحكم الدستوري الذي يقر حقوق كافة مكونات المجتمع السوري دون تمييز[24] .

أنشأت الحركة العديد من المكاتب في مدن وعواصم العالم، وذلك لتهيئة كوادر وتشكيل لجان تكون جاهزة للدخول في تفاصيل الحلّ السياسي ومتطلباته، وذلك على المستوى السياسي والاجتماعي والإنساني ومن بين هذه المكاتب: مكتب تركيا ورئيسه الدكتور أحمد حلاق، مكتب باريس ورئيسه الأستاذ ياسين عضيمه، مكتب الأمريكيتين ورئيسه الأستاذ بسام بيطار، مكتب ألمانيا ورئاسته مشتركة بيند.لوسيان دبيسي و أ.عدنان دالي[25].

رؤيته وتوجهاته السياسية[26]:

 الهدف الأساسي للحركة هو إنعاش الحل والعملية السياسية للتوصل إلى اتفاق ووضع دستور جديد وعصري وعلماني يكفل للجميع حق المواطنة، كما يعد رحيل الأسد أحد المطالب، ولكنه ليس النقطة الرئيسية.

النقطة الرئيسية لديهم هي الدستور ومن ثم صلاحيات الرئيس، فهم يطالبون بفصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وأخذ جزء كبير من صلاحيات رئيس الجمهورية السورية، سواء أكان الرئيس بشار الأسد أو غيره.

الاتفاق على القضاء على الإرهابيين هو السبيل الوحيد للانتقال إلى العملية السياسية.

الدور الروسي هو جزء مهم في الحل السياسي بسوريا، والاتفاق الروسي الأمريكي بشأن حل الأزمة في سوريا هو الأساس، عند تحقيق هذه الخطوة يمكن بعد ذلك الحديث عن دور الدول الأخرى الجانبية الموجودة في المنطقة.

تيار بناء الدولة

تيار سياسي اتفق على تشكيله مجموعة من السوريين لا يشتركون بالضرورة بخلفية نظرية أو أيديولوجية واحدة في 10 أيلول 2011 في دمشق على يد الناشط والكاتب لؤي حسين.

سياسة التيار إزاء الأزمة:

  • يرفض التيار أي نوع من التدخّل الخارجي وخاصة العسكري.
  • يرفض تسليح المعارضة.
  • يرفض تأسيس حكومة في المنفى.
  • يدعم إقامة حوار مع النظام عندما يوقف هجماته المسلحة.
  • يدعم خطة أنان للسلام.

المحور الثالث: مسار جنيف منذ 2012

لم يأت المسار التفاوضي نتيجة قناعة الطرفين المتصارعين، أي النظام والمعارضة، بالحوار للتوصل إلى حلول سياسية أو تفاوضية، بل نتيجة لضغوطات خارجية حيث أن النظام رفض ومنذ بداية الثورة السورية أي شكل من أشكال التفاوض إلا تحت السقف الذي يضعه بنفسه، ولا يزال يواجه السوريين بعد سبع سنوات بالوسائل القمعية والإقصائية، كذلك المعارضة ونتيجة لعدة عوامل، من بينها عدم قناعتها بجدية الطرف المقابل وانقسامها وضعفها السياسي والدبلوماسي وعدم احتكاكها بالشارع الذي تمثله، لم تكن ترغب بالدخول بهذه المفاوضات.

كذلك فإن الأطراف الدولية والإقليمية، والتي تساند كل واحد من الطرفين المتصارعين (النظام والمعارضة)، لم تشتغل على حسم الصراع أو وقفه للتفرغ للمفاوضات، وإنما على تسعير الصراع المسلح والإبقاء عليه لفرض إملاءاتها على الأطراف الأخرى، من دون مبالاة بمعاناة السوريين ولا بالأثمان الباهظة المدفوعة في هذا الصراع بأشكال مختلفة[27].

بداية المفاوضات في جنيف كانت باستضافة مكتب الأمم المتحدة بمدينة جنيف في سويسرا يوم 30 حزيران (2012) اجتماعاً لـ “مجموعة العمل من أجل سوريا” ،بناء على دعوة كوفي أنان مبعوث الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى سوريا في ذلك الوقت ،وأصدرت بيان جنيف1 من ستة نقاط لحل الأزمة السورية، ولكن لم يتم تطبيق البيان، وذلك بسبب الاختلاف بين  روسيا وأمريكا على تحديد مصير رئيس النظام السوري فأمريكا فسّرت المؤتمر بأنه يمهد لما بعد الأسد، وروسيا قالت بأن البيان لم يتحدث عن مصير الأسد، وما يزال مؤتمر جنيف1 حتى الآن الوثيقة السياسية الوحيدة  حول سورية  الحائزة على توافق دولي وعربي وإقليمي، مكلُّلةُ بموافقة مجلس  الأمن.

في جنيف2 (2014)، شاركت في المؤتمر أكثر من أربعين دولة ومنظمة، بهدف نقاش كيفية تنفيذ بيان جنيف1 الصادر في 30 يونيو 2012، والذي يشمل “الحكومة الانتقالية” وإنهاء الحرب وبدء العمل حول تأسيس الجمهورية السورية الجديدة، وقد فشل المؤتمر واعتذر المبعوث الدولي إلى سوريا، الأخضر الإبراهيمي، للشعب السوري عن عدم تحقيق شيء في المفاوضات، مرجعاً ذلك لرفض النظام السوري مناقشة بند هيئة الحكم الانتقالي، وذلك في مؤتمر صحافي عقده بعد الجلسة التي تعد الأقصر في مفاوضات “جنيف2”.

وقال الإبراهيمي: إن وفد النظام السوري أصر على مناقشة الإرهاب، بينما أصرت المعارضة على مناقشة هيئة الحكم الانتقالي، مشيراً إلى أن وفد النظام رفض مناقشة ثلث ما جاء في أجندة التفاوض[28]. وطبعاً لم يتم تطبيق وقف إطلاق النار ولا الإفراج عن المعتقلين، ولا السماح للمساعدات الإنسانية بالوصول إلى المناطق المحتاجة والخاضعة للحصار.

أما مفاوضات جنيف3 (2016)، فقد عقدت بإشراف المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا، الذي عين بعد استقالة الأخضر الإبراهيمي، الذي خلف كوفي عنان في هذا المنصب، وفي ظل صعود المعارضة المسلحة وتضعضع النظام، وهو الوضع الذي استدرج تدخلاً عسكرياً روسياً، بواسطة الطيران الحربي (أيلول/ سبتمبر 2015). والحال أنه عقدت هذه المفاوضات تحت سقف سياسي مختلف عن السابق، ووفقاً للقرار 2254، الذي تم التوافق عليه بين أطراف دولية وإقليمية (أهمها الولايات المتحدة وروسيا وتركيا والسعودية) في فيينا (أواخر 2015)، والتي توصلت إلى خطة طريق لحل سياسي في سورية (خلال 18 شهراً) بقيام حكومة مشتركة، أو هيئة حكم ذات مصداقية، من النظام والمعارضة، تشمل الجميع وغير طائفية، واعتماد مسار لصياغة دستور جديد لسورية، مع تجاهل مصير الرئيس الأسد.

لم تنجح هذه الجولة التفاوضية أيضاً، إذ أصرت المعارضة على تنفيذ الشق الإنساني من القرار 2254، لجهة فك الحصار عن المناطق المحاصرة، وإطلاق سراح المعتقلين، وتسهيل دخول مساعدات إنسانية للمحاصرين، لكن النظام لم ينفذ ذلك متسلحا بالتدخل الروسي، الذي غير المعادلات على الأرض لمصلحته.

مفاوضات جنيف 4 استمرت حوالي عشرة أيام وانتهت دون نتائج تذكر بشأن إمكان تحقيق نقلة في الصراع السوري الدامي والمدمر، إذ ما زال النظام يصرّ على عدم التقدم ولو خطوة واحدة باتجاه التفاوض على التغيير السياسي، أو المرحلة الانتقالية، بحسب مضمون بيان جنيف 1 (2012)، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وخاصة القرارين 2218 و2254 اللذين رسما “خريطة طريق” لوقف الصراع السوري.

وذلك رغم أن المعارضة قدمت قبل ذلك التنازل المطلوب منها، وهو القبول بما يسمى حكومة مشتركة مع النظام، التي قد يفهم منها القبول بوجود بشار الأسد في المرحلة الانتقالية بصلاحيات بروتوكولية.

وكذلك جنيف5، رغم وصفها بأنها جدية وتفاعلية من قبل الأطراف المتفاوضة، إلا أنها انتهت بدون نتائج وبالتلويح بموعد جنيف6، وقد استغرقت 8 أيام بدءاً بـ 23 أذار 2017، وتعمل الأطراف المختلفة لتحقيق اتفاق سياسي لتسوية سياسية وفق بيان جنيف-1 (عام 2012) والقرار الأممي 2254، وفي سبيل ذلك تناقش السلال الأربعة التي وضعها المبعوث الدولي ستيفان ديمستورا، وهي الحكم غير الطائفي، والدستور، والانتخابات، ومكافحة الإرهاب.

أما مفاوضات جنيف 6 ،فقد تميزت بتقديم وثيقة من قبل ديمستورا تتعلق بالآلية التشاورية لإعداد الدستور، وذلك لضمان عدم وجود فراغ دستوري أو قانوني في أي مرحلة خلال عملية الانتقال السياسي المتفاوض عليها، ويترأس الآلية مكتب المبعوث الأممي الخاص مستعيناً بخبراء تابعين له، إضافة إلى خبراء قانونيين تسميهم الحكومة والمعارضة المشاركتان في مباحثات جنيف, إلا أن اعتراض وفد المعارضة أدى إلى سحبها وانتهت المفاوضات في ظروف دولية استثنائية ،ولم تدم أكثر من ثلاث أيام دون أي نتائج تذكر رغم أنها جاءت بعد اتفاق خفض التصعيد في أستانا ،حيث كان من المؤمل أن يحصل اختراق سياسي خلال هذه الجولة. 

المحور الرابع: مسار أستانا

أستانة هي عاصمة كازاخستان منذ عام 1998. أنشأها الرئيس نور سلطان نزارباييف بعد استقلال كازاخستان لتصبح عاصمة البلاد بدلاً من مدينة آلما أتا الحدودية.

بعد إخلاء أحیاء حلب الشرقیة بضمانة روسیة-تركیة في أواسط كانون الأول/ دیسمبر 2016، بدأ مسار تفاوضي موازي في العاصمة الكازاخیة أستانة، وحضره ممثلون عن النظام وعدد من أبرز الفصائل العسكریة التي تقاتل ،و يھدف إلى تثبیت وقف إطلاق النار بین النظام والمعارضة.

عقدت أولى جولات أستانة في 23 و24 كانون الثاني/ینایر 2017 برعایة تركیا وروسیا وإیران، وتضمن بیانھا الختامي ضرورة وضع آلیة لمراقبة تثبیت وقف إطلاق النار، الذي یستثني داعش وجبھة النصرة، والذي دعَم المباحثات السیاسیة في جنیف برعایة الأمم المتحدة.

استمرت المعارك على مختلف جبھات القتال في سوریا، ورغم ذلك لا تزال الدول الفاعلة في الملف السوري تعتبُر وقف إطلاق النار ساریاً. عُقدت جولة أستانة 2 في 16 شباط/فبرایر، وأستانة 3 في 15 آذار/مارس، بھدف تثبیت وقف إطلاق النار، غیر أن المعارك لا تزال مستمرة، وبلغت سویات عالیة من العنف في محطات متتالیة، أبرزھا معارك وادي بردى وغوطة دمشق وأحیاءها الشرقیة التي بدأتھا قوات النظام ، ونجحت عبرھا في إخلاء وادي بردى عبر اتفاق تھجیر، ومعارك حي المنشیة في درعا وحیي جوبر والعباسیین في دمشق وریف حماة الشمالي، التي بدأتھا فصائل المعارضة.[29]

في أستانا 4 تم الاتفاق بين تركيا وروسيا وإيران على إنشاء مناطق منخفضة التصعيد في 4 مناطق بسوريا، إلا أن المعارضة السورية احتجت مؤكدة رفضها لأي اتفاق يكون لـ إيران دور فيه، أو أن تكون حتى دولة ضامنة، معتبرة أنها دولة قاتلة للشعب السوري ولا يمكن أن يقبل بأي دور لها”، كما أبدت رفضها لأي اتفاق ما لم يكن مستندا إلى القرارات الدولية، إلا أن الاتفاق ساري المفعول منذ توقيعه وتشهد الساحات هدوء نسبيا رغم بعض الاختراقات في مناطق وأوقات متفرقة.[30]

اعترضت العديد من الفصائل ورفضت المشاركة في المؤتمر الخامس بسبب استمرار القصف ومحاولات التقدم على العديد من المناطق، مما دفع لتخفيض تمثيل الفصائل، ولم يتمخض عن الاجتماع أكثر من بيان يقول بأن الاتفاق لم يكتمل بعد، ويدعو لاجتماع قادم قريب قد يختلف مكان انعقاده إرضاء لبعض الأطراف وتثبيتا لموقفها، ومما لوحظ في هذا الاجتماع إبداء كل من روسيا والأمم المتحدة استعدادهم لإرسال قوات مراقبة وفصل كما يحلو لهم تسميتها لتنتشر على حدود مناطق خفض التصعيد وذلك بأسرع وقت ممكن.

الخاتمة

مرت المعارضة السورية بالكثير من التجارب خلال الثورة السورية، وأنتجت عدداَ من الهيئات في محاولة لتمثيل الشعب السوري تمثيلاً حقيقياً في المحافل الدولية، إلا أن الكتل المكونة لها ارتكبت عددا من الأخطاء والتجاوزات ودخلت في تناحر واختلاف بيني أثّر على صورتها لدى الشارع السوري أولا، ومن  ثم لدى الدول الإقليمية والدولية الصديقة والحليفة ثانيا ،إلا أننا يجب ألا ننكر أنها تعمل في ظروف استثنائية في ظل انعدام الموارد, وإدارة الشؤون السياسية من خارج أراضيها, عداك عن اختراق أجهزة المخابرات العالمية لهذه الكتل وتسييسها وفق مصالحها المتضاربة في كثير من الأحيان، ورغم ذلك فقد حققت تقدما ملحوظا بالتوازي في كل من مسار جنيف ومسار أستانا من حيث جديتها في الدخول في المفاوضات، والبحث عن مخرج حقيقي للحرب الدائرة في البلاد منذ أكثر من ست سنوات، وبناء على ذلك يمكن تقديم التوصيات التالية:

  • يجب العمل على توحيد أهداف الكتل والتيارات السياسية السورية المعارضة ضمن الهيئة العليا للمفاوضات للوصول للغاية المشتركة والانتقال السياسي المنشود.
  • الاقتراب من الشارع السوري بشكل أكثر فاعلية ،من خلال إنشاء المكاتب التي تمثل هذه التيارات السياسية للتعريف بأهدافها ومخططاتها ،والعمل بالتوازي على إقامة المشاريع للنهوض بالمجتمع السوري.
  • الموازنة بين مصالح الدول الفاعلة في الملف السوري ومصالح الشعب السوري نفسه بحيث تتماهى للوصول لنهاية حقيقية للحرب في سوريا.
  • وضع الأساس والتصور المشترك للنظام السياسي الذي ينشدون الوصول إليه من خلال المرحلة الانتقالية.
  • تدريب وتأهيل الكوادر التي من المفترض أن تشترك في إدارة الدولة خلال وبعد المرحلة الانتقالية.

[1] كلمة رئيس الوزراء السوري السابق المنسق العام للهيئة العليا للمفاوضات الدكتور رياض حجاب التي ألقيت في اجتماع مجموعة باريس في مدينة ميونخ، الخميس ١١ شباط ٢٠١٦ http://www.riadhijab.com/hnc

[2] المبادئ الرئيسية لوثيقة “عهد وميثاق”

  • بناء دولة تقوم على دستور مدني، قائم على توافقية وطنية، تضعه جمعية تأسيسية منتخَبة، ويضمن التمثيل العادل لكل مكونات المجتمع.
  • دولة ديمقراطية تعددية تداولية، ذات نظام حكم جمهوري نيابي، يختار فيها الشعب من يمثله ومن يحكمه.
  • دولة يتساوى فيها المواطنون جميعاً، ويحقّ لأيّ مواطن فيها الوصول إلى أعلى المناصب، كما يتساوى فيها الرجال والنساء، وتتمتع فيها المرأة بحقوقها الكاملة.
  • دولة تلتزم بحقوق الإنسان كما أقرتها الشرائع السماوية والمواثيق الدولية، وتمنع التعذيب وتجرمه.
  • دولة تقوم على فصل السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، وتكون القوات المسلحة وأجهزة الأمن فيها لحماية الوطن والشعب، وليس لحماية سلطة أو نظام، ولا تتدخل في التنافس السياسي بين الأحزاب والقوى الوطنية.

[3] جماعة الإخوان المسلمين، مركز كارينغي للشرق الأوسط http://carnegie-mec.org/syriaincrisis/?fa=48396

[4] الإتلاف العلماني الديمقراطي السوري، الجزيرة تقارير وحوارات https://goo.gl/GCnktm

[5] بيان الاجتماع التشاوري للائتلاف العلماني الديمقراطي السوري المنعقد في مدينة بون بالمانيا، الحوار المتمدن، العدد: 3429، تاريخ النشر 17/ 7/2011 http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=267599

[6] إعلان دمشق، مركز كارينغي للشرق الأوسط http://carnegie-mec.org/syriaincrisis/?fa=48515

[7] حزب الشعب الديمقراطي السوري، مركز كارينغي للشرق الأوسط http://carnegie-mec.org/syriaincrisis/?fa=48398

[8] المجلس الأعلى لقيادة الثورة السورية، مركز كارينغي للشرق الأوسط http://carnegie-mec.org/syriaincrisis/?fa=50820

[9] حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي في سوريا http://www.ettihad-da.com/?page_id=2

[10] الاتحاد الاشتراكي العربي، أصوات سوريا http://www.dp-news.com/aswatsouria/syrian-political-parties.aspx?party-id=7

[11] حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي، الائتلاف الوطني قوى الثورة والمعارضة السورية https://goo.gl/HNWQKE

[12] مثقفون سوريون يؤسسون حركة “معا من أجل سوريا حرة وديمقراطية” سيد محمود، الأهرام، تاريخ النشر 24/6/2011

http://gate.ahram.org.eg/News/86328.aspx

[13] الكتلة الوطنية، مركز كارينغي للشرق الأوسط http://carnegie-mec.org/syriaincrisis/?fa=48410

[14] تيار مواطنة، تاريخ النشر 6/12/2012 http://www.mouatana.org/%D9%85%D9%86-%D9%86%D8%AD%D9%86

[15] مكتب الحراك الثوري، الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية https://goo.gl/mrJMtp

[16] فريش أونلاين https://goo.gl/BVg2XG

[17] المجلس الإسلامي السوري http://sy-sic.com/?page_id=9

[18] المنتدى السوري للأعمال www.syrianforum.org/من-نحن؟.html

[19] المنتدى السوري للأعمال، المهمة والرؤية http://www.syrianbf.org/ar/node/10

[20] المكون التركماني، الإتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية https://goo.gl/gYSGvw

[21] المجلس الوطني الكردي في سوريا، مركز كارينغي للشرق الأوسط http://carnegie-mec.org/syriaincrisis/?fa=48504

[22] منبر النداء الوطني، الوثيقة السياسية http://syriandemocraticforum.org/?p=252

[23] المجالس المحلية السورية، الائتلاف الوطن لقوى الثورة والمعارضة السورية https://goo.gl/m3hptE

[24] تأسيس حركة المجتمع التعددية بباريس، العربية، تاريخ النشر 12/10/2012 https://www.alarabiya.net/articles/2012/10/12/243308.html

[25] حركة المجتمع التعددي  http://mspsy.org/ar/%D9%85%D9%83%D8%A7%D8%AA%D8%A8%D9%86%D8%A7/

[26] إنعاش العملية السورية هو الحل للوصول إلى اتفاق حول سوريا، موسكو- سبوتنيك، تاريخ النشر 25/11/2016 https://goo.gl/wUm9hA

[27] من جنيف1 إلى جنيف4 مراجعة لمسلسل المفاوضات https://goo.gl/sPvaWc

[28] مؤتمر جنيف الثاني من أجل سوريا، المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام، تاريخ النشر 15/9/2015 https://goo.gl/HYeV24

[29] مسار المفاوضات السورية، محطات وتواريخ، مركز الجمهورية للدراسات، تاريخ النشر 7/11/2017 http://aljumhuriya.net/37536?print=print

[30]اتفاق استانة الذي تم التوقيع عليه بين الفاعلين الروسي والإيراني والتركي

تطور العلاقات السورية الإيرانية

تطور العلاقات السورية الإيرانية

الحلف السوري الإيراني تطور تاريخي لسلسة من العوامل عززته الأحداث الأخيرة وحاجت كل منهما للأخر لتحقيق مصالحه تحول لهيمنة إيراني خفف من وطئتها التواجد الروسي في المنطقة.

المقدمة

“الحلف السوري الإيراني” هذا المصطلح يعتبر من البديهيات، حيث يجري تداوله في معظم مراكز الأبحاث، ووسائل الإعلام، وبات العالم العربي والدولي مقتنعا أنّ إيران وسوريا أقامتا حلفاَ موحد الأهداف والاستراتيجية والوسائل يتممه تعاونهما مع حزب الله في لبنان ما يشكل جزءاً مما أطلق عليه اسم “الهلال الشيعي” ذي المرجعية والأهداف الطائفية، وتعتبر علاقات طهران بدمشق هي العلاقات الوحيدة مع دولة عربية التي انتقلت منذ انتصار الثورة من تفاهم مصالح، وتبادل منافع سياسية إلى تحالف استراتيجي، التزمت من خلاله سوريا بالوقوف إلى جانب إيران ضد العراق خلال سني الحرب 1980 -1988، وإن تخللها ضمن فترة حكم حافظ الأسد بعض التضارب في المصالح، والصراع على النفوذ، ووصلت الذروة خلال ما سميت حرب الأشقاء في لبنان، والتي تقاتل فيها الفصيلان الشيعيان حركة أمل وحزب الله.

فما هي طبيعة العلاقة التي تحكم النظامين؟ وكيف تطور مسار العلاقات السورية الإيرانية؟ وما الأسباب التي تساعد على تفسير التمسك الإيراني بالنظام السوري؟ وما مدى إمكانية تغيير السلوك الإيراني من قبل روسيا؟ لاسيما في ظل نشاط الدور التركي ومحاولة إيجاد حل سياسي.

تاريخ العلاقات السورية الإيرانية

بدأت سوريا بعد ثورة الخميني بالتوجه نحو إيران نتيجة تظافر عوامل عدة، منها انحدار علاقاتها مع العراق والعزلة التي كانت تعيشها لا سيما بعد توقيع مصر لاتفاق كامب ديفيد مع إسرائيل، ويأتي التحالف الإيراني-السوري على رأس أولويات مشروع إيران الإقليمي، فمن خلاله يمكن لطهران ربط سلسلة جغرافية متصلة من النفوذ الإقليمي تبدأ من غرب إيران مروراً بالعراق وصولاً إلى سورية، التي تربط النفوذ الإيراني وصولاً إلى لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة.

لم تهتز العلاقات الإيرانية-السورية بعد وفاة الرئيس السوري السابق حافظ الأسد عام 2000، واستمر التحالف بين البلدين قائماً تحت قيادة بشار الأسد، وجاء انسحاب إسرائيل من لبنان في منتصف عام 2000 ليسوق إنجازاً كبيراً للتحالف الإيراني-السوري، الذي بدأ يشكل ضغطاً معنوياً على الدول الداعمة لعملية التسوية السياسية للصراع العربي الإسرائيلي، وحرصت كل من طهران ودمشق على إدانة أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وعلى التعاون لوجستياً ومعلوماتياً مع واشنطن لمكافحة التنظيمات الإرهابية، وفي لبنان كان مشروع “الإعمار” الذي قاده رفيق الحريري يسير جنباً إلى جنب مع مشروع المقاومة تحت زعامة حسن نصر الله، وكانت سورية مستمرة في لعب دور الحكم بين الأطراف المختلفة.[1]

ثم جاء احتلال العراق 2003 ليقلب التوازنات في المنطقة رأساً على عقب، ، حيث تحكمت إيران عبر حلفائها في بغداد بمقادير السياسة العراقية لأول مرة في التاريخ الحديث، وبالإضافة إلى أدوات سياستها الخارجية التقليدية مثل التحالف مع النظام السياسي في سورية وحزب الله في لبنان وانفتاحها على السعودية، استثمرت إيران الفرصة السانحة في العراق لفرض نفوذ إقليمي غير مسبوق يمتد من حدودها الغربية مروراً بالعراق وسورية وجنوب لبنان ليصل إلى الجليل الأعلى، وفي حين كانت دمشق عرضة لضغط أميركي كبير في مسألة العراق وذلك لأنها فتحت حدودها لعمليات الجهاديين ضد الأمريكان، كانت إيران بمنأى عن الانتقاد، لأن حكام بغداد الجدد حرصوا على البقاء في مربع تقاطعات المصالح الأميركية الإيرانية، كما أنّ سورية وبرغم حدودها الجغرافية مع العراق لا تملك امتدادات سياسية هناك، على العكس من إيران التي تملك امتداداً سياسياً وعرقياً وطائفياً في العراق، وهكذا ولأول مرة في تاريخ التحالف الإيراني-السوري بدأ الفاعل الإيراني يتفوق بالتخطيط والاستراتيجية على حساب الفاعل السوري.

 ولم تتوقف الخسائر السورية عند هذا الحد فقط، بل أظهرت الأحداث في لبنان تهديدات مبطنة لدور سورية الإقليمي بسبب صدور القرار الدولي 1559 الذي يطالب سورية بسحب قواتها من لبنان، وينزع سلاح الميليشيات المسلحة من هناك، وفي حين اقتربت التهديدات من سورية أكثر، فقد كانت إيران تتعامل باسترخاء مع القرار الجديد لعدة أسباب:

  • أنّ متاخمتها لكل من أفغانستان والعراق ودورها الإقليمي فيهما وضع أوراقاً ممتازة للضغط بيدها.
  • حليفها اللبناني حزب الله قد فرض حضوره وبقوة على الساحة السياسية والعسكرية، ونزع سلاحه -رغم القرار الدولي-بدا أمراً مستبعداً.
  • التوافق الإيراني-السعودي في لبنان عبر الحلفاء المحليين لم يعد يرتبط بالضرورة بالدور السوري كحكم بين الفرقاء.
  • حزب الله حليف إيران الذي يمثل الشطر الأعظم لطائفة لبنانية كبرى، في حين لا تملك سورية مثل هذا الحليف هناك.[2]

ومع بداية الحراك الثوري في سوريا اكتفت إيران بالمراقبة إلى أن أعلنت بأنّ ما يحدث أمر داخلي سوري ولا يجوز التدخل فيه من قبل أي طرف، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد اتهمتها بمساعدة نظام الأسد في دمشق على قمع المظاهرات، رغم دعوة الرئيس الإيراني بشار الأسد إلى وقف استخدام العنف ضد المحتجين، وفي رد على الولايات المتحدة والدول الداعمة للحراك الثوري في سوريا الذين اتهمتهم طهران بالسعي لإسقاط نظام الأسد قامت طهران بتوقيع اتفاق للتبادل الحر مع دمشق.

وخلال العام 2012 تمكن الجيش السوري الحر من توقيف 48 إيرانيا في سوريا بتهمة الانتماء للحرس الثوري الإيراني، في حين أكدّت إيران أنهم من الزوار للمراكز المقدسة رغم اعترافها في وقت لاحق بأنّهم من متقاعدي الجيش والحرس الثوري.

ازدادت وتيرت التدخل الإيراني مع تصاعد العنف، وتحول الثورة السلمية إلى مسلحة تحت ضغط الحاجة للدفاع عن النفس من بطش نظام الأسد، وخلال الحرب الممتدة منذ 6 سنوات قتل العديد من الجنرالات وأصحاب الرتب العالية في المعارك الدائرة في سوريا ومن الصعب تقدير خسائر إيران البشرية في سوريا، حيث تحتفظ إيران بهذه المعلومات لدى “هيئة حماية القيم المقدسة” التابعة لرئاسة الأركان الإيرانية.

لكن “عين الله تبريزي”، المستشار في “فيلق كربلاء”، التابع لـ”الحرس الثوري”، اعترف بمقتل ألف و200 عسكري تابع لقوات بلاده في سوريا منذ عام 2012.[3]

طبيعة العلاقة بين الدولتين

تكرر اصطلاح “الحلف السوري الإيراني” من قبل سياسيين ومحللين وصحافيين عرباً كانوا أم غربيين حتى كاد هذا المصطلح يعتبر من البديهيات معتبرين أنّه الحلف المواجه لحلف آخر من “المعتدلين العرب” وعلى رأسهم مصر والسعودية بدعم أميركي وأوروبي، يتممه تعاونهما مع حزب الله في لبنان مما يشكل جزءاً مما أطلق عليه اسم (الهلال الشيعي) ذي المرجعية والأهداف الطائفية، والذي من شأنه أن يعيد المسلمين إلى صراعات طائفية عمرها أربعة عشر قرناً ويسيسها ويستفيد منها لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية تصب في مصلحة الحلم الإيراني ببناء دولة إقليمية كبرى لها الحق بالهيمنة على دول المحيط العربية والآسيوية والمشاركة في تقرير مصيرها.[4]

النظام الإيراني يتطلع إلى دور إقليمي فعال يتعزز بالهيمنة على المنطقة، وعلى هذا الأساس أقام شبكة من القوى الداعمة له في بلدان المنطقة المحيطة العربية والأجنبية، وتعافى اقتصادياً وقوي عسكرياً، وبعد الاحتلال الأميركي لأفغانستان انتزع النظام الإيراني دوراً في أفغانستان معتمداً على أسس طائفية.

كما فرض هيمنته على القوة الرئيسية المؤثرة في شؤون العراق بعد الغزو الأميركي، حيث حكام العراق الرئيسيون من أنصار إيران فضلاً عن علاقته المتينة جداً بحزب الله في لبنان، وبحركة حماس الفلسطينية، وبهذا أصبح لإيران سياسة واضحة، ومواقع متجذرة في هذه البلدان، واعتبرت سوريا هي خط الدفاع الأمامي لإيران لأنّ سقوط سوريا مقدمة لسقوط دورهم، فأمن إيران يتعزز بالسيطرة على سوريا، ومن الأسباب التي تدفع إيران للتمسك بالورقة السورية:

  • تعتبر سوريا الحلقة التي تتصل بها إيران مع باقي الدول العربية.
  • أي خلل في العلاقات السورية – الإيرانية سينعكس سلبا على موقف حزب الله في ظل الدور الذي تلعبه سوريا في العلاقات الإيرانية مع حزب الله.
  • نظرت النظامين الإيراني والسوري للاتحاد الأوربي والولايات المتحدة متطابقة باعتبارهم محور متأمر يهدف لتدميرهما.
  • نظرية الممانعة والمقاومة الدعائية شعار مشترك يجمع إيران وسوريا وحزب الله اللبناني.

أما أهمية التحالف الاستراتيجي مع إيران بالنسبة لسوريا فتنبع من عدة اعتبارات:

  • وَقَفَ العرب، ولا سيما دول الخليج العربي، إلى جانب المعارضة السورية المطالبة برحيل النظام ما أعطى النظام ورقة قوة بتحالفه مع إيران لمحاولة تبديل موقفهم لصالح تخفيف قبضة إيران في المنطقة، خاصة وأن العلاقات الاقتصادية بين البلدين ليست مغرية كثيراً لسورية، فالاستثمارات الإيرانية في سوريا لا تتجاوز المليار دولار.
  • الحصار الاقتصادي والسياسي المفروض على سوريا بسبب تصاعد العنف وجرائم الحرب ضد المدنيين، ويبدو الميزان التجاري السوري الإيراني عاجز بشكل فاضح لصالح إيران.
  • انخفاض أعداد المقاتلين النظاميين بسبب الانشقاقات الكثيرة وارتفاع عدد القتلى في صفوفهم، وإيران تدافع عن محور أعطى لها ولسوريا وزنًا إقليمياً ودولياً متزايداً.

 

مدى إمكانية روسيا تغيير الموقف الإيرانية

ارتفعت الأصوات المعارضة للنظام الإيراني، والتي تعترض على السياسة الخارجية والداخلية، بعد أن وصلت الأوضاع المعاشية والاقتصادية إلى أدنى مستوى لها في تاريخ إيران الحديث.

حيث أكد المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية أنّ النظام الإيراني أنفق حتى الآن ما يزيد عن 50 مليار دولار على الحرب في سوريا، في الوقت الذي يعيش فيه 90% من العمال تحت خط الفقر، ويقترب 10% من عتبة الفقر، وكل ذلك لأن نظام الملالي يعتبر أنّ سوريا والعراق خط الدفاع الأول عنه من خطر السقوط.[5]

وتزامن هذا الوضع الاقتصادي والمعاشي المتردي مع انخفاض سعر برميل النفط إلى ما دون 50$، الذي تعتمد إيران على تصديره بشكل أساسي في دعم اقتصادها، وفي المقابل تتحمل إيران أعباء مادية ضخمة تأتي من الإنفاق على ميليشيا حزب الله اللبناني، والميليشيات العراقية كعصائب أهل الحق وغيرها، والميليشيات التي ترسلها إلى سوريا من أفغانستان وباكستان، ناهيك عن الدعم المباشر للنظام السوري ماديا وبشريا الأمر الذي أدى لتغلغلها في الأراضي السورية، وسيطرتها على صناعة القرار، مما انعكس سلباً على المصالح والأهداف التي يرسمها الروس من وراء دخولهم بشكل مباشر في الحرب السورية.

ظهرت بوادر الخلافات الروسية الإيرانية حول سوريا خلال الاتفاق الذي جرى لإخراج أهالي حلب من مدينتهم ، وعشية انعقاد مؤتمر أستانة بسبب تعنت إيران وإصرارها على تنفيذ أجندتها الخاصة، بعدما ضمنت جوائز ومكافآت عديدة في مجالي النفط والاتصالات، على الدور الذي لعبته في تثبيت دعائم النظام وعدم تعرضه للانهيار، بينما كان الهدف الرئيس لبوتين من عقد اجتماع الأستانة هو إقناع الإدارة الأمريكية الجديدة بامتلاك الكرملين أوراق الصراع مع سائر أطرافه من جهة، وقدرته على تحجيم الإيرانيين ووضع حدّ لنفوذهم من جهة أخرى، فبالإضافة إلى الانزعاج الذي أبدته المعارضة من توزيع الروس مسودة دستور سوري، قابلت دمشق وطهران تلك المبادرة الروسية بالكثير من الانزعاج لأنّها لم تطلع عليه من قبل، في حين حرص بوتين على إرسال نسخة منه إلى ترامب قبل عدة أيام من المؤتمر.

الحديث عن ترتيبات ما بعد الأستانة والتي تتضمن: تعزيز وقف النار، والعمل على إخراج الميلشيات الإيرانية من سوريا بالتدريج تمهيداً لانتخابات تشريعية ورئاسية مقبلة، قد دفعت بشار الأسد لتصعيد الموقف في وادي بردى بهدف إحراج الروس، ويعزو البعض اختفاء الرئيس بعد ذلك من المشهد السياسي بصورة مفاجئة إلى ذلك التصرف غير محسوب العواقب.

 كان السخط كبيرا في أوساط القيادة العسكرية الإيرانية بسوريا لدى تلقيها تعليمات من القياد ةالروسية في سوريا بوقف سائر الأعمال القتالية، وعدم القيام بأية عمليات مزمعة بريف حلب، والتشديد على قوات النظام والميلشيات الإيرانية بعدم فتح أية جبهة جديدة أو استخدام سلاح الجو، وذلك بالتزامن مع أنباء وردت إلى الكرملين بأنّ ترامب على وشك إقرار خطة عسكرية شاملة للتعاون مع موسكو في إنشاء مناطق آمنة، حيث يأمل الروس مقابل ذلك أن يقوم الأمريكان بدورهم في الخروج بنتائج فعلية تدعم توجهات موسكو في مؤتمر جنيف المرتقب في 20 فبراير الجاري، ولا شك في أنّ هذه التوافقات تفضي إلى إقصاء النفوذ الإيراني في سوريا.

وكانت ردود فعل الإيرانيين ظهرت على لسان السفير الإيراني السابق لدى إيطاليا وأفغانستان والعضو الأسبق في المجلس الأعلى للأمن القومي والفريق المفاوض النووي، أبو الفضل ظهره وند، في 26 يناير 2017 حيث طالب موسكو أن تفهم أنّه لا يمكن لها أن تكون صديقاً إلى منتصف الطريق فقط، وشدد على ضرورة إفهام الجانب الروسي بأنّه لا يمكنه وضع طهران جانباً في الملف السوري، وأنّه على الروس أن يركزوا على اشتراكاتهم مع الإيرانيين.[6]

كيف يمكن مواجهة المد الإيراني؟

مع تنوع وتعدد أدوار وتحركات إيران في سوريا، تفجرت أزمات واندلعت معارك كانت إيران طرفاً، بل موجهاً لها في بعض المواقف، سواء بشكل مباشر كما في سوريا أو غير مباشر، حتى صار الوضع الإقليمي يحتاج بل يفرض تنسيقاً عربياً لمواجهة التحدي الإيراني على أن ينطلق العمل في هذا الاتجاه، من الوقوف على مداخل وآليات التعامل الإيراني مع دول المنطقة ومشكلاتها وأزماتها.

نقطة البدء في وضع استراتيجية للتعامل مع إيران، هي فهم أبعاد الاستراتيجية الإيرانية التي تتبعها إزاء الدول العربية وقضايا المنطقة. ويمكن تحديد أبزر ملامح الاستراتيجية الإيرانية تجاه المنطقة فيما يلي:

  • دراسة الدول الإقليمية: فبعد قيام الثورة الإيرانية عام 1979، قامت إيران باستكشاف الخريطة الإقليمية والتعرف إلى طبيعة وخصائص الدول المحيطة بها من كافة الاتجاهات، للوقوف على مكامن الضعف ونقاط القوة في كل منها.
  • العمل على الصعيد الداخلي: رغم الأهمية المتزايدة التي اكتسبتها القوة الفكرية والإبداعية إلا أن طهران لم تتوقف يوماً عن اعتماد وتكريس موارد القوة العسكرية، فعملت باهتمام لتقوية وسائل الإعلام والخطاب الثقافي بل والفني من خلال الفضائيات والسينما وإقامة مراكز ثقافية في كثير من دول العالم، وبالمقابل كانت تنمي قوتها المسلحة الذاتية سواء بالأسلحة التقليدية أو فوق التقليدية، بالإضافة إلى الدعم العسكري المباشر وغير المباشر لحلفائها ووكلائها في بعض دول المنطقة. مثل «حزب الله» في لبنان، والحوثيين «أنصار الله» في اليمن، وقبلهما قوات بدر وجيش الصدر ثم ميليشيات الحشد الشعبي في العراق.
  • التغلغل داخل كيانات الدول الإقليمية: تحرص طهران على إقامة روابط ونقاط نفوذ وتأثير داخلية دائمة وعضوية، وهي بذلك لا تطرق الأبواب المؤسسية الرسمية وحسب، لكن تعتبر المستوى غير الرسمي، خصوصاً الشعبي، هو الأساس والأكثر ديمومة وتأثيراً لصالحها. لذا تعمد دائماً إلى التغلغل اقتصادياً من خلال التجارة وبعض المشروعات الاستثمارية، أو ثقافياً وحضارياً عبر التواصل الشعبي في المناسبات الدينية والتقاليد الاجتماعية والبرامج السياحية وتبادل الوفود الطلابية. تلك المنافذ تخلق ارتباطات مصلحية وثقافية على المستوى غير الرسمي. الأمر الذي ينعكس لاحقاً على القرار الرسمي في إطار البيئة الداخلية الضاغطة عليه بما يتوافق مع مصالح وسياسات إيران.
  • الاكتفاء الذاتي: فبناء القوة الذاتية بمختلف مكوناتها وأشكالها، هي نقطة البدء في امتلاك أي دولة الفاعلية والقدرة على التأثير في محيطها وبالتالي وضع استراتيجية ناجحة للتعامل مع الدول الأخرى.[7]

ومن هذه المنطلقات يمكن وضع استراتيجية وخطة عمل لمواجهة التمدد الإيراني في الداخل السوري والدول الإقليمية ويجب البدء بما يلي:

  • استكشاف الخريطة الإيرانية والتعرف على خصائص الدولة من كل الاتجاهات للوقوف على مكامن الضعف ونقاط القوى لديها.
  • قطع أزرع إيران في المنطقة من خلال الضغط لإخراج ميليشياتها وإنشاء كيانات لمواجهة مؤيديها ومن يحمل شعارها.
  • العمل على تقوية المعارضة الإيرانية في الداخل والخارج.
  • امتلاك وسائل الردع العسكرية والسياسية لتحجيمها وعدم السماح بتمددها.

الخاتمة

تعود العلاقات السورية-الإيرانية لما بعد الثورة الإيرانية، والتي تطورت تدريجياً من علاقات سياسية واقتصادية إلى تحالف استراتيجي فرضته الظروف التي مرت بها المنطقة منذ تولي بشار الأسد للسلطة في سوريا لا سيما بعد حرب العراق 2003 واغتيال رفيق الحريري 2005 ليتحول هذا التحالف مع بداية الحراك الشعبي في سوريا إلى نوع من الهيمنة الإيرانية على صناع القرار في سوريا، والتحكم بطبيعة الصراع من خلال المليشيات التي ترسلها وعلى رأسها فيلق القدس، والدعم الاقتصادي المفتوح، والذي يقدر بأكثر من 50 مليار دولار، مما انعكس سلبا على الدول الإقليمية خصوصا دول الخليج المنافس الذي يستشعر الخطر الإيراني الذي بات يهدد أمنها القومي الأمر الذي دفعها لتعزز تحالفاتها وزيادة دعمها للثورة السورية والعمل على الصعيد الدولي في سبيل حشد حلف لمواجهة التمدد الإيراني في المنطقة،  وخلال مؤتمر الأستانة الأخير بدى واضحا الخلاف في المواقف بين الداعمين الروسي والإيراني في تصور كل منها لآلية التعامل مع المرحلة المقبلة، حيث ترغب روسيا في المضي في عملية سياسية تفضي لجمع المعارضة والنظام على طاولة حوار مشتركة، بينما ترى إيران الاستمرار في العمليات العسكرية حتى النهاية وهو ما ظهر جلياً في منطقة وادي بردى.

[1] العلاقات السورية الإيرانية-المعرفة-صفحة ويب https://goo.gl/FkgJOf

[2] سوريا والمشروع الصفوي الإيراني، بهاء الدين الزهري، ثقافة ومعرفة، تاريخ النشر  13-7-2011 http://www.alukah.net/culture/0/33265 /

[3] جنرالات إيران يقضون في مستنقع الحرب السورية، ميدل ايست أونلاين، تاريخ النشر  2-11-2016  http://www.middle-east-online.com/?id=235598

[4] العلاقات السورية الإيرانية بين التعاون والتحالف، بقلم حسين العودات، شبكة فولتير، تاريخ النشر 3/2/2007 http://www.voltairenet.org/article145069.html

[5] شبكة حنين 9-1-2015    https://goo.gl/ny1yUW

[6] سفير إيراني سابق: على روسيا أن تفهم أن الصداقة ليست إلى منتصف الطريق فقط، محمدالمذحجي، القدس العربي، تاريخ النشر 26-1-2017 http://www.alquds.co.uk/?p=665735

[7] كيف يمكن للعرب مواجهة التمدد الإيراني؟ مركز الخليج للدراسات، تاريخ النشر 18-1-2016 http://www.alkhaleej.ae/alkhaleej/page/b54f8ae3-d5a4-4e65-ae4e-8ded89a26826

دور الخليج العربي في القضية السورية

دور الخليج العربي في القضية السورية

مِن الخصائص الجيوسياسية للثورة السورية ارتباطها بأمن الخليج العربي ومستقبله السياسي، فكان لزاماً على دوله التدخل لصالح دعم قضية الشعب السوري التي تتوافق مع مصالحه في مواجهة التغلغل الإيراني، تدخل لم يرتق لمستوى التضحيات التي قدمها السوريين في حربهم.

المقدمة

جاءت الثورة السورية امتداداً للربيع العربي ولكنّها حملت أيضاً الكثير من الخصائص الجيوسياسية فارتباطها بأمن الخليج العربي ومستقبله السياسي، لا سيما مع التدخل الإيراني المباشر في الصراع وسيطرته على مفاصل الدولة، واعتبار سوريا هي البوابة للسيطرة على باقي الدول العربية، وعلى رأسها دول الخليج حيث الأماكن المقدسة ومنابع النفط والغاز.

بدأت تتراجع العلاقة بين دول الخليج وسوريا منذ استلام بشار الأسد للسلطة عام 2000 م بفعل زيادة توطيد بشار لعلاقاته مع إيران، وكذلك بسبب توسع الدور الأمني للأسد في القرار اللبناني ذي الأهمية الخاصة بالنسبة للسعودية، ومنذ بداية الحرب في سوريا تدرجت المواقف الخليجية الرسمية من انتفاضة السوريين، حيث لم تعرها الكثير من الاهتمام في أول شهرين، واعتقدت بأن نظام الأسد سيقوم باحتوائها، ثم تصاعدت حدة المواقف والتصريحات مع زيادة حدة العنف من قبل النظام لتطالبه فيما بعد بالوقف الفوري لإطلاق النار، والإفراج عن المعتقلين في السجون، وفتح حوار بين كافة الأطراف، وإجراء إصلاحات سياسية تتضمن تعديلات دستورية حقيقية.

في 23 أيار 2012 م على أثر المجزرة التي حصلت في مدينة الحولة، والتي ذهب ضحيتها 126 قتيلاً بينهم 55 طفلا، أدان مجلس التعاون الخليجي تصرفات النظام السوري، وطالب المجلس بتدخل دولي لوقف المجازر بحق السوريين، ودعا  المجلس دوله لمواصلة دعم المعارضة السورية ، كما أكد على وجوب  تنحي رئيس النظام بشار الأسد عن سدة الحكم، مع تأييده لحل المسألة بالمفاوضات السياسية إن قبل النظام، لكن معظم دول الخليج ذهبت لاحقا لأبعد من ذلك بإصرارها على تنحي الأسد، ولو بإجباره على ذلك عسكريا، وأبدت السعودية والإمارات رغبتهما في توجيه قوات برية تحت إطار التحالف الدولي للتدخل ضد تنظيم الدولة للقيام بعمليات على الأرض في سوريا.

مجلس التعاون الخليجي

تتشابه دول مجلس التعاون الخليجي إلى حدّ كبير في طبيعة أنظمتها السياسية، إن كان النظام ملكيا أو أميريا، من حيث تركيز الحكم في عائلة واحدة، ويكون الحكم وراثياً من الأب إلى الابن أو الأخ الأكبر وأخذت دول المجلس بنظام تعدد المؤسسات داخل السلطة التنفيذية ووجود مجلس للوزراء إضافة إلى جهاز تشريعي وسيادة واستقلال القضاء.[1]

أنشئ مجلس التعاون الخليجي في مايو/أيار 1981 مع بداية الحرب العراقية الإيرانية، وبعد حوالي سنتين من قيام الثورة الإسلامية في إيران، وبحسب النظام الأساسي للمجلس، فإنّه يهدف إلى “تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولاً إلى وحدتها”، ومن بين ذلك تعزيز التعاون الاقتصادي المشترك، وتتناوب الدول الأعضاء على رئاسة المجلس وهي:[2]

  • المملكة العربية السعودية عاصمتها الرياض نظام الحكم ملكي وتعتبر أكبر دول مجلس التعاون الخليجي وتبلغ مساحتها 1,960 مليون كم،[3] عدد السكان السعوديين وصل إلى نحو 20.3 مليون نسمة بنسبة 67.6 في المائة من إجمالي سكان المملكة وعدد السكان الأجانب في السعودية 9.7 مليون نسمة بنسبة 32.4 في المائة من إجمالي سكان المملكة البالغ عددهم 29,994,272 نسمة.[4]
  • دولة الإمارات العربية المتحدة وعاصمتها أبو ظبي وهي دولة اتحادية تحكم بموجب دستور 2 ديسمبر 1971، وتبلغ مساحتها 82,880 كم بلغ عدد السكان في يوليو 2016 نحو 8,264 ملايين نسمة بينهم 947,9 ألف مواطن و7,316 ملايين مقيم وفقاً لبيانات أعلنها “المركز الوطني للإحصاء”.[5]
  • مملكة البحرين عاصمتها المنامة نظام الحكم ملكي دستوري وتبلغ مساحتها 82,880 كم أعلن الجهاز المركزي للمعلومات في البحرين أنّ عدد سكان المملكة بلغ بحسب آخر احصاء رسمي أُجري في 2010 بلغ 1,234,571 نسمة منهم 568399 بحرينياً و666172 غير بحريني.[6]
  • سلطنة عمان عاصمتها مسقط نظام الحكم سلطاني وراثي وتبلغ مساحتها 212,460 كم وأوضح المركز الوطني للإحصاء والمعلومات أنّ عدد سكان السلطنة بلغ ثلاثة ملايين و957 ألفا و40 نسمة تتوزع على مليونين و212 ألفا و693 عمانياً ومليون و744 ألفا و347 وافدا بنسبة 44 بالمائة.[7]
  • دولة قطر عاصمتها الدوحة حكم الدولة ملكي وراثي في عائلة آل ثاني، من الذكور وتكون وراثة الحكم إلى الابن الذي يسميه الأمير ولياً للعهد وتبلغ مساحتها 11,460 كم وإجمالي عدد السكان حتى آخر شهر نوفمبر 2016 بلغ مليونين و637302.[8]
  • دولة الكويت عاصمتها الكويت نظام الحكم أميري ديمقراطي وتبغ مساحتها 17820كم وبلغ إجمالي عدد السكان وفق إحصاء 2011 مليون و623242عدد الكويتيون مليون وسبعة وستون ألف و481 فرد وغير الكويتيين 555761.[9]

يتشكل مجلس التعاون من عدة هيئات وأجهزة هي:العلاقة بين دول الخليج العربي ونظام الأسد قبل 2011

ترتبط دمشق والحجاز بعلاقات قديمة فمنذ العصر الأموي نجد بأنّ الترابط كان قائماً ودائماً كانت الوجهة دمشق منذ أنّ كانت عاصمة للدولة الإسلامية، وكذلك في كافة العصور اللاحقة، بدأت بالتجارة وما زال يغلب عليها الطابع التجاري والاقتصادي.

في تاريخ سورية الحديث نجد الكثير من الترابط، فأول ملك نُصّب في سورية جاء من الحجاز، وكانت دمشق هي المركز وبمثابة القلب للوطن العربي، إذ كان الحجاج القادمين من أقصى البلاد يتجمعون في دمشق  ثم ينطلقون مع محمل الحج الشامي باتجاه مكة، ومع خروج الانتداب الفرنسي دعمت المملكة السعودية حكم شكري القوتلي في سورية، كذلك ساعدت انقلاب الشيشكلي عام 1954، وكان للسعودية دورا في الانفصال وتفكك الجمهورية العربية المتحدة الذي تم بين سورية ومصر عام 1961، وساءت العلاقات السعودية السورية في عهد حكم هاشم الأتاسي ولم تكن بالمستوى المطلوب، لتعود من جديد إلى عصرها الذهبي مع وصول الراحل حافظ الأسد إلى الحكم وانفتاحه على الرياض التي قدمت بدورها دعماً ووقفت بجانب سورية في أزمة الثمانينات والحصار الأمريكي لسوريا، عن طريق دعمها لليرة السورية أو شراء احتياطي العملة الصعبة وضخها في الاقتصاد السوري.

منذ استلام حافظ الأسد للسلطة لم تسجل العلاقات الثنائية دخولاً في منعطفات خطيرة رغم حصول خلافات سياسية بين النظامين، ارتكزت العلاقات السورية -السعودية على الصراع والمنافسة تارة والتعاون طوراً من أجل قيادة النظام العربي، لكنّ السعودية ركّزت دوما على مبادراتها الديبلوماسية على الصعيد العربي، بينما أصرّت سوريا على حقوقها المشروعة في الصراع العربي الإسرائيلي، ولم يتمكن أي منهما من الإمساك بزمام القيادة للنظام العربي، ويؤكد المجلس منذ تأسيسه عام 1981 دعمه وتأييده لمطالب الجمهورية العربية السورية لاسترداد حقوقها المشروعة وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية التي احتلتها عام 1967 بما فيها الجولان المحتل حتى خط الرابع من حزيران 1967م، وفق مرجعية مدريد ومبدأ الأرض مقابل السلام وتطبيق قراري مجلس الأمن 242 و338، وتحميل إسرائيل مسئولية تعثر هذا المسار.

أما المسائل الخلافية، فتمثّلت بالقضية الأساسية، وهي مسألة الصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية والملف اللبناني، أضيف إليها الملف العراقي والعلاقة مع إيران، أمسكت سوريا في عهد حافظ الأسد بالورقة الفلسطينية ودعمت الفصائل الفلسطينية المعارِضة والمناهضة لمنظمة التحرير الفلسطينية، لكن السعودية استطاعت انتزاع الورقة الفلسطينية من يدها تمهيداً لمفاوضات سلام بين العرب وإسرائيل، وإن كانت العلاقة بين السعودية ومنظمة التحرير الفلسطينية قد توترت على خلفية وقوف ياسر عرفات بجانب صدام حسين في غزوه للكويت، فإنّ السعودية اتجهت لمساعدة الشعب الفلسطيني مباشرة، خصوصاً مع بروز تنظيمات فلسطينية إسلامية أصولية كحماس والجهاد الإسلامي، لعبت السعودية دوراً في مؤتمر مدريد عام 1991 وأضعفت الموقف السوري التفاوضي بعد أن أفقدته ورقة الضغط الفلسطينية، وذلك بعد توقيع إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في 13 أيلول عام 1993 على اتفاق أوسلو.[10]

كانت العلاقات السعودية السورية تسير بسلام، إلى أن تم اغتيال رفيق الحريري حليف السعودية بلبنان عام 2005، حيث حمّلت السعودية سوريا المسؤولية غير المباشرة كونها الممسكة بزمام الأمور في لبنان، وطلبت منها تقديم معلومات عن الحادث، ونصحتها بسحب قواتها من لبنان وفقاً لاتفاق الطائف، في ظل إصرار دولي على تنفيذ القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، تحركت السعودية بالتعاون مع مصر لتسوية الأزمة اللبنانية-السورية على أساس محاولة التوصّل إلى صيغة توفيقية تدمج تنفيذ اتفاق الطائف الذي لم ينفذ كاملاً والقرار 1559 واللذين يصبان في خانة واحدة، وتزايدت الضغوط السعودية على سوريا من أجل انسحاب قواتها من لبنان وكف يدها عنه وعدم التدخل في شؤونه الداخلية وإلا واجهت العلاقات السعودية -السورية صعوبات، وبرز التوتر جليّاً في هذه العلاقات، حاولت سوريا احتواء الموقف العربي والتقليل قدر الإمكان من خسائرها، فقد وجدت نفسها معزولة عربياً ودولياً ومحشورة لبنانياً بعد توجيه أصابع الاتهام إليها في ظل هذه الأجواء من التوتر والتعبئة ضد سوريا ونظامها ومحاولة تعقبها داخل حدودها بعد انكفائها عن الساحة اللبنانية، حاولت السعودية الإمساك بالورقة السورية، وأطلعت دمشق على الموقف الأميركي وعرضت عليها أفكاراً ومقترحات تجنبها الضغوط الأميركية وتمهد لإيجاد حالة جيدة من العلاقات بين واشنطن ودمشق انطلاقاً من إيمان السعودية بأهمية الدور السوري في استقرار المنطقة، فالولايات المتحدة عدّلت من خططها تكتيكياً بعد التعثّر في العراق، وبالتالي لم يعد مطروحاً، تغيير النظام السوري، وإنّما العمل على تعديل سلوك هذا النظام حيال العراق ولبنان والفلسطينيين وإسرائيل.[11]

وظهر التوتر جلياً مع قيام حرب يوليو (تموز) 2006 بين إسرائيل وحزب الله، وهي الحرب التي هاجمت فيها السعودية حزب الله، معتبرةً أنه شن مغامرة غير محسوبة، وجاء رد بشار الأسد بعد انتهاء المعركة بالتهجم على المملكة السعودية، واصفًا من لاموا حزب الله في تلك المعركة، بأنّهم أشباه رجال. ولكنّ الخلافات لم تدم على السطح طويلًا، حيث قام العاهل السعودي الراحل، عبد الله بن عبد العزيز، بزيارة دمشق في عام 2009، مما اعتبر وضع حدّ للخلافات السورية السعودية الظاهرة على السطح.

وتدفقت بعد ذلك الاستثمارات السعودية الضخمة في سوريا، وقام محمد الجاسر، محافظ صندوق النقد العربي السعودي في مارس (آذار) 2010، بالإعلان عن تقديم قروض لسوريا بقيمة 140 مليون دولار، بعد زيارة العاهل السعودي الثانية لدمشق في عام 2010، أي قبل شهور قليلة من بدء الثورة ضد النظام، الذي وصفته المملكة بعد ذلك بأنّه نظام دكتاتوري يقتل شعبه ويهلكه على مدار عقود.[12]

تطور المواقف الخليجية منذ بداية الثورة

من أقوى المواقف التي أيدت قضية الشعب السوري تمثلت بدول الخليج وعلى رأسها قطر والسعودي اتسم دور مجلس التعاون الخليجي في المراحل الأولى بالحياد والصمت، ومع تزايد العنف ضد المحتجين بدأت دول الخليج باتخاذ خطوات ومواقف تؤيد مطالب المحتجين بتغيير النظام، فقادت المملكة العربية السعودية الموقف الخليجي، وطالبت بوقف أعمال العنف والمظاهر المسلحة، وإجراء إصلاحات جادة وضرورية، واللجوء إلى الحكمة حفاظاً على سلامة الشعب، مع التأكيد الدائم على حرص دول المجلس على أمن واستقرار ووحدة سوريا، وتطور الموقف الخليجي حيال الأزمة السورية بقرار دول مجلس التعاون الخليجي طرد سفراء النظام السوري من أراضيها وسحب جميع سفرائها من دمشق، وتنديدها بالمجازر الجماعية ضد الشعب وكذلك بسحب مواطنيها المشاركين في بعثة المراقبين التابعة لجامعة الدول العربية، أما بالنسبة للتطورات الخليجية الأخيرة فقد عبر عنها مجلس الوزراء السعودي، الذي شدد على أنّ فشل مجلس الأمن في استصدار قرار لدعم المبادرة العربية يجب ألا يحول دون اتخاذ إجراءات لحماية الأبرياء ووقف جميع أعمال العنف. [13]

وعلى الصعيد العربي قادة دول مجلس التعاون في الدورة الثانية والثلاثين للمجلس الأعلى (الرياض، ديسمبر 2011م) الحكومة السورية إلى تطبيق جميع بنود المبادرة العربية. وأيدت دول المجلس جميع القرارات الصادرة عن الجامعة العربية بهذا الخصوص، ومن بينها خطة العمل العربية التي تم إقرارها بتاريخ 23 يناير 2012م، وقرار الجامعة العربية في 12 فبراير 2012م.

ورحبت دول المجلس بقرار مجلس جامعة الدول العربية، على المستوى الوزاري، في دورته غير العادية المنعقدة بتاريخ 3 يونيو 2012م في الدوحة، الذي دعت فيه مجلس الأمن إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان التطبيق الكامل والفوري لخطة السيد كوفي عنان، في إطار زمني محدد، بما في ذلك فرض تطبيق النقاط الست التي تضمنتها الخطة عبر اللجوء إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

وقد كان للموقف الخليجي إزاء الأزمة السورية تأثيره المباشر في المواقف العربية التالية، التي جاءت متناغمة مع المطالب الخليجية عموماً والسعودية خصوصاً بتبني مواقف متشددة إزاء نظام الأسد، وهو ما تجلى في دعوة وزراء الخارجية العرب خلال اجتماعهم بالقاهرة يوم 12 فبراير مجلس الأمن الدولي إلى تشكيل قوة حفظ سلام عربية أممية مشتركة للمراقبة وحماية المدنيين السوريين، وقيامهم أيضاً بإنهاء مهمة المراقبين العرب، ووقف أشكال التعامل الدبلوماسي كافة مع دمشق وتشديد العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، علاوة على فتح قنوات اتصال مع المعارضة السورية، وتوفير كافة صور الدعم السياسي والمادي لها، وجاء اتخاذ دول مجلس التعاون الخليجي قرارها بطرد سفراء دمشق لديها، وما تلاه من مواقف وخطوات تصعيدية، لإدراكها أنّ هذه الأزمة وصلت إلى منزلق خطر ستكون له تداعياته السلبية على دول المجلس وكذلك المنطقة. [14]

دولياً أيدت دول المجلس الأعضاء في مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة قرار اللجنة الثالثة لحقوق الانسان في الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 21 نوفمبر 2011م، الذي يُدين السلطات السورية بانتهاك حقوق الإنسان، ودعوته إلى وقف الانتهاكات الجسيمة ضد المدنيين، وإلى تطبيق الخطة العربية فوراً. كما أشادت دول المجلس بقرار مجلس حقوق الانسان، التابع للأمم المتحدة الصادر في جنيف بتاريخ 1 يونيو 2012م، الذي أدان فيه عمليات القتل، وطلب من لجنة التحقيق الدولية المستقلة حول سوريا إجراء تحقيق خاص بشأن المجزرة التي وقعت في الحولة. 

وقد شاركت دول المجلس في مؤتمرات أصدقاء سوريا، الأول الذي عقد في تونس يوم 24 فبراير 2012م، والثاني في اسطنبول يوم 1 أبريل 2012م. كما أيدت اتفاق جنيف، حول سوريا الذي توصلت إليه مجموعة العمل في 30 يونيو2012، ومن بعده الاتفاق الامريكي الروسي الداعي لعقد جنيف 2 في يناير 2014م، والذي لم يسفر عن النتائج المرجوة. وقد أكد المجلس أن الحل السياسي للأزمة السورية يكمن في تشكيل حكومة انتقالية ذات صلاحية تنفيذية كاملة وفقاً لبيان جنيف 1، وبما يحقق أمن واستقرار ووحدة سوريا، ويلبي تطلعات الشعب السوري الشقيق. وأكد مجلس التعاون على ضرورة الحفاظ على سيادة واستقلال سوريا وخروج القوات الأجنبية كافة من الأراضي السورية.

وأكد مجلس التعاون أنّ التكثيف المفاجئ للقصف الجوي الروسي والنشاط العسكري المدمر من قبل النظام السوري قوضا محادثات السلام في مؤتمر جنيف المنعقد في 3 يناير 2016م، وأنّ السعي إلى حل عسكري، بدلاً من إتاحة المجال أمام التوصل إلى حل سياسي، أدى إلى إعلان توقف المحادثات بشأن الأزمة السورية وتأجيلها.

رحب مجلس التعاون بالاتفاق الذي تم بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية بشأن وقف إطلاق النار في سوريا بداية من يوم 27 فبراير 2016م، وأشاد بموافقة الهيئة العليا للمفاوضات المنبثقة عن مؤتمر الرياض واستجابتها للجهود الدولية. وأعرب المجلس الوزاري عن أمله في أن يحقق وقف إطلاق النار وصول المساعدات الإنسانية للشعب السوري الشقيق، وتوفير بيئة داعمة للعملية السياسية تحت رعاية الأمم المتحدة وصولاً لاتفاق كامل، مبنى على مبادئ جنيف (1) وبما يحقق تطلعات الشعب السوري الشقيق.

كما أعرب المجلس عن بالغ قلقه من تدهور الأوضاع الإنسانية في سوريا، واستمرار نظام الأسد في عمليات القصف والقتل، منوهاً بالمساعدات الإنسانية التي تقدمها دول المجلس للشعب السوري الشقيق في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها، داعياً الدول المانحة بسرعة الوفاء بتعهداتها. وفي هذا السياق رحب المجلس باستضافة دولة الكويت للمؤتمر الدولي الثالث لدعم الوضع الإنساني في سـوريا. كما أكد على ضرورة تفعيل قرار مجلس الأمن رقم 2165/2014 المتضمن تيسير وصول أعمال الإغاثة والمساعدات الإنسانية لجميع المناطق المحاصرة والمتضررين المدنيين.

وأكد مجلس التعاون على ضرورة تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 2254 فيما يتعلق برفع الحصار عن المدن السورية المحاصرة، وإيصال المساعدات الإنسانية للمناطق المتضررة، ووقف القصف على المناطق الآهلة بالسكان، والإفراج عن المعتقلين ووقف تنفيذ أحكام الإعدام.

وأشاد مجلس التعاون بنتائج مؤتمر المانحين الرابع الذي عقد في لندن بتاريخ 4 فبراير 2016م برئاسة كل من دولة الكويت وبريطانيا وألمانيا والنرويج الذي أعلن فيه عن تعهدات بمبلغ 10 مليار دولار لدعم الشعب السوري الشقيق.[15]

ولا يمكن تجاهل الاعتبارات والدوافع الإقليمية لدول الخليج وراء التطور في الموقف الخليجي، إذ ثمة رغبة أكيدة لدى دول مجلس التعاون في الحؤول دون تحول سوريا إلى عراق جديد، أو أن تصبح ساحة ثانية للنفوذ الإيراني في المنطقة بعد العراق، ولاسيما أنّ هذه الدول اكتشفت أن دعمها لإسقاط هذا النظام جاء لصالح إيران والشيعة في العراق، ومن ثم فهي لا تريد أن تبقى لاعباً غائباً عن تحديد مصير سوريا، ناهيك عن أنّ نجاحها في استغلال الفرصة السانحة أمامها للتخلص من النفوذ الإيراني في سوريا سيؤدي بالتبعية إلى التخلص من نفوذ طهران في لبنان، وهو ما يشير إلى أنّ الأزمة السورية قد تحولت إلى إحدى ساحات الشد والجذب في العلاقات الإيرانية – الخليجية، ومن غير المستبعد أن يكون الهدف وراء التهديدات الإيرانية الأخيرة لدول الخليج هو محاولة طهران إثناء دول مجلس التعاون عن التدخل لدعم ومساندة المعارضة السورية[16]

ولم تكتفِ الدول المشكلة لمجلس التعاون بالمواقف على مستوى المجلس، بل تعدتها لتتخذ خطوات أحادية لدعم قضية الشعب السوري، وجاءت أقوى هذه المواقف من كلٍ من قطر والمملكة العربية السعودية.

الموقف القطري

أعلن وزير الخارجية القطري خالد بن محمد العطية “بأننا سنتدخل عسكريا في سوريا مع تركيا والسعودية إن تطلب الأمر” لتكون قطر قد تبنت أقوى المواقف المؤيدة لمطالب الشعب السوري  رغم عدم وجود حدود مشتركة جغرافيا بين كلّ من قطر وسورية والعلاقات التاريخية الوطيدة بين الجانبين والتي تمثلت بتوقيع أكثر من 13 اتفاقية في مختلف المجالات، إلا أنّ حركة الاحتجاجات التي هبت ضد النظم الحاكمة في دول الربيع العربي، كانت بداية الفتور في العلاقة بينهما، وكانت نقطة البداية هي الموقف القطري المؤيد والداعم للثورة في ليبيا، وتحول الفتور في العلاقة بينهما إلى حالة من التوتر خلال الأزمة الداخلية السورية، ووصلت درجة  التوتر في العلاقة الرسمية بينهما  إلى حد توجيه مندوب سوريا في الجامعة العربية عبارات مسيئة لوزير خارجية قطر خلال اجتماعات وزراء الخارجية العرب بالقاهرة بتاريخ 12/11/2011 لمناقشة الأوضاع المتوترة في سوريا.[17]

لم يكن موقف قطر مرضيا للشعب السوري في بداية الثورة، فالضبابية كانت سائدة في البدء، ولكن بعد فترة من السكوت انتهجت الدوحة سياسة الوقوف إلى جانب الشعب ضد نظام الأسد.

وكانت بداية التحرك القطري من خلال الجامعة العربية باستصدار بيان بتاريخ 16/10/2011، كان من أهم بنوده: التأكيد على وحدة النسيج السوري، الوقف الفوري للعنف، وتشكيل لجنة عربية وزارية برئاسة رئيس مجلس وزراء قطر، والاتصال مع أطراف النزاع لعقد مؤتمر حوار وطني شامل في مقر الجامعة العربية، وتقديم التقارير عن الأوضاع في سوريا مع إبقاء المجلس بحالة انعقاد دائم.[18]

ومن خلال رئاسة قطر للجنة الوزارية العربية المكلفة بالتعامل مع الأزمة جاءت المبادرة العربية لتعكس الرؤية القطرية، فقد عملت الدوحة على خلق إجماع- أو شبه إجماع- عربي لممارسة الكثير من الضغط على النظام السوري، تمثل بداية بتعليق مشاركة الوفود السورية الرسمية في اجتماعات مجلس جامعة الدول العربية وجميع المنظمات والأجهزة التابعة لها اعتباراً من يوم 16 / تشرين الثاني/ 2011 وإلى حين قيام دمشق بالتنفيذ الكامل لتعهداتها التي وافقت عليها بموجب خطة العمل العربية لحل الأزمة السورية، وفي 27 من الشهر ذاته قررت الجامعة العربية مجموعة من الإجراءات تتلخص بعقوبات اقتصادية على سورية، كما تصاعدت حدة الخطاب السياسي الرسمي القطري ضد نظام الأسد، مثال ذلك مقولة “إن رفض دمشق التعاون مع خطة السلام العربية هو الذي سيؤدي إلى تدويل الأزمة” كما قامت قطر بسحب سفيرها من دمشق، وإغلاق سفارتها على إثر الاعتداء عليها من قبل مؤيدي النظام.

أسباب تحول موقف قطر من نظام الأسد:

  • الخطر الإيراني الذي يحيط بدول الخليج العربي والذي أثار مخاوف قطر خصوصاً بعد انكشاف الدور الإيراني لما يحدث في البحرين، مما استدعى موقفاً منسجماً مع الموقف العام لدول مجلس التعاون الخليجي، التي يتملكها مخاوف كبيرة من المشروع الإيراني، وبما أن سوريا هي حليف رئيسي لإيران، فبإمكان دول مجلس التعاون الخليجي توجيه ضربة مؤثرة وموجعة لإيران من خلال العمل على إسقاط حليفها النظام السوري.
  • رغبتها في تحقيق المكانة الإقليمية والدولية من خلال الخروج من مدار الهيمنة السعودية على دول الخليج العربي، ونظراً لأنّ المنطقة العربية كانت ولازالت تعيش صراع الدور والزعامة والنفوذ وتسعى كل دولة لأن تكون في الصدارة.
  • غياب تأثير الأيديولوجية على القيادة القطرية وغلبة الطابع البراغماتي، وهذا يجعلها صالحة لسياسة خارجية مميزة تحقق مصالحها.
  • الموقف الإنساني لقطر فهي تريد لشعب سوريا الاستقرار والسلام، ولم تتدخل في سوريا قبل أن ترى الشعب السوري يصرخ ويحتج على قمع ثورته بالقتل والاعتقالات. [19]

لهذه الأسباب وغيرها يعتبر موقف قطر من الثورة السورية رأس الحربة ضد نظام الأسد، من خلال ضخ مليارات الدولارات وضحت بالعديد من المصالح المشتركة الأخرى، مع التذكير أنّ هذا الشعب بحاجة ماسة للدعم الإنساني المقدم من قبلها بالتوازي مع الدعم الإعلامي.

الموقف السعودي

بعد فترة من الدبلوماسية الهادئة التي اتبعتها المملكة العربية السعودية في التعامل مع بدايات الثورة، خرجت عن هدوئها بخطاب الملك عبد الله بن عبد العزيز بتاريخ 8/8/2011 الذي أشار فيه إلى أن ما يحدث في سورية ليس من الدين ولا من القيم ولا من الأخلاق، معلناً استدعاء سفير بلاده في سوريا للتشاور[20]، جاء الموقف السعودي من الثورة السورية ضد نظام الأسد، ليكون القشة التي قطعت هذه العلاقة بين البلدين وفي الخامس عشر من مارس 2012 قدمت الرياض نصيحة لبشار الأسد على لسان العاهل السعودي أيضاً بقوله للأسد: (أنت تسير في المسار الخاطئ، وعليك أن تصحح مسارك، وإن لم تكن لديك خطة لتصحيح المسار اترك الفرصة لغيرك)، كلام الملك يحمل رفضاً سعودياً لما يجري في سوريا من أعمال عنف ضد الشعب السوري العربي المسلم، داعياً إلى الوقف الفوري لمثل تلك الأعمال، وحذر الملك عبد الله وقتها القيادة السورية من التمادي والاستمرار في إراقة الدماء، ودعاها إلى تفعيل إصلاحات شاملة سريعة، مشدداً على أنّ مستقبل سوريا بين خيارين لا ثالث لهما: إما أن تختار بإرادتها الحكمة، أو أن تنجرف إلى أعماق الفوضى والضياع، مؤكدا أن (سوريا الشقيقة شعباً وحكومة) تعلم مواقف السعودية معها في الماضي، وأن بلاده تقف تجاه مسؤوليتها التاريخية نحو أشقائها.

ونددت السعودية بموقف بعض الدول المتخاذل والمتجاهل لمصالح الشعب السوري، والتي تقف إلى جانب النظام السوري، محملة إياها المسؤولية الأخلاقية لتعطيل التحرك الدولي بهذا الخصوص، وكان الملك عبد الله بن عبد العزيز أبلغ الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف -باتصال هاتفي بتاريخ 22 فبراير 2011-قائلا له: كان من الأولى من الأصدقاء الروس القيام بتنسيق روسي عربي قبل استعمال روسيا حق النقض في مجلس الأمن، أما الآن فإن أي حوار حول ما يجري لا يجدي وأضاف: “إن السعودية لا يمكن إطلاقا أن تتخلى عن موقفها الديني والأخلاقي تجاه الأحداث الجارية في سورية”.

جاء انسحاب الوفد السعودي بعد كلمة الافتتاح لمؤتمر أصدقاء سوريا في تونس بتاريخ 24 فبراير 2012، ليؤكد موقف المملكة الداعم لقضية الشعب السوري حيث تحدث سعود الفيصل بأن: “ضميري يحتم عليّ مصارحتكم بأن ما تم التوصل إليه لا يرقى إلى حجم المأساة ولا يفي بما يتوجب علينا فعله في هذا الاجتماع” موجها لحضور مؤتمر أصدقاء سوريا السؤال “هل فعلاً قمنا بنصرة الشعب السوري الحرّ الأبي الذي صنع حضارة عريقة أم أننا سنكتفي بإعلانات رمزية وخطوات متباطئة ونتركه ضحية للطغيان والإجرام؟!”.

وكانت المملكة قد سحبت بعثتها من لجنة المراقبين العرب لأحداث سورية في 23 كانون الثاني (يناير) 2012، حيث قال الأمير سعود الفيصل أمام وزراء الخارجية العرب خلال اجتماعهم في القاهرة: “إن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، ونحن لن نقبل بأي حال من الأحوال أن نكون شهود زور، أو أن يستخدمنا أحد لتبرير الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري الشقيق، معلناً من هذا المنطلق سحب المملكة لمراقبيها نظراً لعدم تنفيذ الحكومة السورية لأي من عناصر خطة الحل العربي التي تهدف أساساً لحقن الدماء السورية الغالية”.

وطالب الأمير سعود الفيصل بأن يكون مؤتمر أصدقاء سوريا الثاني الذي عقد في إسطنبول يوم 1 مارس 2012 نقطة تحول في التعاطي مع الأزمة السورية، على أساس الجمع بين السعي للتخفيف من المعاناة الإنسانية للشعب السوري وتوفير الحد الأدنى من وسائل الدفاع المشروع له أمام آلة القتل، وقد أبدت دول مجلس التعاون استعدادها لتمويل المجلس الوطني السوري المعارض ليتمكن من دفع رواتب الجنود المنشقين والمنضمين إلى الجيش السوري الحر ويمكن تلخيص مطالب المملكة بـ:

  • حماية المواطنين السوريين في الداخل، والالتفات إلى اللاجئين الذين غطوا الأراضي الأردنية واللبنانية والتركية عبر تقديم المساعدات الإنسانية وهو غير متوافر بدون تأمين الممرات الإنسانية.
  • تأمين من تبقى في الداخل عبر السعي الدولي لحمايتهم، وهو ما لم يتحقق إلا عبر التسليح وتزويد المعارضة المسلحة المتمثلة بالجيش السوري الحر بوسائل الاتصال الحديثة التي تمكنها من التواصل اليومي المستمر.
  • وضع حد لعمليات القتل المستمرة ضد الشعب السوري بالوسائل التي يراها المجتمع الدولي مناسبة، بعد أن تتخلى روسيا والصين عن حق النقض الذي أطال أمد الأزمة، وأسقط المزيد من الشهداء.
  • ومن الأسباب التي أدت إلى تحول الموقف السعودي تجاه النظام السوري ما يلي:
  • الحد من نفوذ إيران: حيث تعتقد السعودية أن إسقاط النظام السوري (آل الأسد) من شأنه أن يحد من تدخلات إيران التي تهدد أمن السعودية أولاً والعالم العربي والإسلامي ثانياً، حيث إن سورية هي الحليف العربي الأكبر لإيران.
  • تغليب محور الاعتدال: فالنظام السوري يظهر نفسه بمثابة رأس الحربة في محور الممانعة في مواجهة محور الاعتدال الذي تقوده السعودية ومصر، ونظراً لأن مصر تمر بظروف داخلية معقدة بسبب الثورة، فإن السعودية ترغب في إظهار أن الغلبة في العالم العربي باتت لمحور الاعتدال الذي تقوده منفردة.
  • التنافس بين كل من الدوحة والرياض على ريادة الدور العربي.
  • دوافع دينية: فالمملكة العربية السعودية تُعد مركز الإسلام لذا لم تشأ أن تستمر في الوقوف مكتوفة اليدين لما تراه من أعمال عنف ضد الشعب السوري.
  • تحقيق التوازن في المنطقة: كلاعب إقليمي محوري وقوي في مواجهة بروز أدوار كل من إيران وتركيا، فلقد استطاعت هاتان القوتان أن تستثمرا الظروف في المنطقة العربية لصالحهما وأن تبرزا كقوى مؤثرة على شؤون المنطقة.
  • دوافع أخلاقية: وهذا ما أكد عليه الملك عبد الله بن عبد العزيز في خطاباته، الموقف السعودي من الثورة السورية أساسه إنساني وأخلاقي وديني.
  • الرأي العام الداخلي المؤيد للثورة السورية.[21]

المملكة العربية السعودية مستمرة في موقفها، حاملة لراية رفع الظلم والقتل عن الشعب السوري، وإن كان دعمها الإنساني والعسكري لا يكاد يذكر بالمقارنة بموقفها المعلن.

تأثير العلاقات الخليجية بإيران على القضية السورية

من العقبات الظاهرة بوجه التقارب السوري-السعودي العلاقة المتينة التي ربطت سوريا بإيران، أحد خصوم السعودية، بعد أن طوّرت سوريا علاقتها بإيران على ضوء مصالحها وارتباط ذلك بالتطورات الإقليمية والدولية، استغلت سوريا النبض الثوري الإيراني والعداء المطلق لإسرائيل والولايات المتحدة لتنتج تقارباً مرناً مع الإيرانيين مع المحافظة على علاقات جيدة بالسعودية بالرغم من الخلاف الإيراني السعودي الحاد، ظهر التشنج في علاقات سوريا بالسعودية منذ حرب الخليج الأولى، لاسيما مع وقوف سوريا إلى جانب إيران، خارقة بذلك الإجماع العربي. استطاعت سوريا والسعودية حينها إبقاء علاقاتهما في مستوى معقول، واتفقتا على الأقل على مصلحة مشتركة في أن يخرج طرفا الحرب، إيران والعراق، منهكين وعاجزين عن التطلع إلى أبعد من حدودهما سواء بالنسبة إلى خطر تصدير الثورة الخمينية والطموح الصدّامي بتزعم العالم العربي، ومع الانفتاح الأميركي على سوريا في نهاية الثمانينات، ساد العلاقات السورية الإيرانية جو من التشنج والصراع الخفي، الصراع الصامت بين طهران ودمشق برز على الساحة اللبنانية مع ازدياد النفوذ الإيراني عبر تنظيم حزب الله الشيعي على حساب حركة أمل الشيعية المدعومة من دمشق، ما شكّل تهديداً لنفوذ سوريا ومصلحتها في إبقاء إمساكها منفردة بالورقة اللبنانية، فحصل صدام عنيف بين التنظيمين كترجمة لصراع الأدوار والمصالح بين دمشق وطهران، لكنّ التوافق السوري الإيراني وتقديم إيران تنازلات لسوريا على الساحة اللبنانية أنهى الصدام، بعد انتهاء القطيعة السعودية الإيرانية، وتحسّن العلاقات بينهما، اتجهت السياسة السعودية نحو مزيد من الانفتاح حيال إيران، فالسعودية أكّدت وجوب التعاون مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية من منطلق الأخوة الإسلامية ومبادئ حسن الجوار، ومع انطلاق عملية التسوية السلمية في بداية التسعينات والتي عارضتها طهران وانخراط سوريا فيها، عبّر الإيرانيون عن انزعاجهم من السلوك السوري حيال مفاوضات السلام خصوصاً في اللحظات التي كانت تبدو فيها سوريا على وشك التوصل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل.[22]

أما اليوم تسير الأمور لصالح النظام في سوريا بمساندة “حزب الله” وغيره من الجهات الخارجية الأخرى الأمر الذي يزيد من نفوذ إيران في المنطقة، وستكون دول مجلس التعاون الهدف التالي للمخططات الإيرانية، ومن مؤشرات ذلك:

  • مطالبة وكيل وزارة الخارجية الإيرانية للشؤون العربية والإفريقية البحرين بالاعتذار عن تفتيش منزل أحد أئمة الشيعة، و”إلا ستواجه ما لا تُحمد عقباه”، وهو ما يعد تدخلاً في شأن داخلي لدولة عضو بمجلس التعاون.
  • استدعاء القائم بالأعمال في سفارة دولة قطر بطهران مؤخراً لتبليغه احتجاج السلطات الإيرانية على خلفية ادعائها ضبط شبكة تعد للقيام بأعمال تخريبية في يوم الانتخابات الرئاسية، وهو أمر له دلالته، لاسيما وأنه جاء ضد دولة خليجية تتمتع بعلاقات جيدة مع طهران.[23]
  • صعّدت إيران والقوى المقربة منها في المنطقة من وتيرة هجومها على السلطات السعودية، على خلفية حكم الإعدام الصادر بحق الشيخ الشيعي المعارض، نمر النمر، وصولاً إلى حد تهديد العائلة المالكة في السعودية وتشبيه القضية بـ”الصراع بين الإسلام والكفر” والتحذير من أن تطبيق الحكم سيؤدي إلى “سقوط النظام”.[24]

بدأ العام 2012 بمناورات وحشود عسكرية في الخليج، وتهديدات متواصلة بإغلاق مضيق هرمز الحيوي لإمدادات النفط رداً على أي ضربة عسكرية، لكن المواجهة الحقيقية انتقلت إلى سورية مع تباين مواقف الطرفين حول طبيعة الأحداث، وطريقة حل الأزمة، ففيما وقفت طهران بقوة مع نظام الرئيس بشار الأسد، ودعمته سياسياً واقتصادياً مباشرةً أو عن طريق تشجيع حلفائها في المنطقة لفك الحصار السياسي والاقتصادي عن النظام، قادت بلدان الخليج العربي عمل الجامعة العربية لتبني مواقف أكثر حزماً ضد الرئيس الأسد، وسعت إلى زيادة العزلة على النظام عبر المشاركة الفعالة في أكثر من مؤتمر لأصدقاء الشعب السوري، وحشد مزيد من الدول في هذا التحالف الدولي، كما رعت مفاوضات طويلة لتوحيد المعارضة السياسية، وأفلحت قطر في تجميع معظم معارضي الأسد في إطار الائتلاف الوطني المعارض، وسارعت بلدان الخليج إلى الاعتراف به ممثلاً شرعياً للشعب السوري. [25]

من خلال أحداث الثورة السورية برز الدعم العسكري الكبير من السعودية وقطر للمعارضة السورية المسلحة، وإيصال السلاح عبر تركيا وشمال لبنان. بينما ذهبت طهران لفتح ممر جوي يزود النظام بالأسلحة عبر العراق، إضافة إلى وجود مئات المستشارين الأمنيين والعسكريين الإيرانيين ومساهمتهم في إدارة المعارك ضد المعارضة، إضافة لإرسال إيران قناصة ومقاتلين من الحرس الثوري ليخوضوا معارك مباشرة ضد المعارضين.

جددت قمة البحرين التأكيد على “أهمية تقديم الدعم والمؤازرة للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، الذي تم تشكيله في الدوحة في نوفمبر/تشرين الثاني 2012، باعتباره الممثل الشرعي للشعب السوري والعمل على بناء دولة حديثة يسودها القانون، وتنعم بالأمن وتستوعب جميع أبناء الشعب السوري دون استثناء أو تمييز”. كما أكد البيان الختامي على دعم مهمة المبعوث الأممي والعربي الأخضر الإبراهيمي على أن تكون مرتبطة بتحقيق التوافق في مجلس الأمن، خاصة الدول دائمة العضوية، وفق صلاحيات ومسئوليات المجلس في الحفاظ على الأمن والاستقرار الـــــدولي.

وفي المقابل فإنّ إيران جددت تمسكها ببقاء الأسد في الحكم حتى نهاية العام 2012 وأطلقت مبادرة من ست نقاط لحل الأزمة تتشابه مع بعض ما طرحه المبعوث الأممي والعربي السابق كوفي عنان، كما رعت مؤتمرات للمعارضة الداخلية لإيجاد طرف يحاور النظام مع إصرار الكتلة الرئيسية من المعارضة في رفض أي حوار مع الأسد واستعدادها فقط للتفاوض على خروجه وتسليمه السلطة. [26]

الخاتمة

تفرض القضية السورية نفسها على البلدان والشعوب العربية وعلى العالم أجمع، من منطلق التهديديات الأمنية المباشرة لا سيما على دول الخليج خصوصاً مع التدخل الإيراني المباشر ودعمه لنظام الأسد من منطلق إيديولوجي بحت، لذلك سعت دول الخليج لدعم قضية الشعب السوري، ولكن دون الخروج عن الموقف الدولي العام الذي يرفض أي تدخل مباشر أو حتى تسليح المعارضة السورية بما يمكنها من إنهاء الجرائم والمجازر التي ترتكب بشكل يومي بحق السوريين اللذين يسود بينهم جو من المرارة والخذلان من الموقف العربي العام، وضعف خياراته تجاه ثورة السوريين، والصمت القائم إزاء ممارسات النظام، وما أدت إليه من خسائر بشرية ومادية وارتكاب مختلف صنوف المجازر التي يعاقب عليها القانون الدولي، وانتهاك لكافة حقوق الإنسان وعلى دول الخليج اتخاذ العديد من الخطوات في هذه الظروف منها:

  • توحيد الموقف الخليجي والعربي ورسم استراتيجية مشتركة في مواجهة التحديات التي تحيط بهم بما ينعكس بشكل إيجابي على الوضع السوري المضطرب.
  • حشد أكبر دعم ممكن من الدول الإسلامية والغربية في سبيل تحقيق استراتيجية موحدة لحماية السوريين.
  • قطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع الدول الداعمة لقتلة السوريين.
  • العمل على إنهاء معاناة اللاجئين السوريين من خلال الضغط باتجاه تسريع إقامة المناطق الأمنة.
  • التنسيق والتكامل في العلاقات الدفاعية الاستراتيجية التي تقتضيها هذه الظروف الصعبة والتطورات الخطيرة والمتسارعة والعمل على زيادة مجالات التعاون والتنسيق المشترك عبر تطوير قوات “درع الجزيرة” على المستويات كافة.

[1] مجلس التعان الخليجي في الميزان، تأليف محمد صادق إسماعيل، دار العلم للنشر، تاريخ النشر 2010 www.dareloloom.com

[2] نبذة عن مجلس التعاون الخليجي، bbc عربي، تاريخ النشر 5/12/ 2016 http://www.bbc.com/arabic/middleeast-38207033

[3]  مجلس التعان الخليجي في الميزان، تأليف محمد صادق إسماعيل، دار العلم للنشر، تاريخ النشر 2010 www.dareloloom.com

[4] عدد سكان السعودية 14/2/1435 وفق أخر تقرير https://www.nmisr.com/vb/showthread.php?t=551975

[5] رقم عدد سكان بنهاية فبراير 2016، الاقتصاد، تاريخ النشر 12/3/ 2016 https://goo.gl/qbRFld

[6] سكان البحرين مليون و234 الفا والاجانب باتوا يشكلون أكثرية، البوابة أخبار، المكتب المركزي للمعلومات في البحرين، تاريخ النشر 7/2/ 2011 https://goo.gl/XZlj4Z

[7] عدد سكان سلطنة عمان يقترب من كسر حاجز 4 ملايين نسمة، مركز الوطني للإحصاء والمعلومات، 11/1/2014 http://www.alittihad.ae/details.php?id=3140&y=2014

[8] وزارة التخطيط التنموي والإحصاء http://www.mdps.gov.qa/ar/statistics1/Pages/default.aspx

[9] التعداد العام للسكان والمساكن والمباني لعام 2011، الإدارة المركزية للإحصاء http://www.csb.gov.kw/Socan_Statistic.aspx?ID=6

[10] في العلاقات السورية – السعودية :1 – العلاقات السورية – السعودية قبل 11 أيلول، هدى رزق، شبكة فولتير، 9 /9/ 2007 http://www.voltairenet.org/article151307.html

[11] في العلاقات السورية – السعودية :1 – العلاقات السورية – السعودية قبل 11 أيلول…..هدى رزق، شبكة فولتير، 9 /9/2007 http://www.voltairenet.org/article151307.html

[12] سوريا4 مليارات دولار وأشياء أخرى: الدور السعودي الكبير في إجهاض الثورة، محمد عزت، ساسة بوست، 14/12/2016   http://www.sasapost.com/saudi-arabias-secret-role-in-the-syrian-revolution /

[13] المواقف العربية والدولية من الثورة السورية – هل هو صراع مصالح؟ بينما ترتكب الجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب السوري، نادية حسن عبدالله، الحوار المتمدن، العدد: 3651 –27/2/2012  /http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=296828   

[14] المرجع السابق نفسه.

[15] الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية ، أبرز الإنجازات في مجال السياسة الخارجية https://goo.gl/qyQWny

[16] المواقف العربية والدولية من الثورة السورية – هل هو صراع مصالح؟ بينما ترتكب الجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب السوري، نادية حسن عبدالله، الحوار المتمدن، العدد: 3651 –27/2/2012 http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=296828

[17] تعرف على تطورات الموقف القطري من الأزمة السورية،إيمان علي، صوت دمشق، 23 أكتوبر 2015 https://goo.gl/4cVfM6

[18] قرارت الجامعة العربية حول سوريا، بيان يلقيه وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم 16-10-2011 https://youtu.be/nEszDfjZLCo

[19] الموقف العربي من الثورة السورية، مركز أمية للبحوث والدراسات، 19/7/2012 http://www.umayya.org/featured/1386 

[20] خطاب الملك عبدالله بن عبدالعزيز 8/8/2011 https://youtu.be/PP0HgWcmf-8

[21] الموقف العربي من الثورة السورية، مركز أمية للبحوث والدراسات، 19/7/2012 http://www.umayya.org/featured/1386 

[22] في العلاقات السورية – السعودية :1 – العلاقات السورية – السعودية قبل 11 أيلول…..هدى رزق، شبكة فولتير، 9 /9/ 2007 http://www.voltairenet.org/article151307.html

[23] التصدي لحزب الله: تداعيات القرار الخليجي على العلاقات مع إيران، د.عمر الحسن، مركز الجزيرة للدراسات، الاثنين 24 /5/ 2013 http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2013/06/20136249542751638.html#a25  

[24] تصعيد إيراني بعد حكم إعدام الشيخ الشيعي السعودي نمر النمر.. الباسيج يهدد العائلة المالكة وتحذير من مصير النظام، الشرق الأوسط، 9 /10/2014 https://goo.gl/rKaCn7

[25] مجلس التعاون الخليجي 2012 … الحدث السوري ولجم إيران يطغيان على القضايا الداخلية، سامر الياس، بانوراما الشرق الأوسط، 27/12/2012 http://mepanorama.net/106195

[26] المرجع السابق نفسه.

تباين المواقف الروسية الامريكية في سوريا

تباين المواقف الروسية الامريكية في سوريا

بين تقاطع مصالح دولية وتراكمات وتصفية حسابات سياسية القضية السورية ضحية صراع القوى الكبرى

المقدمة

فرضت الولايات المتحدة الأمريكية هيمنتها على العالم وخصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفيتي فقد تخطت كارثة تفجيرات 11 سبتمبر وانسحبت فيما بعد من العراق وأفغانستان بعد إسقاط نظامي صدام حسين وطالبان لكنّها وجدت نفسها في مواجهة أزمات أمنية خطيرة لم تكن فرضت نفسها على السياسيين وتحديات في أوروبا والشرق الأوسط وشرق آسيا، وفشلت في وضع استراتيجية شاملة لمعالجة القضية السورية، فهناك مواقف متضاربة داخل الإدارة الأمريكية برزت بوضوح بين البنتاغون الذي دعا إلى فرض المزيد من العقوبات على كل من روسيا والنظام السوري وبين موقف البيت الأبيض المتمسك بالحل السياسي والدبلوماسي على أهواء روسيا، بالمقابل برزت روسيا التي تريد استرجاع قوتها الدولية من خلال الأزمة السورية، فتدخلت بكل قواها العسكرية لتغيير الوضع القائم بعد اقتراب المعارضة السورية من السيطرة على كامل التراب السوري في عام 2013، فهل يستطيع بوتين تنفيذ وصايا بطرس الأكبر أحد أشهر قياصرة روسيا بمواصلة قتال الدولة العثمانية وإخراجهم من أوروبا وتقسيم العالم بين الروس وبين باقي القوى العالمية.

ولتفكيك سلوك نظام ما إزاء أي قضية لا بد من دراسة النظام السياسي القائم وتركيبة المجتمع ومؤسسات الضغط وتحليل شخصية القائد وميوله.

روسيا الاتحادية ومقاربتها للوضع السوري

بدأ الاقتصاد الروسي يدخل مرحلة العجز منذ العام 2012، وهو الآن يترنح بسبب تداخل عدة عوامل كان أهمها العقوبات الاقتصادية المفروضة من قبل الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية، إضافة لهبوط أسعار النفط، حيث يعد النفط عماد الاقتصاد الروس، وفي ظل  واقع اقتصادي مزري تحاول روسيا استعادة أمجادها السابقة التي كانت تتمتع بها في عهد الاتحاد السوفيتي، فمنذ تولي فلاديمر بوتين للحكم عام 2000 لم يستطع مواجهة بوش الابن (2001-2009)، واضطر للانحناء أمام القوة الأميركية في أفغانستان والعراق وفي مجلس الأمن عند فرض العقوبات على إيران بسبب برنامجها النووي، وفي حزيران 2009 عمل بوتين مع الصين والبرازيل والهند على تأسيس دول مجموعة “البريكس” مع هدف مركزي هو: إقامة عالم متعدد الأقطاب، في أول تحدٍّ للقطبية الأحادية الأميركية التي بدأت ما بعد عام 1989، ومع اندلاع الأزمة في سوريا بدأ بوتين مغامرته الأصعب في ظل ظروف دولية مكنته من استغلال الموقف عند استخدام الفيتو الروسي-الصيني المزدوج في نيويورك في 4 تشرين الأول 2011 ضد قرار يدين سوريا ويلمح إلى إمكانية فرض عقوبات عليها إذا استمر قمعها الدموي للمحتجين.[1]

فما هو شكل نظام الحكم في روسيا الاتحادية، وكيف يتم اتخاذ القرارات، وهل يستطيع فلاديمير بوتين تحقيق حلمه في إعادة عظمة روسيا؟ من خلال سياسته القائمة على إعادة إنتاج تجربة أدولف هتلر النازية والذي كان لديه نفس الطموح بعيداً عن الدستور والوسائل الديمقراطية، ليبدأ أكثر خطواته جرأةً في سياسته الخارجية بتدخله الواسع في سوريا لتكون الركيزة الأولى في إعادة بناء الإمبراطورية الروسية.

نظام الحكم في روسيا الاتحادية

يتألف الاتحاد الروسي من 83 كيان فدرالي: 21 جمهورية معظمهن يتمتعن باستقلال ذاتي في شئونهم الداخلية، وغالباً ما تمثل كل جمهورية مجموعة عرقية واحدة أو أكثر، اللغة الرسمية في البلاد هي الروسية، إضافة لعدد من اللغات المحلية.[2] تحتل روسيا المرتبة الأولى بين بلدان العالم من حيث المساحة التي تبلغ 17 مليونا و75 ألف كيلومتر مربع، وتحتل المرتبة السابعة في عدد السكان -نحو 141،8 مليون نسمة وفق إحصاءات عام 2007 يعيش 11 مليونا منهم في العاصمة موسكو.[3]

النظام السياسي: يحدده الدستور الروسي، والذي تم اعتماده في التصويت الشعبي العام في 12 ديسمبر عام 1993، وضع الدستور على أساس الفصل بين السلطات إلى قضائية وتنفيذية وتشريعية.[4]

السلطة التنفيذية: تمثل حكومة روسيا الاتحادية السلطة التنفيذية في روسيا، وتتكون من رئيس الحكومة الاتحادية ووزراء فيدراليين، يقوم رئيس الحكومة بتشكيل مجلس الوزراء، ويتم تعينهم بعد موافقة مجلس الدوما وعند استلام رئيس جديد للبلاد يقوم رئيس الحكومة بحل حكومته.[5]

السلطة التشريعية: البرلمان -الجمعية الفيدرالية أو برلمان روسيا الاتحادية-يشكل جهازاً تشريعياً وتمثيلياً في السلطة.

هيكل الجمعية الاتحادية: تتكون من مجلسين المجلس الفيدرالي ومجلس الدوما، يضم المجلس الفيدرالي عضويين عن كل وحدة فيدرالية في روسيا الاتحادية: أحدهما من أجهزة السلطة التشريعية والتنفيذية، أما مجلس الدوما فيضم 450 عضواً ويتم انتخاب أعضائه في تصويت مفتوح لفترة 4 سنوات.

الأحزاب السياسية: أحزاب ديمقراطية منفصلة وصل عددها إلى 13 حزباً في الانتخابات الأخيرة من أهمها حزب خيار روسيا وحركة التغييرات الديمقراطية وحزب الفلاحين والحزب الشيوعي لروسيا الاتحادية والحزب الليبرالي الديمقراطي وكتلة الوحدة والتفاهم.[6]

السلطة القضائية: السلطة القضائية مستقلة وتعمل بشكل منفصل عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، يتكون النظام القضائي من:

  • المحكمة الدستورية لروسيا الاتحادية: تختص بالرقابة الدستورية ويتمثل دورها في الدفاع عن البنية الدستورية والحقوق والحريات الأساسية للمواطنين، بالإضافة لإعلاء مبادئ دستور روسيا الاتحادية على كل أراضي روسيا.
  • المحكمة العليا لروسيا الاتحادية: تعتبر أعلى سلطة قضائية في الشئون المدنية والجنائية والإدارية وغيرها من الاختصاصات القضائية العامة تقوم بمهمة الرقابة على أنشطة المحاكم ذات الاختصاصات العامة بما فيها المحاكم العسكرية والمحاكم الفيدرالية المتخصصة.[7]
  • محكمة النقض العليا لروسيا الاتحادية: أعلى سلطة قضائية تختص في فض النازعات الاقتصادية وغيرها من المنازعات الواقعة ضمن اختصاص محاكم النقض، وتقوم بالرقابة القضائية على أنشطتهم طبقاً للقواعد الاجرائية في القانون الفيدرالي.

النظام الانتخابي: إنّ نظام الانتخابات الروسية يسمح لكل محافظة بانتخاب نوابها وممثليها الخاصين، ومن ثم انتخاب رئيس مجلس نواب ورئيس بلدية، أو محافظ للمدينة، فالمحافظ هو الرئيس الفعلي للمدينة، دستور روسيا الاتحادية يعترف بالتعدية السياسية والحزبية، انطلاقاً من هذا المبدأ الدستوري.

أما انتخاب رئيس روسيا الاتحادية فينص القانون على:

  • يحق لأي مواطن روسي يقطن في روسيا بشكل دائم خلال فترة لا تقل عن 10 سنوات ويبلغ سنه 35 عاماً بأن ينتخب رئيساً لروسيا الاتحادية.
  • ألا يكون محكوما بجرم جنائي.
  • عدم حيازته على جنسية أجنبية.

هناك طريقتان للمشاركة في الانتخابات الأولى طريقة ترشيح ذاتية ويحق لكل مواطن في روسيا الاتحادية بأن يترشح للرئاسة الروسية مع شرط أن يشكل فريقاً لا يقل عدد الناخبين فيه عن 500 مواطن يتمتعون بحق الانتخاب، ويجمع فيما بعد ما لا يقل عن مليوني توقيع للناخبين، وما لا يزيد عن 1.2 مليون توقيع من الناخبين بحيث يأتي من كيان فيدرالي إقليم فيدرالي ما لا يزيد عن 50 ألف توقيع، وذلك لتقديمها إلى لجنة الانتخابات المركزية التي تتخذ قراراً بتسجيل المرشح، والثانية طريقة الترشيح من قبل حزب، ويقوم المؤتمر الحزبي بترشيح أحد عناصره، أما المرشحون الذين ترشحهم أحزاب غير متمثلة في مجلس الدوما الروسي، فيجب عليهم أيضاً جمع ما لا يقل عن مليوني توقيع للناخبين ويحق للرئيس الروسي بموجب الدستور بأن يشارك في الانتخابات الرئاسية للولاية الثانية.[8]

حياة فلاديمير بوتين وتدرجه بالسلطة

رئيس الاتحاد الروسي، هو الرئيس الرابع لجمهورية روسيا الاتحادية، كما أنّه رئيس حزب روسيا الموحدة.

انضم بوتين إلى الحزب الشيوعي، وبقي عضواً فيه حتى موعد حل الحزب بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، ولعل أبرز الصداقات التي بناها كانت مع أستاذ قانون الأعمال والسياسي الشهير أناتولي سوبشاك أول رئيس بلدية لسانت بطرسبرغ وأحد مؤلفي دستور الدولة الروسية بعد انفراط الاتحاد السوفياتي.

تدرج “بوتين” في العديد من المناصب خلا مشواره العملي حيث تم تكليفه عقب تخرجه من جامعة لينينجراد بالعمل في لجنة أمن الدولة KGB بالاتحاد السوفيتي سابقاً، كما تم إرساله عام 1984م إلى أكاديمية الراية الحمراء التابعة لـ KGB ومدرسة المخابرات الأجنبية، ثم تم تعيينه للعمل بجمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة في الفترة ما بين 1985-1990.[9]

عُين رئيساً للوزراء من طرف الرئيس بوريس يلتسين، وبعد استقالة هذا الأخير خلفه في منصب الرئيس عام 1999، وانتخب للمنصب يوم 26 مارس/آذار 2000، وفي عام 2004 أعيد انتخاب بوتين رئيساً لروسيا، وفي 2008 اضطر للتخلي عن المنصب لأنّ الدستور لا يسمح له بثلاث دورات متتالية، ليعين رئيساً للوزراء بينما تولى ديمتري مدفيدف الرئاسة.[10]

واستهدفت استخبارات بوتين وقواته الخاصة أي شخصية سياسة أو إعلامية تجرؤ على توجيه انتقادات له، وهكذا قامت قوى “مجهولة” في السابع من تشرين الأول 2006 باغتيال الصحافية آنا بوليتكوفسكايا في شقتها بإطلاق الرصاص عليها، والسبب أنّها تجرأت على انتقاد الأساليب غير الإنسانية التي ينتهجها الجيش الروسي في الشيشان.

وفي 4 آذار 2012 فاز فلاديمير بوتين بولاية ثالثة منذ الجولة الأولى حاصداً أكثر من 64 في المئة من إجمالي الأصوات مدتها ستة أعوام في انتخابات رئاسية أثارت جدلاً، بحصوله على نحو 64% من الأصوات، ولقيت عملية التصويت انتقادات واسعة من معارضي بوتين داخل روسيا ومن منظمة التعاون والأمن الأوروبية التي تشرف غالباً على شفافية العملية الديموقراطية في الانتخابات التي تجرى في أوروبا والعالم. [11]

ألقابه: الرجل الأكثر نفوذا في العالم، الديكتاتور، القيصر، طاغية موسكو، استبدادي القرن الواحد والعشرين، الدجال الكبير، المخلص، الثعلب جميعها ألقاب ومسميات يطلقها الرأي العام العالمي على رئيس الاتحاد الروسي فلاديمير بوتين.

عائلته: متزوج منذ عام 1983م من “لودميلا الكسندروفنا” التي التقى بها وهو لا يزال طالباً، وكانت لودميلا تعمل كمضيفة طيران وتقيم في مدينة لينينجراد، وقد أسفر هذا الزواج عن ابنتين هما ماريا مواليد عام 1985م وكاترينا مواليد عام 1986م، أعلنا طلاقهما عبر التلفزيون الرسمي في يونيو 2013.[12]

مفتاح لفهم شخصية بوتين: في حديثها عن زعماء العالم، تظهر كلنتون قدرة على فهم أعماق الشخصيات بنظرة الخبير المحلل، أخبرها فلاديمير بوتين يوماً أن والده كان عائداً من معركة في لينينغراد إبان الحرب العالمية الثانية حين رأى بضع جثث متكومة في شارعه لمدنيين قتلهم القصف الألماني، تعرّف المقاتل على حذاء زوجته، أصر على سحب جثتها ليدفنها بنفسه، وفوجئ أن زوجته لا تزال حية، نجت الزوجة وبعد بضع سنين أنجبت بوتين. تقول كلنتون إنّ هذا قد يكون مفتاحاً لفهم شخصية بوتين التي تحاول دوماُ أن تختبر المقابل، وتخرق الحدود، وتخنق المعارضة، وتعيد مجد الامبراطورية السوفياتية الغابر.[13]

سوريا في الحسابات الروسية

تعود المصالح الروسية في سوريا إلى ما قبل أحداث عام 2011، حيث كان الاتحاد السوفيتي من أول الدول التي اعترفت باستقلال سوريا وأقامت علاقات دبلوماسية معها عام 1944، وتعززت العلاقات السورية الروسية بشكل كبير لترتقي إلى مستوى التحالف الاستراتيجي في زمن الرئيس حافظ الأسد عام 1970، وامتدت وتطورت إلى زمن الرئيس بشار الأسد.

ما الذي يدفع موسكو إلى استخدام حق النقض (الفيتو) أربع مرات في مجلس الأمن الدولي لمنع صدور أي قرار إدانة أو عقوبات ضد النظام السوري؟

مما لا شك فيه أن عوامل متعددة تدفع موسكو للتعامل مع الملف السوري بهذه الحساسية:

  • منذ عام 2000، سعى بوتين إلى استعادة مكانة روسيا كـ “قوة عظمى” مُجسداً سياستها ضد الولايات المتحدة في شكل لعبة محصلتها صفر من أجل وضع روسيا كثقل موازن للغرب في الشرق الأوسط وتمثل سوريا موطئ القدم الأكثر أهمية في المنطقة بالنسبة لروسيا، كما أنّها تعتبر ذات أهمية رئيسية في حسابات بوتين فموقع سوريا المطل على البحر الأبيض المتوسط وإسرائيل ولبنان وتركيا والأردن والعراق يجعلها ذات أهمية كبرى من أن يُسمح بخسارتها.
  • وما يدعو بوتين إلى دعم الأسد أيضاً التطورات الجارية في سوريا فشرارة “الربيع العربي” الإحباط من جراء الفساد وما يظهر من انعدام المساءلة للطبقة السياسية في روسيا قد تفشى في بعض قطاعات المجتمع الروسي ففي كانون الأول/ديسمبر 2011 شهدت البلاد أوسع احتجاجات منذ سقوط الاتحاد السوفيتي وبالنسبة لبوتين الأكثر اعتياداً على شعب معروف تاريخياً برضائه، لا بد وأنّ هذه الأحداث قد أثارت الذعر، ومن المرجح أنّه يخشى بأن يلقى نفس المصير الذي لاقاه الزعماء العرب المخلوعين. [14]
  • التشبث الروسي بسوريا ومن خلالها بالبحر الأبيض المتوسط، فلا شيء في هذه اللحظة يفوق أهمية المتوسط في حسابات روسيا الجيوسياسية، هذا البحر هو بوابة أوروبا والبحر الأسود، واستتباعًا روسيا ذاتها، إنّه الخاصرة الرخوة للأمنين الأوروبي والروسي على حد سواء، فالصراع الدولي على البحر الأبيض المتوسط يُمثل أحد عوامل التمسك الروسي بسوريا منذ العهد السوفيتي وحتى يومنا هذا، لأهميته الاستراتيجية للقوى العظمى.[15]
  • حجم المصالح الروسية في سوريا ومحيطها المباشر، فبعد الحرب الباردة بقيت القاعدة البحرية الروسية في طرطوس من أهم القواعد في الخارج ورمزاً للنفوذ الروسي في سوريا، حيث بقي النظام في دمشق من أواخر الحلفاء في الإقليم والجيش السوري من المزودين بالسلاح الروسي.
  • ويرتبط القلق الروسي الاستراتيجي بمراقبة إنتاج وتسويق الغاز الطبيعي خاصة أنّ منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط أصبحت مرشحة لمزيد من المخاطر مع بدء ضخ الغاز الإسرائيلي والمسح الاستكشافي للغاز بالقرب من سواحل قبرص، ومصر، وإسرائيل، ولبنان، وسوريا، وتركيا، حيث توجد احتياطيات هائلة من الغاز الطبيعي.[16]
  • استخدام الساحة السورية لإثبات الوجود في وجه السعي الأميركي والأوروبي وحتى التركي والإيراني للحلول مكان النفوذ الأمريكي في مناخات حرب باردة متجددة. [17]
  • موسكو تدرك أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل لا تحبان بشار الأسد كثيراً لكنّهم مع ذلك يتوهمون أنّه في حال الإطاحة به فسوف يستبدل بأصوليين إسلاميين، الأمر الذي يعطي كلاً منهما الحافز لمساعدة موسكو على دعم ومساندة الأسد.[18]
  • مصالح روسيا في الخليج، تعتبر علاقات موسكو قديمة في المنطقة، فعلاقاتها بالمملكة العربية السعودية تعود إلى ثمانين عاماً، تنظر روسيا من دون شك، إلى الخليج من وجهة نظر جيوسياسية، فالمنطقة تقع على قاب قوسين أو أدنى من أراضيها، وفي السياق الراهن تعتبر منظومة مجلس التعاون الخليجي أساسية في استنهاض نظام إقليمي عربي لا يمكن لموسكو مناصبة العداء له، خاصة أنّها تصبو إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية معه، وربما تراهن على تحسين علاقتها الاستراتيجية معه على ضوء الاستدارة الأميركية نحو إيران. [19]

المسار التاريخي للتعاون الروسي السوري منذ بدء الثورة السورية:

27 أبريل/نيسان 2011 روسيا والصين تعارضان قراراً غربياً في الأمم المتحدة يدين قمع نظام بشار الأسد للمظاهرات السلمية في سوريا على إثر ارتكاب النظام لمجزرة في مدينة الحوالة راح ضحيتها 92 شخص ثلثهم من الأطفال.

7 أكتوبر/تشرين الأول 2011 الرئيس الروسي السابق ديمتري مدفيدف -وفي نبرة غير معهودة-يدعو الأسد إما لتطبيق الإصلاح أو الاستقالة في حين يحذر الغرب من أنّ بلاده ستحارب خارج قواعدها للدفاع عن النظام السوري.

8 يناير/كانون الثاني 2012 أسطول حربي روسي ضخم تقوده حاملة طائرات يصل إلى القاعدة العسكرية البحرية الروسية بمدينة طرطوس.

أبريل/نيسان 2012 مصدر رفيع في وزارة الدفاع الروسية يقول إنّ بلاده ستبقى موجودة بشكل دائم عسكرياً على الساحل السوري.

30 يونيو/حزيران 2012 القوى الغربية الكبرى تجتمع في جنيف وتتفق على الإعداد لمرحلة انتقالية في سوريا.

18 يوليو/تموز 2012 روسيا والصين تستعملان حق النقض (الفيتو) للمرة الثالثة في غضون تسعة أشهر ضد مشروع قرار يهدد باستعمال عقوبات ضد الأسد إذا لم يتوقف عن استعمال الأسلحة الثقيلة لقمع المتظاهرين.

10 أكتوبر/تشرين الأول 2012 تركيا تجبر طائرة مدنية تقل مسافرين، قادمة من موسكو ومتجهة لدمشق قيل إنّها تحمل أسلحة على الهبوط في العاصمة التركية أنقرة.

27 نوفمبر/تشرين الثاني 2012 مدفيدف يقول إنّ بلاده تربطها بسوريا “علاقة عمل جيدة” مؤكداً أنّ هذه العلاقات كانت خاصة ولها إرث تاريخي.

27 يناير/كانون الثاني 2013 روسيا تتهم الأسد بارتكاب “أخطاء فادحة على الأرجح” نتيجة تأخير تطبيق الإصلاح.

13 مارس/آذار 2013 وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يحذر من أنّ تسليح المعارضة السورية سيكون انتهاكا للقانون الدولي.

21 أغسطس/آب 2013 روسيا تصف اتهامات المعارضة للنظام السوري بالمسؤولية عن الهجوم الكيميائي الذي أودى بحياة 1300 شخص بأنّها مجرد “خطة مرسومة”، واتهامات تحريضية.

27 أغسطس/آب 2013 لافروف يحذر من أنّ أي تدخل عسكري غربي في سوريا “ستكون له نتائج كارثية” على المنطقة، ونائب رئيس الوزراء الروسي يقول إنّ الغرب يتصرف في العالم الإسلامي وكأنّه “قرد يتقافز وهو يحمل قنبلة”.

2 سبتمبر/أيلول 2013 روسيا تعلن أنّ سفينة الاستطلاع “إس إس في201 بريازوفي” أبحرت من ميناء سيفاستوبول الأوكراني المطل على البحر الأسود “إلى منطقة الخدمة العسكرية المحددة لها في شرق المتوسط”.

4 سبتمبر/أيلول 2013 الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعلن أن بلاده يمكن أن توافق على عملية عسكرية ضد الأسد إذا ما قدم الغرب أدلة دامغة على استعمال النظام السوري لأسلحة كيميائية لكنّه في المقابل يؤكد أنّ استعمال القوة دون الرجوع للأمم المتحدة سيكون “عدوانا”.

4 سبتمبر/أيلول 2013 مصدر في قيادة أركان القوات المسلحة يؤكد أنّ القطع الحربية الروسية الموجودة في البحر المتوسط “قادرة على التحرك” إزاء أي تصاعد للنزاع في سوريا وأضاف “يمكن إذا اقتضى الأمر أن يكون للسفن مع الغواصات تأثير على الوضع العسكري منذ الآن”.[20]

30 سبتمبر/أيلول 2015 بدأ سلاح الجو الروسي بتوجيه ضربات جوية في الأراضي السورية، وهذا بعد أن طلب الرئيس السوري بشار الأسد دعمًا عسكريًا من موسكو ووافق مجلس الاتحاد الروسي على تفويض الرئيس فلاديمير بوتين استخدام القوات المسلحة الروسية خارج البلاد

31 ديسمبر /كانون الأول 2016، بداية العمل بالمشروع الروسي التركي بشأن الهدنة، حيث تم الاتفاق على وقف إطلاق النار في كافة الأراضي السورية بين المعارضة، ونظام بشار الأسد وحلفائه، بضمانة روسية تركية، باستثناء المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة (ISIS)، وجبهة فتح الشام ووحدات حماية الشعب الكردية من وقف إطلاق النار.

ويجيب على موسكو أن تعلم أنّ الحفاظ على نفوذ لها في شرق البحر المتوسط لا يمر حكماً من خلال النظام السوري الحالي بل من خلال دولة سورية مستعادة.

قراءة في الموقف الأمريكي

اتسم الموقف الأمريكي ومنذ بداية الثورة في سوريا بالخجول والمتفرج على معاناة السوريين والسبب يعود بالدرجة الأولى للرئيس الأمريكي بارك أوباما الذي رسم سياسة عدم تدخل القوات الأمريكية في الشؤون الخارجية وكان تركيزه على اقتصاد بلاده الداخلي رغم تعارض سياسته مع أهم مبادئ الولايات المتحدة والتي تتخذه شعاراً لها وهو مبدأ حماية حقوق الإنسان فبشار الأسد حاكم سوريا والذي تجاوز كافة أنواع الخطوط التي رسمها له أوباما وارتكب مختلف أنواع الجرائم الدولية لم يترك للإنسان السوري أية حقوق.

العلاقة السورية الأمريكية

اتسم الموقف الأمريكي تجاه القضية السورية بالتردد والغموض، ولكنّه ليس موقفاً جامداً، فقبل اندلاع الثورة السورية كانت الإدارة الأمريكية بصدد مراجعة سياساتها تجاه الحكومة السورية، فبعد أن كانت الإدارة الأمريكية تتعامل مع سوريا على أنّها من الدول الداعمة للإرهاب في زمن جورج بوش ووصلت العلاقة إلى حد القطيعة واستدعاء واشنطن سفيرها في دمشق بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري عام 2005 ومن ثم يجب تغيير النظام القائم بها، كما أنّها تهدد المصالح الإسرائيلية بدعمها لحماس وفصائل المقاومة، تغيّر هذا الموقف بفوز الديمقراطيين بأغلبية المقاعد في الكونجرس الأمريكي في 2008 وتأكيدهم أنّ سياسات الجمهوريين تجاه سوريا فشلت في تحقيق المصالح الأمريكية لذلك ترسخت لديهم قناعات بضرورة تغيير الاستراتيجية الأمريكية تجاه سوريا وهذا كان متوافق مع رغبة الرئيس الأمريكي بارك أوباما، لذلك بدأت مرحلة جديدة في العلاقات الأمريكية السورية.[21]

لم يتعدَ الموقف الأمريكي في عهد باراك أوباما الكلام حول القضية السورية فلم يطلب الرئيس الأمريكي من بشار الأسد مغادرة السلطة إنّما طالبه بوقف العنف رغم الوصف القوي من البيت الأبيض للفظائع التي يرتكبها الأسد وفي شهر يوليو 2011 اتخذت الولايات المتحدة أكثر الخطوات حدة مع النظام السوري، وهي “فرض عقوبات” على بعض رموز النظام السوري وهم: الرئيس بشار الأسد ونائبه فاروق الشرع، رئيس الحكومة عادل سفر، وزير الداخلية محمد إبراهيم الشعار، وزير الدفاع علي حبيب محمود، مدير المخابرات عبد الفتاح قدسية، مدير الأمن السياسي محمد ديب زيتون. وتتضمن العقوبات تجميد أي أموال خاصة بهم في الولايات المتحدة وحظر التعامل التجاري معهم داخلها، وسبقها عدة إجراءات اعتمدها الرئيس الأمريكي أوباما في 29 أبريل من نفس العام على 13 مسؤولاً سورياً، بينهم ماهر الأسد، الشقيق الأصغر للرئيس السوري، عقوبات لم يكن لها تأثير كبير على مجريات الأمور وعلى من فرضت عليهم العقوبات فأغلب أموالهم موجودة في البنوك الروسية الداعم لسياسة القتل والتهجير التي ينتهجونها [22]، أما اليوم فالموقف الأمريكي يميل إلى إمكانية التفاهم مع النظام القائم بتعديل سلوكه وخفض قدراته العسكرية واستقطاب سياسة إيران الإقليمية والدولية من خلال الحوافز.

كانت السياسة الخارجية لأوباما قائمة على سحب جيوش الولايات المتحدة الأمريكية من مناطق النزاع خاصة في العراق والشرق الأوسط وإتمام المصالحة مع النظام في إيران في محاولة لاحتواء الخطر النووي، فإعادة العلاقات مع إيران بعد ما يقارب الثلاثة عقود من القطيعة كان الإنجاز الذي سيمكن أوباما من وضع بصمته على تاريخ أمريكا الحديث، لذلك فالشأن السوري منذ البداية كان له أهمية ثانوية، ففي مقابلة أجراها توماس فريدمان مع أوباما عقب الاتفاق المبدئي مع إيران صرح الرئيس أنّه بالنسبة للأزمة السورية فعلى العرب حل مشاكلهم بنفسهم، كما أنّ أوباما منذ البداية له علاقة بنظام الأسد، فمستشاره للأمن القومي روبرت مالي من الداعين للانفتاح على الأسد وللتواصل معه، وروبت مالي كان رئيس ” مجموعة الأزمات العالمية لإفريقيا والشرق الأوسط ” وقد افتتح مكتبا للمنظمة في دمشق عام 2005 يرأسه مساعده بيتر هارلنغ وهو مكتب الأبحاث الوحيد الأجنبي في سوريا، وقد استطاع مالي افتتاحه بسبب علاقته المميزة مع النظام، لذلك فموقف أوباما من حكومة دمشق لا يقارن بموقف بوش الذي اعتبر الأسد محوراً من محاور الشر. [23]

أما العوامل المؤثرة بقرار أمريكا فيمكن تلخيصها بما يلي:

  • ضعف أوباما وتردده لأخذ دور نشط في سياسات الشرق الأوسط ووضع الأولوية للمصالحة مع إيران.
  • الرأي العام الأمريكي غير متعاطف مع العرب.
  • موقف روسيا وإيقافها لأي قرار للأمم المتحدة.
  • انقسام الجاليات العربية.
  • ظهور المتطرفين على ساحة المعارضة.
  • الانقسام العربي.

وإذا كان هناك من درس يجب أن تكون منطقتنا كلها، وخصوصا المعتدلين فيها، ودعاة الاستقرار والأمان، قد تعلموها من السنوات العشر الأخيرة، وما شهدته منطقتنا من زلازل مهولة، فهو: تصرّف وكأنّ أميركا غير موجودة! صحيح أن أميركا قوة عظمى، ومن الصعب مناطحتها، فهي أشبه ببحر متلاطم الأمواج ويحتاج إلى بحّار ماهر يعرف متى يعتلي موجه، ومتى يستفيد من سكونه، إلا أنّ هناك حقيقة ماثلة أمامنا في السياسات الأميركية تجاه المنطقة وهي أنّ أميركا تتعامل دائماً مع الوضع القائم، بمعنى أنّها لا تغير ما حدث، ولا تضمن تحولاً بشكل ديمقراطي صحيح، بل إنّها تتعايش مع الوضع القائم طالما تم ضمانة أمنها ومصالحها، وبالطبع مصالح إسرائيل، لا أكثر ولا أقل، فالقصة ليست قصة قيم، أو سياسات واضحة مثل حقوق الإنسان، أو الديمقراطية وغيرها، وإلا ما تفسير الانشغال الأميركي الآن بالأقليات السورية بينما لا نجد نفس الاهتمام في العراق أو مصر![24]

الصراع داخل الإدارة الأمريكية حول القضية السورية

أقوى المواقف المعارضة لسياسة الرئيس الأمريكي باراك أوباما جاءت من قبل أعضاء الكونغرس الأمريكي حيث انتقدوا سياسة إدارة باراك أوباما تجاه القضية السورية، مؤكدين دعمهم لموقف المعارضة السورية إزاء محادثات جنيف للسلام، وكانت مواقفهم كما يلي:

  • موقفهم من المعارضة السورية: أعلن عضوا الكونغرس الجمهوريان “جون ماكين” و”لينزي جراهام” تأييدهما لموقف المعارضة السورية تجاه محادثات جنيف، وذلك في اتصالٍ هاتفي مع رياض حجاب المنسق العام للهيئة العليا للتفاوض، وقد أعرب عضوا الكونغرس عن دعمهما “قرار الهيئة العليا للمفاوضات بإرسالها وفدًا إلى جنيف للتوصل إلى حل سياسي في سوريا من شأنه أن ينقل السلطة سلميًّا من نظام الأسد إلى حكومة ديمقراطية شاملة تحترم كرامة كل السوريين”.
  • انتقادهم إدارة الرئيس باراك أوباما، ودعا إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى الالتزام بوعودها بأنّه لن يكون للأسد دور في مستقبل سوريا، وأنّ محادثات السلام تتضمن الحديث عن انتقال سياسي وحذراه “وإن لم تفعل ذلك سيكون امتناع المعارضة السورية عن المشاركة في هذه المحادثات أمراً مفهوماً”، كما انتقدا سياسة إدارة أوباما تجاه القضية السورية فقال: “ينبغي على إدارة أوباما ألا تساهم في تقوية موقف روسيا وإيران التفاوضي أكثر مما فعلت حتى الآن”.
  • مطالبهم: فقد طالب السيناتوران “الولايات المتحدة والمجتمع الدولي الاضطلاع بمسؤولياتهم في تطبيق قرارات مجلس الأمن تلك كجزء من أيّ محادثات لها أن تستمر”.[25]

وقد أقر الكونغرس الأمريكي بالإجماع قانون “حماية المدنيين” في سوريا، أو ما يعرف بقانون “سيزر”، الذي يضمن معاقبة داعمي النظام السوري.

وسيزر ضابط منشق عن نظام الأسد، سرّب 55 ألف صورة لـ 11 ألف معتقل عام 2014، قتلوا تحت التعذيب، وعرضت تلك الصور في مجلس الشيوخ الأمريكي، وأثارت ردود أفعال واسعة في الإعلام العربي والغربي.

أمهل القانون الرئيس الأمريكي مدة 90 يوماً، لاقتراح آلية منطقة حظر جوي في سوريا، وفي حال تجاوز المدة ستُقدّم لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكونغرس مقترحا للرئيس بشكل مباشر، ويغدو الكونغرس بأغلبية جمهورية، في كانون الثاني 2016، عقب فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب، برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية.[26]

وهذا القانون سوف يحول دون مشاركة بشار الأسد ونظامه في المرحلة الانتقالية، لأنّه يُدينه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ومن ثم فهو عثرة أمام حل أوباما السياسي، فهناك أوامر بالقتل، وإنشاء مقابر جماعية، وتصفية المعتقلين، عليها تواقيع رسمية من بشار الأسد.

شدة رفض أوباما لـ “سيزر” تمثلت بأنّه غضب وضرب بيده على الطاولة عندما عرض عليه، واعتبر أنّه من المهزلة أن تقوم المؤسسات الأمريكية كـ(الكونغرس) و(البنتاغون) بدعمه، وسط بحث إدارته عن حل سياسي ينهي الأزمة السورية.[27]

وقد تناقض رفض الرئيس بارك أوباما لقانون سيزر مع كلمته بالأمم المتحدة عن آلام السوريين، فأوباما أجهض قانون “سيزر” الذي ينص على فرض عقوبات جديدة على النظام السوري وداعميه إيران وروسيا، وإجراء تحقيقات ضد جرائم الحرب في سوريا، سبقتها فضيحة أكبر كشفها خطة لوكس التي حظيت بموافقة مدير الـ  CIA السابق “ديفيد بترايوس” ولجنة الكونغرس، وكشفت عن رفض أوباما 50 مقترحاً للإطاحة بنظام الأسد،  الخطير في الأمر أنّ فضائح أوباما لحماية نظام الأسد ورفض الإطاحة به أو تحجيم دوره أو محاكمته تشكل في حد ذاتها خيانة للحلف الداعم لرحيله المتمثل في دول المحور السني “تركيا-قطر-السعودية” والتي لم يقدم لها أوباما أي دعم حقيقي لإنهاك الأسد أو تطويقه أو تحجيم المدد الروسي الإيراني له وتغلغل شبكة الميلشيات الأجنبية في سوريا.

وتورط إدارة أوباما بفضائح لحماية نظام الأسد وشبكة حلفائه تتكشف كل يوم ويكشفها عناصر من داخل أمريكا نفسها.

  • ففي أبريل 2016 تكشفت حقيقة رفض “باراك أوباما” خطة عرضتها عليه وكالة الاستخبارات الأمريكية “CIA” في عام 2012 لإزاحة بشار الأسد عن السلطة، وقدم الخطة أحد ضباط الوكالة “دوغ لوكس” الذي أمضى أكثر من سنة في المنطقة، التقى خلالها مع العديد من ضباط الاستخبارات في الدول المعنية بسوريا، بالإضافة للقاءات مع بعض القيادات الثورية السورية.

وقام لوكس مع فريق العمل الخاص بسوريا بوضع خطة للمساعدة على الإطاحة ببشار الأسد ونالت خطته موافقة الكونغرس ورؤسائه في الاستخبارات، ولكنّ أوباما رفض الخطة “رفض السماع أو حتى مناقشة الخطة”.

وبحسب قوانين الوكالة الأمريكية فليس مسموحاً للوكس نشر تفاصيل المقترحات، ولكنّه قال في المقابلة مع المحطة الأمريكية أنّ خطته اعتمدت على التواصل مع بعض القيادات في نظام بشار والاتفاق معها على الانقلاب عليه، بالإضافة لإقامة منطقة حظر جوي ودعم الجيش الحر.

وأكد لوكس أنّ إدارة أوباما والمخابرات الأمريكية حددت هدف “مجموعة العمل الخاصة بسوريا” بإيجاد طرق للمساعدة على الإطاحة ببشار الأسد، ويقول لوكس بأنّهم خرجوا بأكثر من 50 اقتراحاً، ولكنّ أوباما رفضها كلها ولم ينفذ حتى “اقتراح واحد منها”.

  • تواطؤ على مجازر الكيماوي، الشواهد السابقة تؤكد تواطؤ أمريكي على مجازر الكيماوي للأسد، وفي الذكرى السنوية الثالثة لـ مجزرة الكيماوي رصدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أنّ قوات النظام السوري نفذت مئة وتسعة وثلاثين خرقاً بهجمات بالسلاح الكيمياوي منذ صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2118 في سبتمبر/أيلول 2013، ويكشف “مركز توثيق الانتهاكات الكيمياوية في سوريا” إنّ النظام يمتلك سبع منشآت وستة مخابر قادرة على التصنيع بوتيرة عالية للسلاح الكيمياوي وحتى أيار 2015 وثق هذا المركز 2376 حالة وفاة و12 ألف إصابة جراء الأسلحة الكيميائية التي أقدمت القوات النظامية على استخدامها، بعد استخراجها من مخابئ سرية خاصة بعضها في جبل قاسيون وفي اللاذقية.
  • إدارة أوباما تخدع الرأي العام للاستهلاك الإعلامي، ففي عام 2012 خرجت وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك “هيلاري كلينتون” بتصريحات عن توجه أمريكي لفرض مناطق حظر جوي في سوريا الأمر الذي لاقى ترحيباً من قبل قيادات الثوار بحسب لوكس “قيادات الثوار الذين كانوا غير واثقين في دوافع أمريكا تلقوا الكلام بحماس وشاركونا بمعلومات مهمة”، ولكن ما تبين لاحقا أن تصريحات كلينتون لم تكن إلا للاستهلاك الإعلامي.
  • الأمر انتهى بـ “I.A” التي كان على رأسها آنذاك ديفد بترايوس، بإدارة برنامج لتسليح الثوار من “غير الجهاديين” الذين يمثلهم الجيش السوري الحر، لكنّها لم تصل أبداً إلى الحجم الذي يتفوق على النظام المدعوم من إيران ومليشيا حزب الله اللبناني.
  • الاستهلاك الإعلامي للإدارة الأمريكية مستمر، فقد دعا وزير الخارجية الأمريكي جون كيري إلى حظر كلي للطيران في مناطق رئيسية في سوريا لإنقاذ الهدنة المهددة بالانهيار، وذلك عقب الهجوم الذي تعرضت له قافلة للمساعدات قرب حلب، وقال كيري في خطاب ناري ألقاه في الأمم المتحدة إنّ مستقبل سوريا “معلق بخيط”.[28]

الأزمة السورية مستمرة مع دونالد ترامب

اقترب موعد خروج أوباما من البيت الأبيض مخلفاً ورائه أسوء كارثة إنسانية يشهدها الشرق الأوسط، والتي وصلت تداعياتها إلى كافة أنحاء العالم في محاولة منه للتقرب من إيران على حساب حلفائه في المنطقة متجاهلاً معاناة الأهالي وأعداد الضحايا المتزايد بشكل يومي عداك عن جرائم الحرب التي تزداد وحشية من قبل نظام الأسد وحلفائه الإيرانيين والروس والمليشيات التابعة لهم، في ظل هذه الفوضى سيؤدي الرئيس الـ 45 للولايات المتحدة الأمريكية في  شهر يناير من العام الجديد 2017القسم أمام رئيس المحكمة العليا الأمريكية في مبنى الكونجرس “أقسم أنني سأنفذ مخلصاً مهام منصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وسأعمل بأقصى ما لدى من قدرة على صيانة وحماية دستور الولايات المتحدة والذود عنه”، لينطلق بعدها ترامب في تنفيذ سياساته التي يكتنفها الكثير من الغموض في العديد من الملفات والقضايا، وسيجد على طاولته أول قانون أقره الكونغرس الأمريكي بأغلبيته الساحقة وهو قانون سيزر الذي رفضه الرئيس السابق باراك أوباما ويعتبر نقلة نوعية في تعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع الملف السوري في حال صادق عليه الرئيس الأمريكي الجديد وبدأ بتطبيقه فعلاً عل أرض الواقع.

وقد أثار فوز المرشح الجمهوري بانتخابات الرئاسة الأمريكية دونالد ترامب حالة من القلق والفزع على مستوى دول العالم عموما والأوروبية بشكل خاص، وهو يؤكد على أنّ أمريكا التي يقودها ستدحر “الإرهاب الاسلامي المتطرف”، ويشدد على أنّ السياسات التي اتبعها الرئيس باراك أوباما ووزيرة خارجيته السابقة هيلاري كلينتون هي التي أدت إلى نمو وصعود تنظيم الدولة الإسلامية.[29]

السياسة التي سيتبعها تجاه سوريا لا تزال غامضة، حيث اقترح الابتعاد عن سياسة الإدارة الأميركية الحالية في عهد باراك أوباما، والتي ترتكز على “إيجاد جماعات معارضة سورية معتدلة لدعم الحرب الأهلية هناك”، وأوضح أنّه يجب زيادة التركيز على محاربة تنظيم داعش في سوريا بدلاً من إيلاء الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد الأولوية القصوى، قائلاً “كان موقفي مما يجري هو: أنّك تقاتل سوريا، وسوريا تقاتل داعش، وعلينا التخلّص من داعش! روسيا الآن منحازة تماماً إلى سوريا، ولديك الآن إيران التي أصبحت قوية بسببنا، أيضاً متحالفة مع سوريا، نحن الآن ندعم المتمردين ضدّ سوريا، وليس لدينا أي فكرة من هم هؤلاء الأشخاص”.[30]

متردد تجاه الأسد، لكنّه يعتقد أنّ تعزيز نظامه هو الطريق الأفضل للقضاء على التطرف الذي ازدهر في فوضى الحرب الأهلية والذي يهدد أميركا، وأكّد عزمه على تحسين العلاقات مع روسيا، وأنّه يجدر على الولايات المتحدة قطع الدعم العسكري عن المعارضة السورية المسلحة.

ولكن في الوقت نفسه يعدّ معارضا قويا للاتفاق النووي الإيراني، فمن المستغرب أن يقترح ترامب سياسات من أجل سوريا من شأنها أن تنقذ إيران من هزيمة تعيقها جغرافيًّا وسياسيًّا وتعزز نفوذها الإقليمي، ففي السنوات السابقة للربيع العربي، مثلت سوريا صلة وصل لتماسك المناطق من إيران إلى بغداد فدمشق إلى بيروت، وكان الأسد أهم حليف عربي لإيران.

فمن شأن هزيمة الأسد في سوريا أن تسهم بتفكيك الإمبراطورية الإيرانية الإقليمية، وبخسارة سوريا سوف يترك فجوة في قلبها، ومن شأن ذلك أيضًا أن يشكل تهديداً خطيراً لميليشيا حزب الله، المنظمة الإرهابية الوحيدة في العالم التي هي الممثل شبه العسكري المعترف بها في دولة مليئة بالقوات المسلحة.[31]

أهم ما يمكن ملاحظته من التصريحات التي أدلى بها دونالد ترامب خلال الحملة الانتخابية حول القضية السورية ما يلي:

  • التصريحات السابقة لترامب شعبوية لدغدغة عواطف الناخبين ومحاولة النيل من حملة هيلاري كلينتون وتحمل انطباعات غير مبنية على أسس ومعلومات، وهو ما يصعّب عملية تحولها إلى استراتيجيات وسياسات.
  • افتقار الرئيس الجديد إلى الخلفيات الأكاديمية والسياسية والحزبية، وذلك ينم عن عدم امتلاكه رؤية واضحة في الكثير من القضايا وفي مقدمتها السياسة الخارجية، لكن لديه مهارة في حساب عوامل الربح والخسارة ويسعى دائماً ليكون هو الرابح، وهو ما سيلزمه إلى حد ما بآراء مستشاريه الذين لم تتبلور أسماؤهم بشكل نهائي بعد.
  • رغم أنّ ترامب شخصية قوية وبارزة، إلا أنّه في نهاية المطاف مرشح الحزب الجمهوري، وهو ما سيعطي للأخير فرصة توجيهه والضغط عليه لتنفيذ رؤية الحزب أكثر من توجهاته الشخصية، وسيساعده على ذلك الأغلبية التي حققها في مجلسي الشعب والشيوخ، إضافة إلى أنّ النسبة الأكبر من المساعدين والمستشارين الجدد ستكون بشكل متوقع من دوائر الحزب.
  • رغم أنّ كل رئيس أمريكي يحظى بهامش معين من الذاتية في رسم السياسات ضمن ما يتيح له الدستور من صلاحيات، إلا أنّ عمله محكوم بأطر ومحددات تتعلق بصلاحيات المؤسسات الأخرى من الكونغرس للبنتاغون للمؤسسة العسكرية لجهازي الاستخبارات “FBI” وCIA” “وغيرهم، وهي مؤسسات ستحدُّ بمعلوماتها وصلاحياتها وسياساتها كثيراً من سياسته التي تحدث عنها خلال الحملة الانتخابية وفق محددات الأمن القومي الأمريكي، وربما يتضافر معها عامل شركاء واشنطن في العالم مثل حلف الناتو والاتحاد الأوروبي.
  • ليس سهلاً التحول 180 درجة عن السياسة الخارجية التي انتهجها أوباما على مدى ثماني سنوات كاملة، فقد بني عليها مؤسسات ومصالح وأشخاص وأموال واستراتيجيات وحقائق على الأرض (بما في ذلك مواقف الخصوم والحلفاء) قد يؤدي النكوص الكامل أو السريع عنها إلى خسارات كبيرة لا يسع واشنطن ولا رئيسها الجديد تحملها.[32]

وليس من المبالغة توقع تغيرات ستطرأ على السياسة الخارجية الأمريكية في العهد الجديد من قبيل التركيز على الاقتصاد والتحول في التعامل مع قضايا السياسة الخارجية نسبياً، لكنّها لن تكون تغيرات جذرية جداً ولا سريعة للغاية. لن تلتزم واشنطن بالضرورة بما قدمه ترامب من مواقف وتصريحات على مدى الشهور السابقة (وإن كانت تصلح كإطار مبدئي لرؤيته الخاصة)، فتلك مفردات ناسبت الحملة الانتخابية وليست بالضرورة متناغمة مع ضرورات الرئاسة وحقائها.

 بالإضافة إلى أنّ خلفية الرجل ستدفعه إلى الاعتماد أكثر على أطر المؤسسات وآراء المستشارين بما سيضبط مواقفه وسياساته إلى حد بعيد، كما سيعطي وزناً نسبياً مهماً للمتغيرات في مختلف القضايا المتداولة ومنها القضية السورية، بمعنى أنّ الصورة ستتضح أكثر خلال الأسابيع القادمة مع تبلور أسماء المستشارين والمساعدين والوزراء.

نقاط التوافق والاختلاف بين الإدارتين الأمريكية والروسية

ساد خلاف في تصريحات المسؤولين الروس والأمريكان منذ انطلاق الثورة في سوريا عام 2011 فموقف الروس واضح بدعم نظام الأسد حتى النهاية، بينما تردد الأمريكان في موقفهم من الأسد ودعم قوات المعارضة

وقد تركزت نقاط الاتفاق في مواقف البلدين على ما يلي:

  • بذل المزيد من الجهود لحل الإشكالات التي تعكر صفو علاقات البلدين وإقامة الآليات الضرورية للتنسيق.
  • إقامة اتصالات بين عسكريي البلدين لتفادي حدوث نزاع بشأن عملية محتملة في سوريا، كما اتفقا على بحث خيارات الحل السياسي للأزمة السورية.
  • ضرورة مواجهة خطر تنظيم “داعش” والإرهاب بشكل عام إلا أنّهما أبديا وجهات نظر متعارضة بشأن كيفية تحقيق ذلك. [33]

أما نقاط الاختلاف فقد تركزت بشكل خاص حول:

  • مستقبل الأسد في سوريا فقد ظهرت اختلافات جمة بين أوباما وبوتين حول الدور الذي يمكن لرئيس النظام السوري بشار الأسد أن يلعبه في إنهاء الصراع، فقد رأى بوتين الأسد حليفا قوياً ضد المتطرفين، بينما أكد الطرف الأميركي أن الأسد هو الذي يؤجج نار الصراع الطائفي، لكن رغم الاختلاف في الرؤية حول الأسد فإن الطرفين يتشاركان في ضرورة إيجاد حل سلمي للأزمة.
  • بشأن العمل مع الأسد لمواجهة “داعش”، إضافة إلى الاختلاف حول مسؤوليته عن الوضع في بلاده.
  • اختلف الرئيسان الأمريكي والروسي في رؤيتهما لأسباب ظهور “داعش”، وفيما تحدث أوباما عنها كما لو أنّها ظهرت فجأة من لا شيء، شدد بوتين على أن التنظيم لم “يسقط من السماء” بل جرت رعايته كأداة ضد الأنظمة غير المرغوب بها، وأنّه تمكن من ملء الفراغ الذي نتج عن الفوضى في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، واستفاد من غزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003 بانضمام الآلاف من جنود الجيش العراقي الذي حلته واشنطن.[34]
  • الولايات المتحدة لا ترى التعزيزات العسكرية الروسية في سوريا مدمرة للعملية السلمية بقدر النتائج التي سيترتب عليها هذا الوجود، لكن إذا استخدمت روسيا قدراتها العسكرية لمحاربة داعش فإنّ الولايات المتحدة سترحب بهذه الخطوة، بينما ستراها سلبية إذا قامت روسيا بتقديم دعم عسكري لحماية الأسد.

وفي النهاية الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد تقدم الدعم “غير المشروط” لحلفائها الكلاسيكيين كما كان في الماضي، فسياسة نظام أوباما تختلف عن سابقيه في التعامل مع إسرائيل والسعودية، وهذا ما بدا واضحاً من خلال الانتقاد المستمر من قبل أمريكا لإسرائيل بسبب عدم مضيها نحو السلام، وكذلك انتقادها للسعودية بسبب دعمها لمنظمات إسلامية إرهابية،[35] وهذا ما شجع روسيا الاتحادية بقيادة فلاديمير بوتين على المضي قدماً في مشروعه التوسعي في حوض البحر الأبيض المتوسط وداعماً بشكل مباشر لنظام بشار الأسد الذي يرتكب الجرائم بحق السوريين.

الخاتمة

جاء التدخل الروسي في سوريا بعد أن اقترب نظام الأسد من نهايته خصوصاً مع تقدم فصائل المعارضة السورية في الشمال السوري، ومن الأسباب التي دفعت روسيا إلى التمسك بدعم نظام الأسد، محاولة بوتين استعادة مجد القيصرية الروسية والوصول للمياه الدافئة في البحر المتوسط وما تمثله سوريا من موقع جيوسياسي يجعلها تتحكم بمنطقة الشرق الأوسط، وبحجة القضاء على الدولة الإسلامية  “ISIS”بدأ التحالف الروسي بقصف الحواضن الشعبية للمعارضة السورية، وطال القصف الفصائل المعتدلة التي تدعمها الولايات المتحدة الأمريكية، أدى هذا التدخل إلى ارتكاب الطيران الروسي العديد من المجازر بحق المدنيين وانتهاك معظم القرارات والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، بالإضافة إلى إنهاك قوات المعارضة المسلحة بسبب الفارق الكبير في موازين القوى بين الطرفيين وعدم التزام أصدقاء سوريا بتعهداتهم بزيادة دعمهم جاء ذلك في ظل سياسة أمريكية اتبعها باراك أوباما بمنعه إمداد المعارضة السورية بالسلاح المضاد للطائرات وسعيه لإيجاد حل سياسي بدون أن يمتلك وسائل الضغط التي تساعده على تطبيق هذا الحل، ومن الواضح أن هذه السياسة قد أنتجت نظاماً عالمياً جديداً ستتضح معالمه في الأيام القادمة، فما هو دور القوى الإقليمية الفاعلة والمؤثرة في المشهد السوري، بعد أن أصبح بوتين يتحكم بكافة الطرق التي تمر بها خطوط النفط والغاز وصولاً “للاتحاد الأوربي”؟ هذه الأسئلة تصب في مصلحة الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب الذي يبدو بأنّه سيدير الحكم بعقلية التاجر ليتغلب على ضعفه السياسي.

 [1]الخلاف الأميركي -الروسي في سورية، محمد سيد رصاص، الحياة، تاريخ النشر 20/10/2016 http://www.alhayat.com/Articles/18023162

[2] روسيا عاصمتها موسكو، مجدي سالم، موسوعة الدولي http://vb.eldwly.com/t71964.html

[3] روسيا الاتحادية: حقائق ووقائع (البيانات الإحصائية ليوم 9/8/2007) (مصدر -وكالة “نوفوستي”)  http://www.arabia-expo.info/arab/about/russia.php

[4] دستور الاتحاد الروسي الصادر عام 1993 شاملا تعديلاته لغاية عام 2014. ترجمة المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات؛ تحديث مشروع الدساتير المقارنة.تاريخ النشر 18/4/2016  https://goo.gl/ssTmSR

[5] النظام السياسي في روسيا، وزارة التعليم والبحث العلمي للاتحاد الروسي http://ar.russia.edu.ru/russia/government/

[6] سياسة روسيا، موسوعة المعرفة  https://goo.gl/M3caXG

[7] النظام السياسي في روسيا، وزارة التعليم والبحث العلمي للاتحاد الروسي http://ar.russia.edu.ru/russia/government/

[8] نظام الانتخابات في روسيا، أيمن بدور ، قاعدة الحدث، مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية تاريخ النشر 8/3/2012  https://goo.gl/eXEbmz  

[9] فلاديمير بوتين-السيرة الذاتية، جولولي  https://goo.gl/f8z5YC

[10] فلاديمير بوتين.. قيصر روسيا العائد، الجزيرة، تقارير وحوارات https://goo.gl/qGQ9Bk

[11] من هو فلاديمير بوتين؟، مراد مراد، مجلة المستقبل، العدد 4992-صفحة 14، تاريخ النشر 31/3/ 2014  http://www.almustaqbal.com/v4/article.aspx

[12] طلاق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من زوجته ليودميلا، بي بي سي، تاريخ النشر 6/6/2013 http://www.bbc.com/arabic/worldnews/2013/06/13

[13] مذكّرات هيلاري كلنتون: طريقها إلى البيت الأبيض، علي الأديب، رصيف 22، تاريخ النشر 26/6/2014 https://goo.gl/NAzCXu

[14] مصالح روسيا الكثيرة في سوريا، آنا بورشفسكايا، معهد واشنطن للدراسات، تاريخ النشر 24/1/2013 https://goo.gl/mv91Lz

[15] تاريخ العلاقات الروسية السورية، سرمد المحمد، نون بوست، 27/12/ 2015 https://goo.gl/9yqS84  

[16] الحسابات الروسية بين سوريا واليمن، د.خطار أبو دياب، صحيفة العرب، العدد 9891-ص(8)، تاريخ النشر 14/4/2015 http://www.alarab.co.uk/?id=50229

[17] المرجع السابق نفسه.

[18] تحالف روسي – سوري؟ بقلم مارك كاتز، شبكة فولتير، أرشيف 7/9/2005 http://www.voltairenet.org/article127550.html

[19] الحسابات الروسية بين سوريا واليمن، د.خطار أبو دياب، صحيفة العرب، العدد 9891-ص(8)، تاريخ النشر 14/4/2015 http://www.alarab.co.uk/?id=50229

[20] العلاقات الروسية السورية منذ الثورة ، الجزيرة، تقارير وحوارات https://goo.gl/9imvGr

[21] السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الأزمة السورية  منذ 2011 -2014، لبنى عبدالله محمد علي يسن عبدالله، المركز الديمقراطي العربي  http://democraticac.de/?p=10669

[22] الموقف الأمريكي تجاه الأزمة في سوريا، صالون سياسي، مركز دراسات الشرق الأوسط http://www.mesc.com.jo/Activities/Act_Saloon/Act_Saloon_17.html

[23] حقيقة الموقف الأمريكي من الأزمة السورية، دانية الخطيب، آراء حول الخليج، العدد 98  https://goo.gl/7OvHYF

[24] مقالات وتحليلات في حقيقة الموقف الامريكي من الثورة السورية، مركز الشرق العربي، تاريخ النشر 3/1/2013 http://asharqalarabi.org.uk/barq/b-qiraat-1285.htm 

[25] أبرز أعضاء الكونغرس يهاجمون سياسة أوباما ويتصلون بـ”حجاب”، الدرر الشامية، تاريخ النشر 30/1/2016http://eldorar.com/node/94170

[26] الكونغرس يُقر قانون “سيزر” في سوريا.. 90 يومًا لاقتراح آلية حظر جوي، عنب بلدي – أخبار وتقارير سياسية، تاريخ النشر 16/11/2016 https://www.enabbaladi.net/archives/114032

[27] غضب و ضرب الطاولة بيده .. هكذا رد “أوباما” على قانون سيزر لأنه سيمنع اتمام الاتفاق مع روسيا !؟ وكالت الأنباء التركية العربية، تاريخ النشر 18/11/2016 https://goo.gl/mnTO1y

 [28] أوباما يجهض قانون سيزر ويرفض 50 إقتراح للإطاحة بالأسد فضائح أوباما لحماية نظام الأسد قبل رحيله عن البيت الأبيض في يناير 2017، الخليج العربي-خاص http://www.alkhaleejelarabi.com/print/2415

[29] مقاربات ترامب للحرب على الإرهاب، حسن أبو هنية، العربي21-مقالات، تاريخ النشر 13/11/2016http://arabi21.com/story/960081

[30] في أول تصريح بعد انتخابه ترامب يتوعد بقطع الدعم العسكري عن المعارضة السورية المسلحة، كلنا سويين-وكالات http://www.allsyrian.org/policy/%D9%81%D9%8A

[31]  استراتيجية ترامب في سوريا يمكن أن تكون كارثة، تشارلز ليستر، فورن بوليسي، تاريخ النشر 21/11/2016 https://goo.gl/BKUik0  

[32] ترامب والقضية السورية: حدود التغيير، د.سعيد الحاج، المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية 14/11/2016 http://www.almoslim.net/node/273456

[33] بوتين وأوباما.. نقاط التوافق والاختلاف، أر تي، تاريخ النشر 29/09/2016 https://goo.gl/H7a8MG

[34] بوتين وأوباما.. نقاط التوافق والاختلاف، أر تي، تاريخ النشر 29/09/2016 https://goo.gl/H7a8MG

[35] لماذا يخشى الأمريكيون كشف تفاصيل الاتفاقية حول سوريا،أر تي، تاريخ النشر 17/09/2016     https://goo.gl/Vfijo3  

تطورات المنطقة الآمنة الخيارات والفرص المتاحة

تطورات المنطقة الآمنة الخيارات والفرص المتاحة

المنطقة الأمنة ضرورة ملحة للجانيين السوري والتركي على حدٍّ سواء وذلك بهدف توفير ملاذ آمن للسوريين تجنبهم بؤس المخيمات وحماية الحدود التركية من عبث الإرهاب

مقدمة

بعد حديث دام أكثر من خمس سنوات عن إنشاء منطقة عازلة قدمت خلالها العديد من الخطط من قبل الحكومة التركية، وأطرافٍ أخرى في محاولة لإقناع المجتمع الدولي والولايات المتحدة الأمريكية تحديدا بضرورة إنشائها بدأت عملية درع الفرات، حيث أطلقت وحدات من القوات الخاصة في الجيش التركي بالتنسيق مع القوات الجوية للتحالف الدولي _الطيران التركي_ عملية “درع الفرات” بتاريخ 24أغسطس 2016 دعمًا لقوات “الجيش السوري الحر”، لتتمكن من تحرير مدينة جرابلس، ثم التوسع في الداخل السوري لمساحة وصلت لأكثر من 1200كم، ويجري الحديث اليوم عن أنّ هذه الحملة ستصل مدينة الباب ومنبج، وستتوجه بعدها لمدينة الرقة معقل تنظيم الدولة ISIS، فما هي المنطقة العازلة، وما أهدافها، وإلى أين وصلت إنجازاتها، وما التحديات التي تواجهها؟ وما موقف القوى الأخرى المشاركة في الصراع الدائر في سوريا؟

ماهية المنطقة الآمنة “العازلة “وأهدافها

المتعارف عليه في مصطلحات القانون الدولي هو مصطلح المنطقة العازلة، وتعني فصل طرفي نزاع معين وإقامة مساحة برية تحظر فيها الأسلحة، ومن الممكن أن تكون مرفقة بحظر جوي وتكون تحت حماية أمنية مركزة[1]، أما مصطلح المنطقة الآمنة فيما يخص سورية يعود لتاريخ سبتمبر 2014 عندما استخدمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أثناء اجتماعه مع نائب الرئيس الأمريكي جون بايدن، وتهدف تركية من خلاله لإيجاد منطقة خالية من التهديدات الأمنية والإرهابية تكفل الأمن والسلام للمواطنين السوريون في تلك المنطقة في سبيل تخفيف الضغط عن تركيا التي تستقبل أكثر من مليوني لاجئ سوري وتسبب النزاع الدائر في سوريا بإشكالات داخلية تركية على الصعيدين الأمني والإنساني[2].

تاريخياً أقيمت مناطق عازلة بين الكوريتين (منطقة منزوعة السلاح منذ العام 1953 تمتد على عرض 4 كلم وطول 241 كلم تجوبها دوريات من الطرفين) وفي قبرص (“الخط الأخضر” منذ 1974) وفي الجولان بين سوريا وإسرائيل تحت إشراف قوة دولية، وبين إريتريا وإثيوبيا (25 كلم عرضا وألف كلم طولاً منذ العام 2000) [3].

المنطقة الآمنة في سوريا جاءت نتيجة اتفاق الأتراك والأمريكان والتي من الممكن أن تمتد على مساحة تصل إلى 5 ألاف كيلومتر مربع، ولم يتحدث أحد عن وجود عسكري تركي في سوريا، فمفهوم المنطقة الآمنة في سوريا عند الأتراك لا يعني تدخلاً عسكرياً تركياً في سوريا إطلاقاً، وإنما أن تكون هناك منطقة آمنة للشعب السوري، يستطيع اللجوء إليها بهدف الأمن والسلامة الشخصية وللأسر والعائلات والأطفال والنساء وتوفير المساعدات الإنسانية لهم، من دون اضطرارهم إلى مغادرة سوريا ولا إقامة مخيمات أخرى في تركيا أو غيرها، وبالتأكيد فإن مثل هذه المنطقة ينبغي أن تكون آمنة من كل تهديد مهما كان مصدره ونوعه، ويمكن تحديد الجهات التي تشكل تهددا للشعب السوري وهي:

  • قوات النظام والمليشيات التابعة له إضافة للجهات التي تدعم حملاته العسكرية وترجع تبعيتها لجهات أخرى.
  • مليشيات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”.
  • المليشيات الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وميليشياته وحدات حماية الشعب[4].
  • القوات الروسية التي بدأت المشاركة بشكل مباشر منذ 30 سبتمبر2015.

كما يمكن تحديد أهمية المنطقة الآمنة من خلال عدة نقاط أبرزها:

  • حماية السوريين الفارين من الحرب سواء من ممارسات نظام الأسد أو تنظيم داعش، والمنطقة ستعتبر ملاذاً لهم على اختلاف عروقهم سواء كانوا عرباً أو يزيدين أو أكراداً أو تركماناً، الذين سيعيشون في أمان دون الخروج من وطنهم.
  • تخفيف العبء الثقيل الموجود في تركيا نتيجة النزوح إلى أراضيها.
  • ستشكل المنطقة الآمنة مكاناً مناسباً جداً لإعداد وتدريب عناصر المعارضة السورية عسكرياً، مما يجعلهم قادرين على محاربة داعش والأسد في وقت واحد[5].
  • منع الأكراد من إقامة كيان مستقل على الحدود التركية الأمر الذي يهدد الأمن القومي التركي.

إنجازات درع الفرات

تمكنت عملية درع الفرات من تحرير مساحة تقدر بنحو ألف و200 كيلو متر مربع، من المنطقة الحدودية مع تركيا شمالي سوريا، ولأول مرة منذ عام 2011 استطاعت قوات الجيش السوري الحر بسط سيطرتها على مدينة جرابلس، التي تناوب على احتلالها كلاً من تنظيم الدولة “ISIS” وتنظيم حزب العمال الكردستاني “ب ي د”، ومهدت بذلك عودة أكثر من 20 ألف لاجئ سوري إلى المدينة لتنطلق منها العمليات باتجاه باقي المناطق السورية[6].

إضافة لقيام القوات التركية البرية والجوية باستهداف أكثر من 900 موقع لتنظيم الدولة “ISIS” عبر 4 آلاف رشقة، وذلك بهدف إفساح مساحات جديدة لقوات الجيش السوري الحر، الذي يواصل تقدمه، ولإبعاد خطر المنظمات الإرهابية عن الحدود التركية[7].

ومع تحرير مدينة جرابلس بدأت الهجرة العكسية من الأراضي التركية، فقد عاد نحو 500 سوري كانوا يقيمون في قضاء “قارقامش” بولاية غازي عنتاب جنوب تركيا ما أدى إلى رفع عدد سكانها بنحو 10 أضعاف، خلال شهرين فقط غالبيتهم من النساء والأطفال وكبار السن، تخطى بذلك عدد سكان المدينة 30 ألف شخص بعد أن كان لا يتجاوز الـ4000 شخص أثناء سيطرة تنظيم الدولة “ISIS”، عمل الجانب التركي على مساعدتهم في توفير الخدمات الأساسية من كهرباء وماء، فضلاً عن الخدمات الطبية والمدارس، من أجل توفير بيئة مناسبة تشجع من يرغب في العودة[8].

أما الأهداف الاستراتيجية التي حققتها تركيا على كافة الصعد السياسية والإقليمية والدولية فأهمها:

  • حماية الخط الواصل مع العالم العربي، حيث أظهرت تركيا أنّ قواتها العسكرية قادرة على قيادة حملة عسكرية في سوريا خاصة بعد تواجد قوات تنظيم الدولة “ISIS” وبعض القوى الكردية التي كانت تحاول قطع الخط الواصل بين تركياوالعالم العربي.
  • قوة القيادة الدبلوماسية التركية دولياً فالتحركات الدبلوماسية التي سبقت العملية مع دول الجوار والدول الخارجية الحليفة كان لها أثر إيجابي كبير في الحد من ظهور أي ردود فعل سلبية تجاه العملية، فالولايات المتحدة كانت من أول الدول التي أبدت مساندتها لهذه العملية، وكذلك فعلت كل من روسيا وإيران وألمانيا، بل إنّ واشنطن بنفسها أبلغت تركيا بانسحاب مليشيات حزب الاتحاد الديموقراطي إلى شرق نهر الفرات في سوريا.
  • كما أبدت عملية درع الفرات جدية تركيا في الحرب ضد تنظيم الدولة “ISIS”، فمن خلال التكتيكات الصحيحة والتنسيقات المشتركة والتركيز على ضرب أهداف معينة، تمكّنت القوات التركية بمساندة قوات الجيش السوري الحر خلال 8 ساعات فقط من استرجاع مدينة جرابلس من تنظيم داعش[9].

تحديات المنطقة الأمنة

نتائج عملية درع الفراد كانت جيدة في أيامها الأولى لا سيما مع الاتفاقات التي تمت بين تركيا والقوى الأخرى “أمريكا وروسيا”، لكنها تشهد نوعا من الفتور في مرحلتها الحالية، فالنتائج طويلة الأمد قد تحمل بين طياتها العديد من التحديات، فكل من تركيا وفصائل “الجيش الحر” ولأسباب عسكرية يريدون تطويق مدينة الباب من الشمال والشرق قبيل اقتحامها، وهذا الأمر يتطلب خلو المنطقة الممتدة من منبج إلى أعزاز من أي تواجد عسكري كردي، خوفا من وجود طابور خامس قد يعرقل العملية العسكرية أولاً، ولعدم تقديم إنجاز عسكري في الحرب ضد تنظيم الدولة دون الحصول مسبقاً على مكتسبات ثانياً، ولمنع تنظيم الدولة من التحرك بحرية والقيام بهجمات التفافية كما حدث في الهجوم الذي شنه على معبر أطمة غربي حلب ثالثاً[10].

وتعد مدينة الباب المعقل الأهم لتنظيم الدولة “ISIS” في حلب وقلعته الرئيسة، وليس من السهولة اختراق المدينة، والمعطيات التي مكنت فصائل “الجيش الحر” بدعم تركيا من دخول جرابلس لن تكون متوفرة في معركة الباب، لأسباب عدة من أهمها البعد الجغرافي، واقتراب قوات النظام من المدينة، وهنا يكمن أحد أهم الأسباب في إصرار أنقرة على انسحاب الأكراد إلى شرق الفرات كي لا تقع فصائل “الجيش الحر” بين مطرقة قوات النظام في الجنوب وسندان “وحدات الحماية” في الشمال.

ومع إصدار بعض قوى المعارضة السورية فتاوى (تجمع أهل العلم، جبهة فتح الشام) تحرم القتال إلى جانب تركيا والحر تبرز إمكانية حصول مواجهة مع هذه القوى، وفي حال حصل ذلك فإنّ المرحلة القادمة من عملية “درع الفرات” ستصبح في مفترق طرق[11].

التحديات الأمنية التي تواجهها تركيا في الداخل تنعكس على تحدياتها وسياستها الخارجية أيضاً، فالمحاولات التي بدأ حزب العمال الكردستاني القيام بها داخل تركيا وخارجها هي أعمال إرهابية ترتبط بالأحداث في شمال سوريا وكل سوريا، لأنها ترتبط بالمحور الذي يدعم بشار الأسد على قتل الشعب السوري، ولذلك فإنّ حزب العمال الكردستاني يقف ضد المنطقة الآمنة، وكذلك تنظيم الدولة يحاول الآن مواجهة فكرة المنطقة الآمنة وإفشالها، وهذا يعني أنّ “داعش” تنسق في أعمالها العسكرية مع التنظيمات الارهابية الكردية، والقاسم المشترك بينهما هو فيلق القدس الذي يقوده الجنرال الإيراني قاسم سليماني، الذي يحاول جعل شمال سوريا بؤرة قلق واضطراب للدولة التركية، وأمريكا مطالبة أنّ تتفهم المخاطر التي تهدد الأمن التركي، وإن حاولت أن تظهر بأنّها في علاقة جيدة مع الإيرانيين والأكراد في وقت واحد، فسعي أمريكا لإرضاء الإيرانيين والأكراد لا ينبغي أن يكون على حساب الأمن القومي التركي إطلاقًا[12].

إضافة إلى أنّ أنقرة لا يمكنها الوثوق بثبات مواقف الأطراف المختلفة سيما روسيا والولايات المتحدة، فكلاهما معروف بتبديل المواقف والتحالفات، وتوريط الأصدقاء قبل الخصوم، سيما وأنّ الأخيرة ما زالت تحتاج إلى الفصائل الكردية المسلحة كلاعب محلي تثق به أكثر من غيره، بينما ما زالت الأولى في خطوات الاختبار الأولى لعملية المصالحة مع أنقرة ولم تخفِ تحفظها على المبادرة التركية الجريئة في جرابلس، رغم علمها الواضح وسماحها المفهوم ضمنياً بها[13].

ومن بين التحديات كفاءة المؤسسة العسكرية التركية، ليس على مستوى العدد والعتاد فتركيا تملك ثاني أقوى جيش في حلف الناتو بما يخرجها من أي مقارنة مع الفصائل المتناحرة على الرقعة السورية، لكن المؤسسة العسكرية ما زالت تعاني من ارتدادات المحاولة الانقلابية الفاشلة بسبب عملية إعادة الهيكلة وفصل المئات من القيادات.

وتظهر عملية درع الفرات مدى قدرة أنقرة على الموازنة بين هذا التصعيد العسكري الذي يرتبط بالمعركة المستمرة مع تنظيم الدولة وتقدم المعارضة السورية على جبهة حلب والموقف من الأكراد وغيرها من العوامل الميدانية التي يمكنها أن تؤثر في مساره ومصيره، وبين الحل السياسي الذي تريده وأعلنت دعمها له وقدمت عدداً من القرائن في هذا السياق.

ويجب على تركيا التعامل مع رد فعل التنظيم ضدها وهو الذي يملك بفعل الحدود المشتركة والخلايا النائمة عدداً من الأوراق يمكنه تفعيلها سيما ورقة العمليات الانتحارية، بعد أن ضاقت عليه الحلقة في سوريا وفي ظل الحديث عن قرب موعد معركة الموصل، ولا شك أنّ هذه الهجمات الانتقامية المحتملة سيكون لها تأثيراً مباشراً على المشهد الداخلي التركي الذي لم يلتئم بعد من جراح الانقلاب.

وفي ظل معترك السياسات الداخلية التركية الحرجة وعدم وجود حوافز كافية لدفع مزيد من القوات إلى سورية يرجح أن يبقى التدخل العسكري التركي محدوداً في غضون الأشهر المقبلة لا سيما مع تخبط القوات المسلحة العسكرية لا بل يُستبعد أن يغامر أردوغان بتجريد حملة عسكرية إلى الرقة، قبل أن تتربع إدارة أميركية جديدة على عرش البيت الأبيض وتكون قادرة على توفير مكاسب ملموسة له بالمقابل في مجالي السياسة الخارجية والأمن،  يُضاف إلى ذلك أن صفقة الغاز التي تعتبر بمثابة انقلاب دبلوماسي نفذه بوتين قد لا تصمد أمام خضم الخلافات السياسية حول سوريا وقضايا أخرى[14].

في الخلاصة، رغم سرعة العملية العسكرية في مدينة جرابلس، فإن “درع الفرات” يبقى متغيراً استثنائياً في مقاربة تركيا للأزمة السورية، ويفتح الباب على سيناريوهات غير محدودة ولا يمكن الجزم بمساراتها، في ظل العدد الكبير من المتغيرات المؤثرة في المشهد، بين النظام والتنظيم والأكراد والمعارضة والقوى الإقليمية والدولية[15].

رؤية المعارضة السورية

يحاول الائتلاف التعاطي بواقعية مع تصريحات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، والتي قال فيها إنّ بلاده تهدف إلى «تطهير 5 آلاف كم مربع، شمالي سوريا، من الإرهاب لتكون منطقة آمنة يُحظر فيها الطيران»، من منطلق أنّ التجارب الماضية في هذا الخصوص اصطدمت بفيتو روسي وعدم حماسة أميركية، إلا أنه يعوّل على ما حققته «درع الفرات» في الأسابيع الماضية، وكذلك على الاستنهاض الحاصل للجهود التركية، بمسعى للتخفيف من حمل اللاجئين السوريين على أنقرة التي تخطط لنقل نحو مليوني لاجئ إلى المنطقة التي تطمح لإنشائها[16].

ترى الهيئة العامة للائتلاف السوري ضرورة العودة إلى الداخل السوري لمواكبة التطورات الميدانية عن قرب، على أن يتم ذلك بالتزامن مع إقامة منطقة آمنة في الشمال السوري تكون نتاج عملية «درع الفرات» ومن أبرز التحديات التي تواجههم في حال عودتهم:

  • مدى قدرتهم على التواصل مع باقي المناطق المحررة في غرب حلب ومحافظة إدلب.
  • تأمين الموارد الكافية لسد حاجة السكان.
  • إعادة تأهيل وبناء البنية التحتية التي دمرتها الحرب.
  • وضع موازنة عامة للمنطقة الآمنة وآلية تأمينهم للأموال اللازمة لهذه الموازنة.

وقال أحمد رمضان، عضو الائتلاف السوري أنّ الجانب التركي سيتولى توفير حمايتها والغطاء الجوي، على أن يكون تحريرها من اختصاص الجيش الحر، لافتاً إلى أنّ هذا الملف عاد أولوية لأنقرة بعد تبلور تفاهم دولي على دعمه، وأشار إلى أنّهم يسعون لتوفير مقومات الحياة في المنطقة المذكورة التي من المتوقع أن تبلغ مساحتها 5 آلاف كيلومتر مربع وعدد سكانها مليوني نسمة وتمتد من جرابلس على الحدود مع الفرات غربا إلى أعزاز، متوقعاً أن تبصر النور خلال شهرين. وأضاف: “هناك تحرك كبير على الأرض في هذا الاتجاه، على أن يتبلور بتحرير منبج بعدما تم التوصل لاتفاق مع الولايات المتحدة الأميركية على إخلاء الـ PYD المدينة ليتولى أمنها الجيش السوري الحر”[17].

مواقف القوى الفاعلة في المشهد السوري

عملية درع الفرات جاءت لوضع حدّ للهجمات التي تستهدف تركيا من داخل الأراضي السورية، هذا ما قاله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأضاف عليه وزير خارجيته مولود جاويش أوغلو أنّ بلاده ستعمل على طرد تنظيم الدولة “ISIS” نحو الجنوب وإجبار وحدات حماية الشعب الكردي على الانتقال إلى شرق نهر الفرات[18].

وفي ظل وجود أطراف دولية أخرى مشاركة وبقوة في النزاع الدائر في سورية كان لا بد للحكومة التركية أن تضمن على الأقل حياد هذه الأطراف في سبيل تحقيق مرادها بإنشاء المنطقة الآمنة شمال سوريا، فروسيا تدعم نظام الأسد والمليشيات التابعة له، والولايات المتحدة الأمريكية تعتبر وحدات حماية الشعب الكردية حليفتها في المنطقة، فمن ضمن التفاهمات قامت روسيا بتزويد تركيا بمعلومات استخباراتية لتنفيذ عملية درع الفرات حيث تم التوصل إلى هذا الاتفاق خلال المفاوضات الأخيرة بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين، والتركي رجب طيب أردوغان في إسطنبول[19]، فيما أكد البنتاجون مشاركته في الغارات الجوية التي صاحبت العملية، تزامنًا مع زيارة جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي، لأنقرة وهو أكبر مسؤول أمريكي يزور تركيا عقب محاولة الانقلاب الفاشلة، وقال بايدن في زيارته إنّ “تنظيم الدولة وحزب العمال الكردستاني نشرا الدمار في جنوب شرق تركيا”[20].

وقد دعمت العديد من الدول الغربية والعربية عملية درع الفرات التي تقودها تركيا حيث يؤكّد وزير خارجية الدنمارك كريستيان ينسن على أنّ “بلاده تدعم عملية درع الفرات، ودعا إلى ضرورة مكافحة داعش للحيلولة دون سقوط مزيد من القتلى في سوريا، مشيراً إلى صعوبة الوصول إلى حل للأزمة بسبب عدم الالتزام باتفاقات التحالف الدولي[21]، وأكّدت قطر دعمها الكامل لكافة الإجراءات التي تتخذها الحكومة التركية من أجل تعزيز الأمن على حدودها ضد أي تهديدات خارجية، وأشادت الخارجية القطرية بالدور الهام الذي تقوم به الجمهورية التركية في دعم ومساندة الشعب السوري[22].

 لكن تحقيق أهداف تركيا يتطلب بشكل رئيس الوصول إلى مدينة الباب وضمها إلى المنطقة المأمول إنشاؤها، وهنا يكمن أهم مواقع الخلاف الممكنة مع كل من روسيا وأمريكا، فالأهمية الاستراتيجية للباب يدركها خصوم تركيا فالاتحاد الديمقراطي من جهته يعتبرها عقدة وصل رئيسة في مسعاه لربط كانتون عفرين بكوباني، أما الحكومة السورية فتجد في دخول قوات درع الفرات للمدينة ضغطا على قواتها في حلب، ولذا قد تجد تركيا نفسها مضطرةً إلى مساومة جديدة مع كل من روسيا وأمريكا على الباب لتجنب أي مواجهة جانبية قد تؤدي إلى استنزافها في سوريا، وفي حين تلوِّح أنقرة بإمكانية اشتراكها في عملية تحرير الرقة بما يتماشى مع أولويات واشنطن في البلاد، يبقى السؤال مفتوحاً حول طبيعة التفاهم الذي قد تصل إليه مع موسكو، وما يمكن أن تقدمه لروسيا من دون التنازل عن ثوابتها ومطالبها الرئيسة الأخرى في سوريا[23].

الخاتمة

أثبتت عملية درع الفرات أنّ السوريين قادرون على طرد تنظيم الدولة ISIS، وإدارة شؤون بلادهم بأنفسهم إذا ما قُدّمت لهم الإمكانيات اللازمة لذلك، ويفترض على باقي الدول التي تصنف نفسها كأصدقاء للشعب السوري إضافة للتحالف الدولي الذي يحارب تنظيم الدولة “”ISIS أن يشاركوا بشكل فعّال في هذه العملية، حيث الأهداف المعلنة لهذه القوى تصب في خانة واحدة وهي القضاء على تنظيم الدولة، والتخلص من نظام الحكم الاستبدادي الذي يترأسه الأسد المسبب الرئيس للفوضى والإرهاب في منطقة الشرق الأوسط والذي يعمل على تصديره لبقية دول العالم، وفي مطلق الأحوال سياسة أصدقاء سوريا ستبقى معلّقة في حالة انتظار لحين وصول الإدارة الأمريكية الجديدة إلى سدة الحكم، لذلك فإنّ أصدقاء الشعب السوري ليسوا على وشك التخلي عنهم كجزء من التفاهم مع روسيا.

[1] دعم فرنسي لتركيا في إقامة المنطقة الآمنة بشمال سوريا خلال أسبوع، عاصم الجرادات، هافينغتون بوست عربي، تاريخ النشر 22/11/2015 https://goo.gl/sWMlNd

[2]   شروط اقامة منطقة عازلة في سوريا، كلنا شركاء، أخبار دولية، تاريخ النشر 10/10/2014 http://all4syria.info/Archive/172429

[3] المرجع السابق نفسه.

[4] مفهوم الأتراك للمنطقة الآمنة وأهدافها، محمد زهد جول، القدس العربي، تاريخ النشر 18/8/ 2015 http://www.alquds.co.uk/?p=388987

[5] دعم فرنسي لتركيا في إقامة المنطقة الآمنة بشمال سوريا خلال أسبوع، عاصم الجرادات، هافينغتون بوست عربي، تاريخ النشر 22/11/2015 https://goo.gl/sWMlNd

[6] بعد شهر على “درع الفرات”.. تحرير 1200 كم مربع وعودة 20 ألف لاجئ، محمد يلماز غولداش، وكالة الأناضول، تاريخ النشر 22/09/2016 https://goo.gl/SZRBk4

[7]  بعد شهر على “درع الفرات”.. تحرير 1200 كم مربع وعودة 20 ألف لاجئ، بوابة الشرق الالكترونية، تاريخ النشر 22/9/2015 http://www.al-sharq.com/news/details/445019

[8] جرابلس.. سكان المدينة يتضاعفون 10 مرات خلال شهرين،  زمان الوصل، تاريخ النشر 25/10/2015 https://www.zamanalwsl.net/news/74493.html

[9] أهم 3 أهداف كبيرة حققتها تركيا من خلال عملية “درع الفرات”، تركيا بوست، تاريخ النشر  25 /8/ 2016 http://www.turkey-post.net/p-150516

[10] تحديات تواجه المرحلة الثالثة من “درع الفرات”، حسين عبدالعزيز، العربي 21، تاريخ النشر 7/10/2016 https://goo.gl/CQHBuc

[11] رب “الفتاوى” تشتعل في حلب.. والجيش الحر يؤكد استئناف “درع الفرات”، خالد الخطيب، أورينت نت، تاريخ النشر 26/09/2016 https://goo.gl/e6TGSW

[12] مفهوم الأتراك للمنطقة الآمنة وأهدافها، محمد زاهد جول، القدس العربي، تاريخ النشر 18/8/2015 http://www.alquds.co.uk/?p=388987

 [13] عملية درع الفرات .. الأسباب والتحديات المستقبلية، د. سعيد الحاج، شبكة فلسطين للحوار، تاريخ النشر 25/8/2016 https://goo.gl/vSwHPw

[14] ذر الرماد في العيون، يزيد الصايغ،مركز كارينغي للشرقق الأوسط، تاريخ النشر 20 /10/ 2016 http://carnegie-mec.org/diwan/64905?lang=ar

[15] عملية درع الفرات .. الأسباب والتحديات المستقبلية، د. سعيد الحاج، شبكة فلسطين للحوار، تاريخ النشر 25/8/2016 https://goo.gl/vSwHPw

[16]  عضو في الائتلاف : المنطقة الآمنة خلال شهرين وسيصل عدد سكانها إلى مليونين، كلنا شركاء، تاريخ النشر 4/10/2016 http://www.all4syria.info/Archive/350732

[17] المرجع السابق نفسه.

[18] فصول عملية “درع الفرات” منذ إطلاقها.. وردود الفعل المحلية والدولية، أمنة رياض، سمارت نيوز، تاريخ النشر 25/8/ 2015 https://goo.gl/v9oSSq

[19] موسكو تسلّم أنقرة معلومات استخباراتية لـ”درع الفرات”، مجلة المجتمع، تاريخ النشر 24/10/2016 https://goo.gl/601jI0       

[20] القصة الكاملة لعملية «درع الفرات» التركية الأمريكية في جرابلس السورية، أحمد عمارة، ساسة بوست، تاريخ النشر 25/9/2016 http://www.sasapost.com/turkish-operations-in-syria/

[21] القصة الكاملة لعملية «درع الفرات» التركية في «جرابلس» السورية، مأرب برس، تاريخ النشر 26/9/2016 http://marebpress.net/news_details.php?sid=121895

[22] وزير خارجية الدنمارك: ندعم عملية “درع الفرات” التركية في سوريا، نازلي يوزباشي أوغلو، وكالة الأناضول، تاريخ النشر 2/10/2016 https://goo.gl/IfwVkE

[23] مستقبل الحل في سوريا بيد داعش والغرب، كاترين فرج الله، وطني، تاريخ النشر 27/9/ 2016 https://goo.gl/3we22y

سياسة الإتحاد الأوربي تجاه القضية السورية

سياسة الإتحاد الأوربي تجاه القضية السورية

المقدمة

الاتحاد الأوربي يسير وراء الولايات المتحدة الأمريكية بكل القرارات المتعلقة بالقضية السورية، ورغم اتخاذه موقفا مؤيدا للثورة السورية إلا أنّه اكتفى بالتصريحات الصحفية، وبعض الدعم في المجال الإغاثي واللوجستي فهو يرغب في إزالة الأسد لكنّه لم يجد البديل المناسب أو لم تتوافق مصالحه مع مصالح الثوار، وقد أصبحت سورية مصدر قلق كبير بالنسبة إلى أوروبا، وذلك لسببين أولاً النزوح والمأساة الإنسانية المتواصلان والناجمان عن الحرب الدائرة في البلاد واللذين أنتجا وضعاً مزعزعاً لاستقرار البلدان المجاورة، والتي هي إمّا حليفة للاتحاد الأوروبي (تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي) أو على علاقة وديّة مع الاتحاد (الأردن ولبنان). ثانياً ذهاب بضع مئات من مواطني الاتحاد الأوروبي إلى سورية كجهاديين وهناك مخاوف من عودتهم إلى أوطانهم وتحوّلهم إلى “عدو داخلي” في بلدانهم الأصلية فما هي المواقف التي اتخذها الاتحاد الأوربي بخصوص القضية السورية، وما تأثير الحرب في سوريا على دول الاتحاد الأوربي؟

تباين المواقف الأوربية تجاه القضية السورية

لدى الاتحاد الأوربي قلق كبير من احتمال أن تبقى سورية غير مستقرة لفترة طويلة كما كان الحال في لبنان خلال الحرب الأهلية التي استمرت لأكثر من خمسة عشر عاماً في ظل غياب الدولة والإدارة الموحدة خصوصاً وأنّ هذا البلد لديه القدرة على زعزعت استقرار جيرانه في لبنان وتركيا والأردن خصوصاً فيما يتعلق بتدفق اللاجئين ومرور الأسلحة والمقاتلين ذهاباً وإياباً وتوافر المخزون الكيماوي، وفيما يتعلق بموقف الأوربيين من سوريا فمن الواجب أن نميز بين الاتحاد الأوربي الممثل بالمفوضية الأوربية ومن يمثلها من سياسيين وبين الدول الـ27 المشكّلة لهذا الاتحاد والتي لديها القدرة على الاستفراد بقرارات سياسية تمثل وجهة نظرها بعيداً عن الموقف المشترك.

المواقف المشتركة للاتحاد

بعد أيام قليلة على قيام الاتحاد الأوروبي في شهر أيلول/ سبتمبر 2011 بفرض عقوبات اقتصادية على النظام السوري تتضمن حظر شراء واستيراد ونقل النفط وغيره من المنتجات النفطية من سوريا، وحظر سفر وتجميد أرصدة هيئات ومسؤولين سوريين وعلى رأسهم “بشار الأسد” بالإضافة إلى مسؤولين وضباط ومؤسسات على صلة بقمع النظام للمتظاهرين، هدّد مفتي النظام السوري أحمد بدر الدين حسون دول الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الامريكية بتنفيذ عمليات انتحارية عن طريق أشخاص موجودين على أراضيهم عبر مقطع فيديو تم بثه على شبكات الإنترنت جاء فيه “أقولها لكل أوروبا وأقولها لأمريكا سنعد استشهاديين هم الآن عندكم إن قصفتم سوريا، فبعد اليوم العين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم وأنتم من ظلمتمونا”، مشيرًا إلى أنّ من سيقوم بهذه العمليات لن يكونوا فقط من العرب أو المسلمين أي قد يكونوا من حاملي الجنسية الأمريكية أو إحدى الجنسيات الأوروبية[1]، وقد افتقرت إجراءات الاتحاد الأوربي للآليات التي تسمح لها بأن تكون ذات تأثير فعّال على الدولة السورية ونظام الحكم فيها.

وقد شكّلت المساعدات الإنسانية الخط الأول لاستجابة الاتحاد الأوروبي إلى العنف في سورية، فمنذ آذار/مارس 2011، تم تخصيص 2.6 مليار يورو (3.5 مليار دولار) من الاتحاد الأوروبي ومن الدول الأعضاء فرادى لمساعدة السوريين في البلاد، فضلاً عن النازحين واللاجئين، غير أنّه وبسبب الانقسام بين أدوات السياسة الخارجية نتيجة معاهدة لشبونة، جرى تقديم مساعدات الاتحاد الأوروبي الإنسانية بشكل مستقلّ تقريباً عن عمله السياسي[2]، أما الخط الثاني من الاستجابة فتمثّل في فرض عقوبات تجارية ومالية شملت ضباطاً في الجيش وشخصيات من الصف الأول مرتبطين بالنظام وصل عددهم إلى 217 شخصا تم تجميد أصولهم ومنعهم من دخول الاتحاد الأوربي[3]، كان لهذه السياسة أثر سلبي على بعض الشخصيات في نظام الأسد، ولكنه لم يكن تأثيراً حاسماً نظراً إلى الحجم المحدود للتجارة والاستثمار بين سورية والاتحاد الأوروبي.

على المستوى السياسي، كان الاتحاد الأوروبي نشطاً في مجلس الأمن الدولي ومجموعة أصدقاء سورية، من خلال “الثلاثة الكبار” في الغالب غير أنّه سرعان ما قوبلت دعوات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لرحيل الأسد بمعارضة صارمة من روسيا[4]، إضافة إلى تشجيع الاتحاد الأوروبي في بعض المناسبات الأطراف الإقليمية مثل إيران على لعب دور بنّاء لإنهاء الأزمة، وفي هذا الإطار جاءت دعوة الممثلة السامية للشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي فريديريكا موغيريني لأن تلعب إيران دوراً محورياً إيجابياً في الشأن السوري بالتحديد لحفز النظام على تبني حل سوري بالأساس[5]، لكن محاولاتها في هذا المجال أخفقت في تطبيقها بشكل عملي  أيضاً وأصبحت الثورة السورية أشبه بحرب بالوكالة بين الغرب المتردّد وروسيا الميّالة إلى التحدّي. وكانت لدى روسيا دوافع خفيّة، سرعان ما اتّضحت عبر دعمها للاتحاد الأوراسي وإذكاء أزمة أوكرانيا.

من وجهة نظر عسكرية، تمثّل موقف أوروبا أساساً في دعم موقف الولايات المتحدة، وفي مثل هذه الحالة تعتمد القدرة العسكرية للاتحاد الأوروبي كلياً على فرنسا والمملكة المتحدة (امتنعت ألمانيا تقليدياً عن المشاركة في أي عمليات عسكرية خارجية)، ومع ذلك قرّر رئيس الوزراء البريطاني في العام 2013 عرض مسألة المشاركة البريطانية في الضربات التي تقودها الولايات المتحدة على سورية للتصويت في البرلمان، وأدت النتيجة السلبية أن أصبحت فرنسا الحليف الوحيد للولايات المتحدة التي تمتلك قدرات عملياتية[6]، وبرز الخلاف واضحاً داخل الاتحاد الأوروبي إزاء التدخل العسكري الروسي في سوريا بين شق ينادي بضرورة فرض عقوبات على موسكو وآخر لا يرى جدوى من اتخاذ هذه الخطوة، وتميل الكفة أكثر إلى المدافعين عن الاتجاه الثاني الذي يتمثل في رغبة الاتحاد لعب دور إنساني أكبر بعيداً عن التورط في المستنقع السوري[7].

ويدرك ساسة الاتحاد الأوروبي أنّ الوضع في سورية ليس له صدى كبير لدى الجمهور الأوروبي، باستثناء حساسية على الصعيد الإنساني، ويُنظَر إلى الحرب في السورية على أنّها حرب بالوكالة بين الولايات المتحدة وروسيا، ورغم المقاطعة السياسية والعقوبات الاقتصادية التي فرضها الاتحاد الأوروبي ضد النظام السوري طيلة السنوات الماضية بقيت بعض قنوات الاتصال غير الرسمية بين الطرفين، تمثلت بزيارات لبعض السياسيين والأحزاب الأوروبية إلى دمشق إلى جانب بعض العلاقات التجارية من قبل بعض الشركات الأوروبية التي ورّدت للنظام معدات وتقنيات تتعلق بالاتصالات ومراقبة الانترنت وشبكات الاتصال اللاسلكية عن طريق عقود ثانوية بواسطة شركات إماراتية أو لبنانية، بالتزامن مع ذلك كانت الصحف والوكالات الإخبارية والقنوات التلفزيونية الأوروبية تتسابق لإجراء مقابلة مع رئيس النظام السوري بشار الأسد[8].

على المستوى الاستخباراتي لم تنقطع الاتصالات الأوروبية مع أجهزة النظام الأمنية سواء بشكل مباشر أو عن طريق أطراف ثالثة خاصة مع “إدارة المخابرات العامة” التي ترتبط ببروتوكولات تعاون أمني مع أهم أجهزة المخابرات الأوروبية، أو من خلال استقبال بعض مسؤولي النظام في أوروبا تحت عناوين متباينة وفي مناسبات مختلفة وبما يخدم مصالح هذه الدول وحماية مواطنيها دون أي اعتبار لضرورة إنهاء محنة الشعب السوري، ومع تصاعد الهجمات الإرهابية في أوروبا أصبح التنسيق الأمني مع النظام فوق أي اعتبار آخر لعقد اتفاقات تحت الطاولة أو فوقها تفضي إلى استئناف التعاون أمنيًا في مجال ما يسمى بــ “مكافحة الإرهاب”، والحصول على لوائح بأسماء الجهاديين الأوروبيين الذين يقاتلون في سوريا وأية معلومات إضافية عن المجموعات الجهادية الأوروبية[9].

وقد بات التنسيق بين الاتحاد الأوربي والنظام السوري علنياً، ولم يعد يقتصر على الجانب الأمني بل امتد للتمهيد لإعادة العلاقات الدبلوماسية، وهو ما تمثل بزيارة وفد برلماني أوروبي برئاسة “خافيير كوسو”  نائب رئيسة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي الذي يعتبر أعلى سلطة تشريعية في الاتحاد إلى دمشق ولقائه رئيس النظام السوري ومفتيه ورئيسة مجلس الشعب، وزيارة مشفى المزة العسكري (601) ومشفى “حاميش” لتفقد أحوال جرحى جيش النظام والميليشيات التابعة له دون أي اعتبار لمشاعر الشعب السوري الذي فقد مئات الآلاف من الشهداء على يد هؤلاء، وتعهد الوفد بتقديم الدعم للنظام لرفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه وإعادة تطبيع العلاقات الدبلوماسية[10].وتعكس هذه الزيارة التغيير الواضح في سياسة الاتحاد الأوربي تجاه النظام السوري وإعادة تأهليه وإمكانية التعامل معه بغض النظر عن مدى إجرامه وتبيين أنّ شعارات الديمقراطية التي ترفعها تتبدل لدعم المستبدين في حال لم تتوافق مع مصالحها.

مع كل ذلك يمكن لقوى المعارضة السورية أن تسعى لتغيير المواقف الأوربية إذا ما وحدت جهودها وتوجهت إلى المحاكم الأوربية لإدانة إجرام نظام الأسد لا سيما مع التطورات الأخيرة في الأنشطة الإرهابية المرتبطة بسورية التي من الممكن أن تؤدي إلى تغيير في الرأي في الدول الغربية بشأن التعاون في مكافحة الإرهاب مع نظام الأسد فقد أثار إقدام مواطن أميركي شاب بعملية انتحارية في سورية للمرة الأولى ردود فعل مؤثرة في الشارع الأوربي، في حين أن مواطناً فرنسياً شاباً كان قد أمضى مؤخراً بعض الوقت في سورية هو المشتبه به الرئيس في مقتل أربعة من زوار المتحف اليهودي في بروكسل بعد اعتقاله في فرنسا.[11]

المواقف الفردية من أعضاء الاتحاد

السياسة الخارجية لدول الاتحاد الأوربي ليست موحدة، ولا يوجد استعداد لدى هذه الدول لتفويض الهيئات الرسمية للاتحاد في هذا المجال ورغم اتّفاق وجهات نظر الدّول الأوروبّيّة حول ضرورة إدانة سياسات نظام الحكم في سوريا في تعامله مع المطالب الشعبية بالحرية والديمقراطية، ومع أنّهم اختلفوا في مرحلة من المراحل حول ما إذا كان هناك وجوب للتّدخّل المباشر في الشّؤون السّوريّة أم لا! إلا أنّها لم تستغلّ فرصة هذا التقارب النظري لتفويض المفوّضيّة الأوروبّيّة باتّخاذ القرارات الّتي تراها ملائمة للتعامل مع الوضع السوري فكانت النتيجة كما سبق القول ظهور الاتحاد الأوروبي بمظهر الضعيف غير القادر على التعامل بفعالية مع الأزمة السورية وقد امتدّت هذه النتيجة لتشمل دولاً مثل فرنسا وبريطانيا اللتين ظنّتا أنهما قادرتان على التعامل مع الأزمة السورية سياسياً وعسكرياً كما حدث في الحالة الليبية قبل أن تتراجعا عن ذلك بعد أن أعادتا تقييم الوضع[12] في ظل السياسة الأمريكية الهزيلة التي اتبعها بارك أوباما في تعاطيه مع الملف السوري.

أبانت الأزمة السّوريّة أيضاً عن وجود دول ضمن الاتّحاد الأوروبي تنعم بثقل أكبر من غيرها فيما يتعلّق بقضايا السياسة الخارجية، ولعلّ أفضل مثال على ذلك تلك الخطوات والتصريحات الّتي اتخذتها الحكومة الفرنسيّة، فمنذ بداية الأزمة السّوريّة في شهر مارس/آذار 2011، ركبت فرنسا قطار الانتقاد اللاذع لأداء الرئيس بشّار الأسد على الرّغم من أنّ العلاقات بين البلدين كانت قد وصلت إلى مستويات متميزة قبل ذلك الحين، كما تجلى ذلك في إرسال الرئيس جاك شيراك موفدين رّسميّين إلى دمشق ودعوة الرّئيس بشّار الأسد إلى حفل افتتاح مشروع الاتحاد من أجل المتوسّط في باريس في شهر يوليو/تمّوز 2008، ولكنّ هذا الانفتاح الفرنسي على سوريا لم يقابله تجاوب مناسب من دمشق، خاصة مع المطالب الفرنسيّة فيما يتعلّق بطبيعة علاقاتها مع إيران وحركة حماس، فضلاً عن أنّ سوريا لم تترجم سياسة اليد الممدودة هذه إلى خطوات تسهيلية فيما يتعلق بالاستثمارات الفرنسية في قطاعي النفط والاتصالات وقد يكون للاعتبارات الأخلاقيّة دور في الإصرار الفرنسيّ على الدفاع عن مطالب المعارضة السوريّة الّذي واكب آفاق الرّبيع العربي، غير أنّ لطبيعة الموقف الفرنسي اعتبارات أخرى أيضا[13].

ولن تفعل فرنسا أي شيء قد يوطّد نظام بشّار الأسد إذ ترى أنّه من المستحيل التوصل إلى أية تسوية مع الرجل المسؤول عن العدد الهائل من القتلى، وعن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، لذا فهي تعمل على الإسراع في بدء عملية الانتقال السياسي التي يجب أن تشمُل قوى المعارضة والعناصر الأقل تورطاً في النظام، ويتطلب هذا الحل السياسي مضافرة الجهود الدبلوماسية، لذا تتحدث فرنسا مع الجميع مع شركائها الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وروسيا التي لا تزال مواقفها بعيدة جداً، والجهات الفاعلة في المنطقة أي البلدان العربية السنية وتركيا وإيران[14]، ولم تتوقف فرنسا مكتوفة الأيدي في ظل تعثر العملية السياسية والتحركات الدبلوماسية بل قدمت العديد من المشاريع الإنسانية في سوريا وأعلنت استعدادها لاستقبال عدد من اللاجئين السوريين.

ويمكن تلخيص أولويات فرنسا في الاستجابة للأزمة السورية بما يلي:

  • وقف الأعمال العدائية في جميع أنحاء البلاد عدا العمليات التي تستهدف الإرهاب.
  • توصيل المساعدات الإنسانية بدون انقطاع وبدون قيود إلى مستحقيها.
  • دعم جهود الأمم المتحدة في سبيل عملية الانتقال السياسي.

أما بالنسبة لألمانيا فقد امتثلت لقرارات الاتّحاد الأوروبّيّ والأمم المتّحدة دون أن تنفرد بقرارات غير مجدية على أرض الواقع، لقد تميّزت الدبلوماسيّة الألمانيّة منذ زمن طويل بتطوير سياسات فعليّة في منطقة الشّرق الأوسط ولكن دون أن تعبّر عنها علنا، فضلا عن امتلاكها شبكة مخابراتيّة واسعة في العالم العربيّ تمكّنها من التحقق من أبرز ما يجري على أرض الواقع في أغلب هذه البلدان، وكذلك لم تبق مكتوفة الأيدي تجاه ما يحدث في سوريا، إذ أعلنت عن استيائها من الفيتو الرّوسي والصّيني، بل طردت من أراضيها في شهر فبراير/شباط 2012 أربعة دبلوماسيّين سوريّين بتهمة علاقتهم بعمليّات تجسّس على معارضين سوريين، ولكن يبقى الفرق هنا أنّه بينما تسعى دول أوروبّيّة مهمّة كفرنسا وبريطانيا إلى تسليط الأضواء على أدائها والإشارة دوما إلى أنّها متمسّكة بدعم المعارضة السّوريّة وإضعاف الرئيس بشّار الأسد، تبرز دول كألمانيا وإسبانيا كمثال للاعبين متمسّكين بإيجاد سبل التخفيف من معاناة الشّعب السّوري ولكن بطرق أكثر تكتّما[15] لم يكن الموقف الالماني متأتياً من فراغ بل تتحكم به مجموعة عوامل ومتغيرات مؤثرة منها ما يتعلق بالداخل الألماني من التوجهات الشعبية المتعاطفة مع الشعب السوري وضرورات الأمن الألماني الداخلي ومنها ما يتعلق بالمصالح الألمانية في منطقة الشرق الأوسط والأخر متعلق بالعلاقات الألمانية الدولية، وتتمثل هذه المتغيرات والعوامل بما يأتي :

  • متطلبات الأمن الداخلي للأزمة السورية انعكاسات على الأمن الداخلي في ألمانيا إذ اجتذبت تعاطفاً كبيراً نحو الشعب السوري لاسيما المسلمون وبرزت ظاهرة تجنيد المقاتلين في مختلف الدول منها للالتحاق بالقتال إلى جانب الجماعات الإسلامية في سوريا وما تشكله هذه الظاهرة من محاذير على الأمن الداخلي في ألمانيا على صعيد إمكانية القيام بأعمال عنف داخل ألمانيا أو عودة هؤلاء المقاتلين وتنظيم حركات جديدة وإمكانية ازدياد أعدادهم في ألمانيا وباقي الدول الأوروبية، وبالفعل اعتقلت قوات الأمن الألمانية العديد من الأشخاص الذين يجندون ومجندون للذهاب إلى القتال في سوريا .
  • الرأي العام المحلي هناك ضغط شعبي وسياسي في ألمانيا لدعم الشعب السوري والتدخل بهدف الحد من انتهاكات نظام الأسد لحقوق الإنسان والمجازر المرتكبة ضد المدنيين السوريين.
  • موقف الاتحاد الأوروبي حيث يتناسب موقف ألمانيا مع موقف الاتحاد الأوروبي في التعاطي مع الأزمة السورية كونها أحد أعضاء هذا الاتحاد البارزين وفي الأغلب لا تخرج عن إطار السياسات الخارجية الأوروبية تجاه قضايا الشرق الأوسط.
  • العامل الأمريكي تتأثر ألمانيا كباقي دول الاتحاد الأوربي بالمواقف الأمريكية، وهو أمر يتماثل مع تعاملها مع الأزمة السورية الى حد كبير عندما دعمت ألمانيا الموقف الأمريكي من تطورات الأحداث في سوريا منذ انطلاقتها.
  • صراع المصالح الدولية يُشكل صراع المصالح في منطقة الشرق الأوسط وسوريا بشكل خاص دافعاً لدى العديد من الدول ومنها ألمانيا للتدخل في مجريات أحداث الملف السوري واستخدامه كورقة ضغط في ملفات أخرى فالملف السوري يستخدم للضغط على كل من روسيا في ملف الأزمة الأوكرانية وإيران في ملف برنامجها النووي ونفوذها في المنطقة[16].

  شكلت هذه الدوافع عوامل تأثير على تطورات موقف وسياسة ألمانيا في تعاملها مع الأزمة في سوريا فإتخذ هذا الموقف أشكالاً عدة تتمثل بـ:

  • المساعدات الإنسانية وتتمثل بما تقدمه ألمانيا من مساعدات إنسانية مختلفة للسوريين في داخل سوريا أو اللاجئين السوريين في دول الجوار العربي أو تركيا وقد استقبلت ألمانيا مئات الآلاف من اللاجئين السوريين على أراضيها لتصبح أكثر الدول الأوروبية إسهاماً في مساعدة السوريين الذين شردهم الصراع في بلدهم.
  • الحوار والحل السياسي كثيراً ما طرحت ألمانيا دعواتها إلى اعتماد الحل السياسي لأزمة سوريا والحوار بين جماعات المعارضة ونظام الأسد هذا الموقف تغير نوعاً ما وصدرت تصريحات ألمانية تدعو إلى الإطاحة بنظام الاسد باعتباره المتسبب الرئيس بما يحصل من فظاعات ومجازر في سوريا، وبذلك فلا يمكن اعتباره جزءا من الحل السوري.
  • المسؤولية الدولية ترى ألمانيا بضرورة التحرك في إطار المجتمع الدولي المتمثل بمنظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن من أجل توفير الحماية الدولية للشعب السوري الذي يتعرض للقصف اليومي المستمر من قبل قوات نظام الأسد.
  • دور حلف شمال الاطلسي “الناتو” تحاول ألمانيا التواصل مع أعضاء حلف الناتو من أجل منح الدور الأساس للناتو في معالجة القضية السورية حتى وإن اقتضى الأمر إعادة تطبيق السيناريو الليبي الذي نجم عنه القضاء على نظام القذافي مثلما الاستفادة من هذا الدور في مواجهة الجماعات المتطرفة في سوريا[17].

اتخذت الحكومة البريطانية خطوة متقدمة تمثلت في الاعتراف رسمياً بالمعارضة السورية كممثل شرعي للبلاد، وجاء رد وزير الخارجية السوري وليد المعلم على تلك الخطوة بقوله إنّ العالم ليس أوروبا فحسب، وإنهم سينسون وجود أوروبا ويطلبون إلغاء عضويتهم في الشراكة الأورومتوسطية، مع ذلك في الوقت الذي تقدمت فيه بريطانيا إلى صدارة المشهد الدبلوماسي، ظلت حريصة على عدم الانجراف إلى الصراع، يتضح موقف بريطانيا تجاه سوريا بشكل مباشر من خلال ما تقدمه من أموال وتوجهها المعلن نحو سياسة خارجية أكثر تحفظاً، وأوضح مسح أجراه مركز “شاتام هاوس” البريطاني بداية العام الحالي أنّ 51 في المائة من العينة التي شملها المسح تعتقد أنّ السياسة الخارجية البريطانية ينبغي أن تعطي الأولوية لحماية المملكة المتحدة بداية من حدودها بما في ذلك مكافحة الإرهاب مع عدم تقديم دعم علني عام كبير لسياسات الحكومة في التعامل مع التغير المناخي أو نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، على الجانب الآخر يعتقد 43 في المائة ممن شملتهم عينة المسح أن المملكة المتحدة لا ينبغي أن تتورط في أي تدخل يتعلق بالثورات التي تحدث في البلدان الأخرى مثل سوريا أو تدعمها، ولم يعتقد سوى واحد فقط من بين كل أربعة أنّ المملكة المتحدة عليها مسؤولية أخلاقية تحتم عليها دعم هذه التحركات[18].

ما يمكن لبريطانيا أن تؤثر فيه بشكل فاعل هو تقييد الإمدادات المادية للنظام، وقد أوردت شبكة “بي بي سي” أنّ بعضاً مما يصل إلى 100 مليون جنيه استرليني (157 مليون دولار) من أصول النظام السوري، غالبيتها أموال سائلة في حسابات مصرفية، تم تجميدها خلال الأربعة عشر شهراً الماضية، وركزت الحكومة البريطانية الدعم بشأن تدهور الوضع الإنساني في سوريا، وعملت في شراكة مع مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية والمنظمات الحكومية غير الإنسانية لتقدم 17.5 مليون جنيه استرليني لما وصفه ويليام هيغ “بالأدوية والرعاية الطبية والمأوى والدعم الضروري للعشرات في لبنان والأردن وتركيا والعراق”، الدعم الإنساني أمر تقوم به بريطانيا بشكل تقليدي تماما، لتصف نفسها بأنها “قوة مساعدة عظمى”، ويرى كريس دويل أنّ “بريطانيا كانت أكثر نجاحا في مجال تقديم الدعم الإنساني للأعداد المتزايدة من اللاجئين السوريين، وأدخلت أيضاً حقوق الإنسان ومسألة المحاسبة في الصراع”.

أما الموقف الإيطالي فقد تمثل بتصريحات وجهها وزير الخارجية الإيطالي باولو جينتيلوني للحكومة الروسية، ودعاها إلى استخدام نفوذها لدى النظام السوري من أجل وقف المجازر التي يقوم بها يومياً في سوريا، حيث يقول “لقد حان الوقت لكي تثبت روسيا الرغبة في استخدام نفوذها لدى النظام، وهي إذا لم تفعل ذلك فإن ذلك يعني بأنها تؤيد المجازر بل وتتخلى عن دور القوة العظمى الذي يطمح بوتين للحصول عليه مفضلاً الارتباط بمصير بشار الأسد المفلس”. ويتهم موسكو بأنها لم تحث النظام السوري والميليشيات الشيعية التي تدعمه والقادمة من لبنان وأفغانستان والعراق لكي يغير مساره فقد استمر في القصف العشوائي ضد المدنيين، وشدد الحصار وتجاهل الالتزامات الدولية والقرارات المختلفة لمجلس الأمن باستمرار[19].

ولكن بالمقابل قام الجنرال ألبرتو مانينتي رئيس جهاز المخابرات الخارجية الإيطالي بزيارة سرية إلى دمشق على متن طائرة خاصة حيث التقى مع اللواء علي مملوك رئيس مكتب الأمن الوطني، واللواء محمد ديب زيتون مدير إدارة المخابرات العامة (أمن الدولة) وعدد من الضباط المسؤولين عن مكافحة الإرهاب في أجهزة النظام الأمنية منهم العميد غسان خليل رئيس فرع الاستخبارات الخارجية، وتم الاتفاق على تفعيل تبادل المعلومات الأمنية بين الجانبين، وتبادل الخبرات في مجال مكافحة الإرهاب، وتعيين ضابط ارتباط يتبع لإدارة المخابرات العامة السورية في إحدى الدول الأوروبية لتنسيق المعلومات الأمنية بشكل أسرع، إلا أنّ النظام ربط عودة التعاون الأمني إلى سابق عهده مع الأجهزة الاستخباراتية الأوروبية برفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه، وعودة التعاون السياسي والدبلوماسي بين الجانبين، وحسب المعلومات فإن مانينتي أبلغ المسؤولين السوريين عن رغبة معظم الدول الأوروبية برفع الحظر عن النظام قريباً، وعودة التعاون بين الطرفين بكافة أشكاله الدبلوماسي والسياسي والأمني[20]، رغم عدم منطقية الطرح في ظل جرائم الحرب التي ارتكبها هذا النظام وأجهزته المخابراتية التي سلطها على الشعب طول تاريخ حكمه وتعارضها مع مبادئ الديمقراطية التي ترفعها الدول الأوربية كشعارات لها.

أما على الصعيد الرسمي والدبلوماسي فلم تشهد دول الاتحاد الأوروبي إعادة افتتاح أي سفارة أو بعثة دبلوماسية منذ أواخر عام 2012 حيث قررت العديد من دول الاتحاد تخفيض التمثيل الدبلوماسي مع النظام والإبقاء فقط على بعض الموظفين لتسيير بعض المعاملات القنصلية دون أي نشاط سياسي هذا من الناحية العلنية، لكن بالمقابل أشارت بعض التقارير الغربية إلى عدم انقطاع زيارات الوفود الأمنية والاستخباراتية بين بعض دول الاتحاد الأوروبي والنظام، وأخذت وتيرة هذه الزيارات بالتصاعد بعد التفجيرات الإرهابية التي شهدتها أوروبا منذ بداية عام 2015 عقب الهجوم على صحيفة “شارلي إيبدو” في باريس بهدف تبادل المعلومات الاستخباراتية حول الأشخاص الذين سبق أن أقاموا في أوروبا قبل توجههم إلى سوريا للقتال إلى جانب تنظيم الدولة الإسلامية أو جبهة النصرة[21].

تداعيات الحرب في سوريا على دول الاتحاد الأوربي

الاتحاد الأوروبي لن يعرف طريقه نحو الاستقرار طالما بقيت الأزمة السورية الفناء الخلفي للقارة الأوروبية من دون حل سياسي واقتصادي، ولعل قضية اللاجئين السوريين واحتمال تسلل إرهابيين إلى أوربا أهم القضايا التي تعود أثارها بشكل مباشر على دول الاتحاد الأوربي.

قضية اللاجئين

من أهم القضايا والملفات المطروحة في اجتماعات الاتحاد الأوربي قضية اللاجئين لا سيما بعد ارتفاع عددهم في صيف 2015، وقد حددت الدول الأوربية القواعد الأساسية للاجئين، حيث ضبط المجال أمام القادمين وضيقت الخناق عليهم في أطر قانونية بهدف الحفاظ على الدولة القومية وتجنب الإرهاب ما أدى لمواقف متباينة وانقسام على مستوى القارة، ووضع سياسييها أمام اختبار الانحياز للديمقراطية وتعزيز القيم الإنسانية في ظل المخاوف الأمنية والحفاظ على هوية القارة دينياً وثقافياً، فأقدمت عدد من الدول الأوربية على استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين مثل ألمانيا والنمسا بينما حدت المجر من حرية تحركهم وأقامت حاجز بينها وبين صربيا، وفي مقارنة مع أمثلة تاريخية فإن القضية السورية تحاكي وقائعُ الأزمة اليوم، وآليات التعاطي معها، أسلوبَ التعاطي مع المسألة اليهودية في أوروبا طوال قرنين من الزمن، من خلال فلسفة التساؤل اليهودي، والضخ الذي كان معمولاً به بين الصحافة والأوساط النخبوية من كتابٍ ومفكرين واقتصاديين وسياسيين، حيث كان التركيز يتقاطع مع الطروحات عينها التي تتناقلها وسائل الإعلام اليوم بالنسبة للمخاوف الأوروبية، هل يهدِّدُ هؤلاء ثقافتنا؟ هل يستطيعون الاندماج مع المجتمع الأوروبي، هل يشكلون خطراً علينا؟ …. إلخ، إلى أن ظهرت النازية حاملةً معها «الإجابة»[22]، وفي الواقع فإن معظم اللاجئين السوريين يتواجدون في لبنان وتركيا والأردن وقد وصل في عام 2015 إلى أوربا حوالي مليون لاجئ لكن هذا العدد لا يشكل سوى 0.3% من مجموع سكان القارة الأوربية[23].

وتسعى الاستراتيجية الأوروبية لتحقيق هدفين رئيسيين هما الحد من تدفق اللاجئين إلى القارة الأوروبية، والتعامل الفعلي مع اللاجئين الذين يتمكنون من الوصول إلى الأراضي الأوروبية، وبناء على هذين العنصرين تتشكل الملامح العامة لتلك الاستراتيجية فيما يلي:

  • توطين اللاجئين: يسعى الاتحاد الأوروبي للتوصل لاتفاق نهائي بين الدول الأعضاء لتوزيع اللاجئين للمشاركة في تحمل الأعباء.
  • تعزيز الاعتبارات الأمنية: خلال السنوات الماضية، غلب على سياسات الهجرة الأوروبية الطابع الأمني، بمعنى التركيز على البعد الأمني في إدارة هذا الملف، من خلال مجموعات من السياسات، ركزت من خلالها الدول الأوروبية على التعاون مع دول جنوب المتوسط التي تعتبر مصدراً وممراً للمهاجرين لتشديد الرقابة على حدودها، ومنع تدفق موجات الهجرة غير الشرعية إلى الاتحاد الأوروبي، فضلًا عن تعقب شبكات التهريب، واستقبال المهاجرين الذين تتم إعادتهم مرة أخرى في مراكز الاحتجاز.
  • التمييز بين اللاجئين السياسيين والمهاجرين الاقتصاديين: في خضم تطورات أزمة اللاجئين إلى أوروبا، تحاول بعض القوى المناوئة للمهاجرين الادعاء بأن القادمين للقارة الأوروبية هم مهاجرون اقتصاديون وليسوا لاجئين سياسيين، بمعنى أنهم يبحثون عن حياة أفضل ولم يهربوا من مناطق صراعات، ومن بينهم اللاجئون السوريون.
  • إقامة مراكز إيواء: في سبيل التخلص من أعباء استقبال اللاجئين، دعا الاتحاد الأوروبي لإقامة مراكز إيواء ببعض الدول للبت في طلبات اللجوء التي يتقدم بها المهاجرون للتمييز بين اللاجئين السياسيين والمهاجرين الاقتصاديين[24].

أما أهـم ملمح للسياسات الأوروبـيـة فـي مـجـال الهجرة والـلـجـوء السياسي فهو أنّـهـا غير مـوحـدة وتعتمد بشكل كبير على السياسات الوطنية لكل دولـة أوروبـيـة على حـدة فـي المقام الأول، ويمكن القول إنّ أوروبـا منقسمة إلـى معسكرين معسكر دول جنوب أوروبـا في مقابل معسكر الدول في وسط وشمال أوروبا حيث يرى معسكر دول جنوب أوروبا أنّه على خط المواجهة المباشر مع قضايا الهجرة، وأنّه يتحمل العبء الأكبر في التعامل معها، ويطالب بإعادة توزيع أعباء هذه القضية على باقي دول الاتحاد الأوروبي الثماني والعشرين باعتبارها مشكلة أوروبية لا قضية داخلية في حين يرى معسكر دول وسط أوروبا وشمالها أنّ قضية الهجرة هي قضية  داخلية بالأساس وأنّها تستقبل قـدراً من الهجرة غير الشرعية وطلبات اللجوء السياسي[25]،يبقى الخاسر الأكبر من هذا الخلاف السياسي اللاجئين الذين هربوا من جحيم الحروب في بلادهم على أمل أن يجدوا ملاذاً يستطيعون العيش فيه بسلام.

ومن جهة أخرى من الممكن النظر إلى الوافدين الجدد على أنّهم يشكلون فرصةً استثماريةً جيدة للقارة العجوز التي تفوق نسبة عددُ الوفيات فيها عددَ الولادات، حيث من المتوقع أن ينخفض عدد سكان ألمانيا حوالي 6 ملايين شخص مع حلول عام 2030، في حين يتم رفع سن التقاعد في أكثر من دولة أوروبية لعدم وجود أيدٍ عاملة شابة تقوم بالتعويض، إلا أنّ بعض التقارير تشير إلى أن المهاجرين الذين استطاعوا دخول سوق العمل خلال السنوات الخمس الأخيرة، وصلَ عددهم إلى 1.5 مليون مهاجر في ألمانيا وحدها، وهو ما قد يُلقي الضوء على النظرة القاصرة لدى كثيرٍ من الأوروبيين المناهضين للأجانب، بالنظر إليهم على أنهم يشكلون عالةً اقتصادية على البلاد، فمعظم اللاجئين يحملون كفاءاتٍ على اختلافها، سواءَ كانت علميةً أم يدويةً وحرفية، مما يجعلهم مؤهلين بعد الحصول على إذن العمل وتعلُّم اللغة لدخول سوق العمل بدورهم، والمساهمة في دفع الضرائب[26].

الهواجس الأمنية

من الطبيعي أن يمتد أثر الحرب الدامية في سوريا وتداعياتها إلى دول الاتحاد الأوربي بحكم موقعها الجيوسياسي حيث تعتبر حلقة وصل بين قارات العالم الثلاث أوربا وأسيا وإفريقيا وتقع على البحر الأبيض المتوسط الذي يزنر أوربا في شواطئها الجنوبية والجنوبية الشرقية ولها علاقات تاريخية واقتصادية وثقافية مع بعض الدول الأوربية خصوصا فرنسا وبريطانيا بوصفها جزءاً من النفوذ الأنكلو فرنسي التي انتهت إليها نتائج الحرب العالمية الأولى ويمكن تحديد أهم التداعيات الأمنية التي امتدت للقارة الأوربية بما يلي:

  • انتشار عدد من الخلايا غير المعروفة في مختلف المدن الأوروبية فقد شكلت أوروبا ساحة واسعة للخلايا الجهادية والشخصيات المتطرفة وهذا ما أكدته الأحداث التي وقعت في عدد من المدن الأوربية مثل بروكسل وباريس وكان قد أعلن كل من تنظيما القاعدة والدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”، أنّ لهما خلايا نائمة وكامنة منذ فترة تعمل في أوروبا وبالتحديد في بريطانيا وفرنسا وألمانيا والنمسا[27].
  • تقدم اليمين المتطرف في العديد من الدول الأوربية نتيجة عدة عوامل أبرزها تزايد هجمات الإرهاب واستغلال المرشحين لعواطف الجماهير من خلال اللعب على وتر توفير الأمن المفقود منذ هجمات باريس وهي أحزاب معروفة بتوجهاتها المعادية للمسلمين وللوحدة الأوربية[28].
  • استهداف المصالح والمواطنين الأوربيين الذين يتواجدون في مناطق النزاع بهدف ابتزاز دولهم.
  • زيادة أعداد طالبي اللجوء إلى الدول الأوربية والخوف من تبعات تدفقهم على المجتمعات الأوربية ثقافياً ودينياً أدى إلى إغلاق هذه الدول أبوابها بوجههم.
  • تحديد الحقوق والحريات العامة وتشديد الرقابة على وسائل التواصل خصوصاً بحجة الخوف من الجماعات الإرهابية.

وقد أكدت تصريحات الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي فديريكا موغريني، أنّ “موقف الاتحاد الأوروبي من النظام السوري لم يتغير” وهي تدعو إلى حل القضية السورية عن طريق عملية سياسية كما وأكدت أن “دعم الاتحاد الأوروبي للمعارضة سيتواصل في المستقبل” معتبرةً أنّ “التهديدات التي طالت أوروبا والعالم مرتبط بتوسع تنظيم داعش، وأنّ التصدي لهذه التهديدات، يتطلب القيام بأمور داخلية على مستوى الاتحاد الأوروبي وأيضاً، تسريع حل الصراع السوري[29].

خاتمة

من جنيف إلى فيينا مروراً بميونيخ يكاد العالم يعجز عن إيجاد حل للأزمة السورية التي وصلت إلى “أزمة استراتيجية” تسعى كل الدول الفاعلة في الملف إلى حله على وجه السرعة، فمن ثورة على نظام إلى أزمة إقليمية تقاذفتها الدول المحيطة بسوريا، ومن ثم إلى أزمة على المستوى الدولي يتنافس فيها كل من روسيا التي وضعت كل ثقلها على الأرض السورية وتتحكم بالقرار السياسي الرسمي التابع للنظام السوري، والطرف الأمريكي الذي يُجمع الخبراء على تأجيل حل الأزمة ووضعها على طاولة الرئيس الأمريكي القادم.

المعنيون الأوروبيون بمكافحة الإرهاب لا زالوا مترددين حول كيفية التعامل مع الداخل السوري لكن مع ذلك يرون أنه من الضروري بدء التفكير في كيفية الانخراط مع المجتمعات السورية وقد تم حصر المساعدات حول تطبيق العدالة، الأمن، الصحة، الطعام، الأدوية، الطاقة والمياه التي تكسب شرعية في الإدارة المحلية وبهذا يلعب الأوروبيين دوراً كبيراً في المجال الإغاثي ولإيجاد حل سياسي.

المقاتلين الأجانب يشكلون تهديداً رئيسياً لدول الاتحاد الأوروبي، خصوصاً أنّ سوريا تستمر في جذب عدد متزايد منهم، بما في ذلك من أوروبا لذلك على الدول الأوروبية أن تحضر نفسها لتهديد على المدى الطويل.

فكرة أنّ الإسلام هو دين إرهاب وعملية الترويج لذلك آن لها أن تنتهي فهي عملية خطيرة تستغلها الأحزاب السياسية المتطرفة في أوروبا وأيضا يستخدمها الأفراد ذوي الميول العدائية ضد الأجانب العرب لتحقيق مآربهم الخاصة.

لابد من صياغة برامج تدريبية للاجئين السوريين تعلمهم كيفية التكيف مع عادات المجتمع الأوربي حيث اختلاف اللغة والعادات والتقاليد وتؤهلهم لتقبل الآخر، وكذلك الأمر من ناحية الشعوب الأوربية يجب بث برامج تليفزيونية وإذاعية أو حتى عن طريق استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لإيصال رسالة محبة وسلامة وبث روح الإخاء.

هل وصل عجز الاتحاد الأوربي لدرجة أنّه مرهون بكافة قراراته للولايات المتحدة الأمريكية؟ ..فترى قرارته تتبدل وتتلون حسب تصريحات المسؤولين الأمريكيين خصوصاً فيما يتعلق بالقضية السورية!

[1] بعد أن وقع الاتحاد الأوروبي في فخ التنسيق الأمني مع النظام السوري… ما القادم بالنسبة لتركيا؟ د. وسام الدين العكلة، ترك برس، تاريخ النشر 1 /8/ 2016 http://www.turkpress.co/node/24415

[2] مخاوف الاتحاد الأوروبي بشأن سورية، مارك بيريي، مركز كارينغي للدراسات، تاريخ النشر 9/6/ 2014 http://carnegie-mec.org/2014/06/09/ar-pub-55898

[3]   الاتحاد الأوروبي يفرض عقوبات على 10 مسؤولين سوريين، سكاي نيوز عربية، تاريخ النشر 27/10/2016 https://goo.gl/7aUAFY

[4] مخاوف الاتحاد الأوروبي بشأن سورية، (مرجع سابق)

[5] الاتحاد الأوروبي وسوريا-آراء حول الخليج، كريستيان كوخ، مدير مركز الخليج للأبحاث https://goo.gl/483hDw

[6] مخاوف الاتحاد الأوروبي بشأن سورية، مارك بيريي، مركز كارينغي للدراسات، تاريخ النشر 9/6/ 2014 http://carnegie-mec.org/2014/06/09/ar-pub-55898

[7] لا عقوبات أوروبية على موسكو بسبب الأزمة السورية، صحيفة العرب، العدد 10428ص(5)، تاريخ النشر 18/10/2016 https://goo.gl/W1Rdji

[8] بعد أن وقع الاتحاد الأوروبي في فخ التنسيق الأمني مع النظام السوري… ما القادم بالنسبة لتركيا؟  د. وسام الدين العكلة، ترك برس، تاريخ النشر 1/8/ 2016 http://www.turkpress.co/node/24415

[9] المرجع السابق نفسه.

[10] المرجع السابق نفسه

[11] مخاوف الاتحاد الأوروبي بشأن سورية، مارك بيريي، مركز كارينغي للدراسات، تاريخ النشر 9/6/ 2014 http://carnegie-mec.org/2014/06/09/ar-pub-55898

[12]  موقف أوروبا من الأزمة السورية، غياب الفعالية وافتقاد التأثير، براء ميكائيل، الجزيرة تقارير، تاريخ النشر 7/4/ 2012 https://goo.gl/uCQ9H3

[13] المرجع السابق نفسه.  

[14] فهم موقف فرنسا بشأن سورية في ثلاث دقائق، الدبلوماسية الفرنسية، تاريخ النشر 2015 https://goo.gl/D7ZqvA

[15] موقف أوروبا من الأزمة السورية، غياب الفعالية وافتقاد التأثير، براء ميكائيل، الجزيرة تقارير، تاريخ النشر 7/4/ 2012 https://goo.gl/uCQ9H3

[16] موقف المانيا من الأزمة السورية: رؤية في دوافعه واشكالها. مثنى العبيد، المركز السوري للعلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية، تاريخ النشر 9/10/2015 http://www.scirsr.org/posts/812

[17] المرجع السابق نفسه.

[18] الموقف البريطاني من سوريا.. دعم لوجيستي ودبلوماسي للمعارضة وتجنب العسكري، جيمس دينسلون، الشرق الأوسط جريدة العرب الدولية، العدد 12290، 22/7/2012 https://goo.gl/YJemeO

[19] وزير خارجية إيطاليا ينتقد موسكو بشدة لدعمها النظام السوري، محمود الكيلاني، وكالة الأناضول، تاريخ النشر 27/9/2016 https://goo.gl/wUr7Iy

[20] بعد أن وقع الاتحاد الأوروبي في فخ التنسيق الأمني مع النظام السوري… ما القادم بالنسبة لتركيا؟ د. وسام الدين عكلة، ترك برس، 1/8/2016 http://www.turkpress.co/node/24415

[21]المرجع السابق نفسه

[22] أوروبا وأزمة اللاجئين: بين التضخيم الإعلامي والحقائق المُغفلة، رندة صباغ، مصدر الجمهورية، تاريخ النشر 23/12/2015 http://aljumhuriya.net/33874

[23] تقرير يونسيف http://www.unesco.org/new/ar/media-servicesl  

[24] السياسات الأوروبية تجاه اللاجئين: ثلاثية الأمن، الهوية، والقيم الإنسانية، هاني سليمان، المركز العربي والبحوث والدراسات، تاريخ النشر 29/8/2016 http://www.acrseg.org/40345

[25] الاتحاد الأوروبي وقضايا الهجرة: الإشكاليات الكبرى والاستراتيجيات ّ والمستجدات-محمد مطوع، جامعة القاهرة، الصفحة 38.

[26]  أوروبا وأزمة اللاجئين: بين التضخيم الإعلامي والحقائق المُغفلة، رندة صباغ، مصدر الجمهورية، تاريخ النشر 23/12/2015  http://aljumhuriya.net/33874

[27] «الوطن» ترصد «الخلايا النائمة» لـ«داعش» و«القاعدة» فى أوروبا، لطفى السالمان ونعمة الله التابعى، الوطن بوابة إلكترونية شاملة، تاريخ النشر 16/01/2015 http://www.elwatannews.com/news/details/641046

[28] اليمين المتطرف يجتاح أوربا ويضع يسارها على المحك، مسلم عباس، شبكة النبأ المعلوماتية، تاريخ النشر 04/05/2016http://annabaa.org/arabic/reports/6223

[29] موغريني: دعم الاتحاد الأوروبي للمعارضة السورية سيتواصل، العربي الجديد، تاريخ النشر 23/3/2016 https://goo.gl/0FUZpb

التحالفات الخفية بين الأسد والتنظيمات الإرهابية

التحالفات الخفية بين الأسد والتنظيمات الإرهابية

المقدمة

حكم النظام القائم في سورية بقيادة الأسد الأب والابن أكثر من خمسة عقود ولا يزال يهيمن على السلطة، رغم انتفاض السوريين بوجهه منذ العام 2011 ومطالبتهم بنظام حكم يتمتعون به بالحرية، وإنهاء تحكم الأجهزة الأمنية بحياتهم، ولكن وبدل الاستجابة للمطالب المشروعة التي نادى بها السوريون، عمل النظام السوري على قمعهم واتخذ منهم أهداف عسكرية يجب القضاء عليها بشتى الوسائل، في سبيل بقاء هيمنته على السلطة، فتحالف مع الجماعات والمليشيات الإرهابية التي استجلبها من كل بقاع الأرض، وبدأ بتسييرها بما يخدم مصالحه ولعل تهديداته بحق الحكومات التي ستقف مع الثورة أبرز الأدلة على مدى الإرهاب الدولي هذا النظام، فتحالف مع تنظيم القاعدة وسمح له بإنشاء مراكز دعوية داخل الأراضي السورية رغم إظهاره العداء له، ومع محاربته للأكراد في سوريا وحرمانهم من أبسط حقوقهم تحالف مع عبدالله أوجلان وقام ببناء معسكرات تدريب له داخل الأراضي السورية واللبنانية بغاية استخدامه كورقة يلعب بها في الموازين الإقليمية، وحاول بشتى الوسائل إخفاء الأدلة التي تثبت إدانته بقضية اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري إلا أنّ جميع الأدلة تشير بأصابع الاتهام إلى ارتباطه الوثيق بمنفذي هذه الجريمة، ومع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام بدأت الشكوك عن تقارب بين قيادات التنظيم الإرهابي ونظام الأسد البعثي في ظل استيلاء تنظيم الدولة على المناطق التي سيطر عليها الثوار وعقد الصفقات الاقتصادية التي برزت في عدّة مواقع في مجالات النفط والكهرباء والغاز.

آلية الحكم التي اتبعها كل من داعش ونظام الأسد

مر على سوريا عبر تاريخها الكثير من الأحداث المفصلية فموقعها الاستراتيجي بين القارات وإطلالتها على مياه المتوسط الدافئة وغناها بالمياه العذبة جعلتها قبلة الحضارات في الماضي والحاضر، وقد دخلها الأتراك العثمانيين عام 1516 وأصبحت جزءاً من الإمبراطورية العثمانية لمدة أربعة قرون، وبعد إعلان الاستقلال 17 أبريل 1946 عن الاحتلال الفرنسي وحتى وفاة حافظ الأسد مرت سورية بأربع مراحل أساسية وهي مرحلة الانقلابات العسكرية، ومرحلة التوجه الوحدوي، ومرحلة وصول حزب البعث للسلطة وأخرها ما سمي بمرحلة الحركة التصحيحية . أما اليوم فتعيش حالة حرب طاحنة بين أطراف متعددة امتدت منذ 15 مارس 2011 حيث نشأ وتشكل خلالها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام الذي شابه إلى حد كبير نظام الحكم البعثي من حيث طريقة الحكم بالقوة والترهيب، فما هي الطريقة التي وصل بها كل منهما إلى الحكم وما أبرز السمات التي يتمتعان بها؟

1 نظام الأسد البعثي في عهد الأب والابن

هيمنت عائلة الأسد على الحكم خلال العقود الأربع الماضية، فقد ولد الأسد في عائلة فقيرة وكان التاسع من بين 11 طفلا، في السادس من أكتوبر 1930 كانت عائلته بالكاد تعرف بين سكان القرية المنسية في القرداحة، وهي القرية التي عاش فيها والواقعة في جبال النصيرية والتي نشأت جيولوجيا أثناء تكوين ساحل البحر الأبيض المتوسط، يقول (باتريك سيل) في كتابه (أسد سوريا. معضلة الشرق الأوسط) إن القرداحة كانت عبارة عن طريق يقع في نهايته مكب للأوساخ.

وفي ظل أوضاع معقدة كانت تمر بها سوريا بعد خروجها من مرحلة الانقلابات العسكرية وقيام الوحدة بين سوريا ومصر وفشلها وتداعيات حرب 1967 مع إسرائيل، بدأ حافظ الأسد عهده والذي كان وزيرا للدفاع بانقلاب عسكري في عام  1970عرف فيما بعد بالحركة التصحيحية حيث انقلب على زملائه في الحزب سواءً من الضباط أو المدنيين، فمنهم من ألقي به في غياهب السجون ومنهم من فر هارباً بجلده إلى خارج الوطن، وطبيعة الضباط السوريين الذين استلموا مقاليد الحكم في سوريا من جهة أنّهم معادون للغرب ومن جهة أخرى معادون للتطلعات الديمقراطية[1].  فقد اعتبروا حزب البعث الحزب الوحيد الذي من شأنه إدارة الدولة والمجتمع حيث نصت المادة الثامنة من ميثاق الحزب أنّ “حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع” وبهذا بدأ تاريخ حكم عائلة الأسد وبدأ بفرض هيمنته على كافة شرائح المجتمع.

وفيما يتعلق بالسياسة والمنهج الذي اتبعه في تثبيت حكمه فقد كان مغايراً لنهج الضباط السابقين، فقام بفتح نافذة على الداخل من خلال وعوده بإعادة تسليح الجيش المدمر من أجل استعادة الجولان المحتل والحد من تدخل الدولة في شؤون السوق والأمور الاقتصادية، وذلك عبر فتح نوافذ أبواب التجارة على الخارج واعتمد ما يعرف بسياسة الخصخصة واقتصاديات السوق وفعّل المادة الثامنة من ميثاق الحزب بالسماح بإيجاد جبهة وطنية تقدمية استقطبت مجموعة من الأحزاب منها الأحزاب القومية واليسارية وخاصة الحزب الشيوعي السوري الموالي لموسكو، وقام بإجراء انتخابات برلمانية على مقاس النظام وفي المقابل ضرب بيد من حديد على الأحزاب الأخرى المعارضة مثل حزب العمال الشيوعي السوري الجناح الآخر للحزب الشيوعي والإخوان المسلمين وغيرهم من المعارضة، وفي المقابل قوى الأجهزة الأمنية والاستخباراتية بحيث أصبحت هذه الأجهزة تتدخل في كل شاردة وواردة للشعب السوري، وجاءت حرب اكتوبر لعام 1973 ومشاركة جيشه في هذه الحرب لتمكنه من تقوية مكانته حيث بقي رئيسا للجمهورية منذ انتخابه لأول مرة عام 1971 إلى وفاته في 10 يونيو من عام 2000بعد أن قام بتجهيز ابنه بشار لوراثة الحكم من بعده[2].

ولقد كان عهد حافظ الأسد حافلاً بالجرائم والمجازر التي ارتكبها بحق شعبه منذ توليه السلطة واقترن حكمه بالاستبداد السياسي والعنف والفساد، ولعل أبرز مجازره ما حدث في محافظة حماة السورية في فبراير من عام 1982 الذي قتل على إثرها 30 ألف مدني[3].

وبما أنّ حافظ من أقلية تنتمي للطائفة العلوية النصيرية والذين لا تزيد نسبتهم في سوريا عن 10 بالمئة فقد قام بتثبيت أركان دولته بالاعتماد على الطائفة العلوية التي ينتمي إليها، حيث عمِد حافظ إلى تمكين بعض من أبناء طائفته العلوية سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، من خلال التغلغل في مؤسسات الدولة الرسمية بالإضافة إلى تكوين جماعات مسلحة غير رسمية مؤيدة له “فوق الدولة” وخارج نطاق المحاسبة القانونية[4]. وهو بهذا يطبق مقولة الكاتب ويرلس وفي كتابه “البلد” حيث يقول “يمكن للأقلية إذا امتلكت السيطرة السياسية والعسكرية والاقتصادية أن تتحكم في الأغلبية” وهذه المقولة تلخص الوضع في سوريا منذ سيطرة حافظ والذي استمر على نفس النهج في عهد ابنه بشار الذي لا يزال يحكم إلى الآن، وفي الوقت الذي كانت تعاني فيه شرائح واسعة الشعب السوري من الفاقة والعوز والحرمان بنى حافظ الأسد مؤسسات حكومية ضخمة وأجهزة أمنية اقترنت بالعنف وبإذلال المواطن السوري.

وفي السنوات الأخيرة من حكم الأسد الأب ضعف دور الجيش و تبدلت عقيدته العسكرية من الدفاع عن الوطن إلى وحدات خاصة مهمتها الدفاع عن النظام وغرق ضباط تلك الوحدات حتى رؤوسهم في الفساد و أصبحت المحسوبية والطائفية المعيار في تبوء المناصب الحكومية، وبذلك اشتدت قبضتهم لتشمل السيطرة على كل الفروع التابعة لحزب البعث نفسه، وعم الفساد مفاصل كل المؤسسات الحكومية بما فيها المؤسسة القضائية، أما المؤسسة التشريعية فأصبحت مهمتها التصفيق للنظام لا غير، والمؤسسة التنفيذية فيقف وراء كل وزير عدد من رجال المخابرات والأمن وأصبحت البلاد تدار بمراسيم جمهورية و توجيهات تصدر من المسؤولين وذلك في ظل قانون الطوارئ و أصبح الاعتقال والتعذيب مهمة سهلة يقوم بها أصغر ضابط في أجهزة الأمن و المخابرات التي أصبحت تشرف على كل صغيرة وكبيرة، وبتزاوج السلطة مع رأس المال وخاصة بعد صدور قانون الاستثمار رقم 10 في عام 1991 الذي رفع القيود عن استثمار القطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية في مجالات كانت فيما مضى حكراً على القطاع العام، أصبح الضباط و المحسوبين على النظام من أغنى أغنياء العالم بحيث وصلت ثروة أحدهم وهو رامي مخلوف بما يقدر 111 مليار ليرة سورية[5].

وقد مات حافظ الأسد وابنه بشار لا يزال يخالف الدستور فلا يحق له أن يكون رئيساً بسبب صغر سنه، اجتمع مجلس الشعب السوري في 10 يونيو/حزيران 2000، لتعديل المادة رقم (83) من الدستور التي تنص على أنّ سن الرئيس يجب أن تكون 40 سنة، وفي تصويت استغرق ثلاث ثوان أصبحت المادة (83) تنص على أنّ سن الرئيس يمكن أن تكون 34 سنة وهي سن بشار في ذلك الوقت، وبهذا التعديل الدستوري الذي يعتبر الأسرع من نوعه في العالم، تمكن بشار من تولي رئاسة البلاد[6]. من خلال عملية انتخابية قام بها ضباط وعناصر الأمن والمخابرات في ذلك الوقت.

ومن الممكن تحديد أبرز المعالم التي رافقت تاريخ حكم بشار منذ وفاة والده عام 2000 واستلامه للسلطة بما يلي:

  • التغييب الكامل لدور الشعب في الحياة السياسية الداخلية والخارجية، وإقصاء الديمقراطية.
  • الترسيخ الدستوري لهذا التغييب وتلك المصادرة، عن طريق دستور 1973 الجديد والذي تم تعديله بصورة كاريكاتورية بعد وفاة الأب، ليصبح على مقاس الابن فيما يتعلق بمسألة العمر.
  • تكريس أشكال من الديمقراطية الإعلامية التي تمثلت بعدد من المنظمات الشعبية والحزبية والجبهوية التي برهنت التجربة الملموسة أنّ دورها لم يكن ليتعدى التسبيح بحمد قائد المسيرة! (الأب ومن ثم الابن).
  • إخضاع السلطتين التشريعية والقضائية للسلطة التنفيذية (بدل العكس)، الأمر الذي ذهب بهيبة الدستور والقانون بل وبهيبة الدولة كلها.
  • توجيه كافة مؤسسات الدولة وأجهزتها الإعلامية والتربوية والتعليمية، بما في ذلك الجامعات، لتكريس ظاهرة ” عبادة الفرد “، والتي كانت وما تزال تتجاوز الشخص نفسه إلى آرائه السياسية والاجتماعية وحتى الثقافية، باعتبارها البوصلة النظرية التي على الجميع أن يسيروا على هديها!
  • الهيمنة على القطاع العام وتحويله إلى ملكية خاصة بالنظام.
  • تكريس حالة الطوارئ والأحكام العرفية التي ماتزال مستمرة منذ 1963، والتي يستخدمها النظام عادة لتجاوز الدستور والقانون متى وأنّى وكيف يشاء والتي كانت ثمرتها المرّة مئات الآلاف من الضحايا ما بين سجين وشهيد ومفقود[7].

أما عن العلاقات الخارجية للنظام فقد ارتكزت منذ “حافظ الأسد” إلى الآن، على التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري والديني مع روسيا وإيران بشكل أساسي، بالإضافة إلى حزب الله وتوطدت العلاقة بين سوريا والاتحاد السوفياتي السابق، فقد وقّع الأسد والرئيس السوفياتي “ليونيد بريجنيف” في 8/10/1980 معاهدة صداقة وتعاون مدتها 20 عاماً، ووقعت اتفاقية مشابهة مع إيران بعد الثورة الإسلامية التي قادها «آية الله الخميني» عام 1979[8]. وتتمسك روسيا بالنظام في سوريا لضمان السيطرة على ميناء طرطوس، الذي يعتبر المنفذ البحري الوحيد لروسيا المطل على المتوسط، وفي المقابل ترسخ التعاون العسكري وأبرمت عقود التسليح بين البلدين وتعهدت روسيا بتقديم الدعم العسكري والسياسي للنظام.

وفي ظل الحرب الدائرة في سوريا منذ أربع سنوات وتحولها إلى حرب بالوكالة بين الأطراف الدولية بين داعمة للنظام وداعم للمعارضة ظل بشار الأسد محور خلاف عميق بين من يرى أن لا مستقبل له في المشهد السوري معتبراً ذلك شرطاً أساسياً لإنجاح المفاوضات السياسية، ومن يصر على أنّه يجب أن يكون جزءاً من الحل، وهو الموقف الذي تتبناه روسيا يتيه الشعب السوري خلالها في بحر من الدماء.

2 تنظيم الدولة الإسلامية “النشأة والتأسيس”

تعود جذور “تنظيم الدولة” إلى “جماعة التوحيد والجهاد” التي أسسها الأردني أبو مصعب الزرقاوي بالعراق 2004 إثر الاحتلال الأميركي لأراضيه. أعلن الزرقاوي عام 2006 مبايعة جماعته زعيم “تنظيم القاعدة” الراحل أسامة بن لادن وأصبح اسمها “تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين”، وبعد مقتله منتصف 2006 أعلن التنظيم قيام “الدولة الإسلامية في العراق” بقيادة أبو عمر البغدادي “حامد الراوي” الذي قتل بعملية عسكرية في 18 أبريل 2010 [9].

تم مبايعة أبو بكر البغدادي الذي أعلن عن قيام “الدولة الإسلامية في العراق والشام ” في عام 2013 إثر تصاعد الخلاف بينه وبين تنظيم القاعدة المركزي بقيادة أيمن الظواهري بسبب عدم إعطائه البيعة وخلافه مع جبهة النصرة وهيكلية تنظيم “الدولة الإسلامية ” نسخة من القاعدة لكنّه يأخذ الألقاب العسكرية أكثر من الجهادية ويتخذ من مركز “فرقان” موقعا لنشر إصداراته وبياناته[10].

وفقاً لرأي الدكتور مصطفى العاني مسؤول وحدة مكافحة الإرهاب في مركز الخليج فإنّ التنظيم اعتمد المكون السني في المنطقة الغربية ومدينة الأنبار وأصولها العشائرية الممتدة في سوريا وهذا كان وراء إعلان الدولة الإسلامية في العراق والشام[11].

ركز التنظيم على استقطاب العسكر وخاصة الذين خدموا في زمن النظام العراقي السابق ما قبل 2003 بسبب ما تمتلكه هذه العناصر من خبرات استخباراتية وعسكرية، منها في مجال التصنيع مثل المتفجرات والألغام وغيرها وما يتميز به العسكر من الانضباط والسرية، وهذا ما يتمتع به تنظيم الدولة أكثر من غيرها من التنظيمات الجهادية.

وضمن نقاط التحول التي ساهمت في تعزيز قوة التنظيم في المنطقة هو فرار نحو 1000 سجين من سجن “أبو غريب” الشهير في العراق، بعد عملية انتحارية في تموز/ يوليو 2013، حيث أنّه كان من ضمن الفارين أشخاص أصبحوا قادة للتنظيم فيما بعد، بالإضافة إلى موالين للرئيس العراقي الراحل صدام حسين. وتناقلت وسائل إعلام عراقية، خبر فرار المساجين من أبو غريب على شكل أنّ “بعض العناصر السابقين في تنظيم القاعدة وافقت على التعامل مع الاستخبارات الإيرانية وانضمت إلى صفوف تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام”[12].

سعى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام عبر هيكلية بناء دولته إلى وضع بصمته الخاصة في تحويل نفسه من عصابات تجوب الصحاري إلى دولة ذات هياكل واضحة للحكم وإدارة شؤون رعيته، تمتد على سوريا والعراق، وتمتلك مصادر تمويل كبيرة تعود إلى الثروات الطبيعية والإنتاجية الموجودة في الأراضي التي يسيطر عليها كالنفط والزراعة والعديد من السدود. كما عمل على تنظيم الشؤون الإدارية في أراضيه منذ اللحظة الأولى لسيطرته عليها، معتمداً سياسة التخويف والترهيب، بعد لجوئه إلى الإعدامات وقطع الرؤوس والأيدي والأرجل والصلب. ويعتمد البغدادي في حكم “دولته” على تقسيمها إلى ولايات عدة، عيّن في كل منها والي ونائب وشرعي، يقومون بإدارتها عن طريق دوائر تدعى الدواوين[13].

رغم أنه لا تتوفر الكثير من الوثائق حول هيكلية التنظيم من الداخل لكن ما تم الحصول عليه من معلومات في رسائل بن لادن مارس 2012 وفي وثائق سنجار التي حصلت عليها القوات الأمريكية بعد   2003وما حصلت عليه الاستخبارات العراقية من عمليات واسعة في صحراء الأنبار تتلخص هيكلة التنظيم بما يلي:

  • تكون هيكلية التنظيم هرمية وليست عنقودية أي يوجد قيادي واحد يربط التشكيل بالتنظيم.
  • وسائل الاتصال محصورة بالمرسال البشري لكن بعد الـ 2011 بدأ التنظيم يستخدم الهواتف النقالة وهواتف الثريا وفقاً لمعلومات محققين في جهاز مكافحة الإرهاب العراقية.
  • المجلس العسكري وهو ما يقابل أركان عمليات التنظيم بقيادة أبو أحمد علواني مع إدارة ثلاث ضباط أخرين مهمتهم التخطيط وإدارة القادة العسكريين ومتابعة الغزوات.
  • مجلس الشورى بزعامة أبو أركان العامري ومهمته تزكية الولاة للولايات ويضم 11 إلى 19 عضو يتم تعينهم من قبل أبو بكر البغدادي.
  • الهيئات الشرعية يرأسها أبو محمد العاني مهمته الإرشاد والدعوى ومتابعة الإعلام.
  • مجلس الأمن والاستخبارات بزعامة أبو علي الأنباري وهو ضابط سابق في الاستخبارات العراقية ما قبل 2003 ومسؤول عن أمن البغدادي وأمن التنظيم من الاختراق.
  • مؤسسة الإعلام بزعامة أبو أثير الشامي من أصل سوري يتابع الإعلام الإلكتروني والمواقع غالباً من الخليج وشمال إفريقية.

من هو أبو بكر البغدادي؟

اسمه إبراهيم عواد إبراهيم البدري كنيته السابقة أبو دعاء عمل محاضراً في الدراسات الإسلامية وإماماً لجامع أحمد بن حنبل في سامراء، ومن ثم إمام جامع في بغداد وآخر في الفلوجة، اعتقلته القوات الأمريكية في 4 يناير 2004 لنحو ثلاثة أعوام، أسس التنظيم تحت مسمى جيش أهل السنة والتحق بعدها بالقاعدة وأصبح الرجل الثالث في التنظيم تولى القيادة خلفاً لأبو عمر البغدادي[14].

تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام الذي يحتوي ضمن أركانه عناصر موالين لصدام حسين، ومقاتلين أجانب فقراء من ناحية التعاليم الدينية، يصنف أعدائه إلى صنفين، صنف يتكون من الدول الغربية، وجميع المكونات غير المسلمة في المنطقة، عسكريين كانوا أم مدنيين، والصنف الآخر هم المسلمون الذين لا يخلصون له بالولاء والطاعة، ويصفهم التنظيم “بالمرتدين”[15]. بدأ تنظيم الدولة السيطرة سريعاً في مطلع 2013 بزعامة أميره في محافظة الرقة أبو لقمان ونائبه أبو سعد الحضرمي. من خلاله قتاله الجميع وبدون استثناء وعلى عدة جبهات وشكل اهتماماً وإثارة للجدل بين فصائل المقاومة المسلحة السورية التي بدأت بمواجهته عندما ازداد في غلوه واستهان في دمائهم لتصفه هذه الفصائل بخوارج العصر.

دخل التنظيم في اشتباكات عنيفة مع جبهة النصرة، خصوصًا عقب اغتيال عناصر التنظيم “أبو خالد السوري” في 23 شباط/ فبراير 2014، الموكل من قبل زعيم تنظيم القاعدة “أيمن الظواهري”، لفك الخلاف الدائر بين الطرفين. لم يميّز التنظيم بين طفل أو امرأة أو صحفي في إعداماته، كما أنّه دمر تماثيل وآثاراً تاريخية، بزعم أنّها “شركيات”، ولاذ كثيرون في المنطقة إلى تركيا من التركمان والأكراد واليزيدين، هربًا من إرهابه.

انتهج داعش استراتيجيته في مناطق بسوريا والعراق يأتي بالتزامن مع رغبة القوى التي تريد إعادة تقسيم المنطقة، الأمر الذي يعزز من شكوك “توجيه عمليات التنظيم بما يملى عليه عملاء استخبارات أجنبية ضمن صفوفه”.[16]

وصل اليوم لنقطة تحول في المنطقة، لا سيما بعد التطورات الأخيرة ودخول تركيا كلاعب صريح في القتال، وما تشير إليه الدلالات من اقتراب المعارك نحو مدن التنظيم الرئيسية في “الرقة والموصل” يبشر بسقوط هيكل التنظيم الجغرافي، إلا أنّ التوقعات لم تحسم بعد بيد من ستسقط تلك المناطق، والذي لن يحسم بمعركة الرقة أو الموصل، إنّما في المعارك المتولدة بعد الانتهاء من داعش.

فكل القوى الدولية المشاركة في الحرب ضد تنظيم داعش، ترى في التنظيم عدواً مشتركاً، ولكنها في الوقت نفسه تنظر إلى بعضها البعض كأعداء مرتقبين، وتشكل التنظيمات المحلية السورية الأيدي الأساسية للحروب بالوكالة بالنسبة لعداء تلك القوى. ومما لا شك فيه، أنّ انكماش مناطق سيطرة التنظيم، سينتج عنه معارك قادمة أكثر تقليدية، ولكنها أشد ضراوة، وذلك بعد تجمع عناصر التنظيم في المراكز الرئيسية في الرقة والموصل بعد انسحابهم من المناطق المحيطية، وما انتهاء داعش المستقبلي في الرقة والموصل إلا باباً نحو حرب العصابات المرهقة للقوى المنظمة، ضد خلايا التنظيم التي سوف تتشكل بفلول التنظيم ذو الخبرة والتدريب العالي، وما ينتج عنه من انتقال تلك الخلايا نحو بلدان مجاورة كتونس والسعودية ومصر، أي سياسة نشر الفوضى والاقتتال[17].

الصفقات الاقتصادية بين تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” ونظام الأسد البعثي

تختلف وجهات النظر بشدة فيما يتعلّق بالعلاقة القائمة بين كلّ من الحكومة السورية وتنظيم الدولة الإسلامية بصفتهما لاعبين أساسين في الصراع الدموي القائم في سوريا، وفيما يصل البعض إلى اعتبار أنّ تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” ليست إلا ابنًا للنظام جاء كـورقة إنقاذ في الوقت المناسب، يرد البعض الآخر على أّنّها مجرد التقاء مصالح وبراغماتية تكتيكية مِن كلا الجانبين وتوضح صفقة الغاز التي عقدتها شركة هيسكو هذا التقارب إضافة لعقود النفط بين الجانبيين وتبين الإحصائيات التي أجرتها المؤسسة البحثية أي إتش إس (IHS) أنّ الحكومة السورية – التي طالما صورت الثورة السورية على أنّها معركة ضد الإسلام الراديكالي-وتنظيم الدولة الإسلامية قد تجاهلا بعضهما البعض إلى حد كبير في ساحات المعارك على حسب ما تشير إليه البيانات بل تم التفاهم فيما بينهم على تبادل مناطق النفوذ لا سيما في مدينة تدمر.

1 حقل توينان للغاز مصالح وعقود مشتركة

في عام 2008 أكدّ مدير شركة “شل” للنفط في سورية على أهمية مستقبلها كممر دولي حيوي لنقل الغاز باتجاه أوروبا، فالمسألة ليست فقط طبيعة الاكتشافات النفطية بل أيضاً في طبيعة شبكات الطاقة، والمشاريع الدولية بخصوص نقل الغاز، وفي عام 2009 اقترحت قطر مد خط للغاز الطبيعي عبر سوريا وتركيا إلى أوروبا، ولكن سوريا أبرمت اتفاقاً مع العراق وإيران لمد خط أنابيب يتجه شرقاً، بحيث يسمح لهذين البلدين بالوصول إلى سوق الغاز الطبيعي الأوروبية، وهذا الأمر أثّر سلباً على كلّ من السعودية وقطر وتركيا، وحسب المحلل الأمريكي الاستراتيجي روب تايلر فإنّ اقتصاديات المنطقة الجيوبولتيكية تشكل نقطة ارتكاز أساسية في اندلاع الأزمة السورية، فخطوط أنابيب النفط والغاز الطبيعي تأتي بكميات كبيرة من الثروة للدول التي تسيطر عليها، وبذلك تجتذب الاهتمام الدولي، وفى حالات كثيرة النشاط الإرهابي.

انتشار تنظيم الدولة اليوم لن يغير من طبيعة سورية كعقدة طاقة أساسية، لكنّه في المقابل يدفع نحو قراءة منظومة الطاقة في الشرق الأوسط ككل، ومن غير المتوقع أن تنتهي مسألة خطوط الغاز السورية دون حل لخط الغاز الإسرائيلي، ولضمان حصة قطرية في هذه المعادلة، فإمداد الغاز يمنح أدواراً سياسية إضافة لما يقدمه من مزايا اقتصادية، والحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية في مظهرها الحالي تبدو صورة لرسم خرائط سياسية للثروة النفطية السورية ولشبكة الطاقة التي لا بد من أن تمر عبر أراضيها[18].

فبينما يدّعي بشار الأسد وروسيا أنّهما في حالة حرب مع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، تشير منشأة للغاز في شمال سوريا يسيطر عليها التنظيم بشكل واضح إلى وجود علاقات بينه وبين روسيا ونظام الأسد. ووفقًا لمسؤولين أتراك هذا الموقع دليل على التعاون بين تنظيم الدولة الإسلامية وشركة الطاقة الروسية التي لها علاقات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

تقع منشأة الغاز “توينان” على بُعد 60 ميلًا في الجنوب الغربي من عاصمة تنظيم الدولة في محافظة الرقة جنوب غرب مدينة الطبقة وشمال جبل شاعر في البادية السورية وهي أكبر منشأة من نوعها في سوريا. وتمّ البدء ببنائها عام 2008 بقيمة 160 مليون يورو ومليار ليرة سورية[19] من قِبل شركة البناء الروسية “ستروي تراتس غاز”، التي يملكها الملياردير الروسي غينادي تيمتشينكو المقرّب من فلاديمير بوتين. وترتبط هذه الشركة الروسية بالكرملين بشكل وثيق، وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد فرضت عقوبات على الشركة وغيرها من الشركات التي يملكها “تيمتشينكو”، لمشاركتها في أنشطة مرتبطة بشكل مباشر مع بوتين بعد أزمة أوكرانيا[20].

قضية منشأة الغاز المثيرة للجدل تشمل نظام الأسد، وتنظيم الدولة الإسلامية، ورجال أعمال روس من أصل سوري، وجماعات من المعارضة المعتدلة، وسعت جميع هذه القوى إلى تشغيل المنشأة نظراً للمردود العالي الذي تدّره هذه المنشأة.

المقاول الرئيسي لمشروع الحقل شركة “ستروي تراتس غاز” بالإضافة للشركة الاستشارية للمقاولات “ورلي باسونز” التي ترتبطان بشكل مباشر مع رجل الأعمال السوري جورج الحسواني صاحب شركة “هيسكو” للمقاولات.

تعود ملكية هيسكو لرجل الأعمال المتحدّر من مدينة يبرود جورج حسواني، الذي برز اسمه في مرّاتٍ عدّة أبرزها كوسيط في صفقة إطلاق الراهبات. ويرتبط حسواني بصداقة وطيدة مع بشار الأسد وآخرين من عائلته، مما أتاح له قدراً كبيراً من النفوذ استعمله للفوز بعقود كبيرة في مشاريع النفط والغاز، مثل مشــروع غاز شمال المنطقة الوسـطى، ومشــروع إنـــشاء خط الغــاز الـــعربيّ، وغـــيرها.[21]

يتمتع حسواني أيضاً بصلات وثيقة مع الأوساط الاقتصادية والسياسية العليا في روسيا، جعلت منه بحقّ رجل روسيا النفطيّ المفضّل في سوريا، ويتباهى حسواني بدوره الكبيــــر في إقناع الشركة الروسية بمواصلة مشاريعها بعد صدور قرار العقوبات الغربيّ بحق الشركات الأجنبية العاملة في سوريا، وحتى اليوم يعمل أكثر من خمسين موظفاً روسياً في مكاتب الشركة في دمشق، ولا تجيب المعلومات المتوافرة عن السيرة الذاتية لحسواني عن سرّ ثروته، فكلّ ما هو معروف عنه أنّه حاز على شهادة الدكتوراه من الاتحاد السوفياتيّ السابق، من منحة لوزارة التعليم العالي السورية، التي عمل لصالحها أستاذاً في كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية، قبل أن يعيّن مديراً لمصفاة بانياس لمدّة وجيزة، ليغادر المنصب ويؤسّس هيسكو، ثم ليصعد مع ترؤس بشار الأسد للبلاد عام 2000، كواحدٍ من نجوم النفط والغاز في سوريا[22]، وأصدر الاتحاد الأوربي قراراً بفرض عقوبات بحقه لاعتبار أنّه المنسق بين التنظيم والنظام في مجال الطاقة.

رفض حسواني اتهامات وزارة الخزانة الأمريكية بأنّه كان يعمل كوسيط في الصفقات النفطية بين تنظيم الدولة الإسلامية ونظام الأسد. لكنّه لم ينكر عمل شركة هيسكو المستمر على منشأة الغاز بعد استيلاء تنظيم الدولة الإسلامية عليها.

ويهدف مشروع معمل غاز شمال المنطقة الوسطى، والواقع جنوب مدينة الثورة بحوالي 70 كم، إلى استثمار خمسة حقول جنوب المعمل، وهي التوينان وشرق الأكرم والحريث والغور وغرب التوينان في المرحلة الأولى، كما سيتم في المرحلة الثانية ربط حقول شمال الحسين والزملة والعجوز وجنوب الرصافة والقلعة[23].

وبحسب تحقيق جريدة “فايننشال تايمز” البريطانية فإنّ نظام الأسد وتنظيم الدولة الإسلامية يعملان سوياً ويتعاونان من أجل تزويد السكان في سوريا بالطاقة، فيما يدفع النظام السوري الأموال للتنظيم مقابل الحصول على الطاقة، كما يدفع بالموظفين للعمل في منشآت لتوليد الكهرباء خاضعة لسيطرة التنظيم.

وفي شهادة لأحد الموظفين في منشأة غاز خاضعة حالياً لسيطرة تنظيم الدولة، يقول أنّه يعمل مهندساً في المنشأة المشار إليها منذ أكثر من سنة لأنه “لا خيار أمامه”، حيث إنّه شاهد سابقاً أحد زملائه المهندسين وقد تم إعدامه، كما أنّ المهندسين والخبراء العاملين في المشاريع والمنشآت المهمة يتعرضون للضرب بشكل يومي.

ويتألف حقل توينان من أربع محطاتٍ تقوم بمعالجة الغاز وتحسين مواصفاته، وتفصل الغاز المنزليّ عن الغاز النظيف الذي يستخدم كوقود تشغيل لمحطات توليد الطاقة الكهربائية. ويُتوقع بحسب الدراسة الفنية أن تتجاوز كمية الغاز النظيف المنتجة يومياً 3.2 مليون مترٍ مكعب، فيما تبلغ كمية الغاز المنزليّ 60 طن يومياً، تجاوز عدد الموظفين في موقع المشروع 450 موظفاً، خمسين منهم يمثلون الشركة السورية للغاز، فيما يتبع الأربعمئة الباقون لشركة هيسكو[24]. يقيمون جميعا مع عوائلهم في مناطق سيطرة تنظيم الدولة وأغلبهم من سكان مدينة الطبقة وهم محميون ضمن بنود الاتفاق الذي تم توقيعه بين الحسواني والتنظيم.

بدأ مشروع غاز شمال المنطقة الوسطى، المعروف بتوينان، الإنتاج وفق ما أتاحته نسب الأعمال المنفذة بعد اضطراب عملية الإنشاء بسبب خروج الحقل عن سيطرة النظام في مطلع 2013 حيث تمكن لواء أويس القرني من الاستيلاء على الحقل قبل انضمامه لتنظيم الدولة الإسلامية وطرد قوات النظام منه وتم توقيع عقد حماية ما بين القرني وشركة هيسكو حيث تابعة شركة هيسكو البناء وبقي الكادر الإداري حتى تاريخ انضمام القرني لتنظيم داعش في نيسان 2014 حيث وضع الحقل وجميع أملاك الشركة في المنطقة تحت تصرف التنظيم وتم توقيع اتفاق جديد بين هيسكو وتنظيم الدولة الإسلامية برعاية الحسواني[25]، وليقلع معمل غاز توينان أخيراً كحـــــصيلة لهذه الشراكة غير المعلــــنة بين الجانبين. وفي ظلّ رغبتهـــــما في الإسراع بمباشرة الإنتـــــاج، رغم عدم اكتمال بعض التجهيزات الفنية في محطة معالجة الغاز الرئيسية والمحطات الثانوية في بعض الحقول. مما أدى إلى انخفاض كميات الغاز المستخرجة عن معدل 3 مليون متر مكعب المخطط له وفق الدراسة الفنية والاستثمارية، لكن دون أن تنقص عن نصف هذا المعدل، وفق أقلّ التقديرات[26].

وذُكرت تفاصيل صفقة حقل “توينان” بين تنظيم الدولة الإسلامية وشركة هيسكو لأول مرة في الموقع الالكتروني السوري “الرقة تُذبح بصمت” في أكتوبر عام 2014، حيث وقعت هيسكو على اتفاق مع تنظيم الدولة الإسلامية ووعدته بترك جزء كبير من المنافع له، وفي نوفمبر عام 2015 تمّ إرساله الغاز المنتج في المصنع إلى محطة توليد الكهرباء الحرارية التي يسيطر عليها التنظيم في حلب، وينص الاتفاق على إرسال 50 ميجاوات من الكهرباء للنظام، في حين تلقى التنظيم 70 ميجاوات من الكهرباء و300 برميل من المكثفات، وقال المهندسون الذين يعملون في المصنع إنّ “هيسكو” ترسل لتنظيم الدولة الإسلامية ما يقرب من 50 ألف دولار شهريًا لحماية معداتها القيمة”[27].

ولا يمكن أن تقدم شركة مقرّبة من نظام الأسد مثل هيسكو على دفع أيّ مبالغ لتنظيم الدولة إلا بتوجيهات مباشرة من الشخصيات المسؤولة عن ملف النفط والغاز في عائلة الأسد، فقرار مثل هذا لا تجرؤ وزارة النفط، أو حتى رئاسة مجلس الوزراء، على اتخاذه[28]. وتتحدث “ديلي تلغراف” البريطانية في أحد تقاريرها في بداية العام 2014 عن مصادر استخبارية غربية قولها إنّ نظام الأسد أنعش كلاً من تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة بشرائه النفط والغاز منهم مقابل مبالغ مالية كبيرة، وقالت الصحيفة حينها إنّ نظام الأسد يلعب لعبة مزدوجة ومعقدة مع الإرهابيين التابعين لتنظيم القاعدة.

2 امتيازات عقود النفط بين الطرفين

يعتبر النفط والثروات الباطنية مصدراً رئيسياً للاقتصاد في سوريا، ووفق التقرير الإحصائي للطاقة العالمية الذي تصدره شركة “بي بي سي” البريطانية فإنّ إنتاج سوريا من النفط بلغ نحو 385 ألف برميل يومياً عام 2010. وكانت تنفق عائدات النفط على شكل مصاريف شخصية ترفيهية، ويخصص جزء مهم لتمويل الشبيحة والمليشيات التابعة للعائلة الحاكمة، وربما كان يتم تخصيص جزء بسيط من العائدات من أجل الحالات الاقتصادية أو السياسية الطارئة. ونقلاً عن أحد المنشقين عن النظام السوري أن ّالجزء الأكبر من عائدات النفط لم تكن تدخل في الموازنة العامة للدولة بل ينهب من قبل العائلة الحاكمة. فالنفط السوري كان يشكل قبل الثورة نحو 24% من الناتج الإجمالي لسورية و25% من عائدات الموازنة و40% من عائدات التصدير[29].

أما اليوم فمعظم حقول النفط في سوريا تقع تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان فإنّ التنظيم يسيطر على ثلث مساحة سوريا، وهو يعتمد على الثروة النفطية بشكل رئيسي من أجل تمويل حملاته.

فقد قام بالسيطرة على كامل حقول النفط في دير الزور وبسط سيطرته على حقلي العمر والتنك أكبر حقول النفط في سوريا، ويقع حقل العمر النفطي شمال شرق مدينة الميادين (شركة الفرات النفطية) وحقل التنك في بادية الشعيطات بريف دير الزور الشرقي وحقل الورد قرب قرية الدوير وحقل التيم الذي يبعد 10كم من مدينة الموحسن جنوب مدينة دير الزور وحقل الجفرة الذي يبعد 25 كم شرق مدينة دير الزور إضافة لمحطة نفط الخراطة 20 كم جنوب غرب مدينة دير الزور ومحطة نفط ديرو 40 كم شمال غرب مدينة دير الزور ومحطة تي تو t2 التي تقع على خط النفط العراقي السوري.

أما في محافظة دير الزور فيسيطر التنظيم على الحقول الواقعة في منطقة الشدادي والجبسة والهول والحقول الواقعة بالقرب من مركدة وتشرين الواقعتين في ريف الحسكة الجنوبي.

وفي محافظة الرقة توجد بعض النقاط النفطية الصغيرة وجميعها خاضعة لسيطرة تنظيم الدولة. وبالنسبة للحقول النفطية التي لا تزال بيد النظام فتقع في بادية تدمر إضافة لعدد من الحقول في أماكن أخرى يسيطر عليها[30].

تتلاقي حاجة تنظيم الدولة الإسلامية للأموال مع حاجة النظام السوري ذاته للمواد النفطية لتمويل آلته الحربية واقتصاده، لذا يقوم نوع من التعاون الخفي بين الطرفين يؤمن لكلٍ منهما مراده، فيبادل تنظيم الدولة نفطه المنتج محلياً بأموال النظام السوري المحتاج إلى النفط ليستمر في القتال، فتكون النتيجة تقوية قدرة النظام على الصمود في وجه القوى المعارضِة، كما تمويل التنظيم لتعزز نفوذه في المناطق التي يسيطر عليها، وهناك الكثير من الدلائل التي تشير إلى اتفاقيات عقدت بين النظام السوري وتنظيم الدولة الإسلامية في مجال النفط ويمكن تفصيل مضمون اتفاق تم بين الطرفين بما يلي:

  • حقول النفط يديرها تنظيم الدولة الإسلامية ويُشغلها بعمال الحقول اللذين يقبضون رواتبهم من وزارة النفط التابعة للنظام السوري.
  • يتم تصدير النفط إلى مصافي النظام في كل من حمص وبانياس، مقابل رسم محدد للبرميل.
  • يبيع بعض النفط في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم بأسعار زهيدة. وذلك بهدف كسب تأييد أهالي المناطق الخاضعة لسيطرته في سوريا عبر إيهامهم بأنّه سيؤمن لهم سبل العيش الكريمة، وأنّه سيعمل على توزيع مردود الثروة النفطية على الأهالي[31].

أما تجار النفط فقد أكّدوا على أنّ تنظيم الدولة الإسلامية بعد أن سيطر على آبار نفطية مازال يحمي بعض الأنابيب التي تنقل النفط الخام الذي يضخه الأكراد في حقولهم بشمال شرق سورية إلى مصفاة تديرها الحكومة في حمص نظير مبالغ مالية[32].

وعن مصادر أمنية تقول أنّ وحدات في الاستخبارات التركية رصدت مكالمات هاتفية للجيش السوري، تؤكد وجود تعاون بين نظام الأسد وتنظيم الدولة الإسلامية، من أجل تخطي المشاكل التي يواجهانها في مجال التعاون في الموارد النفطية. ووفقاً لتلك المعلومات، أرسل النظام فريقاً تقنياً إلى محافظة دير الزور(شرق)، بغية إصلاح أنبوب غاز في منطقة “المريعية” بريف المحافظة، وبحسب المكالمة التي رصدتها الاستخبارات التركية، أصدرت قيادة الجيش السوري، أوامر إلى وحداته في “سردا” و”الجفرا” القريبتين من مطار دير الزور العسكري، بعدم إطلاق النار على فريق سيتوجه إلى مناطق خاضعة لسيطرة التنظيم، بهدف إصلاح أنبوب غاز. واللافت في المكالمة أنّ النظام يخبر عناصره بأنّ الفريق ليس سورياً، مما يطرح السؤال من أي دولة أتى هذا الفريق التقني. ويقول الضابط في المكالمة: أن تنظيم الدولة الإسلامية تحدث أنّه في حال أطلق النار عليهم (الفريق التقني) ستنقطع الكهرباء عن كل سوريا، مما يعني أن التنظيم يمتلك سلاحاً فعالاً ضد النظام[33].

وتتحدث الملفات التي سيطرت عليها القوات الأمريكية بعد مداهمة منزل أبي سياف، “وزير نفط” تنظيم الدولة، الذي قتل بغارة أمريكية في دير الزور، أنّ صفقات نظام الأسد النفطية مع تنظيم الدولة وصلت إلى نسبة 72 بالمئة من أرباحه من الموارد الطبيعية. واستطاع أبو سياف إتمام صفقات بنجاح مع نظام الأسد للسماح لشاحنات وخطوط نفط التنظيم بالتحرك من حقول النظام عبر الأراضي التي يسيطر عليها التنظيم، بأرباح تصل إلى 40 مليون دولار شهرياً من مبيعات النفط وحدها[34].

ودعمت وثائق الرقة المهربة هذه المعلومات، إذ قال رامساي إنّ “إحدى الوثائق تطلب ممراَ آمناَ لأحد السائقين عبر نقاط تنظيم الدولة، حتى يصل إلى الحدود مع النظام لمبادلة النفط بالسماد”. وأضاف أنّ “المنشقين يدّعون أنّ هذه الصفقة التجارية بين الجانبين كانت تتم لأعوام”[35].

أمّا عن دور التحالف الدولي الذي كان قد أعلن عن عزمه تجفيف مصادر تمويل تنظيم الدولة الإسلامية وأنّ عملياته استهدفت آباراً في الجزيرة ومصافي نفط تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية، تثار شكوك حول فعالية تلك الضربات في الحد من قدرة التنظيم الإنتاجية. ويعتقد رئيس مجموعة اقتصاد سوريا أنّ “الإمكانات النفطية للتنظيم لم تختلف مع بدء توجيه التحالف ضربات ضد مواقع التنظيم، فتلك الضربات لم تستهدف حقولاً تذكر، بل إنّ جميع المصافي والحراقات التي قصفها طيران التحالف كانت مصافي بدائية لتجار وأهالي، اللهم بعض المنشآت المساعدة لحقل الجفرا شمال دير الزور التي تعرضت سابقا للقصف ويتم إصلاح منصات النفط التي دُمّرت جراء قصف التحالف لتعاود العمل خلال بضعة أيام فقط، فتستمر عمليات الإنتاج[36]، ما يؤكد عدم فعالية تلك الضربات أو عدم جدية التحالف في استهداف التنظيم بشكل حقيقي.

3 مدينة تدمر ولعبة تبادل الأدوار

تدمر مدينة أثرية لها شهرتها العالمية تقع وسط سوريا وتتبع إدارياً لمحافظة حمص تبعد عن دمشق مسافة 215كم وعن نهر الفرات 150كم، وصل عدد سكانها إلى ما يزيد على 50 ألف نسمة. تشكل المدينة عقدة مواصلات بين خمس محافظات رئيسية (دمشق، حمص، حماة، الرقة، دير الزور)، كما تتربع على الطريق الدولي الواصل بين سوريا والعراق[37]. شكّلت تدمر منذ التاريخ القديم عقدة مواصلات استثنائية، جعلتها عاصمة التجارة بين الشرق والغرب على “طريق الحرير”، وأعطتها مكانة اقتصادية مرموقة لدى قطبي العالم القديم (الروم والفرس).

تشتهر بتسميتها “عروس الصحراء”، لكنّ اسم تدمر هي أقدم تسمية للمدينة، وقد ظهر في المخطوطات البابلية المكتشفة في مملكة ماري السورية على الفرات، وهو يعني “بلد المقاومين” باللغة العمورية، والبلد التي لا تقهر باللغة الآرامية السورية القديمة. أمّا آثار تدمر فتنتشر على مساحة واسعة من المدينة الحالية، وتتكون من شوارع ممتدة تحيط بها الأعمدة الكاملة المميزة، وبوابات ومعابد ومسرح وحانات ومساكن وقصور وخزانات ومدافن وقلعة تاريخية فهي مدينة عريقة يقصدها السواح من كافة أرجاء الأرض لرؤيا أثارها ويتعرفوا على تاريخ البشرية.

أما عن التحاق تدمر بالثورة فمنذ الأيام الأولى شاركت بفعالياتها السلمية من مظاهرات واحتجاجات، وتم تنظيم العديد من الوقفات الاحتجاجية أمام المباني الأثرية، فقدمت في سبيل نيل الحرية التي ينشدها السوريون العديد من الشهداء والتحق عدد كبير من أبنائها بفصائل الجيش الحر على امتداد مناطق سوريا[38].

حوّل تنظيم الدولة الإسلامية تركيزه باتجاه تدمر، التي كانت ساحة معظم التطورات التي شهدها قطاع الغاز في سورية منذ منتصف التسعينيات، وكان يُتوقَّع أن تتمكّن حقول المنطقة في نهاية المطاف من إنتاج 9 ملايين متر مكعّب من الغاز الخام يوميّاً، وهذه الحقول تشمل آراك ودبيسان والهيل وحيّان وحجار والمهر ونجيب والسُخنة وأبو رباح، والتي تُسهِم مجتمعةً في نصف إنتاج سورية من الغاز الطبيعي الخام وغاز البترول المُسال، وفقاً لمصدر مطّلع كان يعمل سابقاً في القطاع، إضافةً إلى ذلك تشكّل تدمر نقطة عبور لخطوط الأنابيب التي تنقل الغاز من الحقول المهمة في محافظتَي الحسكة شمال شرق سورية ودير الزور شرق البلاد.

باختصار تشكّل تدمر صلة الوصل بين استخراج أو نقل كل إنتاج الغاز السوري تقريباً، وبين محطات المعالجة وتوليد الطاقة الكهربائية الواقعة غرب البلاد، والتي تُزوِّد المناطق التي تعيش فيها غالبية السكّان بالكهرباء والغاز للاستخدام المنزلي والصناعي[39].

سعى تنظيم الدولة الإسلامية في 19-5-2015 للسيطرة على مدينة تدمر بشكل كامل بعد انسحاب عناصر النظام من المدينة، وكان النظام ينسق مع التنظيم لتسليمه المدينة حيث عمل الموظفون الإداريون في مراكز النفوس بإخراج كافة الأوراق والثبوتيات المهمة وأفرغ المتحف الموجود في المدينة من الآثار ذات القيمة العالية، وأخرج النظام المعتقلين من سجن تدمر بشرط الانضمام للحواجز المنتشرة حول المدينة بدل عناصر “الشبيحة” الذين انسحبوا من المدينة بأمر من قائد فرع الأمن العسكري الذي قام بتصفية من رفض أمر الانسحاب، فتك تنظيم الدولة بعد سيطرته على المدينة بالحجر والبشر والشجر، فهُدِّمت حينها الآثار والمعابد وبدأت تجارة جديدة وهي بيع الآثار واللوحات التي حفظت آلاف السنين داخل متاحفها ومعابدها، والتي أبقى عليها النظام قاصداً إضافة إلى تدمير وتحطيم أبرز المقابر والمعابد كمعبد بل ومعبد شمين وقوس النصر، كما دمّر مسلحو التنظيم تمثالًا لأسد يعود للقرن الثاني الميلادي، وضريحين إسلاميين، لأنهما من “مظاهر الشرك”، بحسب بيانات مصورة للتنظيم، بينما اتهمت قوات الأسد باستهداف قلعة تدمر إلى جانب أجزاء من المدينة الأثرية بالغارات الجوية والمدفعية الثقيلة خلال الهجوم الأخير، ويعتبر معبد “بعل شمين” الذي تم تشييده قبل ألفي عام من أهم معالم تدمر، ويعود للعصر الروماني، وبتدميره يكون التنظيم قد نسف للمرة الأولى آثاراً رومانية في المدينة[40].

وأكّدت وكالة التدريب والبحث في الأمم المتحدة (يونيتار) أنّ المبنى الرئيسي لمعبد بل قد دمر، فضلًا عن صف من الأعمدة إلى جواره مباشرة، ونشرت صورًا التقطتها الأقمار الاصطناعية، تظهر حجم الدمار الذي لحق بمعبد بعل شمين، وأظهرت أنّ أجزاءً منه تضررت بشكل كبير أو دمّرت تمامًا. حتى بات أكثر من 40% من المدينة مدمراً.

ولم يكتف داعش بالنيل من الحجر والآثار، فاتجه بعدها لتصفية شخصيات مرموقة في المجتمع أبرزهم كان الدكتور “خالد الأسعد” مدير متحف تدمر حيث تمت تصفيته بطريقة بشعة بعدما قطع رأسه وصلب على إحدى الأعمدة الأثرية، موجهين إليه تهماً عدة أبرزها أنّه مدير آثار تدمر، وله علاقة مع النظام، وزار إيران مهنئًا بانتصار ثورة الخميني، ومتواطئ مع المخابرات السورية، وعلى علاقة مع مدير المكتب الأمني في القصر الرئاسي العميد حسام سكر، الأسعد يعتبر من أبرز علماء الآثار السوريين في الشرق الأوسط[41]، له نحو 40 مؤلفًا عن الآثار في تدمر وسوريا والعالم، وعمل مع عدة بعثات أثرية أمريكية وفرنسية وألمانية وإيطالية وغيرها خلال سنوات عمله الطويلة، ونال عدة أوسمة محلية وأجنبية، وأتقن لغات أجنبية بالإضافة إلى اللغة الآرامية (لغة سوريا الطبيعية قبل آلاف السنيين)[42].

من جهة أخرى بات تنظيم الدولة الإسلامية يقوم بما يشبه عملية غسل أدمغة، فمضى يستغل حاجة الشباب وخاصة ممن هم في أعمار “15-40” للانتساب إليه خصوصاً أنّه لم يعد لديهم مسكناً أو عملاً أو مورداً لتأمين رزقهم، فيدفع لهم مبالغ جيدة، بعد ذلك يخضعون لدورات تدريبية شرعية على أيدي مختصين من التنظيم سواء قتالية أو إدارية أو شرعية، ويتم زجهم لاحقاً في المعارك التي تجري في المدينة أو تحريضهم على الأهالي بحجة تطبيق الأحكام الشرعية، وبالفعل انتسب حوالي 5% من الشباب إلى التنظيم، ولم يكن للأهالي حول ولا قوة من قرار أبنائهم، لأنّهم بمجرد خالفوا أوامره ستوجه لهم تهم التخلف عن الجهاد والقتال وربما عمالة النظام[43].

ومع دخول اتفاق “وقف الأعمال العدائية” في سوريا، حيز التنفيذ يوم 27 فبراير/ شباط 2016، أطلقت قوات النظام، عمليات عسكرية لاستعادة السيطرة على تدمر، بمساندة جوية روسية، وبعد ثلاث أسابيع من المعارك والقصف العنيف على تدمر المدينة الأثرية والمدنيّة ونزوح العشرات من الأسر هرباً من الموت باتجاه إدلب وريفها، أعلن النظام عن إحكام سيطرته على تدمر.

يقول السيد روبرت دينيس رئيس قسم المتابعة والتقصي التابع لصحيفة صانداي تلغرام البريطانية:

يمكننا القول بكل ثقة أنّ ما حدث في المدينة التاريخية لا يعدو كونه مجرد محاكاة للعروض المسرحية التي كان يقدمها مسرح المدينة الروماني في غابر العصور، وأضاف السيد روبرت أنّ تلك المعركة التي روجت لها وسائل الإعلام على أنّها معركة طاحنة لم تسجل سقوط ضحايا من الطرفين في واقع الأمر، وقال السيد روبرت أنّه وفريقه تمكنوا من رصد العديد من الأسماء التي قدمها التنظيم المتطرف على أنّهم مقاتلون تابعون له سقطوا في تلك المعارك، إنّما هم مجموعة من المقاتلين التابعين لفصائل إسلامية وفصائل معارضة أخرى، كان قد أسرهم التنظيم إبان سيطرته على مناطق متفرقة من يد تلك الفصائل، وأكدّ السيد روبرت أنّ قوات النظام السوري في المقابل أعلنت عن سقوط قتلى قضوا في تلك المعارك، وتبين لدى فريق العمل أنّهم سقطوا في مناطق أخرى كدمشق وحلب. ووثق فريق العمل الذي يقوده السيد روبرت أسماء مقاتلين أعلن النظام السوري عن سقوطهم في معارك المدينة الأثرية، بينما في واقع الأمر هم عسكريون منشقون كانوا قد خضعوا لمحاكمات عسكرية بسبب انشقاقهم عن النظام السوري منذ عدة أشهر وفي عبارة مثيرة للدهشة قال السيد روبرت:

“يبدو أنّ كلاً من الأسد والبغدادي يقومان بخداع العالم، ويشترك بتلك الخديعة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي عجزت طائراته عن قصف أرتال التنظيم المتطرف المنسحبة، رغم ضخامة أعدادها ووجودها في أرض مكشوفة منبسطة” حسب وصفه، وختم السيد روبرت أنّ من بين المقاتلين الذين زعم التنظيم المتطرف قتلهم من القوات الحكومية، هم معتقلون كانوا في سجون النظام السوري، وهم مدنيون في غالبيتهم.

وأنّ أسماء معظمهم وردت في قوائم المعتقلين الموجودة على وسائل التواصل والتي قدمت منها نسخ للمنظمات الحقوقية، ومنهم أسماء أفادت جهات حكومية سورية بفقدانها[44]. فمدينة تدمر كغيرها من المناطق التي يقوم تنظيم الدولة بالانسحاب منها وتسليمها للأسد تكشف أنّ النظام السوري وتنظيم الدولة وجهان لعملة واحدة، يبقى الخاسر الأكبر من هذه العمليات هم أبناء المدينة الذين لم ينظر أحد إلى معاناتهم التي عاشوها والأضرار التي تعرضوا لها.

أما المعارضة السورية فقد رأت أنّ هذا «تسليم وانسحاب» وليس معركة حقيقية كما ذكر رئيس وفد التفاوض أسعد الزعبي أنّ انسحاب تنظيم داعش من مدينة تدمر تم بالتنسيق مع النظام تماماً كما دخلها التنظيم من قبل.

ومن خلال الوثائق التي انتشرت في وسائل الإعلام والتي تم الحصول عليها من منشق من مدينة الرقة عاصمة تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا يتبين أنّ استعادة جيش النظام السوري لمدينة تدمر الأثرية من تنظيم الدولة، كان جزءاً من “صفقة مرتبة مسبقا” بين الطرفين، وأشارت الوثائق إلى أنّ هذا الانسحاب تم مقابل السماح لتنظيم الدولة بإزالة أسلحته الثقيلة من المدينة دون تدمير، وتقول إحدى الوثائق: “اسحبوا كل الأسلحة الثقيلة والمدفعية ومضادات الطيران من تدمر إلى الرقة قبل استعادة جيش النظام السوري للمدينة”. وقال كبير مراسلي “سكاي نيوز” ستيوارت رامساي إنّه سأل أحد المنشقين عمّا إذا كان تنظيم الدولة ينسق تحركاته مباشرة مع قوات الأسد وحتى مع روسيا التي دعمت الانسحاب، فأجابه بوضوح: “نعم بالطبع” وتوفر هذه الوثائق دليلاً إضافياً على أنّ نظام الأسد كان يتواطأ مع مسلحي التنظيم، الذين سيطروا على أكثر من نصف مساحة البلاد منذ 2012 [45].

الارتباطات التاريخية لنظام الأسد بالإرهاب

تعاون نظام الأسد خلال تاريخ حكمه للبلاد مع العديد من المنظمات والأشخاص المصنفين تحت قوائم الإرهاب لعل أبرزها تعاونه مع الزعيم الكردي عبد الله أوجلان بإنشاء مركز عمليات ينطلق من قلب العاصمة دمشق لمهاجمة الأراضي التركية في محاولة منه إنشاء كيان مستقل للأكراد إضافة لجعل سورية مركزاً لتجمع عناصر تنظيم القاعدة قبل توجههم للعراق وتورطه في عمليات إرهابية طالت شخصيات سياسية حيث برز اسم رئيس النظام السوري بشكل مباشر بقضية اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية رفيق الحريري.

1 إرهاب نهايته الخيانة “الأسد وأجلان”

يتركز الأكراد في شمال شرق سوريا في ثلاث مناطق غير متواصلة وهم يشكلون نحو 10 في المائة من سكان الدولة ويواجهون الاضطهاد منذ فترة طويل، وقد اتبعت الحكومات المختلفة سياسات قمعية تتمركز حول القومية العربية ضد الأكراد، ومن بينها إحصاء خاص لأكراد سوريا في عام 1962 جرد الجنسية عن نحو 20 في المائة، أو 120,000 شخص منهم واليوم فقد تضخم هذا العدد إلى نحو 300,000 إلا أنّ تلك الإجراءات كانت مجرد مقدمة للتدابير الأكثر قسوة، التي تم تطبيقها بعد تولي حزب البعث السلطة، وفي عام 1973 وافق حافظ الأسد على إنشاء “الحزام العربي” على طول الحدود الشمالية لعزل أكراد سوريا عن الأكراد في الدول المجاورة، وقام بطرد الآلاف من قراهم وأعاد توطينها بسكان عرب، ويستمر منع الأكراد من دخول بعض المهن حتى اليوم، كما يتم منعهم من استلام المعونات التي تقدم إلى العرب، وغالباً ما يتم حرمانهم من الاحتفال بالأعياد الكردية[46].

عبد الله أوجلان من مواليد منطقة أورفا جنوب شرق تركية وهو قائد حركة تحرير مسلحة لحزب العمال الكردستاني درس العلوم السياسية في جامعة أنقرة لكنّه لم يكمل دراسته وعاد إلى مدينة ديار بكر.

تأثر بالقومية الكردية، ونشط في الدعوة لها، وأسس في عام 1978 حزب العمال الكردستاني، وقد فر أوجلان إلى دمشق في عام 1980، وسمح الأسد لاحقاً لـ “حزب العمال الكردستاني” بتأسيس معسكرات تدريب في وادي البقاع في لبنان تحت سيطرة سورية وفي عام 1984، بدأ حزبه عمليات عسكرية في تركيا والعراق وإيران بغرض إنشاء وطن قومي للأكراد[47].

استراتيجية أوجلان تقوم على اللعب على حبال المتناقضات الدولية فقد توجّه أوجلان في مرحلة ما بدعوته إلى الشعب الكردي في سوريا والعراق، ونشر الخرائط التي تؤكد على وحدة كردستان من مهاباد إلى البحر المتوسط عبر الفرات، وفي ظل استراتيجيته انفتح على نظام حافظ الأسد، لإدراكه أنّ نظامه قائم على الإمساك بأوراق مزعجة لدول الجوار ومنها تركيا والعراق، فذهب أوجلان إلى دمشق ونزل في ضيافة حافظ الأسد الذي كلّف أجهزة المخابرات السورية بقيادة اللواء علي دوبا برعاية الضيف وتقديم كل ما يلزم له، فتم تقديم السلاح والمعدات العسكرية ومقرات التدريب والمعسكرات في سوريا ولبنان لتعزيز قوة حزب العمال الكردستاني، وبدأ أوجلان بشن حملاته العسكرية ضد تركيا انطلاقاً من الأراضي السورية، ويقول المحلل السياسي الألماني شتيفان بوخن إنّ المقابل الذي حصل عليه حافظ الأسد من أوجلان حينها هو إرضاخ أكراد سوريا لهيمنته، بالنسبة لحافظ الأسد الذي كان يقمع الأكراد في سورية ويحرمهم من الحصول على وثائق سفر وإثبات هوية فقد كان الهدف: الثأر من دول الجوار حين تتنافر السياسات ويطيب للدكتاتور الغادر أن يقتص ممن يناؤون سياساته التخريبية في المنطقة! بزعامة أوجلان الذي كان قد أصبح رمزاً قومياً، وفي موازين أخلاقيات السياسة ظهر المزيد من التناقضات الأخلاقية التي وقع فيها أوجلان حينها، وتمثلت في أنّه كان يقود نضالاً مريراً ضد الأتراك الذين يمارسون الديكتاتورية بحق شعبه (الأقلية الكردية) بينما يؤيد في سوريا نظاماً ديكتاتورياً يقمع شعبه[48].

وفي دمشق أصبح أوجلان مرجع كبار السياسيين الأكراد عند نظام حافظ الأسد، فكان جلال الطالباني يلتقيه في بيته أولاً ثم يطلب منه ما يشاء لتقوم المخابرات السورية بتقديمه له، وكذلك فعل مسعود البارزاني، واشتهرت صورة التقطت في بيت أوجلان في دمشق وهو يستقبل الطالباني بثياب البيت وقد علّقت على الحائط خلفه صورة حافظ الأسد.

وتولى تاجر السلاح المعروف ورجل الأعمال الكردي السوري الذي توفي في العام 2010 مروان زركي بالتعاون مع قدري جميل، مهمّة ترتيب شؤون أوجلان العسكرية والإعلامية والاقتصادية، وأصدر مجلة في قلب دمشق تحمل اسم “الأوج” وكتاباً بعنوان “سبعة أيام مع آبو”، وكان تظهير صورة أوجلان كأيقونة كردية مشروعاً من إعداد المخابرات السورية تولته بالكامل بالاعتماد على عدد من الكتاب والمثقفين والناشرين والإعلاميين.

قال أوجلان: “كردستان سوريا، الأخ الأصغر الذي يجب عليه التضحية في سبيل الأخ الأكبر، وإنّ الأولوية في عملية تحرير كردستان هي للقسم التركي الذي سيحرّر بدوره الأقسام الأخرى تلقائياً”[49].

ونتيجة للدعم الكبير الذي تلقاه أوجلان من حافظ الأسد، وصل عدد مقاتلي حزب العمال الكردستاني إلى قرابة العشرة آلاف مقاتل، توزعوا على معسكرات لبنان وجبال قنديل في شمال العراق والجزيرة السورية.

ويذكر كثير من الأكراد من المناؤيين لسياسة أوجلان وحزبه، مثل الكاتب الكردي ريبر يوسف إنّ حزب العمال الكردستاني: “شارك آنذاك في حكم سوريا، عبر الصلاحيات التي وهبها النظام السوري للحزب، وقد تم فرض قائد الحزب أوجلان على تركيبة العقل السوري عموماً، للحدّ الذي تحول معه العرب السوريون بكافة تياراتهم إلى عناصر تضبطُ وتقلم كلَّ رأي يدعو إلى رفض أوجلان كردياً، لم ينتقد أي كاتب سوري سياسة حزب العمال التي أحكمت قبضتها على كرد سوريا آنذاك وتعد قبضة سليلة قبضات شمولية أقلّها ضبطاً هي كوريا الشمالية على سبيل المثال[50].

في العام 1993 زار الرئيس التركي سليمان ديمريل سوريا والتقى بحافظ الأسد، وأثناء الاجتماع، سأل ديمريل الأسد: “لماذا تدعمون التمرد الكردي ضد بلادنا؟”، فرد الأسد: “من قال هذا؟ نحن مع أمن تركيا”، فقال ديمريل: “لكن عبد الله أوجلان يتمتع بحسن ضيافتكم” فأنكر الأسد وقال: “هذا غير صحيح”، ولكن ديمريل أخرج من جيبه ورقة صغيرة ووضعها في يد حافظ الأسد، وكان مدوناً عليها عنوان ورقم هاتف أوجلان في دمشق مع جملة مكتوبة باللغة العربية: “يمكننا الاتصال به الآن”.

و بعد مرور سنوات من مواصلة الأسد دعمه لأوجلان، أعلن ديمريل ذاته في أكتوبر من العام 1998 في افتتاح الدورة البرلمانية التركية ما يلي: “إذا لم يسلم حافظ الأسد عبدالله أوجلان فإنّ تركيا ستدافع عن نفسها، وكان التهديد جدّياً لدرجة أنّ تركيا حشدت القوات العسكرية على طول الحدود السورية، لولا تدخّل الرئيس المصري حسني مبارك الذي قام بجولات مكوكية بين أنقرة ودمشق أسفرت عن اتفاق يقضي بأن يطرد الأسد عبدالله أوجلان خارج دمشق ويفكك منظومة حزب العمال الكردستاني العسكرية في سوريا، فوافق الأسد فوراً وتم طرد عبدالله أوجلان خلال أيام[51].

نجحت بعدها المخابرات التركية باعتقال عبد الله أوجلان يوم 15 شباط/فبراير 1999 في العاصمة الكينية نيروبي حيث نقل بطائرة خاصة إلى تركيا، ويتهم الأكراد المخابرات الإسرائيلية بالضلوع في عملية رصده وتعقبه بواسطة الهاتف النقال. وقد احتجر بشكل انفرادي في جزيرة إمرالي في بحر مرمرة، وصدر بحقه حكم بالإعدام تحول فيما بعد إلى السجن مدى الحياة، بعد أن ألغت أنقرة عقوبة الإعدام في أغسطس 2002[52].

أمّا اليوم فإن صالح مسلم وهو رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي ينفذ سياسة مختلفة عن إرادة أوجلان، بالتحالف مع بشار الأسد والمشاركة في هيئة التنسيق وإقامة اتفاقات أمنية لتزويد نظام الأسد بالنفط من حقول رميلان وحماية المنشآت وتماثيل حافظ الأسد ومحاربة الجيش الحر والكتائب الكردية المعارضة التي تشكلت ضد نظام الأسد في منطقة الجزيرة.

2 الاتفاق بين الأسد وتنظيم القاعدة

تعود نشأة تنظيم القاعدة لعام 1987 على يد عبد الله يوسف عزام على أنقاض “المجاهدين” الذين حاربوا الوجود السوفياتي في ثمانينيات القرن الماضي بأفغانستان. وتعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 على الولايات المتحدة أبرز عمليات القاعدة على الإطلاق والتي استخدمت فيها طائرات مخطوفة للهجوم على مركز التجارة العالمي ومبنى وزارة الدفاع وأدت إلى مقتل نحو ثلاثة آلاف شخص[53].

هناك علاقة وطيدة بين النظام السوري والجماعات الإرهابية، فنظام حافظ الأسد ونجله بشار الأسد لديهم علاقة قديمة مع الإرهاب وخلال الأيام الأولى من حرب العراق، ساعد نظام الأسد على تغلغل القاعدة في العراق وهو الوضع الذي استمر لعدة سنوات[54].

تشكلت البذور الأولى للسلفية الجهادية في عهد حافظ الأسد وسط بيئة إقليمية ودولية شهدت عدة صراعات ساخنة مثل حرب الخليج الثانية، التي أعقبها حصار اقتصادي مروِّع للعراق والانقلاب على الإسلاميين في الجزائر بعد فوزهم في الانتخابات، وأيضًا حدوث مجاز في البوسنة ضد المسلمين، بالإضافة إلى انتهاء حرب تحرير أفغانستان من الاحتلال السوفيتي، وعودة العديد من الأفغان العرب إلى بلادهم، فضلاً عن انكشاف حجم المأساة التي تعرض لها الإسلاميون السوريون في السجون بعد أن أُفرج عن مئات منهم منذ 1992، فلقد تعرض ما يزيد عن 17 ألف سجين لإعدامات جماعية منظمة، وقد واكب ذلك كله انفتاح محدود على العالم الخارجي سمح بالاطلاع على معاناة المجتمعات المسلمة في الخارج، إذ انتشرت في ذلك الوقت وعلى نطاق لا بأس به، أشرطة فيديو وكتب ومقالات تتحدث عن مجازر البوسنة وجهاد الأفغان العرب، وفي منتصف التسعينيات أُعلن الجهاد ضد الروس من أجل استقلال الشيشان أسوة بالدول التي كانت ملحقةً بالاتحاد السوفيتي[55].

دعم نظام الأسد لتنظيم القاعدة يمتد الى أبعد من مسرح العمليات العراقي، قال ريان ماورو مساعد مدير المخابرات في مكافحة الإرهاب والحرب الالكترونية ومركز الاستخبارات “أنّ كثيرا من المؤامرات الدولية لتنظيم القاعدة لها صلات سورية”، وروى أيضاً صلات سورية بتنظيم القاعدة في هجمات الأردن والمغرب، على سبيل المثال خلية أبو مصعب الزرقاوي زعيم تنظيم القاعدة في العراق كان مقرها في سوريا، مجموعة الزرقاوي كانت مسؤولة عن اغتيال 28 أكتوبر 2002 الدبلوماسي الاميركي لورانس فولي في عمان الأردن، فضلا عن قتل العديد من الجنود الأمريكيين في العراق[56].

وقد أفيد أنّ واحداً على الأقل من الانتحاريين من الجماعة الاسلامية المغربية المجاهدة (المغربية التابعة لتنظيم القاعدة التي أعلنت مسؤوليتها عن هجمات أيار / مايو 2003 الانتحارية على المطاعم والفنادق والقنصلية البلجيكية في الدار البيضاء) قد تدرب في سوريا. وفي عام 2004 بعض الطلاب الأجانب المسجلين في المدارس الإسلامية في سوريا شاركوا في التفجيرات الإرهابية في إسرائيل وتركيا. وربما ينفي المحللون الهجوم على اسرائيل بسبب السياسة السورية طويلة الأمد، ولكن الهجمات في تركيا وقعت في وقت كانت فيه الحكومة التركية متعاطفة ومساعدة للنظام في دمشق لتخفيف عزلته الدولية. ويزعم مسؤولون بوزارة الدفاع الامريكية أن مصطفى الأوزيتي (أبو فرج الليبي) من أحد كبار مسؤولين القاعدة الذي تم القبض عليه في باكستان من قبل الاستخبارات الباكستانية في 2 مايو 2005 اجتمع مع عدد من الإرهابيين في سوريا من أجل التخطيط لهجمات ليس فقط على الولايات المتحدة وإنّما أيضاً أوروباً وأستراليا[57].

وقد تمكن ” علي مملوك ” الذي عينه بشار الأسد عام 2005 مديراً لإدارة المخابرات العامة (أمن الدولة) من بناء علاقات وثيقة مع قادة أغلب المجاميع المسلحة في العراق ولبنان المتطرفة منها وغير المتطرفة، وقد تعززت هذه العلاقات خلال إشرافه على الملف العراقي عندما كان مديراً لإدارة المخابرات العامة حيث استطاع اختراق وتجنيد أغلب القيادات السياسية في العراق (الشيعية منها والسنية) وقادة المجموعات المسلحة التي كانت تقاتل القوات الأمريكية هناك بما فيها تنظيم القاعدة وتوفير الدعم المادي واللوجيستي والعسكري لها، إضافة إلى تقديم كافة التسهيلات اللازمة لوجودهم وتنقلهم على الأراضي السورية من جوازات سفر وإقامات وسيارات وأسلحة فردية لحمايتهم خلال تنقلاتهم وإقامة معسكرات تدريبية لهم في ريف دمشق وحلب واللاذقية ودير الزور، وكان الهدف الأساسي من هذه العلاقات هو استخدامها لمغازلة الولايات المتحدة في بعض الملفات خاصة قضية اختراقه لتنظيم القاعدة للحصول على بعض التقنيات التي كانت واشنطن تحظر على دمشق امتلاكها أو استخدامها، وأحياناً استخدامها كورقة ضغط في زعزعة الأمن في بلاد الرافدين على غرار ورقة الفصائل الفلسطينية التي كانت تتخذ من دمشق مقرات لها[58].

وفي عام 2005 بعد طرد جيش النظام السوري من لبنان، استخدم النظام السوري ما لديه من اتصالات بالمجاهدين في محاولة لزعزعة استقرار الحكومة اللبنانية بواسطة رعاية تنظيم فتح الاسلام التابع لتنظيم القاعدة التي أثبتت وجودها في مخيم نهر البارد وهو مخيم للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان. تدل تقارير الاستجواب للحكومة اللبنانية أنّ الجهاديين الملقى القبض عليهم كان لديهم اتصالات مع المخابرات السورية. وحتى 26 تشرين الأول 2008 فإنّ نائب الزرقاوي سليمان خالد درويش (أبو الغادية) استمر في تلقي ملاذاً آمناً في سوريا إلى أن قتل من قبل هجمة أمريكية في العراق، وبعد وفاة درويش استلم سعد الشمري مهمته في تسهيل شبكة عبور المقاتلين الأجانب وتابع تشغيلها من داخل سوريا[59].

وكانت قد سمحت سوريا بإقامة مستشفيات سرية لتنظيم القاعدة على أراضيها، وغضت السلطات السورية النظر عن الحراك القاعدي، وتركت شخصيات مثل أبو القعقاع يحض الشبان على الجهاد في العراق، والتحق آلاف السوريين في القتال هناك الى جانب تنظيم القاعدة، ومن محافظات مختلفة، من إدلب وحلب ودير الزور والرقة وغيرها، وتحول أبو القعقاع وغيره من الدعاة إلى مدربين للشبان على استخدام السلاح بشكل أولي، واستقطب أبو القعقاع مئات من المقاتلين العرب الذين وصلوا عبر العديد من المعابر إلى مدينة حلب حيث يتمركز الداعية الجهادي، وحولهم بدوره الى العراق حيث كان باستقبالهم تنظيم القاعدة بقيادة أبو مصعب الزرقاوي.

أمّا السجناء الإسلاميون الجهاديون فقد تضاعف عددهم داخل السجون من خلال تنظيم أنفسهم وممارسة الإقناع على رفاقهم في السجن، وحين أخرجهم النظام بعد اندلاع الثورة كانت وجهتهم واضحة، وبأغلبيتهم السورية اتجهوا إلى أماكن اشتداد الثورة أو حتى إلى دمشق ونحو المناطق الحدودية (التي كانت ما تزال بقبضة النظام) ما يسهل عليهم مهمة الاتصال برفاق الأمس من مقاتلي تنظيم القاعدة في العراق، كما يسهل عليهم الحصول على السلاح والعتاد، وهم الذين لا يعترفون بثورة ولا بتحرك سلمي، وإنّما لهم منطقهم الإيديولوجي الخاص وأساليبهم الموحدة في تحقيق أهدافهم الاستراتيجية، وهي حكماً لا تشمل التظاهرات السلمية أو اضرابات مطلبية.

فبالنسبة لأي جهادي من التيار السلفي فإنّ عليه تقديم البيعة لأمير يقاتل تحت لوائه، وهذا الأمير يتبع في النهاية إلى تنظيم القاعدة، الممثل الأكبر للقوى السلفية الجهادية في زمننا الحالي، وبالتالي فإنّ أيّ خارج من سجون النظام السوري عليه إعادة الاتصال بمن قدم له البيعة سابقاً للعودة والعمل تحت إمرته، أو البحث عن أمير جديد وتقديم البيعة له، أو البقاء في منزله والكف عن الجهاد، وهو بالتالي سيكون من القاعدين المتقاعسين، والقائمة طويلة بما فيه الكفاية لتشير إلى صلة النظام السوري بتنظيم القاعدة بشكل أساسي وليس استثنائي. فإنّ الحكومة السورية تعتبر شريكاً في مساعدة جماعة إرهابية بسبب توفير الملاذ الآمن كما كان نظام طالبان في أفغانستان.

3 اغتيال الحريري والأسد على لوائح المتهمين

ولد رفيق الحريري من عائلة إمكانياتها المالية متواضعة تلقى علومه الابتدائية والثانوية في مدينته صيدا، ثم تابع دراسته الجامعية في مجال إدارة الأعمال في جامعة بيروت العربية، ليغادر في العام 1965 إلى المملكة العربية السعودية حيث عمل بداية في التعليم، ثم انتقل للعمل في شركة مقاولات، لينشئ بعدها شركته الخاصة Ciconest -في العام 1969. وفي العام 1978 منحت العائلة المالكة رفيق الحريري الجنسية السعودية تقديراً لجهوده، وتوالت بعدها النجاحات ليصبح في مقدمة رجال الأعمال السعوديين حيث امتلك شركة Oger  في العام 1979وأسس بعدها  Oger الدولية في باريس، ثم توسعت أعماله لتطال العمل المصرفي، والعقارات، والبترول والصناعة والاتصالات، وفي العام 1993 أسس رفيق الحريري محطة تلفزيونية “المستقبل”، ثم جريدة المستقبل كما كان له أسهم في صحف لبنانية عدة، اشتهر عالمياً بكونه رجل أعمال عصامي، رجل عطاء وخير، رجل إعمار، ذاع صيته بأنه ريادي ورجل دولة عمل لإرساء قواعد الحكم الرشيد[60].

اغتيل رفيق الحريري في 14 فبراير 2005، في منطقة فندق السان جورج في بيروت. ذهب ضحية الانفجار 21 شخصا آخر، من بينهم وزير الاقتصاد السابق د. باسل فليحان ومجموعة من مرافقي الرئيس. اختيرت المساحة المجاورة لمسجد محمد الأمين في وسط بيروت ضريحاً للرئيس ولرفاقه، في حين كان من المؤمل أن يحتفل الرئيس الشهيد باستكمال الأعمال في هذه الأيقونة المعمارية في حدود الفترة الزمنية التي اغتيل فيها.

قال النائب اللبناني مروان حمادة في شهادته أمام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان حول اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري أنّ نزاع النظام السوري مع الحريري حول بند الانسحاب السوري كان سبباً في اغتياله، وأشار حمادة إلى أنّ الهاتف الشخصي للرئيس السوري بشار الأسد وجد على الشبكة الخضراء للمتهمين الخمسة الذين يشتبه بانتمائهم لحزب الله، والذين طالبت المحكمة اللبنانية الحزب تسليمهم وقوبل هذا الطلب بالرفض[61]. وأكد المحامي اللبناني طارق شندب أنّ عميداً منشقاً عن مخابرات النظام السوري أبلغ لجنة التحقيق الدولية أنّ اثنين من المتهمين باغتيال الحريري التقوا الرئيس السوري الأسد في دمشق لأكثر من مرة قبيل اغتيال الحريري في 2005.

وكان العميد المنشق يشرف شخصياً على نقل المتهمين باغتيال الحريري وهما (مصطفى بدر الدين وحسين العنيسي) بشكل دوري من بيروت، ويؤمن لهما دخول الطائرة من غير ختم جوازيهما برفقة مسؤول رفيع من حزب الله، ثم يذهب معهما للقصر الجمهوري، لكنّه قال أنّه لم يحضر معهما أياً من الاجتماعات داخل القصر مع الرئيس الأسد.

النائب والوزير اللبناني السابق وليد جنبلاط خلال شهادته أمام المحكمة الدولية التي تحقق في قضية اغتيال الشهيد رفيق الحريري، قال: أنّه لو استدعي اللواء رستم غزالي للمحكمة للإدلاء بشهادته لكان قدّم أدلة تثبت تورط نظام بشار الأسد في عملية الاغتيال وأضاف: “اغتيال الحريري كان نتيجة توافق مصالح بين الرئيسين “إميل لحود وبشار الأسد”، بالإشارة لمسألة التمديد للأول كرئيس للجمهورية اللبنانية وهو المحسوب على نظام بشار في سوريا. ونوه جنبلاط إلى أنّ الحريري كان يخيف نظام الأسد كشخصية سنية، ما أدى للتخلص منه واتهم بشكل مباشر المدعو (مصطفى بدر الدين) القيادي في حزب الله وصهر عماد مغنية بالوقوف وراء اغتيال الحريري[62].

وأكد عبد الحليم خدام أنّ “الرئيس السوري بشار الأسد هو قاتل رئيس الحكومة اللبناني الراحل رفيق الحريري، ولا يمكن أن تقوم جهة أمنية بعمل مماثل من دون اللجوء لرأي الأسد، كما أنّه ليس هناك من له مصلحة بقتل الحريري غير الأسد”، مضيفاً: “قبل مقتل الحريري بأسبوع كان هناك اجتماع بقيادات الحزب لبحث موضوع تنظيمي داخلي ليس له علاقة بالسياسة الخارجية، فجأة قال بشار الأسد إن الحريري متآمر علينا، هو وشيراك والأميركيين. والحريري عدونا اللدود”، فذهل أعضاء القيادة من هذا الكلام وسألته حينذاك: “لماذا هذا الكلام الآن وما الفائدة منه؟ لم يجب والتزم الصمت“.

كما أشار إلى أنّه “حاول تنبيه الحريري لأنّه يعرف كيف يفكر الأسد، ففي اليوم التالي بعث رسالة له قائلاً : ضب أغراضك واترك لبنان”، بعدها بيومين تعرض النائب مروان حمادة لمحاولة اغتيال، فقام بزيارته في المستشفى وذهب بعدها إلى منزل رفيق الحريري وتناول الغداء معه في بيته قائلا: قلت له حينها يجب أن تغادر لبنان في الغد باكراً لأنّهم سيقتلونك، فكان جواب الحريري: “أنّ ماهر الأسد اتصل به وقال أنّه صديقهم والمقرب منهم” فأجبه خدام: هم فعلوا هكذا حتى يعطوك الأمان ويطمئنوك”، لم يسمع الحريري كلام خدام وصدق كلامهم، وفي ثالث يوم تم اغتياله”[63].

ثمة تحليلات تؤكد تخلص الأسد من كل شركائه في هذه الجريمة، بداية ترويج النظام لانتحار “غازي كنعان” في 12 أكتوبر 2005، ومقتل الضابط “محمد سليمان” في 1 أغسطس 2008 أحد رجال باسل الأسد المشتبه بهم في قضية الحريري، والتخلص من رجل حزب الله “عماد مغنية” في 12 فبراير 2008في حادثة غريبة في سوريا، وبعده اللواء “جامع جامع“، ومحاولة اغتيال “ميشل سماحة” مستشار بشار الأسد الإعلامي، كل ذلك لا يمكن أن يحدث صدفة لأن الذي يجمع بين هذه الأسماء هو شيء واحد ألا وهو مقتل الحريري[64].

خاتمة

لنظام الأسد علاقة وطيدة مع الإرهاب والجماعات الإرهابية شرد شعبه وارتكب بحقه أبشع الجرائم، التي تخالف كل القيم والأعراف الدولية، وعاث في محيطه الإقليمي والدولي فساداً من خلال تحالفاته ودعمه المباشر وغير المباشر للجماعات الإرهابية، ولهذا النظام أصابع اتهام في كلِّ عمل إرهابي كان يحدث في المنطقة سواء في تركيا أو لبنان وحتى في المملكة العربية السعودية بتوجيه وإشراف إيراني مباشر على هذه الأعمال، وهو لا يقل خطورة وإجراماً عن تنظيم الدولة الإسلامية، ولا يمكن التخلص من تنظيم الدولة بدون إزالة هذا النظام الذي كانت له اليد الطولة في إنشائه ودعمه اقتصادياً، ومن خلال خبرته الطويلة مع عناصر التنظيم نتيجة استقباله لهم في معتقلات أعدها خصيصاً لهم عرف كيف يقوم بتوجيههم وفق مصالحه لإنهاء مطامح السوريين بإنشاء بلد يسوده العدل والمساواة، وجعلهم كورقة ضغط على الغرب والولايات المتحدة الأمريكية ليجبرهم على الدخول معه بالمفاوضات في ظل عجز المجتمع الدولي عن إيجاد طريقة يستطيع من خلالها تطبيق القوانين والقيم الدولية، والتدخل سواء بشكل مباشر عن طريق قوات حفظ السلام الدولية أو غير مباشر بتقديم السلاح النوعي للمقاومة السورية لإنهاء المجازر التي يرتكبها النظام السوري وحلفاؤه من الروس والإيرانيين بحق الشعب السوري، فالحوار الوحيد الذي يفهمه النظام وحلفائه هو حوار العنف والقوى فهو الداء الذي سينهي زواله معاناة السوريين ومعاناة الدول الإقليمية المحيطة به من بزور الإرهاب.

 [1] سورية من الاستقلال إلى حكم الأسد 1945-2012، مركز الأحواز للدراسات، تاريخ النشر 2012 https://goo.gl/09ANBq

[2] المرجع السابق نفسه.

[3] المرجع السابق نفسه.

[4] كيف سيقيم الأسد دولة للعلويين؟، أحمد عمارة، هافنغتون بوست عربي، تاريخ النشر: 26/07/2015 https://goo.gl/D3bmMj

[5] سورية من الاستقلال إلى حكم الأسد 1945-2012، مركز الأحواز للدراسات، تاريخ النشر 2012 https://goo.gl/09ANBq

[6] بشار الأسد، موسوعة الجزيرة، شخصيات، سياسيون   https://goo.gl/DT04q J

[7] النظام السوري إلى أين؟ الدكتور محمد أحمد الزعبي، مركز الشرق الأوسط للدراسات الحضارية والاستراتيجية، تاريخ النشر 29/08/2003 https://goo.gl/NONtBq

[8] كيف سيقيم الأسد دولة للعلويين؟ أحمد عمارة، هافنغتون بوست عربي، تاريخ النشر  26/07/2015 https://goo.gl/D3bmMj

[9] تنظيم الدولة الإسلامية، موسوعة الجزيرة، حركات وأحزاب https://goo.gl/10dhyF

[10] داعش وإعلان الدولة الإسلامية والصراع على البيعة، جاسم المحمد، الناشر المكتب العربي للمعارف https://goo.gl/OEIx5k

[11] المرجع السابق نفسه.

[12] نشأة “داعش” ومسيرته الدموية، سامي سوهاتا، وكالة الأناضول، تاريخ النشر 1/12/2015 https://goo.gl/SFPASD

[13] هيكل الحكم داخل داعش: كيف يدير التنظيم دولته المزعومة؟ مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط https://goo.gl/aHl4fs

[14]  تنظيم الدولة .. النشأة والأفكار، مركز صناعة الفكر للدراسات والأبحاث، أوراق سياسية https://goo.gl/962pY0

[15] نشأة “داعش” ومسيرته الدموية،سامي سوهاتا، وكالة الأناضول، تاريخ النشر 1/12/2015 https://goo.gl/SFPASD

[16] المرجع السابق نفسه.

[17] هيكل الحكم داخل داعش: كيف يدير التنظيم دولته المزعومة؟ مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط https://goo.gl/aHl4fs

[18] النفط السوري وخيارات المستقبل ، معهد ليفانت للدراسات

[19] حقل توينان للغاز، عبد الله البشير

[20]   لماذا يعمل المهندسون الروس في مصنع غاز يسيطر عليه تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا؟ إيوان24، تاريخ النشر 12/02/2016 https://goo.gl/wjIsbb

[21] شراكة غاز جديدة بين داعش والنظام وصديق الأسد يدفع الملايين لداعش كل شهر في مشروع غاز “توينان”، كلنا شركاء، تاريخ النشر 11/03/2015https://goo.gl/aBCUA5

[22] شراكة غاز جديدة بين داعش والنظام وصديق الأسد يدفع الملايين لداعش كل شهر في مشروع غاز “توينان”، كلنا شركاء، تاريخ النشر 11/03/2015https://goo.gl/aBCUA5

[23] معمل جديد للغاز، قريباً في سورية، مجموعة هنا سورا الإعلامية  https://goo.gl/kZ18IN

[24] شراكة غاز جديدة بين داعش والنظام وصديق الأسد يدفع الملايين لداعش كل شهر في مشروع غاز “توينان”، كلنا شركاء، تاريخ النشر 11/03/ 2015https://goo.gl/aBCUA5

[25] حقل توينان للغاز، عبد الله البشير

[26] شراكة غاز جديدة بين داعش والنظام وصديق الأسد يدفع الملايين لداعش كل شهر في مشروع غاز “توينان”، كلنا شركاء، تاريخ النشر 11/03/2015https://goo.gl/aBCUA5

[27] لماذا يعمل المهندسون الروس في مصنع غاز يسيطر عليه تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا؟ إيوان 24، تاريخ النشر 12/02/ 2016 https://goo.gl/wjIsbb

[28] شراكة غاز جديدة بين داعش والنظام وصديق الأسد يدفع الملايين لداعش كل شهر في مشروع غاز “توينان” ، كلنا شركاء، تاريخ النشر11/03/2015https://goo.gl/aBCUA5

[29] ميزان سورية التجاري خاسر… والصادرات تثير الشكوك،عدنان عبدالرزاق، العربي الجديد، تاريخ النشر 6/09/ 2014 https://goo.gl/spjVuK

[30] النفط السوري يمول تنظيم الدولة الإسلامية، الجزيرة نت   https://goo.gl/9nW5Ah

[31] تفاصيل اتفاق لتقاسم ثروة النفط والغاز بين “داعش” والنظام، لعربي الجديد، تاريخ النشر 4/09/2014 https://goo.gl/zUGtcN

[32] تنظيم ‘الدولة الاسلامية’ يشعل الحرب بالنفط السوري، سليمان الخالدي، تاريخ النشر 19/09/2014 https://goo.gl/kpRAc0

[33] النظام السوري يتعاون مع “داعش” في النفط والغاز والكهرباء، أحمد ساحق يوسف، وكالة الأناضول، تاريخ النشر  6/12/2015 https://goo.gl/B2aT7X

[34]  “سكاي نيوز” تكشف وثائق عن تعاون بين الأسد وتنظيم الدولة، عربي 21، تاريخ النشر 3/05/2015  https://goo.gl/6c3laA

[35]المرجع السابق نفسه

[36] نفط داعش.. كيف يبيعه؟ ومن يشتريه؟ حنان المنوري، العربية، تاريخ النشر 22/02/2015 https://goo.gl/EgBRP1

[37] عنب بلدي، العدد 215، تاريخ النشر  3/04/2016

[38] صدى الشام، العدد 127، تاريخ النشر 1/04/6 201

[39] الحرب على حقول الغاز في سورية، يزيد الصايغ، مركز كارينغي للشرق الأوسط، تاريخ النشر 8/06/2015  https://goo.gl/D1xpJV

[40]   مملكة الشرق.. حين تناوب الأسد و”داعش” على اغتيالها، عنب بلدي، العدد: 215، تاريخ النشر 03/04/2016 https://goo.gl/l78shT

[41]  ما هي المعالم الأثرية التي دمرها “داعش” في تدمر؟ الغربال، تاريخ النشر 5/10/2015 https://goo.gl/ZpvF3s

[42] مملكة الشرق.. حين تناوب الأسد و”داعش” على اغتيالها، عنب بلدي، العدد: 215، تاريخ النشر 03/04/2016 https://goo.gl/l78shT

[43] مدينة تدمر بين فكي النظام وداعش .. ونزوح كبير للأهالي بعد أوامر داعش، يمنى الدمشقي، أخبار الآن، تاريخ النشر 29/03/2016 https://goo.gl/JX6VFM

[44] صحيفة “صنداي تيليغراف” البريطانية في عددها الصادر صباح يوم الثلاثاء 29/03/ 2016.

[45] ” سكاي نيوز” تكشف وثائق عن تعاون بين الأسد وتنظيم الدولة-، عربي 21، تاريخ النشر 3/05/ 2015 https://goo.gl/6c3laA

[46] من هو عبد الله أوجلان، خبر24، تاريخ النشر  17/3/ 2016 http://xeber24.org/?p=12902

[47] السياسات السيئة للأكراد في سوريا، باراك بارفي، معهد واشنطن، تاريخ النشر 18/10/2013  https://goo.gl/m1Hc0S

[48] أوجلان القائد الذي خطفوا منه حزبه وهو في سجنه، إبراهيم الجبين، صحيفة العرب، العدد: 9712، تاريخ النشر 19/10/2014 http://alarab.co.uk/?id=35744

[49] أوجلان القائد الذي خطفوا منه حزبه وهو في سجنه، إبراهيم الجبين، صحيفة العرب، العدد: 9712، تاريخ النشر 19/10/2014 http://alarab.co.uk/?id=35744

[50] المرجع السابق نفسه.

[51] أوجلان القائد الذي خطفوا منه حزبه وهو في سجنه، إبراهيم الجبين، صحيفة العرب، العدد: 9712، تاريخ النشر 19/10/2014 http://alarab.co.uk/?id=35744

[52] عبد الله أوجلان-، الجزيرة، شحصيات، تاريخ النشر 6/12/2014 https://goo.gl/rfVjOS

[53] تنظيم القاعدة، الجزيرة-تقارير وحوارات، تاريخ النشر 6/7/2014 https://goo.gl/cv42sj

[54] مسؤول أميركي: علاقة وثيقة بين نظام الأسد والجماعات الإرهابية، راديو سوا، تاريخ النشر 2/05/2014  http://www.radiosawa.com/a/248886.html

[55] السلفية والسلفيون في سورية: من الإصلاح إلى الجهاد، إسلام أون لاين، تاريخ النشر 27/05/2013 http://islamonline.net/4046

[56] الطريق السوري الى الارهاب الإسلامي، مايكل روبن، ميديل إيست، تاريخ النشر شتاء 2010 http://www.meforum.org/2589

[57] المرجع السابق نفسه.

[58] علي مملوك: الصندوق الأسود للمخابرات السورية، د.وسام الدين العكلة، أورينت نت، تاريخ النشر 30/11/2014 https://goo.gl/2plbUh

[59] الطريق السوري الى الارهاب الإسلامي، مايكل روبن، ميديل إيست، تاريخ النشر شتاء 2010 http://www.meforum.org/2589

[60] رفيق الحريري السيرة الذاتية، مؤسسة رفيق الحريري  https://goo.gl/6N2BTH

[61] ما الذي نعرفه عن علاقة الأسد باغتيال الحريري؟ نون بوست، تاريخ النشر 8/05/ 2014 https://www.noonpost.net/content/6538

[62] جنبلاط: حافظ الاسد قتل والدي.. وبشار قتل الحريري، الهيئة العليا للمفاوضات    http://bof-sy.com/?p=25505

[63] بشار الأسد هو من قتل رفيق الحريري…خدّام: أندم على مسيرتي مع حافظ الأسد، كلنا شركاء، تاريخ النشر 7/11/2013 http://all4syria.info/Archive/109802

[64] ما الذي نعرفه عن علاقة الأسد باغتيال الحريري؟ نون بوست، تاريخ النشر8/5/ 2014 https://www.noonpost.net/content/6538