Category: دراسة حالة عسكرية

الجبهة الشامية والسلطان مراد العامل الأيديولوجي كعامل هامشي في الصراع

الجبهة الشامية والسلطان مراد العامل الأيديولوجي كعامل هامشي في الصراع

شهدت منطقة ريف حلب الشمالي التي تسيطر عليها فصائل درع الفرات اشتباكات بين كتلة الجبهة الشامية والسلطان مراد بتاريخ 15/10/2017، بعد هجوم شنته قوات السلطان مراد على المقرات العسكرية للجبهة الشامية في عدة بلدات في الريف الشمالي.
يأتي القتال في سياق تسليم الجبهة الشامية لمعبر باب السلامة الحدودي مع تركيا إلى الحكومة المؤقتة بتاريخ 10/10/2017 وإعلانها عن نيتها تسليم معبر الحمران إلى الحكومة المؤقتة بعد أن كانت تقتسم عائداته مع السلطان مراد.
يكتسبُ القتالُ خصوصيته من خصوصية العامل المتسبب بالقتال، وهي هاجس النفوذ والصراع على الموارد، والبحث عن مصادر تمويل ذاتية، وسط محاولات من الحكومة المؤقتة لإعادة تثبيت نفسها كجهاز تنظيمي وخدمي في المناطق المحررة، وضم الفصائل العسكرية تحت وزارة الدفاع التي أعادت تشكيلها حديثًا.
أثار الاقتتال بين الشامية والسلطان مراد الحاضنة الشعبية ضدَّ هذا الاقتتال، كما دفعَ الحكومة المؤقتة والمجلس الإسلامي السوري ووجهاء محليين للتوسط لإيقافه، وبعد عدة اجتماعات أعلن كلا الفصيلين إيقاف القتال بتاريخ 17/10/2017 برعاية الجهات الوسيطة.

ملخص:

شهدت منطقة ريف حلب الشمالي التي تسيطر عليها فصائل درع الفرات اشتباكات بين الجبهة الشامية والسلطان مراد بتاريخ 15/10/2017 سقط فيها العديد من الضحايا، بعد هجوم شنته قوات السلطان مراد على المقرات العسكرية للجبهة الشامية في عدة بلدات بالريف الشمالي، الأمر الذي دفعَ الحاضنة الشعبية ممثلة بالمجالس المحلية والوجهاء المحليين والناشطين، إضافة إلى وزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة والمجلس الإسلامي السوري وشخصيات ثورية مستقلة إلى التوسّط لإنهاء الاقتتال، وبعد عدّة اجتماعات أعلن كلا الفصيلين قبوله إيقاف الاقتتال بتاريخ 17/10/2017 برعاية الجهات الوسيطة.

يأتي القتال في سياق تسليم الجبهة الشامية لمعبر باب السلامة الحدودي مع تركيا إلى الحكومة المؤقتة بتاريخ 10/10/2017 وإعلانها نيّتها تسليم معبر بلدة حمران إلى الحكومة المؤقتة، بعد أن كانت تقتسم عائداته مع السلطان مراد، وسط دعوات صرح بها قائد فرقة السلطان مراد، العقيد المنشق أحمد العثمان لتشكيل جيش وطني موحد من الفصائل العسكرية، يعمل تحت مظلّة هيئة الأركان، ويدير المعابر التي تفصل المناطق المحررة عما حولها بالكامل.

تمهيد:

إنّ القتال الذي جرى بين كتلة الجبهة الشامية والسلطان مراد، لم يكن متوقعًا كما لم يكن مستغربًا، وذلك عائدٌ إلى عدد من العوامل المتناقضة، إن عدم وجود جهة مؤسساتية تحتضن وتكون حاملًا لجميع المجالس المحلية المنتخبة في الريف الشمالي، إضافة إلى غياب المرجعية السياسية لتمثيل الثورة محلّيّاً، والتواصل مع الطرف التركي، وبلوَرة مشروع مدني يحتضن مؤسسات المجتمع الجديدة، خلّفَ من ورائه فراغًا أبقى سلوكيات الفصائل والمجالس المحلية والمؤسسات الخدمية في حيّز ردود الأفعال، وأسّس للصراعات بين الفصائل، وأعطى مساحة أكبر للطرف التركي لملء هذا الفراغ باقتراحاته ومبادراته، بغرض تأمين المنطقة واحتواء الصراعات الفصائلية.

ويمكن وصف التحركات التركية إزاء الوضع في ريف حلب الشمالي بأنها كانت بطيئة، وأقلّ من استحقاقات المساحة المتوفرة لها، ويعودُ ذلك في بعض عوامله، إلى سياسة تركيا في عدم التدخل في خصوصيات الريف الشمالي المحلية، إضافة إلى الحساسية التي يمكن أن تخلقها أية مبادرة تقوم بها تركيا في المناطق الحدودية حول سؤال الهوية، وما سيثارُ عن أطماع لها داخل العمق السوري، الأمر الذي نفته تركيا مرارًا على لسان قادتها السياسيين.

بقيت الحالة الفصائلية تهيمن على الوضع العسكري لفصائل الريف الشمالي، على الرغم من تحرك العديد من الفصائل باتجاه التخلي عن التكوين البدائي للفصائل، والتحوّل إلى أنظمة الجيوش الحديثة، تسليحاً وتنظيماً، تفاعلًا مع التدريب والدعم المتقدم الذي تقدّمه تركيا، لكن غياب مشروع سياسي للثورة عامة والريف الشمالي خاصة، يضبط الملف العسكري المتشرذم أعاد خلق حالة التوتر بين الفصائل العسكرية، وأثار مخاوف النفوذ المتبادلة، خصوصاً مع إعلان تركيا([1]) انتهاء عملية درع الفرات بتاريخ 29/3/2017 وسيطرة الجبهة الشامية على غالب المعابر الحدودية مع تركيا ومع المناطق الكردية.

العامل الأيديولوجي كعامل هامشي:

يعدّ دور العامل الأيديولوجي في النزاعات المحتملة بين فصائل ريف حلب الشمالي هامشيّاً وضعيفاً، قياساً بعامل آخر أكثر ترجيحاً ونشاطاً، وهو الفصائليّة والنزاع على الموارد، والذي يعدُّ امتداداً أفقيّاً لواقع التشظّي والفصائلية العامة التي تعيشها فصائل المعارضة السورية.

إنّ انزياح الحراك الثوري إلى البُعد الأيديولوجي في التعبئة الشعبية، وحشد النشاط الثوري ضد النظام، لعب دوراً رئيسياً في خلق عقلية التمايز لدى الكتائب العسكرية المحلّيّة التي لم تكن تحملُ بنية أو عقلية أو اسم الفصائل بعد، الأمر الذي خلق تربة خصبة لمصالح الدول المختلفة، لشق الصفوف في محاولة منها لخلق أذرع لها على الأرض، تسمح لها بالتأثير والمشاركة في رسم ملامح المرحلة القادمة.

إنّ عمليّة درع الفرات التي انطلقت برعاية تركيا 24 أغسطس / آب 2016 لتحرير الريف الشمالي من داعش وميليشيات قوّات سوريا الديمقراطية، والخطوات التي تبعتها، لعبت دوراً بارزاً بإكساب المنطقة المحررة خصوصيّة من جوانب عدّة، فقد أفرز الموقف الحاسم الذي اتخذته تركيا وبعض فصائل الجيش الحر في الريف الشمالي إزاء المسار الأيديولوجي كأداة للتعبئة وهويّة للمشروع، واقعاً أكثر تقاطعاً مع مسار الحاضنة الجماهيرية من زاوية الفكر، خصوصاً بعد قيام جبهة النصرة – والتي تتبنى السلفيّة الجهاديّة، كهويّة وخطاب – بالهجوم على الفصائل العسكرية في إدلب، وسلبها للأسلحة والذخائر، الأمر الذي زاد من التعبئة والحشد ضدّ هذه الأيديولوجيا، داخل صفوف غالبية الفصائل العاملة في ريف حلب الشمالي، إضافة إلى الأثر السلبي الذي تركته تجربة “داعش” في حكم المناطق المحررة في الريف الشمالي في ذاك المجتمع، والذي بدوره أسهم بالحشد الشعبي ضدّ هذه الأيديولوجيا.

أحرار الشام، كمكون استثنائي:

لقد مرّت حركة أحرار الشام منذ بداية تأسيسها بأطوار متعددة من ناحية أيديولوجيا الهويّة والتعبئة، وخضعت لتجاذبات داخلية شديدة، بين التيار الثوري وتيار السلفية الجهادية، والذي عمل أخيراً على الدفع بالحركة للتفكير بالاندماج في صفوف هيئة تحرير الشام (وتشكل جبهة النصرة المصنفة دوليّاً بتهمة الإرهاب، عمودها الفقري) بعيداً عن حساب التبعات السياسية التي يمكن أن يخلّفها هذا الاندماج، وحتى بعد قيام هيئة تحرير الشام بمهاجمة حركة أحرار الشام في إدلب وطردها من مقراتها باتجاه ريف حماه الشمالي وجرابلس بتاريخ 17/7/2017، فإنّه لا يمكن القول بأن تغييرات أو حسماً ملحوظاً طرَأ على مشروع الحركة([2])، الأمر الذي أبقاها في المسافة الوسط بين البُعد الشعبي والبُعد الأيديولوجي، وأخرجها عن الإجماع الثوري في عدّة مواقف سياسية مشتركة لفصائل الثورة، منها اتفاق الأستانة الذي رعته تركيا.

يفسرُ هذا بوضوحٍ موقف تركيا الرافض لمنهجية الحركة، والذي انعكس في أكثر من موقف، وبالأخص في موقفها من بغي هيئة تحرير الشام على أحرار الشام في إدلب بتاريخ 17/7/2017م.

بالإمكان ملاحظة تمدُّد التجاذبات ذاتها التي يخضع لها مركز الحركة الأصل في إدلب، في ريف حلب الشمالي أيضًا، ومن غير الممكن ضبط إحصائية دقيقة على صعيد الأفراد لمختلف الفصائل العسكرية الأخرى العاملة في منطقة درع الفرات، تنفي وجود ميول فرديّة جهاديّة، أو تبنٍّ لأدبيات القاعدة بالكامل، أو بدرجات متفاوتة لدى الأفراد.

إنّ إفراد أحرار الشام بتشخيص منفصل عن باقي المكونات العسكرية، يعود لكونها خاضعة لعدّة حوامل فكرية في المسار التنظيمي، وتقدم نفسها كمشروع متكامل، يقف بالتوازي مع مشروع الثورة، وليس جزءاً منه، على الرغم من أنها تتقاطع معه في العداوات المشتركة، والحلفاء المشتركين، لكن مع ثِقَل وبطءٍ في حركتها الثورية، بسبب تجاذباتها الداخلية، وانفرادها في تبنّي المنظومة الجهادية كمنطلقات نظرية للهويّة، وأدبيات السلفية الجهادية كحامل للهيكلية، والخطاب الجهادي كأداة للتعبئة والحشد.

هيكلية الكتل العسكرية:

دوافع القتال:

18/9/2017 : قامت الحكومة المؤقتة والمجلس الإسلامي السوري بدعوة الفصائل العسكرية العاملة في مختلف المناطق المحررة للعمل على التوحد ضمن جيش وطني واحد، تحت مظلة وزارة الدفاع([3]) وهيئة الأركان التي شكّلتها الحكومة، واستجابت لتلك الدعوة عدّة فصائل في الريف الشمالي منها الشامية والسلطان مراد.

10/10/2017 : قامت الجبهة الشامية بتسليم معبر باب السلامة الحدودي مع تركيا إلى الحكومة السورية المؤقتة، بكافة كوادره البشرية وموارده المالية، في سياق الاستجابة لدعوة الحكومة المؤقتة لتشكيل جيش وطني موحد ينحصرُ نشاطه في المجالات العسكرية، وينضوي تحت وزارة الدفاع، في خطوة نحو تحقيق النموذج المدني في الإدارة، وتثبيت شرعية الحكومة المؤقتة كحامل تنظيمي للمؤسسات الخدمية في المناطق المحررة، بعد أن كان المعبر في السابق يخضع بكوادره البشرية وموارده المالية للجبهة الشامية.

وكانت الجبهة قد قامت في وقت سابق بإنشاء معبر في بلدة الحمران على نقاط التماس مع مدينة منبج التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، وذلك بهدف إيقاف عمليات التهريب التي تنتشر بكثرة في تلك المنطقة، ولتسهيل عمليات نقل البضائع من وإلى مدينة منبج، على أن تكون عائدات المعبر بين الجبهة الشامية وفرقة السلطان مراد.

تتفوق فصائل المعارضة في الريف الشمالي على الجبهة الشامية في نوعية علاقتها وصلتها بتركيا، الأمر الذي يدفعها للشعور بأفضلية أهليّتها لاستلام المعابر والمرافق التي تتضمن انخراطاً واحتكاكاً مباشراً مع الطرف التركي.

تزامن تسليم المعبر للحكومة المؤقتة مع تصريح صدرَ عن قائد فرقة السلطان مراد العقيد “أحمد العثمان”([4]) بأن الفصائل العسكرية في ريف حلب الشمالي تعمل على تشكيل جيش موحّد تحت مظلة هيئة الأركان، وأنه يأمل بأن يشرف هذا الجيش على كافة المعابر بإدارة موحدة، في إشارة منه إلى تأكيده قبول مقترح الجيش الموحد، ورفضه تسليم المعبر إلى الحكومة المؤقتة، ورغبته بإشراك كتلة السلطان مراد في إدارة المعبر، وذلك بالنظر إلى الخلفية العسكرية التي ينتسب إليها العقيد والتي ترى وجوب بقاء الموارد الثقيلة في يد الفصائل العسكرية.

إن هذا الرفضَ يعني بالمآل تبنّيَ موقفٍ معارض ورافضٍ لأبرز إفرازات النموذج المدني في إدارة المجتمعات الآمنة، والذي تعمل الحكومة المؤقتة لإقامته في الريف الشمالي، والذي – لو تمّ – فإنه سيحدُّ من تدخل الفصائل في الملفات غير العسكرية، وبالتالي يقطع الطريق على استفادتهم من موارد المعبر، كونه يتطلب نقل مسؤولية الإدارة والإشراف لمؤسسة الهجرة والجوازات في الحكومة المؤقتة.

بداية القتال:

بعد تسليم الجبهة الشامية معبر باب السلامة للحكومة المؤقتة بتاريخ 10/10/2017، عزمت الجبهة تسليم معبر الحمدان إلى الحكومة المؤقتة، إلا أن خطوة الجبهة الشامية هددت مصالح فرقة السلطان مراد المالية المباشرة، لأن لها جزءًا من عائدات هذا المعبر، خصوصًا بعد الفشل في تفعيل معبر الراعي والذي كانت فرقة السلطان مراد تأمل بالسيطرة عليه وإدارته، الأمر الذي دعا فصيل السلطان مراد لإعادة حساباته واتخاذ قرار الهجوم على الجبهة الشامية لإيقاف خطواتِها.

بدأ الهجوم بتاريخ 15/10/2017على المقرات العسكرية للجبهة الشامية في قرية الحمران التابعة لبلدة الغندورة على خط التماس مع قوات سوريا الديمقراطية في مدينة منبج، وقام جنود فرقة السلطان مراد بقطع الطريق بين إعزاز وجرابلس، وامتد هجومهم ليشمل مختلف المناطق التي تشهد انتشاراً للمقرات العسكرية لكلا الفصيلين في الريف المحرر، ما أدّى إلى سقوط العديد من الضحايا والجرحى، من المدنيين والعسكريين، من الطرفيين، ووقوع عدد من جنود السلطان مراد أسرى بيد الشامية.

انضمت فرقة الحمزة المنضوية في كتلة السلطان مراد إلى جانب فرقة السلطان مراد في هجومها على الجبهة الشامية، حيث قامت فرقة الحمزة بالهجوم على مقرات الجبهة الشامية، وقامت الجبهة بالردّ والسيطرة على أحد حواجز الحمزة، وحصلت اشتباكات مماثلة في سوق المازوت بين السلطان مراد وكتلة الشامية.

تم تسريب تسجيلات صوتية لقادة عسكريين في فرقة السلطان مراد، يتضحُ من خلالها أنّ مشكلة قادة فرقة السلطان مراد الأساسية هي موقفهم من خطوة الجبهة الشامية إزاء تسليم المعابر للحكومة المؤقتة، وأعرب القائد العسكري خلال التسجيل الصوتي الذي كان يحثُّ ويخاطب من خلاله عناصره، عن نيّته القضاء على الجبهة الشامية، ودعا عناصره للتهيّؤ للقضاء على كل عناصر الجبهة الشامية.

15/10/2017 : امتدت الاشتباكات إلى بلدة “تركمان بارح” التي تعد معقلًا لقوات السلطان مراد، وصرح رئيس المجلس الشرعي في حلب “محمد ياسر أبو كشة” بأنّ عناصر من السلطان مراد قاموا بإطلاق النار على ثانوية تركمان بارح خلال وجود الطلاب فيها، ودعا كلا الفصيلين إلى تحييد المدنيين والمدارس عن القتال”([5]).

وساطات الحل، وبنود الاتفاق:

15/10/2017 : وجهت وزارة الدفاع والمجلس الإسلامي السوري ومجالس محلّيّة، وشخصيات ثوريّة دعوات لكلا الفصيلين لوقف الاقتتال، وتوسطت للحل بينهما، فأعلنت كلٌّ من كتلة الجبهة الشامية وفرقة السلطان مراد في بيانين لهما قبولهما لدعوة الوسطاء السابقين.

لكن هجوم قوات السلطان مراد لم يتوقف بالرغم من قبوله بالوساطة، واستمرت الاشتباكات في مناطق عدّة، وتجددت الوقفات الشعبية ودعوات وزارة الدفاع والمجلس الإسلامي وشخصيات ثورية مستقلة، إلى وقف الاقتتال، واستمر الاقتتال والتوتر إلى اليوم التالي 16/10/2017 ليتم بعدها التوصل إلى اتفاق رعته الحكومة المؤقتة بتاريخ 17/10/2017 بعد عقد اجتماع حضره كل من كتلة الشامية وفرقة السلطان مراد وكتلة الجيش الوطني (البرنامج التركي للتدريب)، وهيئة الأركان وشخصيات ثوريّة ولجنة المجلس الإسلامي السوري، وكان من ضمن تلك البنود المتفق عليها:

  1. تثبيت وقف إطلاق النار وسحب المظاهر المسلحة.
  2. إطلاق سراح الموقوفين من الطرفين فوراً.
  3. تسليم إدارة المعابر الحالية وأيّ معبر يتم إنشاؤه لاحقاً إلى الحكومة المؤقتة.
  4. تشكيلُ لجنة قضائية للبتّ في قضايا الحقوق بين الطرفين، وتعهد الفصائل بالتزام القرارات الصادرة عن وزارة الدفاع وهيئة الأركان.

الخاتمة:

  1. إن ضعف التمثيل السياسي والترسيخ الميداني لمؤسسات الحكومة السورية المؤقتة المنبثقة عن الائتلاف السوري المعارض في المناطق المحررة عامة، وريف حلب الشمالي خاصّة، يعدُّ أحد الأسباب غير المباشرة المسؤولة عن فوضوية الملف العسكري للثورة، وسيادة الفصائلية كحالة اجتماعية، وصناعة السلاح للقرار المرتبط بمصلحة المجتمع المدني بدلًا من حمايته.
  2. إنّ غياب المرجعية السياسية الموحدة للثورة عامة، والريف الشمالي كتجربة ذات خصوصية خاصًّة، أفسحَ المجال لصعود المجالس المحلّيّة، والوجاهات الشعبية، لحصولها على دور أكبر في ملء وإدارة الفراغ السياسي والتنظيمي للمجتمع، الأمر الذي يُخلُّ بمأسسة المجتمع المدني والذي يجبُ أن تعمل فيه المجالس المحلية والمؤسسات الخدمية، ضمن حامل سياسي واجتماعي شامل، وليس بشكل منفصل، الأمر الذي يزيد من شرخ الهويّة والانتماء لدى الفرد، ويشكل عقبة على طريق مأسسة وإدارة المجتمع وفق نظام الدولة السليم.
  3. إنّ غياب السلطة القضائية العامة في الريف الشمالي، وغياب القوة العسكرية المخولة لتنفيذ مخرجات تلك السلطة، يؤسسُ لتنامي دور الوجاهات المحلية والجمهور الشعبي في حلّ الخلافات البينية بين الفصائل، الأمر الذي يضفي على الثورة وتفاصيلها طابعَ الحدث الفوضوي المنفلت، والنزاع الشعبي الأسري، ويجردها من أصلها الممثل بالحركة القيَمِية – والتي تتبنى قيماً سياسية واقتصادية واجتماعية مدنية وحضارية ــ والمنبثق عن مطالب الطبقات الاجتماعية المقهورة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
  4. يعدُّ بحث الفصائل العسكرية عن مصادر تمويل إضافية، وتوسيع مناطق النفوذ الميداني السببَ الأكثر حضوراً وفعاليةً في إحداث الصراع بين الفصائل في الريف الشمالي، قياساً بالعامل الأيديولوجي الذي يعدُّ عاملًا هامشيًا وضعيفًا في إشعال فتيل الصراعات، حيث لم يتم تسجيل أي معركة أو نزاع بيني في الريف الشمالي، كانت الأيديولوجيا سبباً رئيسيّاً فيه منذ انتهاء عملية درع الفرات بتاريخ 29/3/2017.
  5. إنّ الفصائليّة التي يعيشها الملف العسكري لريف حلب الشمالي، وتعدُّد السلطات والمحاكم تبعاً لاختلاف مناطق النفوذ، يخلُّ بالعدالة الاجتماعية وأمن المجتمع، ويعطل مصالح المدنيين وحياتهم ومستقبلهم، الأمر الذي يضعُ الجهات الدوليّة الحليفة للثورة والمؤثرة فيها أمام مسؤولية الضغط باتجاه إنهاء الحكم الفصائلي الفيدرالي في المناطق المحررة عامة، وريف حلب الشمالي ذي الخصوصية.
  6. إنّ الانكفاء الذي خلّفه تراجع مبدأ المبادرة لدى فصائل ونخب الثورة في الريف الشمالي بصيغة تراكميّة، مهّدَ وسهّل لتحوّلها لأداة وظيفية – كجزء من السياق العام الذي سيقَت له الفصائل – الأمر الذي يدعو للوقوف على تبعات ما يترتبُ على هذا الإشكال المزمن الذي أصيبَ به جسدُ الفصائل المعارضة، والذي يتمثلُ بإحجام المعنيّين بحمل وتمثيل قضية الثورة السورية عن ممارسة دورهم الأصلي الذي تندبه الثورة لهم، لخدمتها في ضوء خصوصية تجربتها وطبيعة ظروفها المحلّيّة، وليس بما تقترحه أو تفرضه الجهات الإقليميّة والدولية لملء الفراغ المتروك.
  7. يجب دعم خطوة الحكومة المؤقتة في استلام المعابر الحدودية للمناطق المحررة، لتثبيت المشروع الوطني ممثلًا بحكومة المؤسسات، وحصر النشاطات الأمنية والعسكرية بوزارتي الدفاع والداخلية لإنهاء النموذج الفصائلي، والتقدم باتجاه صياغة نموذج للإدارة والحكم المدني في مناطق الشمال المحررة، يمكن استخدامه كورقة قوة في مرحلة التحولات التي تمر بها سوريا بعد عامين على التدخل الروسي، وتطبيق اتفاقيات خفض التصعيد، والحديث عن الأستانة(7) ومؤتمر سوتشي والرياض(2).

[1] الجزيرة نت – تركيا تعلن انتهاء عملية درع الفرات بسوريا

[2] أحرار الشام وهيئة تحرير الشام، جذور الصراع وإشكالية البنية – مركز طوران للدراسات

[3]الحكومة المؤقتة في بيان لها 5/9/2017 أعلنت عن تشكيل وزارة دفاع الثورة

[4]الحكومة المؤقتة تستلم معبر باب السلامة شمالي حلب , عنب بلدي

[5] قناة حلب اليوم : إطلاق نار من قبل عناصر فرقة السلطان مراد على ثانوية تركمان بارح

الاستراتيجية الروسية بين العملية السياسية والحسم العسكري في الغوطة الشرقية

الاستراتيجية الروسية بين العملية السياسية والحسم العسكري في الغوطة الشرقية

تبقى منطقتا ريف حمص الشمالي والغوطة الشرقية ـ على وجه الخصوص ـ وحيدتين في مسارهما السياسي والعسكري، وتحت رحمة عدو الأمس وضامن اليوم “روسيا”، وإن كانت الاستراتيجية الروسية جادة بإنهاء الصراع في الأشهر القليلة القادمة في الغوطة الشرقية ـ قبل نهاية عام 2018م، فإن الخيار العسكري وخيار الحصار والتركيع سيكلفها سنتين على الأقل، عدا عن الخسائر المادية والاعتبارات الدولية، ما يجعله خيارا بعيدا وغير ممكن، ويحصر ما يجري بين العجز الروسي وعملية مراوغة واستخدام لأوراق القوة للفوز بأفضل البنود بأي اتفاقية متوقعة.

مقدمة

مع استقرار الأمور في منطقة خفض التصعيد في درعا وضبابيتها في إدلب بسبب التجاذبات الحاصلة بين القوى الإقليمية والدولية، تبقى منطقتا ريف حمص الشمالي والغوطة الشرقية على وجه الخصوص، وحيدتين في مسارهما السياسي والعسكري وتحت رحمة عدو الأمس وضامن اليوم “روسيا”، بعد توقيع اتفاق خفض التصعيد والذي من المفترض أن يفك الحصار ويتيح حرية التبادل التجاري وإدخال البضائع دون أي أتاوات وغير ذلك، تمهيدا لحل سياسي شامل، إلا أن أيا

من بنود تلك الاتفاقية لم يطبق عدا تخفيف وتيرة القصف الجوي مؤخرا، بل تم إغلاق المعابر نهائيا في غوطة دمشق الشرقية، لترتفع الأسعار بشكل متسارع ولتصل لأكثر من عشرين ضعفا عنها في دمشق، حيث كان هذا الارتفاع هو الأعلى والأسرع منذ بدأ الحصار، ما يهدد بكارثة إنسانية وشيكة تذكرنا بما حدث ببلدة مضايا في حال استمرار الحصار.

في هذه الورقة البحثية نحاول تفكيك المشهد وقراءته قراءة تحليلية مع محاولة لتفنيد الاستراتيجية الروسية وفهم ما ترمي له في غوطة دمشق الشرقية.

أولاً: تقييم اتفاق خفض التصعيد على صعيد الأطراف الفاعلة فيه
(مدى التزام ومصالح كل طرف)

أ -قوى الثورة السورية … موقف دفاعي وضعف سياسي.

لا شك أن بنود اتفاق خفض التصعيد الذي تم توقيعه مع كل من جيش الإسلام وفيلق الرحمن لا تُخِّلُ بأي من ثوابت الثورة ولا تتضمن أي تنازل من قبلهما، ولا تراجعا عن أي بقعة أرض، أو تنص على تسليم قطعة سلاح خفيف أو ثقيل[1]، بخلاف اتفاقيات المصالحة التي أبرمت في مناطق أخرى من محيط دمشق ورُفع في بعضها علم النظام السوري وتمت عقبها عمليات التهجير الديمغرافي[2]، ويمكن تقييم بنود الاتفاق بالنسبة لقوى الثورة في الغوطة الشرقية ومدى التزامهم بها من خلال النقاط التالية:

  • التزمَتْ قوى المعارضة بإيقاف إطلاق النار تماما عدا عن عمليات الدفاع المشروع عن مواقعها.
  • لم تلتزم قوى المعارضة بإيجاد حل لتنظيم “هيئة تحرير الشام” وأغفلت الملف.
  • تصب غالب بنود الاتفاق في صالح المعارضة والتي تتيح لها فترة استراحة وإعداد وتعترف بها كطرف في العملية السياسية.
  • يشكل وجود اتفاقيتين بنفس المضمون الثغرة الأكبر على صعيد المعارضة التي كرست الانقسام وظهرت بموقف ضعيف أمام دولة عظمى.
  • يشكل البند المتعلق بإيجاد حل لـ “تنظيم هيئة تحرير الشام” ثغرة أخرى قد تولد اقتتالا جديدا بين فصائل المعارضة.

ب _الضامن الروسي … نحو عودة المكانة الدولية:

استطاعت روسيا عبر خطة خفض التصعيد التي بدأت في أروقة أستانا وتم الاتفاق على بعض آلياتها في هامبورغ والقاهرة، أن تحد من الدور الإيراني وتحجمه في هذه العملية السياسية، حيث يشكل المشروع الإيراني تحديا داخليا ـ في مناطق سيطرة النظام ـ للمصالح الروسية، يتوجب إزاحته من الطريق، مع تفضيل الطرق المتسمة ببعض الدبلوماسية في التعامل مع إيران ” شبه الصديق وشبه العدو”؛ ولذلك رأينا روسيا فضلت التقرب من قوى المعارضة إلى حد يتيح لها مساومتها والاتفاق معها على رؤية سياسية تضمن المصالح الروسية وتقف في وجه المشروع الإيراني في نفس الوقت، والذي لا يرى سوى الخيار العسكري في مناطق المعارضة، والقادر على تجنيد الوكلاء بخلاف روسيا العاجزة عن ذلك، والتي ترفض في الوقت نفسه تحول سورية إلى جيب إيراني[3].

وبذلك يمكن تقييم الاتفاق بالنسبة للروس ومدى التزامهم به عبر النقط التالية:

  • نجحت روسيا بلعب دور الوسيط والخروج من خانة العدو بالنسبة للثورة ـ ولو ضمن بنود هذه الاتفاقية ـ حيث اصطلح على روسيا بمصطلح الضامن لهذا الاتفاق.
  • نجحت روسيا بتحجيم الدور الإيراني في منطقة الريف الدمشقي ومنافستها بعد أن كانت منطقة نفوذ شيعية خالصة.
  • لم تلتزم روسيا ببنود الاتفاق القاضية بفك الحصار وحرية التبادل التجاري وإلزام النظام بذلك.
  • استطاعت روسيا ضبط خروقات سلاح الجو، في حين فشلت بضبط قوات النظام التي تحاول مرارا التقدم على الأرض.

ج _ إيران … الخاسر الأكبر في صراع الحلفاء:

لن يُسمح لإيران أمريكيا ولا روسيا بتحقيق مشروعها الإقليمي وإكمال هلالها الشيعي، رغم كل التضحيات الإيرانية في سوريا

ورغم التساهل الأمريكي الواضح معها في العراق، إلا أن هناك حدودا أمريكية وخطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها، ولعل زرع قاعدة التنف في الوسط السوري إلى جانب الحدود الأردنية والعراقية إحدى تلك الخطوط، التي ستمنع أي طريق بري من إيران إلى لبنان مرورا بالعراق وسوريا، والأمر مماثل بالنسبة لروسيا، رغم الشراكات التكتيكية في المعارك في سوريا، إلا أن إيران بدت عاجزة أمام الدب الروسي الذي استلم زمام المشهد العسكري والسياسي وأبعدها من الجنوب بعد اتفاق هامبورغ مع الولايات المتحدة[4]، وأقصاها من الشمال بالاتفاق مع الأتراك، ويحاول زعزعة موطئ قدمها في الريف الدمشقي بقيادة جولات المفاوضات مع المعارضة السورية هناك، لتسعى إيران وحلفاؤها لإفشال مسار تلك المفاوضات وعرقلتها، وبذلك يمكن تقييم الاتفاق بالنسبة للفاعل الإيراني وموقف إيران منه من خلال نقطتين رئيستين:

  • يمثل الاتفاق إزاحة لإيران من المشهد السياسي لسوريا من قبل حلفائها الروس.
  • ستسعى إيران للضغط على النظام لخرق الاتفاقية وإحكام الحصار والرجوع للخيار العسكري الذي يتيح لها ترسيخ وتوسيع نفوذها في سوريا.

د _ النظام السوري … بين مطرقة الروس وسندان الإيرانيين:

يدرك النظام أنه لم يكن ليصمد طول هذه الفترة لولا الدعم الإيراني والروسي، بل إن وزير الخارجية الروسي قد صرح في وقت سابق أنه لولا تدخلهم لسقطت دمشق[5]، كما تتجلى أصعب مهمة للنظام في التوفيق بين مصالح حلفائه الروس والإيرانيين، حيث حار نظام الأسد ـ الولد غير الشرعي لهما ـ مع من يذهب بعد طلاقهما واختلاف مصالحهما، فإن روسيا رغم تمسكها الحالي بنظام الأسد، إلا أنها جاهزة للتخلي عنه في حال أبدى ميله نحو الحليف الإيراني، ويمكننا أن نقرأ ضمن تصريح ألكسندر لافرينتيف  ـ المبعوث الخاص لبوتين في سوريا ـ  إثر لقائه ببشار الأسد الأسبوع الماضي نبرة توبيخية لدمشق، حيث صرح: لقد التقيت الرئيس السوري بشار الأسد خلال الأسبوع الماضي، لقد كنا مهتمين بطبيعة الحال بتقييم تطور الوضع في سوريا، والأهم من ذلك، أردنا أن نرى مزاج الحكومة المركزية لتسوية سياسية للوضع، وكيف يرون الإجراءات المستقبلية في هذا الاتجاه، وأن نرى هل ما زالت دمشق متمسكة بالالتزامات التي أطلقتها والمتمثلة بالانتقال إلى تسوية سياسية بعد انتهاء المرحلة الرئيسية من الحرب ضد الإرهاب الدولي، هذه القضايا بحثتها خلال الحوار المفصل مع الرئيس السوري والذي امتد لأكثر من ثلاث ساعات”، من المهم جدا أن يبحث بشار الأسد عن سبل المصالحة الوطنية ـ تحدثنا عن ذلك بتفصيل كبير ـ إطلاق عملية الحوار الوطني بين مختلف أطياف المجتمع السوري، وقد تركز البيان الختامي للرئيس الأسد على أن دمشق لا تزال ملتزمة بإطلاق الإصلاح السياسي، وهذا مهم جدا، وبالتالي إعداد مشروع دستور جديد وبدء التحضير للانتخابات البرلمانية والرئاسية، والتي ينص عليها قرار مجلس الأمن 2254.[6] والذي ينص على وقف العمليات القتالية ضد المعارضة باستثناء التنظيمات الإرهابية وإطلاق عملية سياسية وانتخابات حرة.

إلا أن إيران التي تتمتع بنفوذ أقوى على أركان النظام وعلى جبهات الغوطة، حيث تنتشر الميلشيات المؤيدة لها هناك، تفضل الحسم العسكري الذي يدعم وجودها ويحمي مصالحها، وبين هذا وذاك يسعى النظام السوري لإثبات “سيادته” المزعومة على كامل التراب السوري، سواء بالحل العسكري المدعوم إيرانيا بالدرجة الأولى، أو عبر المصالحات الوطنية التي تقضي بتسليم السلاح ورفع العلم السوري وتحول المعارضة للجان شعبية دون الدخول بأي عملية سياسية، وينقسم ضباط النظام السوري وفرقه العسكرية وأفرع مخابراته بين الجنوح للاستراتيجية الروسية أو الإيرانية، وبذلك لتسير مصالحه من الاتفاق ومدى التزامه به في النقاط التالية:

  • لا تحتوي بنود الاتفاق أي شرط ينص على التراجع أو تسليم السلاح أو رفع العلم السوري، لذلك يسعى النظام بالضغط على الروس لنسج اتفاقية جديدة على غرار المصالحات الوطنية التي عقدها في التل وقدسيا والهامة، ولو اقتضى ذلك إلغاء التهجير الديمغرافي. ويميل لهذا الحل الذي ـ لا يخرج عن المسار السياسي ـ عدد من ضباط النظام وأعمدته.
  • لم يلتزم النظام بإيقاف إطلاق النار بل استمرت محاولات اقتحامه على جبهات جوبر وعين ترما ومنطقة الحواش وأوتوستراد دمشق ـ حمص بدعم من الحليف الإيراني لإفشال الاتفاقية ومتابعة قواته ومليشياته الأعمال القتالية[7].

ھ _ السعودية وقطر … خلاف مُصَّدر وتراجع في الدور:

تمتاز الغوطة بضعف تأثير القوى الإقليمية والدولية فيها، لكونها منطقة محاصرة غير حدودية، لا تتصل بأي حدود مع دول الجوار، فمن الواضح عدم اهتمام الأتراك أو الولايات المتحدة بها، خلافا للمناطق الشمالية أو الجنوبية للبلاد، إلا أن دعم دول الخليج لفصائل المعارضة في غوطة دمشق ماديا ومعنويا بدا واضحا منذ بداية الثورة السورية، وغير مستغرب في ظل التخوف من التمدد الإيراني في المنطقة، وكانت السعودية وقطر هما الفاعلَين الأبرز من بين دول مجلس التعاون الخليجي، مع الدور الثانوي الذي لعبته الإمارات أيضا، إلا أن السعودية وقطر اختارتا مسارين اثنين لدعم المعارضة، مسارا علنيا عبر غرفة عمليات الموك في الأردن ـ والذي تم إيقافه مؤخرا ـ ، ومسارا سريا بدعم فصائل على الأرض بشكل مباشر أو غير مباشر  وفق معايير إيديولوجية وأجندات سياسية رامية للعب دور فاعل وامتلاك ورقة قوية في محيط العاصمة دمشق، وقد انعكس الدعم الخليجي وخلاف الأجندات هذا على حالة الفصائل في الغوطة الشرقية، إلا أنه مع بدء الأزمة الخليجية (السعودية ـ القطرية)، وبدء حصار قطر بقيادة مصرية سعودية، ومع رفض روسيا اقتراح قطر باستضافة محادثات حول سوريا[8]، بدا تراجع الدور القطري واضحا، في حين بدا الدور السعودي أكثر قوة ومرونة، حيث لعبت القاهرة ـ الشريك السعودي في حصار قطر ـ دورا في اتفاقيات خفض التصعيد، وتغيرت نبرة الرياض تجاه الأزمة السورية ككل. وبإمكاننا تقييم الموقف القطري ـ السعودي من خفض التصعيد بالتالي:

  • تَرَاجعَ الدورُ القطري نتيجة الأزمة الخليجية والحصار المفروض عليها، فلمْ تلعب قطر أي دور إيجابيا كان أم سلبيا في اتفاق خفض التصعيد، في حين يوجد احتمال ضئيل للسعي القطري لإفشال خطة خفض التصعيد عبر دعم أعمال عسكرية والتحكم بملف “هيئة تحرير الشام” بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
  • تَبَدَّلَ الموقفُ السعودي نتيجة بعض التفاهمات مع موسكو، ودفعت الرياض بالمعارضة السورية نحو المسار السياسي وفق الرؤية الروسية، حيث أشاد لافروف أثناء جولته الأخيرة في المنطقة بجهود السعودية في توحيد المعارضة[9]، وقال في إحدى التصريحات: إن السعودية جادة بالفعل في تسوية الأزمة السورية، وأكدت دعمها لعملية المفاوضات في أستانة.[10]في حين قد يكون خلف هذه التفاهمات الروسية ـ السعودية، تطمينات روسية بتحجيم الدور الإيراني وعقود واتفاقيات اقتصادية، مع عدم إغفال تأثير الوضع الداخلي الذي تعيشه السعودية والتعقيدات التي تواجهها في اليمن.

ثانياٌ: الموقف العسكري في الغوطة الشرقية

 

أ _ التحصين والدفاع

منذ سنة حتى الآن لم تتراجع قوات المعارضة تراجعا واضحا إلا ما خلا من سقوط بعض النقاط هنا أو هناك، تم استعادتها في وقت لاحق، فحسب بعض العسكريين الموجودين في الغوطة؛ كان التراجع ممكنا فيما مضى مع امتلاك المساحات الشاسعة أما مع فقد العمق الدفاعي وضيق مساحة المناورة لم يعد التراجع متاحا أبدا عن أي شبر بالنسبة لهم، ومع استمرار المعارك الهجومية من قبل النظام في عين ترما ومنطقة الحواش وأوتوستراد دمشق ـ حمص يتكلف النظام خسائرا كبيرة جدا[11]بعد عمليات التحصين المستمرة التي  قامت فصائل المعارضة بإعدادها وتجهيزها، حيث أصبح التنقل بين الخطوط الدفاعية عبر شبكة معقدة من الخنادق والأنفاق في معظم الجبهات، ما يبعد إمكانية حدوث أي انهيار سريع.

كما يجدر التنبيه إلى الخزان البشري الهائل لمقاتلي المعارضة في الغوطة، خلافا لمناطق محيط دمشق كداريا التي لم تضم أكثر من ستة آلاف شخص غالبيتهم من المدنيين، إضافة لامتلاكهم لبعض أوراق الضغط الأخرى المتمثلة بموقعهم الجغرافي الملاصق للعاصمة، ووجود عدد كبير ـ نسبيا ـ من أسرى النظام بين أيديهم، إضافة للخبرة القتالية العالية التي يمتاز بها مقاتلو الغوطة نتيجة خوض المعارك وتعرضهم لحصار سابق، على خلاف الهامة والتل وقدسيا وحلب التي تم تهجيرها جميعا.

ب _ الاستراتيجية الهجومية

على الرغم من أن فك الحصار وفتح الطريق من قبل الثوار بات غير ممكن عسكريا بعد سيطرة النظام على أجزاء واسعة من البادية الشامية، وكذلك مع تعقيدات فتح أي معركة باتجاه دمشق، فإن الغوطة قادرة على فتح عدة معارك تكتيكية ضخمة من محاور مختلفة (إدارة المركبات ـ المخابرات الجوية والمحافظة ـ العباسيين ـ حاجز جود وجرمانا ـ المليحة ـ المنطقة الشرقية واستعادة السلة الغذائية ـ عدرا ـ مخيم الوافدين ـ الجبل وضاحية الأسد …وغيرها) وأغلب هذه المعارك الهجومية باتت شبه جاهزة تنتظر إشارة البدء والفشل النهائي للمفاوضات، في حين قد تتيح هذه المعارك للمعارضة كسب سنتين من الوقت على الأقل وتعطي قوة في المفاوضات السياسية، عدا عن الغنائم والأسرى والخسائر الضخمة التي ستتكبدها قوات النظام.

ج _ الحاضنة الشعبية والمشارفة على كارثة إنسانية

تعهد الروس أكثر من مرة أثناء المفاوضات بفتح المعابر وإدخال البضائع ولم يفوا بالتزاماتهم، بل على العكس من ذلك، يتم القصف والاقتحام في اليوم التالي للاتفاقيات والوعود وهذا يدل على عدم جدية الروس في ضبط النظام وحلفائه ووجود خطاب علني واستراتيجية غير معلنة مختلفة عن هذا الخطاب تهدف للضغط على الفصائل لتتحول لأداة بيد الرئيس الروسي من خلال تأليب الحاضنة الشعبية التي باتت مستعدة لأي حل يوفر لها رغيف الخبز بعيدا عن أحلام الانتخابات الحرة والمشاركة السياسية وغيرها، مع وجود احتمال لعدم قدرة الروس على ضبط النظام وإيران وميلشياتهم المختلفة فيما بينها أيضا.

وبين هذه المصالح المتناقضة تم إغلاق معبر مخيم الوافدين الوحيد في الغوطة الشرقية إغلاقا نهائيا؛ ليرزح أكثر من 350 ألف مدني بينهم أكثر من [12]122000 طفل تحت حصار خانق،  وليُسجَل العديد من حالات الوفاة الناتجة عن نقص الدواء أو سوء التغذية، كان آخرها وفاة طفلين الأسبوع الماضي، ولتمتلئ المشافي بعشرات حالات سوء التغذية التي أصابت الأطفال، حيث تقبع الغالبية العظمى من سكان الغوطة تحت خط الفقر وتعاني من البطالة والأمراض جراء الحصار المفروض منذ عام 2012، حين بدأ النظام عملياته في المنطقة الشرقية للغوطة وسيطر على معظم سلتها الغذائية، فيما خففت الأنفاق التي تم حفرها بين الغوطة الشرقية وحيي برزة والقابون من وتيرة الحصار إلا أن النظام قام بتفجيرها بعد إحكام السيطرة على حيي القابون وبرزة في 14/5/2017،  وبينما سمح النظام بإدخال بعض المواد الغذائية، قام بفرض الأتاوات عليها ليبلغ ثمنها ضعفين أو ثلاثة أضعاف ثمنها الحقيقي، وبعد توقيع اتفاق خفض التصعيد في 20/7/2017 والذي من المفترض أن يتيح حرية التبادل التجاري ويفك الحصار ويتيح إدخال المواد الغذائية بدون فرض أي رسوم وأتاوات، تم إغلاق المعبر الوحيد “مخيم الوافدين” ومنع دخول البضائع نهائيا، لتجتاح الغوطة موجة غلاء جديدة وتتوقف الأفران عن العمل وتتصدر الغوطة المناطق الأكثر غلاء في العالم، ما يؤذن بحدوث كارثة إنسانية وشيكة في ظل انتشار البطالة وقلة فرص العمل، حيث تعيش غالبية الأسر على وجبة واحدة يوميا لا تسد الرمق ولا تحقق أي تكامل غذائي.

ومع عقد مؤتمر أستانا 7 تم السماح بإدخال قوافل المساعدات الأممية بإيعاز روسي في عملية تغطية على حصار الغوطة، وتجنبا للضغط الدولي الذي تتعرض له روسيا إزاء الملف الإنساني في الغوطة الشرقية، في حين أكد ناشطون أن تلك القوافل لن تسد حاجة الغوطة لأكثر من عدة أيام في أفضل الأحوال وتم وصفها بإبرة مهدئ خاصة مع اقتراب موعد عدد من المؤتمرات الدولية الخاصة بسوريا، وبعد إطلاق عدد من النشطاء هاشتاغ “الأسد يحاصر الغوطة” والذي حقق انتشارا واسعا على وسائل التواصل ولاقى اهتماما حقوقيا وإنسانيا كبيرا بملف الغوطة.

ثالثاً: تحدي السيناريوهات بين العملية العسكرية والعملية السياسية

بعد توصيف حالة الفاعلين في اتفاق خفض التصعيد وسبر مواقفهم أمكننا التنبؤ بالسيناريوهات المتوقعة للغوطة الشرقية في ظل هذا الاتفاق:

أ _ السيناريو الأول: الحرب الشاملة على غرار حملة السيطرة حلب

بالرغم من أن روسيا قادرة ـ من الناحية النظرية ـ على تدمير الغوطة وتحويلها لحلب أو غروزني ثانية وتطبيق عملية تهجير سكاني، إلا أن هناك العديد من الاعتبارات التي تمنع الروس من ذلك:

■الاعتبارات الاقتصادية:

نشرت مجلة جينز العسكرية البريطانية دراسة كشفت فيها عن الإنفاق اليومي الروسي على عمليات موسكو العسكرية في سوريا.

وقالت المجلة: إن روسيا تنفق قرابة 2.4 مليون دولار على الأقل يوميًا، فيما أشار الخبراء الذين أنجزوا الدراسة إلى أن النفقات يمكن أن تكون ضعف الرقم المذكور، بحدود 4 ملايين دولار يوميًا.

وتطرقت المجلة لتكلفة عمل الطائرة الحربية في الساعة، لافتةً إلى أنها تكلف قرابة 12 ألف دولارًا أمريكيًا، بينما تكلف ساعة عمل الطيران المروحي نحو 3 آلاف دولار.

ولفتت الدراسة إلى أن الطائرات المقاتلة الروسية تطير في الأجواء وسطيًا 90 دقيقة، ما يعني أن التكلفة اليومية للطائرات يساوي 750 ألف دولار، بالإضافة إلى 750 ألف أخرى تنفقها روسيا ثمنًا للذخائر المستخدمة في عملياتها خلال 24 ساعة.[13]

■الاعتبارات السياسية:

تعتبر روسيا نفسها، أنها قد شارفت على إنهاء الحرب في سوريا وأنها تقود العملية السياسية هناك، وبدا ذلك واضحا في تحركاتها خلال تبنيها لخطة خفض التصعيد بعيدا عن أروقة الأمم المتحدة وبعيدا عن نظرة “بشار الأسد” الحالمة باستعادة “كل شبر” من أرض سوريا، كما بدا ذلك واضحا في تصريحات الدبلوماسيين والعسكريين الروس، حيث اعتبرت هيئة الأركان العامة للجيش الروسي في بيان سابق أن الحرب توقفت “عمليا” في سوريا.

وأوضح بيان صادر عن رئيس مديرية العمليات في هيئة الأركان الفريق سيرغي رودسكوي، أن “الوضع في مناطق خفض التوتر في سوريا تغير جذريا”.

وأضاف البيان أن “الجيش السوري بمساعدة القوات الجوية الروسية، لا يحارب المعارضة في الوقت الراهن، بل يسعى فقط لدحر تنظيم داعش من المناطق التي يسيطر عليها”.[14] كما بدا ظاهرا في الآونة الأخيرة توجه موسكو للحل السياسي في سوريا وتفضيله على تحقيق انتصار شامل للأسد، ولعل قيادتها للعملية السياسية تسمح لها بالظهور كقوة عظمى راعية للحل السياسي لا يمكن تجاوزها، بخلاف لو فضل الحسم العسكري الذي قد يورطها بمستنقع شبيه بالمستنقع الأفغاني أو الشيشاني، ويكسر الهيبة الروسية ويعريها أمام المجتمع الدولي بدلا من أن يعيد روسيا كقوة عظمى ضمن النسق الدولي، حيث يبقى الخيار العسكري مغامرة خطرة يمكن الاستعانة بها عند الضرورة القصوى فقط.

■الاعتبارات العسكرية:

أخذت روسيا في كل عملياتها العسكرية دور التغطية الجوية، في حين تولت قوات النظام والميليشيات الإيرانية دور التقدم على الأرض، ما يعني أن أي عملية محتملة في الغوطة سيقطف الإيرانيون ثمرتها حيث سيسيطرون على ما سيتم تحريره، يضاف لذلك إدراك الروس لإمكانيات الغوطة في الدفاع والهجوم خاصة مع كونها منطقة محاصرة، ما يزيد من شراسة مقاتليها ويرفع من خسائر الحرب فيها ويطيل أمد الصراع فيها لأكثر من سنتين ربما في حين تبحث روسيا عن مخرج سريع للأزمة السورية تخرج فيه منتصرة.

■الاعتبارات الأمنية المستقبلية:

 يضاف لما سبق أن روسيا لا تريد أن تجعل من نفسها عدوا لكل الشعب السوري، خاصة مع إدراكها لحجم المعارضة وقوتها وصعوبة القضاء الفعلي عليها، إذ أن الخيار العسكري ولو أوقف الحرب من منظور خارجي، إلا أنه لم يعالج أسبابها وسرعان ما سيعود عدم الاستقرار الأمني وتعود حرب العصابات وعمليات التفجير، في حين لا ترغب روسيا أن يعكر صفو مصالحها الاقتصادية والعسكرية تفجير أنبوب غاز هنا وضرب قافلة روسية هناك، بل تبحث عن حل أكثر ديمومة يتفق مع عقودها الموقعة لأكثر من خمسين عاما.

ب _ السيناريو الثاني: ترويض المعارضة لترضخ لمصالحة وطنية بقيادة روسية.

في حين قد يكون السيناريو الأرجح للاستراتيجية الروسية في الغوطة هو عملية ترويض وتطويع للمعارضة لتقبل بسقف متدنٍ من المطالب، للنزول تحت صيغ المصالحات لا المفاوضات السياسية أو الحكم الذاتي على غرار ما حدث في مناطق ريف دمشق قبل عمليات التهجير، والتي تشابهت بنود اتفاقياتها مع النظام إلى حد بعيد ويمكن تلخيصها بعدد من النقاط:

– البداية بهدنة ووقف لإطلاق النار.

– خروج وفد يمثل المنطقة ويتكلم باسمها للتفاوض مع ممثلين عن النظام من ضباط في الحرس الجمهوري وضباط في القصر الجمهوري وفي المخابرات وعدد من رجال النظام رفيعي المستوى، وأحيانا زيارة إلى القصر الجمهوري للقاء بعض المسؤولين فيه.

– تسجيل أسماء عدد من أبناء هذه المناطق ليشكلوا لاحقا حواجز مشتركة مع عناصر النظام على مداخل مناطقهم.

– التعهد بعدم الاعتداء على عناصر النظام.

– رفع علم النظام على أي مبنى حكومي مترافقا مع زيارة مسؤول في نظام الأسد لهذه المنطقة للتصوير ولإحراز نصر إعلامي ومعنوي للنظام.

-“تسوية” أوضاع عدد من مقاتلي المعارضة ليشكلوا نواة “لجان دفاع وطني” في هذه المناطق.

-السعي لمعالجة ملف المعتقلين والمفقودين.

– مقابل فتح ممر إنساني لهذه المناطق والسماح لأهلها بالدخول والخروج منها وإليها ووقف قصفها واستهدافها.[15]

لكن مع ذلك قد تعطى الغوطة الشرقية امتيازات أخرى تتناسب مع حجمها وإمكانية فصائلها، إلا أن تلك المصالحة يجب أن تكون تحت عين الضامن الروسي ووفق مصالحه لضمان تحول فصائل المعارضة لأداة بيد القيادة الروسية. ويتم الضغط على المعارضة لتخضع لهذا السيناريو عبر الحصار الحالي والقصف وتأليب الحاضنة الشعبية، مع الاستفادة من حالة الانقسام والمفاوضات المزدوجة وذريعة الإرهاب في استمرار العمليات العسكرية  على  نفس الدرجة من التصعيد، وخاصة في المناطق الاستراتيجية بالنسبة للنظام كجوبر وعين ترما، والتي تتيح له السيطرة على الطرق الرئيسية (المتحلق الجنوبي وتفعيل أوتوستراد دمشق ـ حمص) إضافة لتأمين طوق العاصمة دمشق من تهديدات المعارضة، فلا تمانع موسكو من ذلك، كلعب في الوقت بدل الضائع بالنسبة لها دون أي دعم جوي أو بري منها كما صرح بذلك الناطق باسم القوات الروسية في قاعدة حميميم ألكسندر إيفانوف[16]، بعيدا عن الخيار العسكري الشبيه بحلب، فتح معركة شاملة دون إغفال جانب الاختراق المباشر أو غير المباشر عبر الامتيازات والتطمينات المقدمة لأحد الأطراف دون الأطراف الأخرى أثناء المفاوضات الأحادية، كما حدث في حرب الشيشان2 يوم اختلف أحمد قاديروف مفتي المقاتلين الشيشان وأحد أبرز قادتهم مع المجموعات “الجهادية” التي دخلت داغستان وأجرى تواصلاته الأحادية مع الروس فسلم مدينة جودرميس ثاني أكبر المدن الشيشانية وسقطت غروزني واستلم رئاسة الشيشان بعدها وتمت التسوية[17] !!! إلا أن الاستمرار بسياسة الحصار والتجويع للضغط على المعارضة قد يأتي بنتائج عكسية متمثلة بإطلاق عدة أعمال عسكرية، كما سيسبب إحراجا دوليا كبيرا لروسيا ـ ضامن اتفاق خفض التصعيد ـ والتي قد تكون مستفيدة من هذا الحصار أكثر من كونها فاعلة وراغبة به، ما يعني البحث عن مخرج جديد في المفاوضات الجارية مع المعارضة، وتهذيب الشروط السابقة وفق عملية سياسية شاملة على ضوء قرار مجلس الأمن رقم 2245.

ج _ السيناريو الثالث: الجدية بإطلاق العملية السياسية

رغم القدرة الروسية على الحسم العسكري وفق نظرية الأسد “بتحرير كل شبر” إلا أن مكاسب هذا التحرير ستستثمر من الحليف الإيراني أكثر مما لو قررت روسيا قيادة المفاوضات السياسية وهو ما يحدث حاليا، حيث تسعى روسيا للعودة إلى الساحة الدولية من منطق كونها قوة عظمى تمتلك مفاتيح القوة والحل في سوريا وتدير خلافاتها الدولية من خلال هذا الملف ولو اقتضى ذلك رحيلا هادئا للأسد مع الحفاظ على مؤسسات الدولة، بعد ضمان مصالحها الاقتصادية والعسكرية، وقد سبق أن صرح وزير الخارجية لافروف أن الأسد ليس شريكا استراتيجيا لموسكو، ولكن روسيا ترفض أن يقرر مصير الأسد جهات خارجية، وتصمم على أن يقرر مصيره (الشعب السوري) عن طريق إجراء انتخابات بإشراف دولي.[18]

ولعل مما يدلنا على ذلك هو العقود الموقعة مع حكومة النظام السوري لأكثر من خمسين سنة[19]، ما يفوق العمر المتوقع للأسد.

 ورغم التأكيد الروسي على أن بقاء الأسد وعدمه يحدده الشعب السوري إلا أن ذلك يعد إشارة خفية على إمكانية التخلي عنه فيما لو جرت انتخابات حرة للشعب السوري في الداخل والخارج برعاية أممية،

حيث أعلنت المتحدثة باسم الخارجية الروسية أن ‘بقاء الأسد في السلطة لا يعتبر أمرا مبدئيا لروسيا’.

أوضحت المسؤولة الروسية مجددا أن “مصير الرئيس السوري يجب أن يقرره الشعب السوري ونحن لا نحدد إن كان على الأسد الرحيل أو البقاء”.

في حين صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أثناء زياراته الماضية لأنقرة: إن “الشروط اللازمة” لإنهاء الحرب في سوريا “أصبحت متوفرة” مؤكدا اتفاقه مع الجانب التركي على “تعميق التنسيق” بهدف إيجاد تسوية سياسية للأزمة السورية في جنيف[20]، وذلك وفق القرار 2245، في حين صرح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في وقت سابق، أن “الأطراف المشاركة في مفاوضات أستانة متفقة على إنهاء الحرب في سوريا”.

وأضاف لافروف أن “جميع المشاركين في مفاوضات أستانا يفكرون في سبل إنهاء الحرب في سوريا رغم بقاء بعض الصعوبات”.

وتابع أنه “خلال هذه الجهود يقدم لنا شركاؤنا الإقليميون مساعدة كبيرة، ومنهم بالدرجة الأولى السعودية التي طرحت مبادرة لتوحيد كافة أطياف المعارضة السورية على قاعدة تتناسب مع مقتضيات القرار الأممي 2254″، الذي يدعو لتشكيل حكومة انتقالية في سوريا وإجراء انتخابات برعاية أممية، بالإضافة إلى وقف أي هجمات ضد المدنيين بشكل فوري.[21]

مع غموض طابع مشاركة المعارضة السورية للسلطة السياسية في دمشق وكيفية إعادة هيكلة الجيش والأفرع الأمنية ونوع الحكم المقرر، هل سيأخذ الشكل الفيدرالي أم المركزي إلا أن المؤكد أن روسيا فقط هي من سيكون لها اليد العليا في سوريا، وهي من سيقع على عاتقها إدارة الملفات الاقتصادية المتعلقة بالنفط والغاز وعقود إعادة الإعمار، ولو لم تبسط نفوذها العسكري على كامل الأرض السورية وتركت منها نصيب الولايات المتحدة وراعت مصالح الأتراك إلا أن الرابح الأكبر من ذلك سيكون الروس بالتأكيد.

الخاتمة

إذا كانت الاستراتيجية الروسية جادة بإنهاء الصراع في الأشهر القليلة القادمة قبل نهاية عام 2018 فإن الخيار العسكري وخيار الحصار والتركيع سيكلفها سنتين على الأقل، عدا عن الخسائر المادية والاعتبارات الدولية، ما يجعله خيارا بعيدا وغير ممكن ويحصر ما يجري ما بين العجز الروسي وعملية مراوغة واستخدام لأوراق القوة للفوز بأفضل البنود بأي اتفاقية متوقعة للوصول لصيغة ترضي الطرفين، وتقع في الغالب ما بين “المصالحة الوطنية” و “الانتقال السياسي” غير واضح المعالم، والتي ستكون قريبة جدا حسب أغلب التوقعات.

[1]انظر: الشرق الأوسط، أحمد الجربا «عرّاب» هدنة غوطة دمشق: نشر 150 شرطياً روسياً وانتخاب مجلس محلي «الشرق الأوسط» تنشر مسودة الاتفاق بضمانة موسكو ورعاية القاهرة الاثنين – 1 ذو القعدة 1438 هـ – 24 يوليو 2017 مـ رقم العدد [14118]

[2]انظر: ريف دمشق. اتفاق من 10 بنود في مدينة التل يقضي بخروج الثوار، أورينت نت

الكشف عن بنودها السرية…جردة حساب ل ـ”مصالحات” ريف دمشق بعد شهور على توقيعها، زمان الوصل

[3] العربي الجديد – عدنان علي – التنافس الروسي ــ الإيراني في سورية… التوافق والافتراق

[4] المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ، وحدة دراسة السياسات، اتفاق “هامبورغ” الروسي الأميركي حول سورية: أهدافه وتداعياته.

[5]لافروف دمشق كانت ستسقط لولا تدخلنا، الجزيرة،  

[6] بشار الأسد يبحث مع مبعوث بوتين “أستانا 7″، وكالة سبوتنيك عربي

[7] العربي الجديد – ريان محمد – قوات النظام تترجم رؤية الأسد عن مناطق “خفض التصعيد”

[8]روسيا ترفض طلب قطر استضافة محادثات حول سوريا، العربية

[9]لافروف: نشيد بدور السعودية في توحيد المعارضة السورية، وكالة سبوتنيك عربي

[10]لافروف .. السعودية تنوي حل الأزمة السورية، وكالة سبوتنيك عربي

[11] خسائر قوات الفرقة الرابعة خلال 100 يوم، القناة الرسمية لفيلق الرحمن

إحصائية خسائر عصابات الأسد أثناء محاولاتهم الأخيرة لاقتحام الغوطة الشرقية. القناة الرسمية لجيش الإسلام على التيلغرام

[12]النظام يحاصر 122000 في الغوطة الشرقية، تقرير خاص مركز مسار للدراسات والأبحاث

[13] عنب بلدي، بالأرقام.. كم تكلف الحملة الروسية على سوريا يوميًا

[14]سكاي نيوز ـ عربية: هيئة الأركان الروسية: الحرب توقفت في سوريا عمليا  

[15] الكشف عن بنودها السرية…جردة حساب لـ”مصالحات” ريف دمشق بعد شهور على توقيعه، زمان الوصل، مصدر سابق.

[16] القناة المركزية لقاعدة حميم (قناة غير رسمية)

[17] أحمد قاديروف …منقذ الشيشان أم خائنها، موقع إسلام أونلاين
محمد يوسف عدس: الغدر والخيانة في الحرب الشيشانية، جريدة الشعب

[18]غادة الشاويش، هل تؤدي الخلافات الروسية الإيرانية إلى إزاحة الأسد، القدس العربي

[19] قاعدة حميميم في سوريا50 سنة إضافية للقوات الجوية الروسية في سوريا، وكالة سبوتنيك عربي

[20]بوتين من أنقرة: شروط إنهاء الحرب بسوريا متوفرة، الجزيرة  

[21]لافروف: أطراف أستانا متفقون على إنهاء الحرب في سوريا، موقع العربية  

دير الزور معركة الصراع على النفوذ

دير الزور معركة الصراع على النفوذ

كشفت المعارك الدائرة في محيط مدينة دير الزور هشاشة التفاهمات بين موسكو وواشنطن، والتي تحدثت عن تحديد نقاط السيطرة والنفوذ في المحافظة، بحيث يتم إطلاق يد النظام وحلفائه في جنوب غرب النهر، وهي المنطقة التي يطلق عليها تسمية “الشامية”، فيما تسيطر “سوريا الديمقراطية” على منطقة “الجزيرة” شمال شرق نهر الفرات.

المقدمة

تشكل مدينة دير الزور حاليا مسرحا لعمليتين عسكريتين، الأولى يقودها جيش النظام بدعم من الجانب الروسي الذي أعلن أنه تم إبلاغ الطرف الأمريكي بأبعاد العملية العسكرية في منطقة دير الزور بشكل مسبق[1]، والهدف منها تثبيت أقدامه والسيطرة على المنطقة من جهتي الغرب والجنوب الغربي للمدينة، والثانية تشنها قوات سوريا الديمقراطية، والتي تقودها وتشكل عمودها الفقري وحدات حماية الشعب الكردية بدعم من التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن ضد تنظيم الدولة”ISIS”في الريف الشرقي.

إن التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة “ISIS”رغم أنه لا يضم روسيا بين أعضائه، كما لا يضم التحالف الروسي – السوري – الإيراني – العراقي، إلا أنه رحب على لسان المتحدث باسمه، الكولونيل ريان ديلون، بالعمليات العسكرية التي تشنها قوات النظام والمليشيات الإيرانية ضد تنظيم “داعش” شرقي البلاد، معتبرا أن “هدف الولايات المتحدة هو هزيمة تنظيم الدولة أينما وجد، وإذا كان الآخرون بما فيهم النظام السوري وروسيا وإيران ينوون محاربة التنظيم فليس لدينا مشكلة”[2].

ونظرا للتقدم الذي حققته قوات النظام في البادية السورية كسيطرتها على سبع قرى تابعة لناحية جب الجراح التي تقع شرق مدينة حمص بـ(55كم) في 27 من أيلول ل عام2017م، بعد انسحاب تنظيم الدولة “ISIS” منها وريف الرقة الجنوبي الشرقي، جعل منها قوة متقدمة في الصراع على مدينة دير الزور.

أدت الاستراتيجية المتبعة منذ بداية التدخل العسكري الروسي في سورية واعتمادها المفرط على القوة من الناحية العسكرية إلى تحقيق مكاسب ميدانية لصالح النظام، كما أدت من الناحية السياسية، نظرا لإدراكها عدم قدرة النظام السوري على الاستئناف من دون غطائها، لفرض مسار أستانة وباشرت به لتحقيق الأجندة السياسية التي تلبي مصالحها دون إغفال مصالح بقية الفاعلين، إلا أنه بات يلوح في الأفق مع بدء معركة السيطرة على مدينة دير الزور وتحريرها من تنظيم الدولة “ISIS”عدم تبلور تفاهمات روسية-أميركية جدّية حيال شرقي سورية يحول دون تحقيق “انتصارات” على التنظيم ينهي وجوده في سورية.

نحاول في هذه الورقة البحثية استقراء مآلات الوضع الميداني المحيط بمدينة دير الزور   في ضوء العلاقة بين الفاعِلَين الأبرز على الساحة السورية وأهداف كل منهما وبدء التنظيم بعملية عسكرية هي الأوسع من عام تقريبا باتجاه مناطق سيطرة النظام وتمكنه من السيطرة على مدينة القريتين.

أولا: طبيعة العلاقة بين روسيا وأمريكا

طرحت إحدى فصائل مدينة دير الزور عبر هيئتها السياسية التي يرأسها المنسق العام لـ “الهيئة العليا للمفاوضات”، رياض حجاب، على الأميركيين مشروعا متكاملا لتحرير دير الزور من “داعش”، وهو مقترح له شق عسكري وشق مدني لما بعد التخلص من التنظيم، ويبين شكل إدارة المحافظة. وحصلت على موافقة مشروطة بأن تستطيع جمع دعم شعبي لهذا المشروع من القوى على الأرض والشخصيات الاعتبارية وعموم الناس، وأن يتم تشكيل تحالف جديد للقوى، وبدء عملية طرد “داعش” من الشدادي جنوب الحسكة، حيث قام “التحالف الدولي” ببناء قاعدة لهذا الغرض.

من جانب آخر اعترفت القاعدة العسكرية الروسية في سوريا “حميميم” بانحسار تقدم قوات النظام السوري السريع في دير الزور، واتهمت قوات سوريا الديمقراطية ومن خلفها الولايات المتحدة الأمريكية بالوقوف أمام تقدم قوات النظام بالمنطقة، وأرجعت القاعدة أسباب انحسار  التقدم السريع للقوات الحكومية السورية ضد تنظيم الدولة في دير الزور إلى المناوشات مع قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من واشنطن، وأن هذه المناوشات الناجمة عن قلة التنسيق والتعاون مع القوات الحكومية أعطت التنظيم المتشدد المزيد من الوقت لإعادة التقاط أنفاسه مجدداً، ما زاد الأمر تعقيداً[3]، ودفع هذا بمسؤولين عسكريين أمريكيين و روس للاجتماع في مسعى لتجنب الاشتباكات العرضية في وقت يقاتل فيه الطرفان لاستعادة ما تبقى من أراض تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، إلا أن هذا الوضع عكس التباين بين الاستراتيجيتين الروسية والأمريكية، وأن واشنطن بدأت بمرحلة جديدة أكثر جدية ضد موسكو، وهي حرب استنزاف، حيث يعتقد المسؤولون في البيت الأبيض أن الروس لم يعد باستطاعتهم مغادرة سوريا أو تقليص حجم نفوذهم فيها[4]،

ومن مؤشرات تباين الموقفين ما حصل للجنرال الروسي فاليري أسابوف، قائد غرفة عمليات دير الزور كأرفع رتبة منذ بدء التدخل الروسي، وكان يعمل برفقة الضباط والعسكريين السوريين في عدة مناطق كان آخرها دير الزور، لاسيما وأن التلميحات الروسية تحدثت في البداية عن تورط أميركي بقتله، وقد يكون ناتجا عن خيانة[5].حيث كشفت التحقيقات وجود من سرب معلومات حول إحداثيات مكان تواجده، لهذا علق سيرغي ريابكوف نائب وزير الخارجية على مقتل أسابوف بقوله: إن ذلك هو “الثمن الذي تدفعه روسيا لازدواجية الولايات المتحدة في تسوية الأزمة في المنطقة”[6].

وبالتالي يشكل النزيف البشري إلى جانب النزيف المالي البالغ أكثر من ثلاثة مليارات دولار سنوياً، وهو ما يُرهق الموازنة الروسية[7]، والتشكيك الأمريكي بالخطوات الروسية “السياسية والعسكرية” المتعلقة بالوضع السوري، كالتصريح الصادر عن المتحدث باسم الخارجية الأمريكية مارك تونر في نيسان من العام الجاري فيما يتعلق بتقليص عدد القوات الروسية الذي أعلنت عنه موسكو: “بصدق، لم أر كمية (القوات الجوية الروسية المُقلصة في سوريا). وهذا ما يتوجب علينا رؤيته.” ليشير كل ذلك على أن الإدارة الأمريكية على الرغم من أن موسكو سعت لإقامة تعاون استراتيجي معها بهدف التوصل لحل الأزمة السورية المندلعة منذ ستة سنوات، أرادت أن تختبر قدرة القيادة الروسية على الحسم وهي تدرك أنها لن تكون أوفر حظا من الأسد وإيران اللذين اتبعا نفس الاستراتيجية، ولابد لها أن تستسلم على طاولة المفاوضات.

ثانيا: أبرز مظاهر الخلاف بين الطرفين

كشفت المعارك الدائرة في محيط مدينة دير الزور هشاشة التفاهمات بين موسكو وواشنطن، والتي تحدثت عن تحديد نقاط السيطرة والنفوذ في المحافظة، بحيث يتم إطلاق يد النظام وحلفائه في جنوب غرب النهر، وهي المنطقة التي يطلق عليها  تسمية “الشامية”، فيما تسيطر “سوريا الديمقراطية” على منطقة “الجزيرة” شمال شرق نهر الفرات. وتتجلى أبرز مظاهرها فيما يلي:

1 – أعلنت القوات العسكرية الروسية في سوريا 26أيلول 2017م عن بناء جسر فوق نهر الفرات في محافظة دير الزور وبحسب فلاديمير بوروفتسيف، رئيس خدمة الطرق التابعة لوزارة الدفاع الروسية أن طول الجسر يبلغ 210 أمتار[8]، وتم تشييده لعبور 8 آلاف عربة يوميا لنقل المعدات العسكرية والجنود إلى الضفة الشرقية من النهر، حيث تعمل أمريكا على توسيع وجودها العسكري في المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات سورية الديمقراطية، وهو ما كشفته وكالة “الأناضول” التركية بشأن القواعد الأمريكية السرية الـعشرة في تلك المناطق[9]، وهو ما أثار قلق موسكو  وتركيا معا، فوجدت الأولى أن الوقت مناسب للتحرك لعرقلة المخططات الأمريكية الرامية إلى بسط نفوذها على كامل المنطقة.

2 –شنت قوات النظام المدعومة من قبل القوات الروسية هجوما على قوات سورية الديمقراطية في شركة غاز كونيكو ومحطة العزبة ومعمل النسيج، على الرغم من التنسيق مع قوات التحالف الدولي، التي وصفت في بيان لها أن هذه الهجمات العدائية للقوات الروسية وحلفائها على الأرض تخدم الإرهاب وتضر بالحرب ضد الإرهاب[10]، و في المقابل وجهت  وزارة الدفاع الروسية تحذيراً حازماً وشديد اللهجة للقوات الأمريكية، طالبتها فيه بوقف عمليات قصف مواقع الجيش السوري في محيط نهر الفرات، وأبلغت ممثل قيادة القوات الأمريكية في قطر بعبارات لا تقبل اللبس، بوجوب وقف جميع محاولات قصف مواقع الجيش السوري من المناطق التي توجد فيها القوات الأمريكية الخاصة إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية شرق نهر الفرات”، كما أشارت إلى ارتفاع منسوب مياه نهر الفرات عند عبور الجيش السوري للنهر، حيث لا يمكن أن يحدث إلا في حال فتح السدود المشيدة عند منابع النهر والتي تسيطر عليها “قوات سورية الديموقراطية”[11].

3 – إفساح المجال لقوات النظام والقوات الروسية التقدم باتجاه الشرق وإغراؤها بذريعة محاربة الإرهاب، من خلال التسهيلات الأمريكية التي تمثلت بكبح جماح فصائل المعارضة السورية عن مواجهتها، وترك المجال مفتوحا لها لتصل إلى مشارف دير الزور، ومن ثم دفع تنظيم الدولة لاجتياز مسافة مكشوفة تصل إلى 255كم ومهاجمته لمدينة القريتين الخاضعة لسيطرة النظام دون أن تُستهدف أرتاله ومقاتلوه بالطيران من أي طرف يذكر.

4 – تشكل محافظة دير الزور والبادية السورية (البادية في كل من حمص ودير الزور) خزان النفط والغاز في سوريا، وتضم هذه المناطق أغلب حقول البترول والغاز في سورية، وبما أن الصراع على المستوى الاستراتيجي في سورية بالدرجة الأولى هو صراع خطوط الطاقة، فإن السيطرة على تلك المنطقة الجاري الخلاف عليها يحقق لكلا الطرفين ما يلي:

على المدى القريب:

أ – بالنسبة للنظام السوري والقوات الروسية:

تغطي السيطرة على تلك الآبار وإصلاحها الاحتياجات النفطية للحكومة السورية، وبالتالي سيخفف العبء عنها وعن حلفائها، باعتبار روسيا دعمت الحكومة السورية بالمشتقات النفطية مرات عديدة وفق الإعلام الرسمي للنظام السوري.

 ب – بالنسبة للقيادة الأمريكية:

 تبحث عن تمويل دائم للميليشيات التي تقودها إذا ما تم تقسيم سوريا في المستقبل بحيث يكون لتلك المنطقة مواردها الخاصة، وبالتالي فإن فرض السيطرة على حقول دير الزور (شرق الفرات) سيمّكن قوات سوريا الديمقراطية من الحصول على مصدر دخل للمقاتلين في صفوفها من خلال بيع النفط السوري.

على المدى البعيد:

 تمثل منطقة شرق الفرات ممراً لخط غاز “نابوكو” بدءا من قطر مروراً بالسعودية فالأردن فسورية ومنها إلى أوروبا، ما سيؤدي إلى فك قبضة الطاقة الروسية عن أوروبا، وهو مطلب أمريكي بامتياز، خاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية تحاول استكمال هذا المشروع من خلال الأراضي التي يسيطر عليها الكيان الإسرائيلي والطرق البحرية إلى أوروبا[12].

ثالثًا: السيناريوهات المحتملة‏

يقع على عاتق الأمم المتحدة والأمانة العامة لمجلس حقوق الإنسان وقيادة التحالف الدولي تحمل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية في حماية المدنيين، وضرورة تعزيز تدابير حمايتهم وتحييدهم، في ضوء ما وصلت إليه محصلة قرابة 30 يوم من بدء هجوم قوات النظام السوري المدعومة من قوات الجو الروسية على مدينة دير الزور (445) قتيلا، و(1200) غارة جوية، ومقتل (105) أطفال، و(87) امرأة، وتهجير (180) ألف مدني باعتبار المنطقة قد تكون مفتوحة على السيناريوهات التالية:

1 –تعد مدينة دير الزور البوابة الرئيسية للحدود السورية مع العراق، والطريق الواصل بين بغداد ودمشق، وهي أكبر مدن الشرق السوري والبادية (جزء من الحدود مع العراق) وخاض النظام السوري وحلفاؤه العديد من المعارك للسيطرة على تلك الحدود، و تم استنزافه فيها من الناحية المادية والبشرية (من جهة البادية)، ولن يكون أفضل حالا في معاركه هنا، حيث أعلن الإعلام الحربي التابع لحزب الله مشاركة الميليشيات الشيعية في معركة “الفجر3″، “حزب الله اللبناني، لواء الحيدريون، لواء فاطميون الأفغاني، لواء زينبيون” بالإضافة إلى قوات الحرس الثوري الإيراني، وميليشيات سورية تتبع للنظام السوري[13]، كما أعلن العراق أن مقاتلاته شنت غارات جوية على أهداف لتنظيم “داعش” داخل الأراضي السورية على مقربة من حدود البلدين، مع زيادة النقمة الشعبية عليه جراء الغارات الجوية الروسية التي تعتبر إحدى الدول الضامنة لاتفاق مناطق خفض التصعيد.

2 –تشير التصريحات الصادرة عن وزير خارجية النظام السوري وليد المعلم، لإمكانية التفاوض مع الأكراد لمنحهم الحكم الذاتي ضمن حدود الجمهورية العربية السورية وقبول الميليشيات الكردية بهذا العرض، أن تفاهمات تمت بين الجانب الأمريكي والنظام السوري تقضي بمنح الأكراد الحكم الذاتي وسحب إيران وحزب الله قواتهما من سورية مقابل القبول بسوريا موحدة دون تغيير النظام  وإبقاء القواعد العسكرية الأمريكية في منطقة استراتيجية على الحدود مع العراق و​تركيا​وسورية، لتشكل تهديدا على تركيا بالدرجة الأولى وهو ما يريده كل من النظام السوري وأمريكا التي تسعى للاستغناء عن قاعدة أنجرليك في جنوب تركيا، حيث تفتح عملية تحرير الرقة من تنظيم الدولة والاقتراب من شرق دير الزور والتمدد شرق الفرات من قبل قوات سوريا الديمقراطية الطريق أمام ربط آبار النفط والتحاصص فيها مع النظام السوري وتعزيز حظوظ المساومة على الأرض لاحقا باتجاه رسم حدود الكيان الكردي. إلا أن هذا السيناريو قد يوقع النظام السوري في الخلاف مع حليفه الروسي.

3 –أن تشكل مجموعة من العوامل والتطورات دافعا ومحرضا لكل من الأطراف المتمثلة بــ (روسيا والميليشيات الإيرانية “المشاركة في معركة دير الزور”) من جانب، و(روسيا وتركيا وإيران “المشاركة في أستانة”) للتحرك لضم المنطقة الرابعة وفق اتفاقية مناطق خفض التصعيد وتعطيل المخطط الأمريكي، حيث تعمل أمريكا على تنفيذه بالتعاون مع الميليشيات الكردية في سورية وتتمثل هذه العوامل بــ:

  • بدء قوات سورية الديمقراطية مشاركتها في معركة السيطرة على مدينة دير الزور بهدف الوصول إلى كامل الضفة الشرقية لنهر الفرات وهو ما أثار قلق كل من روسيا وقوات النظام وإيران[14].
  • لم يعد الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة الأمريكية للميليشيات الكردية يخفى على أحد، وتخوف تلك الأطراف وعلى رأسها ” تركيا وإيران” من دعم الولايات المتحدة الأمريكية للميليشيات الكردية للسيطرة على عفرين – إدلب في سيناريو يشبه ما قامت به عندما سلمتها تل أبيض وعين العرب ومنبج[15]. ويمكن اعتبار إنشاء روسيا قاعدة لقواتها في عفرين بمثابة حاجز يضع حدا للتمدد الأمريكي.
  • إعلان المفوضية العليا للانتخابات عن النتائج الأولية لاستفتاء إقليم كردستان العراق القاضية بنجاح عملية الاستفتاء وتأييد الأكراد لعملية الانفصال حيث بلغ عدد المصوتين بـ “نعم” 92%، وتخوف كل من إيران وتركيا بشكل خاص مما تمثله نتائج الاستفتاء من دفع معنوي للميليشيات الكردية في سورية، الساعية لإقامة كانتون خاص بها على غرار كردستان العراق.

الخاتمة

تدل تطورات الوضع الميداني في المنطقة الشرقية والتصريحات المرافقة لها على وجود سباق حقيقي، هدفه فوز كل فريق بمشروعه وتحقيق أجنداته ومصالحه، وليست الاتفاقات الحاصلة بين الطرفين الأقوى سوى خطوة تكتيكية وليست استراتيجية، وهو ما عكسه عبور قوات النظام إلى الجهة الشرقية لنهر الفرات، كما سبق لواشنطن أن خرقت الاتفاق في الطبقة ومنبج الواقعتين غرب النهر، وهو ما سينتج عنه التغيرات في خارطة التحالفات التي بدأت تظهر في التقارب الروسي الإيراني التركي في هذه المنطقة وما يمكن أن يتمخض عنه.

[1]شبكة حقيقة الإعلامية – موسكو تقصف حلفاء واشنطن في دير الزور

[2]أورينت نت – التحالف يرحب بعمليات ميليشيات إيران في البادية السورية ودير الزور   

[3]القناة المركزية لقاعدة حميميم العسكرية И

[4]بلدي نيوز – مصادر تكشف لبلدي نيوز سبب توتر العلاقات بين موسكو وواشنطن في سوريا

[5]هيومن فويس – هل تمت تصفية الجنرال الروسي بدير الزور؟مالك حسن

[6]الجزيرة نت – تسريب الإحداثيات وراء مقتل الجنرال أسابوف بسوريا

[7]العرب – الشام.. مستنقع روسيا المقبل–د. أحمد موفق زيدان

[8]هيومن فويس – جسر روسي فوق الفرات. ما أهدافه؟شهد الرفاعي

[9]موقع روسيا اليوم – تركيا تكشف معلومات سرية عن 10 قواعد أمريكية في سوريا (بالخارطة)

[10]هيومن فويس – قسد: طائرات روسية استهدفت مواقعنا بدير الزور – رولا عيسى

[11]الحياة – موسكو تحذر واشنطن و «سورية الديموقراطية»: سنرد على أي هجوم في دير الزور

[12]البوصلة – د. عمار فاضل – ماذا بعد أستانة 4.. حرب الجغرافية والطّاقة في سورية؟

[13]هيومن فويس – بتغطية روسية..5 ميليشيات شيعية تهاجم “البوكمال” –  عادل جوخدار

[14]مركز جسور للدراسات – تقدير موقف – وحدة الدراسات – الاستهداف الروسي لقوات سورية الديموقراطية رسائل محدودة أم بداية مواجهة؟

[15]العربي الجديد – أستانة” ومشروع واشنطن في سورية– باسل الحاج جاسم

اتفاق خفض التصعيد في الغوطة الشرقية … تفاهمات روسية أمريكية، وخلافات روسية إيرانية

اتفاق خفض التصعيد في الغوطة الشرقية … تفاهمات روسية أمريكية، وخلافات روسية إيرانية

أتى اتفاق وقف التصعيد في الغوطة الشرقية، بعد اتفاق وقف التصعيد جنوب غرب البلاد حيث أتى تتويجا لسلسلة تفاهمات روسية أميركية، هدفها فرض وقف لإطلاق النار في سورية، أو في أجزاء منها، وتحجيم دور اللاعب الإيراني.

مقدمة

تعد الغوطة الشرقية واحدة من المناطق الأربع التي شملتها خطة “خفض التصعيد” المبرمة من روسيا وإيران حليفتا النظام السوري وتركيا الداعمة للمعارضة في أيار من العام 2017م في مدينة آستانة عاصمة كازاخستان، وأعلنت وزارة الدفاع الروسية أن الجانبين ” روسيا والمعارضة السورية” قررا بموجب الاتفاق المذكور الاتفاق على “خفض التصعيد” في الغوطة الشرقية في ريف العاصمة السورية دمشق  بوساطة مصرية، وتسيير أول قافلة إنسانية إلى المنطقة المذكورة وإخراج أول دفعة من المصابين والجرحى، اعتباراً من 22 تموز 2017م ليؤدي بدوره إلى فك الحصار عن الغوطة، ويكون تمهيدا للحل السياسي وفق القرارات الدولية وفق ما أعلنه محمد علوش رئيس الهيئة السياسية لجيش الإسلام.

وفي الجانب الآخر تضمن ما أعلنه النظام عن بدء تطبيقه للاتفاق بذور عدم الالتزام به من خلال تأكيده أنه ” سيتم الرد بالشكل المناسب على أي خرق لوقف الأعمال القتالية في الغوطة الشرقية”.

أتى اتفاق وقف التصعيد في الغوطة الشرقية، بعد اتفاق وقف التصعيد جنوب غرب البلاد الذي أتى تتويجا لسلسلة تفاهمات روسية أميركية، هدفها فرض وقف لإطلاق النار في سورية، أو في أجزاء منها، وتحجيم الدور الإيراني.

في هذه الورقة البحثية نناقش الظروف السياسية والعسكرية التي أحاطت بالاتفاق، وأهم المتغيرات التي طرأت أو ما تزال آثارها ماثلة حتى الآن في المنطقة التي يتعلق الاتفاق بها وأدوار الفاعلين فيها، وأهم السيناريوهات المحتملة الدالة على موته أو صموده وبقاءه على قيد الحياة.

أولاً: المتغيرات السياسية والعسكرية قبل اتفاق خفض التصعيد في الغوطة الشرقية.

الأستانة: محاصصة بين الدول الضامنة

بعيدا عن أروقة مجلس الأمن وبغياب أمريكي واضح؛ رسمت كل من روسيا وإيران وتركيا خريطة النفوذ في سوريا، وتم تقاسم المصالح فيها، دون أن ينسى المجتمعون نصيب الولايات المتحدة أثناء الاتفاق على الخطوط العريضة لمناطق النفوذ تلك، حيث أعلنت الدول الثلاثة (أنها تبحث آلية مراقبة في أربع مناطق سورية مشمولة باتفاق مناطق خفض التصعيد المعلن عنها في أيار الماضي في العاصمة الكازاخية أستانة. وصرح المتحدث الرسمي باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالين: إن المقترح الذي يجري بحثه يقضي بوجود قوات روسية وتركية في محافظة إدلب شمالي سوريا، وقوات إيرانية وروسية بمحيط دمشق، وأخرى أردنية وأميركية في محافظة درعا جنوبي سوريا.)[1]فيما تركت طريقة بسط النفوذ وآليات ضبط مناطق خفض التصعيد لاجتهاد الأطراف الموكلة بها.

كما صرح رئيس الوفد الروسي إلى أستانا-5 ألكسندر لافرينتييف :”من الممكن وجود الشرطة العسكرية الروسية في مناطق الأمن الفاصلة، لكن هذا الموضوع لم يتم التوافق عليه بعد”، وأشار إلى وجود صعوبات معينة بشأن رسم حدود مناطق خفض التصعيد وقوات المراقبة فيها، غير أن المفاوضين على وشك تحديد خطوط التماس وحدود المناطق الثانية والثالثة لخفض التصعيد، ووجود بعض المسائل بشأن المنطقة الجنوبية، التي اقترب الإعلان عن حل توافقي حولها”[2]، وبعد أيام قليلة تم التوافق بين روسيا وأمريكا على منطقة خفض التصعيد في الجنوب السوري، وذلك على هامش قمة العشرين في هامبورج[3]،خارج إطار الأستانة ولكن وفق الرؤية نفسها.

الاستراتيجية الأمريكية

اختلفت الاستراتيجية الأمريكية تجاه القضية السورية من حين لآخر، وبدت غير واضحة في كثير من الأحيان، فيما بدت متخبطة في أحيان أخرى، وقد أثرت تلك الاستراتيجية على المجريات العسكرية والسياسية في الريف الدمشقي بشكل أو بآخر، فمع وصول الإدارة الجديدة للبيت الأبيض يمكن تلخيص أبرز سمات الاستراتيجية الأمريكية بالتالي:

أـ غياب عن الاجتماعات وحضور على الأرض

كان غياب الولايات المتحدة الأمريكية عن اجتماع الأستانة ملفتا للنظر برغم حضورها بصفة مراقب؛ إلا أن حضورها على الأرض كان أكثر قوة ووضوحا، فمن السهل ملاحظة ذلك في الشمال السوري مع حلفائها الأكراد، وفي الجنوب مع الجبهة الجنوبية، وفي الوسط وفي الريف الدمشقي عبر قاعدة التنف والمنطقة المحيطة بها.

ما دل على أن الولايات المتحدة سبقت المجتمعين بخطواتها على الأرض، وشاركتهم في جميع مناطق نفوذهم بطريقة مباشرة وغير مباشرة محققة أغلب أهدافها التي يمكن تلخيصها بـ:

1ـ ضمان وحماية أمن إسرائيل وذلك بسيطرة جهة تلقى القبول من الولايات المتحدة الأمريكية على الحدود السورية الإسرائيلية (الجبهة الجنوبية) .

2ـ الوقوف في وجه المشاريع الإقليمية في المنطقة، والتي يمكن أن يشكل توسعها خطرا على المصالح الأمريكية وأبرزها:

 أ) المشروع الإيراني: عبر قطع الهلال الشيعي وتعطيل الطريق البري من طهران حتى شرق المتوسط بزرع قاعدة التنف وعدة استراتيجيات أخرى لعل آخرها الاتفاق الروسي الأمريكي في هامبورج لتحجيم دورها في الجنوب السوري.

ب) المشروع التركي: وذلك بدعم الكيان الكردي على طول الحدود التركية.

3ـ محاربة الإرهاب وتدجين الإسلاميين: وذلك بالقضاء على تنظيم الدولة بعد انتهاء دوره في بلورة الساحة السورية ووصولها للنقطة الحرجة التي ستقرر فيها الولايات المتحدة إنهاء الحرب والحفاظ على مكتسباتها.

4ـ مجاراة روسيا والحفاظ على عدائها التقليدي معها وعدم السماح لها بالاستفراد بكامل الساحة السورية.

ب ـ الرغبة الأمريكية بإنهاء الصراع

كان هناك العديد من المؤشرات التي دلت على الرغبة الأمريكية في إنهاء الصراع ولعل منها:

  • اتفاق هامبورج: شيء مقابل شيء:

لعل خطة تحقيق الأهداف الأمريكية سارت على قدم وساق، إلا أن العملية العسكرية التي أطلقت في درعا بدعم إيراني وغطاء روسي شكلت بعض المخاوف لدى الولايات المتحدة، حيث سعت إيران لإحكام سيطرتها على مناطق جنوب البلاد، عبر محاولة الوصول إلى الحدود السورية مع الأردن لإغلاقها بهدف حصار المعارضة في درعا ومنع سبل الإمداد عنها.

ما دفع الولايات المتحدة للحفاظ على المكتسبات عبر توقيعها على ” اتفاق لوقف إطلاق النار مع روسيا في جنوب غرب سورية، يشمل مناطق القتال في محافظتَيْ درعا والقنيطرة، ويبدأ تنفيذه في التاسع من تموز 2017، ليقطع الطريق أمام المطامع الإيرانية في الجنوب السوري، ويلبي الرغبة الإسرائيلية والأردنية في حماية حدودهما وإبعاد الميلشيات الإيرانية، ووفقًا لبعض التقارير فقد نص اتفاق هامبورغ على إبعاد المليشيات الإيرانية 30 كيلومترًا من الحدود الأردنية-السورية[4]، إلا أن هذا التنازل الروسي للعدو التقليدي لا بد أن يقابله مكاسب أخرى في منطقة أخرى ترفع أمريكا يدها عنها، ولعل هذه المنطقة هي ريف العاصمة السورية دمشق.

  • إيقاف دعم البرنامج السري لوكالة الاستخبارات الأمريكية “CIA”الخاص بتدريب وتسليح المعارضة العسكرية السورية (الموك والموم) ،كونه بات “ضخمًا وخطيرًا وغير فعال” [5] ،بحسب ما صرح به ترامب، الأمر الذي يشي بأن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة بدأت بوضع اللمسات الأخيرة لإنهاء الحرب في سوريا والعمل على الحفاظ على المكتسبات التي تم تحقيقها والنفوذ الذي تم فرضه خلال سنين الثورة، وأن مثل هذا القرار سيعيد تموضع الفصائل العسكرية المستفيدة من البرنامج وسيحدد استراتيجيتها الجديدة، في حين سيكون أكبر المتضررين تلك الفصائل في الريف الدمشقي، وسيجدون أنفسهم في مواجهة منفردة مع الروس والإيرانيين.

تصريح راتني وتقاسم للنفوذ

دلت مخرجات الأستانة أن الريف الدمشقي من حصة حلفاء النظام (الروس والإيرانيين) خاصة وأن موقعه الجغرافي لا يساعد في دعم الدول الإقليمية له، إذ أن أغلب مناطقه الخاضعة تحت سيطرة المعارضة هي كانتونات محاصرة وغير حدودية باستثناء القلمون الغربي الذي لم تجلب له الحدود سوى مزيد من الأعباء والمخاطر، إضافة لأجزاء من البادية السورية التي تشكل امتدادا لقاعدة التنف الأمريكية.

ولا مشاحة أن تفاهما أمريكيا روسيا حصل حول تقاسم مناطق النفوذ كان من شأنه تسريع إنهاء الصراع، ومن بين تلك المناطق الريف الدمشقي الذي ترك لروسيا وإيران.

حيث صرح المبعوث الأمريكي الخاص لسورية “مايكل راتني” أن الهدف من النقاشات المستمرة بين الأمريكان والروس والأردنيين حول خفض التصعيد في جنوب سوريا هو إنهاء العنف وإنقاذ أرواح السوريين ،مع الالتزام بوحدة سوريا وسيادتها واستقلالها وأن جميع المحادثات بخصوص الجنوب تستند إلى هذه المبادئ بحسب وصفه، وأن المناطق التي تشملها الهدنة هي الأراضي التي يسيطر عليها الثوار على حدود الأردن والجولان غربي السويداء، ولا تشمل المناطق الواقعة شمالي السويداء أو القلمون”[6]، وهو ما اعتبرته كل من روسيا وإيران ضوءا أخضرا، وبدأوا السباق بهدف السيطرة على الريف الدمشقي. كما أن التقدم الذي يحرزه الأكراد على حساب تنظيم الدولة ISIS والجدية التي يبديها الأمريكان بالقضاء عليه يعتبر أحد المؤشرات الهامة والدالة عن الرغبة الأمريكية في إنهاء الصراع.

ثانيا: الريف الدمشقي والنزاع الروسي الإيراني (القلمون الشرقي والغربي ـ البادية الشامية ـ الغوطة الشرقية ـ جنوب دمشق)

بعد الاتفاق الروسي ـ الأمريكي والتصريح الذي أطلقه راتني حول منطقتي القلمون وشمال السويداء، وباعتبار شمال السويداء منطقة رمادية؛ و ملاصقة لجنوب غرب الريف الدمشقي الخاضع لسيطرة المعارضة والممتد حتى قاعدة التنف والحدود الأردنية، سارعت الميلشيات الإيرانية في محاولة التقدم فيها، ونجحت من الاقتراب من قاعدة التنف أكثر من المرات السابقة التي تم فيها استهداف الأرتال التابعة للنظام وحلفائه من قبل الولايات المتحدة، مع احتمال كبير لتخلي الولايات المتحدة عن تلك المناطق باستثناء 30 كيلو مترا في عمق الأراضي السورية وعلى طول الشريط الحدودي بين سوريا والأردن، إذ أن المعطيات على الأرض تدل على ذلك فقوات المعارضة خسرت عشرات الكيلو مترات في تلك المنطقة في الأسابيع القليلة الماضية.

وبدوره حزب الله المدعوم إيرانيا أطلق عمليته العسكرية في القلمون الغربي ،ليبدأ شن معركة عنيفة هناك انتهت بتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار بعد معارك ضارية في 27/7/2017[7]، في حين فضلت روسيا حلا أكثر دبلوماسية في القلمون الشرقي، حيث تم توقيع وقف لإطلاق النار لمدة شهرين برعاية روسية[8]، ولم يختلف الأمر كثيرا بالنسبة للغوطة الشرقية حيث تسعى روسيا لتحجيم النفوذ الإيراني فيهما، حيث نص البند الثامن من اتفاق خفض التصعيد في الغوطة على أنه “يتم في المرحلة التي تعقب اتفاق الغوطة بشكل مباشر العمل على إضافة منطقة جنوب دمشق ومنطقة القلمون الشرقي إلى هدنة شاملة واتفاق تخفيف التصعيد والعمل على أن يشمل الاتفاق كافة المناطق المحررة تمهيدا للحل السياسي الشامل.”[9]

أما الأحياء الجنوبية فتعتبر من الألغاز المحيرة في الريف الدمشقي إلا أنه يمكن القول: أن الخلاف عليها قائم ما بين قوات النظام وإيران هذه المرة، حيث يسعى النظام لإبقاء موطئ قدم في المنطقة يكون عائقا أمام تشييعها بشكل كامل ويحول دون السيطرة الإيرانية المطلقة على المنطقة التي أصبح محيطها “قم” أو “نجف” ثانية.

في حين تبقى الغوطة هي الرقم الصعب الذي يتجلى فيه الصراع الروسي ـ الإيراني عبر الاتفاق الذي تم توقيعه في القاهرة في العشرين من الشهر الجاري، وفي ظل الاستفراد الروسي ـ الإيراني بالمنطقة بعد إقرار ذلك في الأستانة ،ومع فقدان أي دور للدول الإقليمية الداعمة للمعارضة من الدول الضامنة لخفض التصعيد في الغوطة الشرقية، وتراجع تأثير الدول الخليجية بعد الأزمة الخليجية أصبحت معارك واتفاقات الغوطة الشرقية مرهونة بالتجاذبات الإيرانية ـ الروسية، ليكون حظ الريف الدمشقي هو الأسوأ في مناطق الثورة السورية، إذ تعرضت أغلب مناطقه لحصار خانق، كما شكل قربه الجغرافي من العاصمة دمشق مصدر قوة ومصدر خطر وتهديد في الوقت نفسه، إذ سعى النظام وحلفاؤه لتأمين الطوق المحيط بدمشق مع نزاع على من سيسيطر على هذا الطوق فبدأت المعركة في داريا والمعضمية وكانت برزة والقابون إحدى محطاتها، كما تشكل جوبر وعين ترما إحدى أهم المحطات المشتعلة الآن.

ثالثا: المتغيرات الداخلية في الغوطة الشرقية:

عمق الانقسام الداخلي:

منذ عام تقريبا على الاقتتال السابق بين فصائل الغوطة الشرقية عاد الاقتتال مرة أخرى؛ لتستقر الأمور على انقسام داخلي في الغوطة الشرقية التي تبلغ مساحتها قرابة 100 ك م2، وقد نجم الانقسام هذه المرة عن عملية خاطفة قام بها جيش الإسلام على تنظيم هيئة تحرير الشام أدت إلى إضعافها بحسب تصريح رسمي للجيش وفقدان أكثر من 70% من مقدراتها، إلا أن تحالفا بينها وبين فيلق الرحمن غطى على المشهد حيث صرح فيلق الرحمن أن عملية الجيش لم تقتصر على عناصر الهيئة ومقراتها ،إنما طالت عناصره وقياداته أيضا، لينجلي غبار هذا الاقتتال بانقسام أعمق يسيطر فيه جيش الإسلام على 53% من الغوطة الشرقية، ويسيطر كل من فيلق الرحمن وهيئة تحرير الشام وحركة أحرار الشام “التي امتاز موقفها بالضبابية دائما” على ما تبقى من غوطة دمشق.

جيش الإسلام وفيلق الرحمن (مفاتيح الحل في الغوطة الشرقية)

لم تهدأ المعارك على جبهات الفصيلين الرئيسيين في الغوطة الشرقية، وتعرضت جبهتا جوبر وعين ترما لأعنف الحملات بهدف السيطرة على المنطقة، وتأمين طوق العاصمة دمشق، وإنهاء آخر وجود للمعارضة السورية على أسوارها، إلا أن اتفاق التهدئة في الغوطة الشرقية لم يتأخر عن اتفاق هامبورج في جنوب سوريا بسبب اشتراط الجبهة الجنوبية ضم الغوطة الشرقية لتلك الاتفاقية[10]وخاصة أن أحد فصائلها “فيلق الرحمن” بقي وحيدا في الميدان بسبب عقبات حالت دون دخولها الاتفاق ،يعد أبرزها تقاربه مع هيئة تحرير الشام، وأن النظام بدأ بنقل حشوده من الجنوب إلى الشمال نحو دمشق ومحيطها، إلا أن مؤشرات دلت مؤخرا على احتمال كبير لدخول الفيلق في هذا الاتفاق ،أبرزها معركة الاستنزاف التي يخوضها على جبهة جوبر وعين ترما، وارتباطه التنظيمي بالجبهة الجنوبية التي طالبت بضم الغوطة الشرقية لهدنة درعا، وتوقف دعم فصائل الموك، وفشل قطر الحليف الآخر “لفيلق الرحمن” بلعب دور الوساطة وتقديم الدوحة كمنصة للحل السياسي في سوريا بعد الرفض الروسي.

رابعا: اتفاق خفض التصعيد في الغوطة الشرقية (الأهداف والتقييم والسيناريوهات المتوقعة)

أتى اتفاق خفض التصعيد كثمرة للتوافق الأمريكي ـ الروسي على مناطق النفوذ، والخلاف الإيراني ـ الروسي في الوقت نفسه، حيث يسابق الروس الزمن للوصول إلى اتفاق يكون لهم فيه اليد العليا في ريف دمشق، قبل أن يزداد النفوذ الإيراني في الغوطة الشرقية ومحيط دمشق، وتهدف روسيا من وراء ذلك إلى:

1) تحجيم الدور الإيراني في الريف الدمشقي بإقصاء إيران من الاتفاق المعقود.

2) لعب دور الوسيط بين قوات النظام ـ والمعارضة، بنشر قوات شرطة روسية ـ سنية للمراقبة.

3) إبقاء تهديد محدود لدمشق لتستخدمه موسكو كورقة ضغط على دمشق، حيث لم يفرض الاتفاق على المعارضة تسليم سلاحها أو التراجع عن مناطق نفوذها.

4) عدم التورط عسكريا بمعارك استنزاف تخوضها روسيا، كتلك التي خاصتها في حلب لما يترتب عليها من تبعات عديدة، خاصة في ظل ما تمتلكه الغوطة من مقومات الصمود.

5) مجاراة الدور الأمريكي بعقد اتفاقيات بين النظام والمعارضة بشكل منفرد.

وتضمن الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين قوات النظام السوري وجيش الإسلام بضمانة وزارة الدفاع الروسية ورعاية الحكومة المصرية:

  • وقفا شاملا لإطلاق النار ونشر150 عنصراً شيشانياً من الشرطة العسكرية الروسية على خطوط التماس لضمان وقف النار، تمهيدا لفك الحصار عن الغوطة، وإدخال مساعدات إنسانية وأدوية، وضمان حرية نقل البضائع وتنقل المدنيين من دون سلاح بين الغوطة ودمشق، ونقل الجرحى إلى العاصمة وتبادل البضائع عبر نقطة مخيم الوافدين، وانتخاب مجلس محلي يمثل أهالي الغوطة ويدير شؤونها، وأعلن فيلق الرحمن موافقته على اتفاق القاهرة بمجرد إعلانه، وتعهد ضبط عناصر «النصرة» هناك، مع استمرار فصل المعارضة الحرب ضد الإرهاب، وهنا يمكن القول أن «الروس جادون جدا في تنفيذ الاتفاق ولن يسمحوا لأي طرف بخرقه سواء كان تابعا للحرس الثوري الإيراني أو للنظام أو المعارضة»[11]
  • جاء في البند الخامس من الاتفاق انسحاب تدريجي للميليشيات الأجنبية “تلتزم روسيا مع الطرف الآخر بجدول زمني محدد لإخراج الميليشيات الأجنبية كافة من سوريا ،والتي تحمل شعارات طائفية تخالف الهوية الوطنية السورية، ومحاسبة من ارتكب الجرائم منهم وألا يكون لهم أي دور في حفظ أمن البلاد ومستقبلها.”[12]
  • شدد الاتفاق على إخراج “هيئة تحرير الشام” “جبهة النصرة” سابقا من المشهد العسكري في الغوطة.

تقييم الاتفاق:

  • تصب أغلب البنود الواردة ضمن الاتفاق في صالح المعارضة باستثناء ما يمكن أن يعمق الشرخ ويرسخ الانقسام بحجة وجود “هيئة تحرير الشام”.
  • لم ينص الاتفاق على تراجع المعارضة عن أي من مناطق سيطرتها،أو دخول قوات النظام،أو تسليم سلاحها الثقيل أو رفع العلم السوري، كما هو حال عدة اتفاقيات عقدها النظام في الريف الدمشقي.
  • عدم وجود طرف ضامن يعتبر من نقاط ضعف الاتفاق، ويمكن لقوات النظام والميليشيات الايرانية استثمار ذلك من خلال استمرارها بالقصف واتهام فصائل المعارضة بخرق الاتفاق وهو ما حدث فعلا.
  • الاتفاق في أسوء حالاته استراحة للمقاتلين فيما لو نكث النظام وروسيا به، وفي أفضل حالاته سيوقف شلال الدم ويحافظ على مناطق سيطرة المعارضة، بل ويفك الحصار، ويمنع التهجير الديموغرافي،ويعطي سكان الغوطة ما يشبه الإدارة الذاتية عبر انتخاب مجالس محلية في مرحلة لاحقة فيما لو صدق النظام وروسيا بتنفيذ بنوده.

السيناريوهات المتوقعة لاتفاق خفض التصعيد في الغوطة الشرقية:

لم يمض يوم على توقيع اتفاق خفض التصعيد في الغوطة الشرقية إلا والطيران الحربي أخذ بدك مختلف مناطق الغوطة الشرقية بذريعة قصف “هيئة تحرير الشام” على الرغم من محدودية وجودها على رقعة الغوطة، بل خلو الكثير من المناطق التي تعرضت للقصف منها بشكل كامل خاصة تلك الخاضعة لنفوذ جيش الإسلام، لتشكل تلك الغارات نقطة الإشكال الأولى، ويشكل غياب الفيلق عن الاتفاق واستمرار علاقته مع “هيئة تحريرالشام” نقطة الإشكال الثانية، فما هو مستقبل الاتفاق في ظل هذه المعطيات؟

السيناريو الأول: نجاح الاتفاق والتزام الروس والمعارضة به

ويتطلب هذا السيناريو توقف القصف والعمليات العسكرية بشكل كامل على جبهات الغوطة الشرقية، ودخول فيلق الرحمن بهذا الاتفاق بعد إنهاء وجود جبهة النصرة سواء بحلها أو ترحيلها لإدلب.

ولا يمكن الجزم بفشل هذا السيناريو لمجرد استمرار القصف في الأيام الأولى من الاتفاق، إذ بإمكاننا التمييز بين مناطق القصف ونوعه:

المنطقة الأولى: القطاع الأوسط الخاضع لنفوذ فيلق الرحمن مع تواجد محدود لهيئة تحرير الشام، ولعل الغارات في هذه المنطقة هي الأعنف والأكثر مقارنة بالمنطقة الثانية، ويمكن تبريرها لوجود إشارات ضمن بنود الاتفاق حول استهداف “هيئة تحرير الشام”، كما أنه من المحتمل بشدة أن يكون منفذ هذه الغارات هو الطيران الروسي الضامن للاتفاقية.

المنطقة الثانية: ريف دوما الخاضع لنفوذ جيش الإسلام، حيث لا يوجد في هذه المنطقة أي حضور للهيئة، ولعل من يقوم بالقصف بها هو طيران النظام بتوجيهات إيرانية، سعيا لإفشال الهدنة التي تصب في صالح الروس وتحجم الدور الإيراني، وبذلك لا يمكن القول بفشل الاتفاق لمجرد استمرار الغارات لوجود مؤشرات على جدية الروس في تطبيق الاتفاق، إذ أنهم بدأوا بنشر الشرطة الروسية بشكل فعلي، وإدخال عدد من سيارات المساعدات الإغاثية والطبية، وسيتمكنون بشكل أو بآخر من كف يد إيران وضبط النظام ولو استغرق ذلك بعضا من الوقت.

إلا أن العائق الأهم هو وجود “هيئة تحرير الشام” في القطاع الأوسط (منطقة نفوذ فيلق الرحمن) غير أن الأمور بين فيلق الرحمن وهيئة تحرير الشام متجهة إلى التصعيد، خاصة أن عددا من المظاهرات ضمن القطاع الأوسط خرجت يوم الجمعة 28 تموز 2017م طالبت بإنهاء وجود الهيئة رغبة من المدنيين في القطاع الأوسط بإيقاف القصف الذي اشتدت وتيرته بعد الاتفاق، أما فيلق الرحمن ،ففي ظل المعطيات السابقة التي تحدثنا عنها من التفاهم الأمريكي ـ الروسي وإيقاف الدعم الأمريكي وفشل الوساطة القطرية والارتباط بالجبهة الجنوبية والاستنزاف على جبهات جوبر وعين ترما ؛ قد يكون اتجه للقبول بالاتفاق مع ما يستجره ذلك من صدام مع هيئة تحرير الشام، وهنا قد يلجأ النظام لاستثمار ذلك من خلال محاولته إحكام سيطرته على حي جوبر آخر بوابات دمشق بعد إحكام الخناق عليه من جهة عين ترما، بدعم روسي أيضا كإرضاء للنظام مقابل إمضاء بنود الاتفاقية التي لا تصب بصالحه.

السيناريو الثاني: نجاح جزئي نتيجة استمرار هيئة تحرير الشام في القطاع الأوسط

مما يجعل الاتفاقية سارية على جزء من الغوطة، وتحديدا قطاع جيش الإسلام، وعدم سريانها على قطاع فيلق الرحمن لعدم تمكنه من إنهاء حضور هيئة تحرير الشام ضمن مناطق سيطرته، إن كان من خلال تفكيكها أو ترحيلها خارج الغوطة، مما يعطي الروس ذريعة لضرب القطاع الأوسط لوجود هيئة تحرير الشام، ويمكنهم من كبح قوات النظام وميليشياته عن قطاع دوما وريفها لغياب تلك الذريعة، وبالتالي سيشكل ذلك تقسيما ينعكس على وحدة الغوطة.

السيناريو الثالث: فشل الاتفاق وعودة المعارك في كامل جبهات الغوطة

وذلك في حال كان الاتفاق مناورة من قبل الروس تهدف لإعادة ترتيب قوات النظام لصفوفها واستحضار تعزيزات إضافية وكسب الوقت ومن ثم نكثوا عن عهودهم تحت حجج مختلفة منها ما يتعلق بوجود هيئة تحرير الشام أو غيرها وبالتالي أطلقوا يد النظام وميليشياته لاجتياح الغوطة والسيطرة عليها.

إن السيناريو الأول والثاني لهما فرص متقاربة في التحقق، وذلك لعدة أسباب موضوعية تنم عنها مجريات الميدان بحسب سير الخطة الروسية في المشهد السوري بشكل عام، وما يتعلق بمحيط الغوطة بشكل خاص، لكن لا يمكن استبعاد انتكاسة ما في حال وجود عوائق تمنع روسيا من تحقيق أهدافها، والذي سيحدد ذلك في الفترة القادمة هو:

1)  علاقة فيلق الرحمن مع هيئة تحرير الشام.

2)  توزع الغارات والعمليات العسكرية.

السيناريو الرابع: عدم قدرة روسيا على ضبط حلفائها (النظام السوري – الإيراني).

وهو ما يجعل الطرفين الأخيرين في حالة تمرد تام على كافة الاتفاقيات المتعلقة بالغوطة الشرقية مستغلين استعصاء ما في أحد بنود هذا الاتفاق ،أو وجود ذريعة ما ناتجة عن قصف أحد المواقع السيادية في العاصمة ومنها السفارة الروسية على سبيل المثال ،أو سلسلة تفجيرات مفتعلة تضرب العاصمة بشكل عنيف وتأخذ صدى إعلامي، متكلين على الدعم الروسي لنقض كامل الاتفاق بحجة “محاربة الإرهاب”.

الخاتمة:

في لغة السياسة لا عدو دائم ولا صديق دائم وإنما مصالح دائمة، فعلى الرغم من قتال الروس بجانب الإيرانيين لصالح قوات النظام، إلا أن أجندات كل طرف تختلف عن الآخر، وقد تتبدل من وقت لوقت، ولعلها تجاوزت مرحلة التنافس لتصل إلى عتبات الصراع.

وفي حال استطاعت قوات المعارضة اللعب على وتر تلك الخلافات، فستحصل على مكاسب مقبولة دون أي جهد يذكر كما هو الحال فيما لو نجح اتفاق خفض التصعيد في الغوطة الشرقية الذي ستسعى إيران وقوات النظام لإفشاله.

ويأتي هذا الاتفاق ليؤكد من جديد ومن خلال سنوات الثورة وما رافقها من تدخلات خارجية إقليمية ودولية وانتشار للتطرف من قبل جميع أطراف النزاع في سورية، أنّه لا يمكن نضوج أي حل دون رعاية وجدية من الدولتين المحوريتين في العالم، وهما الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وبدرجة أكبر الولايات المتحدة لأنها عندما تكون جدية في الطرح فإن الروس يستجيبون في النهاية.

[1]تركيا وروسيا وإيران تبحث نشر قوات في سوريا، الجزيرة 22/6/2017 ، انظر الرابطhttps://goo.gl/xbtQMK

[2]انظر: ، “أستانا ـ 5” روسيا قد تنشر قواتها في مناطق الفصل بسوريا، روسيا اليوم 4/7/2017  ، على الرابطhttps://goo.gl/4hXAqW

[3]انظر: على هامش قمة العشرين.. اتفاق بين روسيا وأمريكا لوقف إطلاق النار في الجنوب السوري بدءا من ظهر الأحد ، البداية ، على الرابط: http://albedaiah.com/news/2017/07/08/137715

[4]انظر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وحدة دراسة السياسات، اتفاق “هامبورغ” الروسي الأميركي حول سورية: أهدافه وتداعياته

.http://www.dohainstitute.org/release/d0be535d-2f42-413a-a1d4-9601d6547c60

[5]ترامب يوضح سبب إيقافه دعم الفصائل المعتدلة في سوريا،https://goo.gl/yKX387

[6]الدرر الشامية، “راتني” يبعث رسالة إلى الفصائل والفعاليات الثورية بخصوص اتفاق الهدنة جنوب سوريا، على الرابط:http://www.aldorars.com/news/596

[7]أورينت نيوز، اتفاق لوقف إطلاق النار في جرود عرسال والقلمون الغربي، على الرابط:http://orient-news.net/ar/news_show/139157/0/%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82-%D9%84%D9%88%D9%82%D9%81-%D8%A5%D8%B7%D9%84%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%AC%D8%B1%D9%88%D8%AF-%D8%B9%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A

[8]أورينت نيوز، مفاوضات القلمون الشرقي تنتهي باتفاق الفصائل مع روسيا.. هذه أهم البنود، على الرابط:http://orient-news.net/ar/news_show/138841/0/%D9%85%D9%81%D8%A7%D9%88%D8%B6%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82%D9%8A-%D8%AA%D9%86%D8%AA%D9%87%D9%8A-%D8%A8%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B5%D8%A7%D8%A6%D9%84-%D9%85%D8%B9-%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7-%D9%87%D8%B0%D9%87-%D8%A3%D9%87%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%88%D8%AF

[9]انظر: الشرق الأوسط، أحمد الجربا «عرّاب» هدنة غوطة دمشق: نشر 150 شرطياً روسياً وانتخاب مجلس محلي «الشرق الأوسط» تنشر مسودة الاتفاق بضمانة موسكو ورعاية القاهرة الاثنين – 1 ذو القعدة 1438 هـ – 24 يوليو 2017 مـ  رقم العدد [14118]

https://goo.gl/f8z9bS

[10]انظر: العربي الجديد، فصائل درعا اتفاق الجنوب … واشتراط ضم حمص والغوطة الشرقيةhttps://goo.gl/e91Aa7

[11]انظر: الشرق الأوسط، مصدر سابق

[12]نفس المصدر

قوات السوتورو

قوات السوتورو

دفع النظام الشعب إلى حمل السلاح ضمن سياسة اتبعها منذ بداية الثورة حتى بات المجتمع السوري أشبه بثكنة عسكرية كبيرة تضم العشرات من الجماعات المسلحة منها المعارضة له ومنها الموالية ،واشتملت هذه الجماعات على كافة مكونات المجتمع السوري السياسية والطائفية والاجتماعية ولكل دوافعه وأسبابه في التسلح .
ونظرا لانحسار النظام في مدينة القامشلي وعجزه عن حمايتها ليكتفي بحماية مراكزه الأمنية فيها ،فقد اندفع العديد من أبناء المدينة لحمل السلاح وتنظيم الدوريات وصولا إلى تشكيل قوة منظمة أطلق عليها لاحقا “السوتورو” وقوام هذه القوة من المسيحيين السريان والآشوريين والكلدان

مقدمة عامة

ينتشر المسيحيون في سوريا على كامل أراضيها، ويبلغ عددهم حوالي مليون نسمة أي ما يقارب 8% من عدد السكان، وكانوا يشكّلون نحو 30% من السكّان مطلع القرن العشرين[1] .ويتوزعون على 12 مذهبا كنسيا بين الطوائف الكاثوليكية والأرثوذكسية، وعلى مجموعة من القوميات والثقافات كالسريان واللاتينيين والآشوريين والكلدان، ويتركز وجود قوميتي الآشوريين والكلدان في شمال شرق البلاد، في حين تنتشر طوائف السريان والروم الكاثوليك والأرثوذكس في باقي المناطق، ونظرا للتنوع في المجتمع المسيحي السوري وعدم تجانسه السياسي والفكري، لا يمكن الحديث عن رؤية مسيحية واحدة للثورة السورية،

وينتشر المسيحيون السريان والآشوريون والكلدان في محافظة الحسكة السورية ومدنها، كالمالكية والقحطانية والقامشلي ورأس العين والدرباسية وتل تمر والقامشلي، وغيرها. ويشكل المسيحيون الآشوريون غالبية سكانية في منطقة وادي الخابور إلى الشمال الغربي من مدينة الحسكة[2]، وبلدات تل رمان وتل شاميرام وكان يقدر عدد عموم أبناء الطوائف المسيحية بالحسكة بنحو نصف مليون منذ سنوات، بينما يقدر أعداد السريان الآشوريين المتبقين بنحو / 30 / ألف بحسب المنظمة الآثورية الديمقراطية، ويقدر عدد المهجرين قرابة /80 / ألف من أصل ربع مليون كانوا يعيشون في سورية قبل العام 2011م[3].

أولا: الرؤية السياسية

تعتبر المنظمة الآثورية الديمقراطية التي تأسست في 15 تموز عام 1957م أول تنظيم سياسي قومي للسريان الآشوريين، وتعتمد المنهج السلمي للوصول إلى دولة مدنية تعددية ونظام ديمقراطي، وشاركت في الحراك السياسي عام 2000م ” ربيع دمشق “، وانضمت إلى إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي 2006م، والتحق كوادرها مبكرا في صفوف الثورة، وهي عضو مؤسس في المجلس الوطني السوري والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية[4].

تعرضت كوادرها للاعتقالات في أعوام 1986 و1987 و1992 و1997 و1998. وداهمت الأجهزة الأمنية في أيار 2011 مقر المنظمة بالقامشلي واعتقلت ثلاثة عشر من أعضائها على خلفية المشاركة بالمظاهرات. وفي 2013 و2014 اعتقل ثلاثة من قيادييها (مسؤول المكتب السياسي الاستاذ كبرئيل كورية والدكتور سمير ابراهيم عضو اللجنة المركزية).

أ.الأهداف السياسية:

  • تبني المنظمة أهدافها على أسس وطنية (ارتباطها بالوطن وقضاياه وبربط مهجره به)، وقومية (تبنّيها قضية شعبها الآشوري السرياني والنضال من أجل الإقرار الدستوري بحقوقه القومية كشعب أصيل له ثقافته ولغته السريانية ثقافة ولغة وطنية، وضمان حقوقه السياسية والثقافية والإدارية دستوريا ضمن إطار وحدة الدولة والمجتمع السوري). وديمقراطية (لإيمانها بأن النظام الديمقراطي العلماني القائم على مبدأ المواطنة المتساوية وأسس العدل والمساواة وشرعة حقوق الإنسان، بما تعنيه من ضمان حرية وحقوق المواطن الفرد وحقوق كافة الأقليات القومية ضمن إطار وحدة الدولة والمجتمع). 
  • مطالبة الحكومة التركية بالاعتراف بجريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبتها حكومة الاتحاد والترقي التركية بحق الشعب الآشوري الكلداني السرياني في الحرب العالمية الأولى

ب.السياسة تجاه الأزمة:

  • الرهان على الحلول السياسية واتباع سبل النضال السلمي.
  • يشوب إعلان حزب الاتحاد الديمقراطي عن الإدارة الذاتية التي تضم محافظة الحسكة وعفرين وعين العرب من الناحية القانونية عدم توفر إجماع شعبي وسياسي من قبل المكونات القومية الثلاثة في الجزيرة، وخصوصا العرب بما يوفر تأييد شعبي عام يضمن نجاحه، فضلا عن سيادة النظام على مدينتين أساسيتين مما يشكل حالة غير طبيعية، ومع ذلك تم التعامل معه بإيجابية.
  • الدفاع عن المنطقة ومكوناتها واجب الجميع، مثلا دافعت قوات حماية الشعب الـ (YPG) لصد هجمات تنظيم الدولة (Isis)، لكن يقتضي أن يكون هذا الدفاع وفق توافق سياسي بين جميع المكونات ممثلة بقواها الفاعلة ومشاركة حقيقية في إدارة وقيادة عملية الدفاع[5].

ثانيا: قوات السوتورو ” المهام ودوافع التشكيل “

مع اندلاع الثورة السورية في آذار ٢٠١١ ظهرت حركات جديدة على الساحة السياسية والعسكرية والاجتماعية. وباتت كل منطقة تبحث عمن يحميها ويشرف على ادارة شؤونها، انتشر السلاح في المناطق التي ضعف نفوذ الدولة فيها. وكان سبب حمل السلاح يختلف من أشخاص لآخرين. فالبعض حمله ليحمي منطقته، والبعض الآخر حمله ليفرض سيطرته بالقوة على منطقة ما، سواء بالتنسيق مع النظام السوري أو بدونه.

بالنسبة لمدينة القامشلي انحسر دور النظام عن حماية المدينة ليكتفي بحماية مراكزه الأمنية والحزبية، ومع نقص الخدمات الأخرى من كهرباء وبلدية وغيرها كثرت الجرائم والسرقات مما دفع العديد من أبناء المدينة لحمل السلاح الذي ما لبث أن تنظم في دوريات حراسة للأحياء ومجموعات مسلحة بأسلحة خفيفة وسيارات خاصة، وقد تم إطلاق اسم “السوتورو” على هذه المجموعات.

وبالتشكيل هي جسم واحد متجانس أعلن عن تأسيسها مطلع آذار 2013م وينتشر عناصره في مدن الحسكة والقامشلي والمالكية والقحطانية ونحو 33 قرية تقع على مجرى نهر الخابور بدءاً من جنوب رأس العين شمالاً، وصولا إلى جبل عبد العزيز جنوباً[6]، وتتضمن شبابا من أحزاب مسيحية سريانية مختلفة مثل (حزب الاتحاد السرياني أو ما يعرف بالدورونويي والمنظمة الآثورية الديمقراطية وتجمع شباب سوريا الأم والتجمع المدني المسيحي)

“السوتورو”: هي كلمة سريانية تعني الحماية أو الأمن، ويقدمّ عناصر هذه الميليشيا أنفسهم على أن مهمتهم حماية المناطق المسيحية في منطقة الجزيرة، حيث أُعلن عن تأسيسها بتاريخ 1/3/2013.

وكان السلاح المتواجد مع عناصر السوتورو أغلبه سلاح خفيف شخصي تم جمعه من البيوت بالإضافة لبعض السلاح الذي تبرع به بعض رجال الأعمال المسيحيين لدعم عملية الأمن والحراسة في المدينة.

عند تأسيس مجموعة أو هيئة السلم الأهلي في القامشلي انضم إليها كافة الأحزاب السياسية والتجمعات المدنية في المدينة من كافة المكونات السياسية والمدنية وتم تأسيس مكتب تنفيذي ذي تمثيل موسع يضم شخصيات من السوتورو ومن وجهاء المدينة وكان دخول السوتورو كجزء من مجموعة السلم الأهلي في إطار تنظيم العمل المدني والمسلح في المدينة والتنسيق فيما بينهما، وتألفت من مكتب تنفيذي فيه مقعد واحد لكل حزب أو تجمع، وأمانة عامة تم اختيار أعضائها من قبل الأعيان والوجهاء ورؤساء لجان الأحياء والقطاعات في المدينة وتم التوقيع على وثيقة عمل مشترك.

وقد أعلنت هيئة السلم الأهلي في وثيقتها التأسيسية عن عدم تعاطيها بالسياسة والحفاظ على هيكلية الأجسام المنضوية فيها وتركيزها في العمل على الجوانب الخدمية والحماية للمدينة. وتعزيز العلاقات مع باقي مكونات المدينة من أكراد وعرب ويزيديين، ودخل مع الهيئة مكتب الحماية السرياني “سوتورو” للإشراف على جمع وتنظيم السلاح الموجود بأيدي الشباب السريان وحماية الأحياء المسيحية[7]. وبذلك أصبح لأول مرة لمسيحيي سوريا ذراع عسكرية أسوة بالقوى والتيارات والقوميات السورية الأخرى التي تمتلك ميليشيات خاصة بها، يعمل على دعمها القيادي بحزب الاتحاد السرياني العالمي اللبناني الأصل ابراهيم مراد وصاحب العلاقة المتينة بحزب القوات في لبنان.

أ. التدريب والتسليح

بدأ السوتورو عمله في الأحياء المسيحية بمعزل تام عن أي حراك سياسي، وانضم إلى صفوفه العديد من الشباب من التيارات السياسية المختلفة اقتصرت تدريباته على الرماية وفك السلاح وتركيبه، وكانت التدريبات تتم في بعض البيوت التي تقع خارج المناطق السكنية وفي مزارع تقع في أرياف القامشلي، وتم تنظيم العمل وفق سياق عسكري من تقسيم المدينة لقطاعات والقطاع لأحياء ويكون هناك دوريات بالإضافة لحراسة دائمة في نقاط رئيسية.

واتخذ من بعض البيوت داخل الأحياء المسيحية مراكز له ليبقى فيها العناصر أثناء المبيت والحراسة الليلية. وبدأ الشباب بارتداء الألبسة العسكرية المعروفة مع وضع شعارات مسيحية وشعارات قومية سريانية، وكان الأبرز فيها هو الصليب والعلم السرياني الذي تم رفعه في المقرات وعلى السيارات.

 واقتصر السلاح الذي يمتلكه السوتورو بالبداية على السلاح الفردي الخفيف مثل (الكلاشينكوف الروسي وبواريد البمب اكشن والمسدسات الحربية)، وكان هذا السلاح بالمجمل من البيوت أو من بعض رجال الأعمال الداعمين لفكرة الحماية الذاتية، وأما عن المعدات الأخرى فكانت ممتلكات شخصية تم وضعها لتيسير أمور الحراسة والحركة مثل بعض السيارات ومولدات الطاقة الكهربائية والبيوت الفارغة لاستخدامها كمقرات.

وكان عمل السوتورو في هذه المرحلة يرتكز على التواجد والحراسة أكثر من العمل المسلح، فكان ليس بالضرورة أن يحمل كل الشباب سلاح في الدوريات أو المقرات، كما لم يكن السلاح متوفراً للجميع.

ب. علاقته بالنظام السوري والبي كي كي

مرحلة الانشقاق

لم يستطع السوتورو المحافظة طويلاً على استقلاليته كما لا يتحلى قادته بالشجاعة لرفض العروض المقدمة له من دعم مشروط، وكون قوات السوتورو غير متجانسة فإن الانحياز لأي جانب سينتج عنه انشقاق الأشخاص الموالين للجانب الآخر وهذا ما حصل عند زيارة وفد من ميليشيات الدفاع الوطني إلى مقر السوتورو الرئيسي في القامشلي بعد التنسيق مع قيادات تجمع شباب سوريا الأم وهم أحيقار عيسى (وهو تاجر  معروف في القامشلي) بالإضافة ليعقوب يوسف صاحب شركة الرافدين للسياحة والسفر، وقد زار الوفد مقر التجمع وأهدوهم صورة لبشار الأسد وعلم النظام ليتم رفعها في المقر وهذا ما حصل، نتج عن ذلك انشقاق كبير خرج على إثره حزب الاتحاد السرياني “الدور ونويي” والمنظمة الآثورية وبعض التشكيلات الأخرى من السوتورو وبقي كلا الفريقين يحمل اسم سوتورو بالعربي مع اختلاف بالكتابة الإنجليزية لكنها بنفس المعنى ألا وهو “الحماية والأمان”.

بعد عملية الانشقاق أخذ كل من الفريقين ينهج بحسب توجهاته، فالفريق الأول المقرب من الدفاع الوطني رفع أعلام النظام وصورة بشار الأسد، وبدأ بالتنسيق مع الأفرع الأمنية وتحول لفرع عن الدفاع الوطني بشكل كامل. وبناء على ذلك تلقى دعم عسكري ولوجستي من جيش النظام وبدأ باستخدام السلاح الثقيل والبيكابات العسكرية مع الرشاشات الثقيلة وأجهزة الاتصال المتطورة، وبدأ يتلقى عناصره تدريبات عسكرية أكاديمية على يد ضباط الجيش السوري في الفوج 54 في قرية طرطب بريف القامشلي، كما تم إرسال مجموعة من عناصره إلى العاصمة دمشق لتلقي تدريبات خاصة وليتولوا مهام قيادية. كما بات يتلقى تدريبات عالية المستوى على الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والرشاشات الثقيلة التي تم منحه إياها من قوات الدفاع الوطني للمشاركة في المعارك بريف القامشلي ضد تنظيم داعش وتتم التدريبات في القطع العسكرية المحيطة بالقامشلي غالبا. إلى جانب وجود تدريبات خاصة بعض الأحيان لأعداد قليلة في دمشق أو مشتى الحلو لدى مجموعات بشر يازجي في مرمريتا.

يبلغ عدده /2000/ مقاتل بقيادة شخص يسمى سركون شمعون ونائب له خلدون حنو، وتعتبر أبرز معاركه ضد تنظيم الدولة.

أما القسم الثاني فقد انحاز لقوات الحماية الكردية PYD ومن قاد عملية التقرب هو حزب الاتحاد السرياني الذي يملك من الأساس علاقات تاريخية وثيقة معهم، لكنه حافظ على رفع العلم السرياني والشعارات المسيحية دون رفع العلم الكردي، وأخذ بالانتشار أكثر باتجاه القرى المسيحية في ريف القامشلي مثل القحطانية التي من الأساس القوة فيها كانت للـ PYD، و بدأ يحصل على السلاح الثقيل والمعدات اللوجستية من سيارات وأجهزة اتصال من ال PYD ويقوم بالمهام العسكرية معهم من دوريات مشتركة وعمليات مداهمة وغيرها، و بدأ بإرسال عناصره لتلقي تدريبات عسكرية في معسكرات القوات الكردية في أرياف عامودا وجبال قنديل وكردستان العراق وعلى يد ال PKK، بالإضافة لتلقيه تدريبات خاصة من قبل مدربين أوروبيين لديهم خبرة عسكرية في  أحد الجيوش، وقد ذاع صيت أحد مدربي السوتورو الذي كان عريفاً سابقا في الجيش السويسري يوهان كوسر الذي قدم مع حوالي 20 أوربياً إلى القامشلي بمهمّة تدريب المسيحيين وكان يتم عملية تسهيل دخوله وخروجه عبر إقليم شمال العراق.

يبلغ عدده قرابة /4000/ مقاتل، بقيادة ملكي رابو ويسمى بقائد فرقة السوتورو ويتبع للجهاز الأمني التابع لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني PYDباعتبار أن المهمة الأساسية لهم الدفاع عن الأحياء والمناطق المسيحية في حال تعرضها لأي اعتداء مسلح ـ 

استمر وجود كلتا مجموعتي السوتورو في داخل مدينة القامشلي دون حصول مشاكل تذكر، ولعب الـــ PYD دور في تنظيم العلاقات بين السوتورو عن طريق علاقاتها الجيدة مع الأفرع الأمنية التابعة للنظام السوري. وتعتبر أبرز الأعمال العسكرية التي شارك فيها كلا الطرفين أثناء تصديهما لمقاتلي تنظيم الدولة (Isis) وخاصة في حي غويران وحي الوسطي وقرى الخابور ، ولحق بهما خلالها الكثير من الخسائر المادية والبشرية بسبب العمليات الاتغماسية التي نفذها التنظيم، وتفجيره للكنائس  ككنيسة “مريم العذراء”، في قرية تل نصري شمال غربي الحسكة جنوبي تل تمر بريف الحسكة واحراقه كنيسة تل هرمز التاريخية التي تعد من أقدم الكنائس في سورية وتدمير كنيسة قبر شامية وكنيسة تل جزيرة إضافة إلى استهداف كنيسة القديس مار توما في قرية أم الكيف ببلدة تل تمر. وتقتصر مهمة الجانبين حاليا في الدفاع عن مناطق تواجدهما والمناطق المسيحية، ويكلفون بمهام الإمساك بمناطق تمت السيطرة عليها حديثا لكلا الطرفين لكن سرعان ما يتم استبدالهم باستثناء حالات ومواقف يحاول من خلالها النظام جرهم إلى ميادين قتاله بتخويفهم من احتمال عودة التنظيم إلى مناطقهم ووجوب ألا تكون مناطقهم ساحات للحرب ضده كما حدث مؤخرا في دير الزور.

ما بعد الإنشقاق

مع مرور الوقت تنامت علاقة كل من جناحي السوتورو مع الداعم له وبدأ بخوض المعارك العسكرية معه والدخول في تحالفاته السياسية مع توظيف الجانب الديني بتمثيل المسيحيين في منطقة الجزيرة السورية، فالسوتورو المتعامل مع الدفاع الوطني بدأ بالتعامل الأمني التابع للنظام بشكل مباشر وقد تم مشاهدة السيارات التابعة له عدة مرات تدخل وتخرج من مطار القامشلي الدولي وقد رجح البعض أنها اجتماعات أمنية مع شخصيات رفيعة المستوى للتنسيق فيما يخص مدينة القامشلي، ولنقل السلاح الذي يأتي خصيصاً لهم من دمشق والساحل.

أما السوتورو التابع لل PYD فبات جزء لا يتجزأ من التنظيم. كما بات على تواصل مباشر مع قيادات ال PKK في العراق وجبال قنديل.

 ج. أعماله ومصادر تمويله وأبرز انتهاكاته

بدأ السوتورو التابع للنظام بخوض معارك عسكرية خارج القامشلي وريفها فقد تم استدعاء مجموعات منه للمعارك في المناطق المسيحية في ريف حمص الشرقي مثل صدد وزيدل ضد تنظيم الدولة في عام 2015م الى جانب مقاتلي “نسور الزوبعة[8] كما لعب دورا صغيرا في معارك في ريف دمشق، وحصلت تحالفات ودعم من بشر يازجي قائد الميليشيات المسيحية في مرمريتا التابعة لمشتى الحلو في ريف مدينة طرطوس مما زاد في دعمه العسكري وقوته الأمنية.

أما السوتورو المتحالف مع الـ PYD فقد وقع على بيان إعلان الإدارة الذاتية واعتبر نفسه جزءا من المشروع بالإضافة لعدد من العشائر العربية لإعطائه شكلا من الشرعية بتمثيل كافة مكونات المنطقة، وشارك في المعارك التي خاضتها الوحدات في ريف الحسكة ضد تنظيم الدولة (Isis) في قرى عربية، و في المعارك التي دارت ضد تنظيم داعش في أحياء العزيزية والغزل وكذلك في دولاب عويص في مدينة الحسكة. وعلى الرغم من ذلك فإن عملهم الأساس يقتصر على حفظ الأمن ونصب الحواجز،  

ونظرا لدوره في حماية المسيحين في منطقة الجزيرة باعتباره الجناح العسكري المسيحي الوحيد فيها فإنه إلى جانب الدعم الذي يحصل عليه من الداعمين له أصبح يجمع تبرعات من رجال الأعمال وأصحاب الشركات المسيحيين والجانب الأكبر من الأموال تأتي من المسيحيين المغتربين في أوروبا، فكل من الأحزاب المنضوية فيه تمتلك نوادي وجمعيات في الدول الأوربية وخاصة السويد وهولندا وبلجيكا، وتقوم بعض هذه الجمعيات بجمع التبرعات وإرسالها إلى سوريا لدعم العمليات العسكرية والخدمية التي يقدمها السوتورو، وذكر أحد الأشخاص المسيحيين الموجودين في السويد أن مطران “السويد والدول الاسكندنافية للسريان الأرثوذكس” بوليس عبد الأحد شابو” قد سبق وطالب أعضاء كنيسته بالتبرع عدة مرات لوحدات “السوتورو” السريانية، التابعة للنظام السوري في مدينة القامشلي، في كوردستان سوريا” بحسب ما جاء على وصف المطران.

ويختلف الأمر من كنيسة لأخرى، حيث قامت الكنيسة الآشورية بإصدار بيان تتبرأ فيه من هذه المجموعات، وتعتبرها ميليشيات نهب وتشليح، ولم تشجع الشباب الآشوريين على الالتحاق بهم على عكس الكنيسة السريانية.

الانتهاكات التي يقوم بها السوتورو:

1 – عند مشاركة السوتورو التابع للـ PYD في المعارك التي خاضتها الوحدات في ريف الحسكة ضد تنظيم الدولة في قرى عربية تم توثيق عدم اتاحة الفرصة لسكان هذه القرى بالعودة إلى بيوتهم بعد طرد التنظيم من المنطقة. كما قامت الوحدات مع السوتورو الموجود معهم بتجريف عدد من القرى بالمنطقة وحرق الأشجار كخطوة منهم لجعل أمر عودة السكان أمر مستحيل إلى هذه المنطقة.  

2 – تجنيد النساء والفتيات “القاصرات” بمحافظة الحسكة، وتحضيرهن للقتال إلى جانب القوات، بعد زجهن في معسكرات تدريبية مقابل إغراءات مالية وليس “إجبارياً” كما يفعل “حزب الاتحاد الديمقراطي – PYD[9].

ثالثا: نتائج وتوصيات

1 – ينتشر السوتورو التابع للنظام في الحسكة والقامشلي، أما السوتورو التابع للإدارة الذاتية في مناطق وجود المسيحين (القحطانية – القبور البيض ” ترباسين” المالكية – ديريك – الحسكة المدينة – القامشلي المدينة في أحياء ” الوسطي. الاربوية. الغربية”).

2 – ينتسب الشباب المسيحي إلى سوتورو النظام كي لا يؤدي الخدمة العسكرية خارج منطقته، ولا يستدعى من هو مطلوب للاحتياط، ولا تتم ملاحقتهم بموجب قانون التجنيد الاجباري في الإدارة الذاتية.

3 – كان عددهم لا يتجاوز 100 شخص في كل مدينة فيها تواجد مسيحي وازداد عددهم منذ منتصف 2015م حتى تاريخ اليوم بسبب انضمام العنصر العربي إليهم الذي ينقسم إلى فئات هي:

  • بعض النازحين من مناطق اخرى بسبب حاجتهم إلى سند إقامة يتم انتسابهم إلى هذه الوحدات وعددهم قليل.
  • من العرب من أبناء المنطقة ويشكلون العدد الاكبر بسبب الراحة في الخدمة في السوتورو لقلة تواجدهم في جبهات القتال نظرا لدورهم في حفظ الامن ونصب الحواجز بأمر من الوحدات الكردية (عن طريق المسؤول الأمني الموجود لهم في كل منطقة)

4 –  أسس السوتورو أول “أكاديمية عسكرية” آشورية (سريانية) هي أكاديمية الشهيد آغا بطرس في منطقة الكورنيش في منطقة القامشلي (سوتورو النظام) بهدف تأهيل المقاتلين السريان وتدريبهم وفق أسس أكثر انضباطاً لحماية مناطقهم، والدفاع عن وجودهم المسيحي في المنطقة، ويخضع فيها المقاتلون لتدريب “عسكري عملي ونظري” وتشرف المراكز الدينية المسيحية على تزويدهم بمحاضرات وإرشادات عقائدية.[10]

5 – تجمع كافة الفصائل والتنظيمات الآشورية المسيحية السورية (تجمع شباب سوريا الأم والتجمع المدني المسيحي والحزب الآشوري الديمقراطي في مدينة القامشلي (شمال شرق) على ثوابت وطنية تتضمن “الإيمان المطلق بوحدة سوريا أرضاً وشعباً، والإيمان بضرورة التغيير الديمقراطي، ونبذ العنف والتطرف بكل أشكاله، ثم اعتماد الحوار أساساً لحل جميع القضايا.

6 –  يحيق الخطر بآشوريي سوريا لابتعادهم عن عربها لأن رهانهم على الأكراد رهان خاسر في ضوء البيان الذي أصدرته الأحزاب والمنظمات والكنائس والتجمعات الآشورية السريانية الأرمنية في الجزيرة التي أدانت فيه واستنكرت القوانين الصادرة عن الإدارة الكردية “قانون التجنيد الإلزامي للشباب المسيحيين في القوات الكردية وقانون فرض المنهاج الكردي في المدارس الخاصة”، كما أن رهانهم على النظام أمر فاشل بالتجربة، إلا أن خوفهم من وصول المتشددين إلى السلطة ربما دفعهم إلى الوقوف إلى جانب النظام أو الأكراد.

7 – التعامل الحذر مع المكون الكردي وهو ما بدا ظاهرا في خطاب المنظمة الآثورية الديمقراطية بضرورة التوافق بين المكونات الثلاثة على مختلف القضايا لضمان حماية حقوق الجميع بعيدا عن تحكم الأكثرية بالأقلية،

                  ………………………………………………………………

ملاحظة: معلومات المشاهدات وتصرفات السوتورو مبنية على تواصل الباحثين المعدين للدراسة مع سكان من مدينة القامشلي عرب ومقاتلين سابقين في السوتورو تركوا القتال معه ولجؤوا إلى أوروبا أو لا يزالون مقيمين في المنطقة، وتم إخفاء أسمائهم حرصاً على سلامتهم

[1] مركز دراسات الجمهورية الديمقراطية – حماية الأقليات – المسيحون السوريون أنموذجا – ليلى فرح https://goo.gl/oT3g52

[2] العربي الجديد – الآشوريون السوريون في مرمى نيران داعش – رامي سويد – https://goo.gl/KNR3Zr

[3] الشرق الأوسط – آشوريو سورية: أقلية مهددة بالزوال https://goo.gl/hkz7BM

[4] موقع الائتلاف الوطني لقوى الثورة – إنفو غرافيك المنظمة الآثورية الديمقراطية‎ https://goo.gl/WS13qY

[5] مؤسسة Bûyer الإعلامية – السياسي بشير اسحق سعدي في حديث خاص لصحيفة Bûyer – بتصرف – http://buyerpress.com/?p=7389 

[6] قوات السوتورو… تجنيد للقاصرات وواجهة مسيحية لاستجلاب الدعم https://goo.gl/sHhxON

[7] تحرير سوري – قوات السوتورو من هم؟ ومن أين أتوا؟ https://tahrirsouri.com/reports/report/10086

[8] النهار – صدد المسيحية تواجه تنظيم الدولة بالسوتورو  https://goo.gl/4pqCq6

[9] قوات السوتورو… تجنيد للقاصرات وواجهة مسيحية لاستجلاب الدعم https://goo.gl/sHhxON

[10] calam1.org موقع مسيحي شامل – “أكاديمية آغا بطرس” أول أكاديمية عسكرية مسيحية في شمال سوريا. https://goo.gl/DCp4xF