Category: مقالات عسكرية

شرق الفرات بين الإصرار التركي والمناورة الأمريكية مجهولة الأهداف

شرق الفرات بين الإصرار التركي والمناورة الأمريكية مجهولة الأهداف

شرق الفرات؛ بين الإصرار التركي والمناورة الأمريكية “مجهولة الأهداف

بقلم النقيب محمد علوان

صرح في الآونة الأخيرة مسؤولون أتراك ، بنبرة حسم غير مسبوقة أن تركيا ستنشئ منطقة آمنة بطول 280 كم تمتد من نهر الفرات إلى الحدود “السورية – التركية – العراقية” شرقا، مما سيجبر وحدات حماية الشعب الكردي و حليفها حزب البي كي كي   إلى الانسحاب مسافة 25 كم بعيداً عن الحدود التركية؛ فسارعت واشنطن إلى امتصاص غضب تركيا، وعمدت إلى ثنيها وتأخيرها بعد مفاوضات صعبة استطاعت من خلالها اقناع تركيا بتأخير هجومها العسكري الأحادي ضد وحدات حماية الشعب الكردي من خلال إدخالها في نفق ” خطوات إنشاء المنطقة الآمنة”  أو ما سُمي ” ممر السلام”.                                                     

لا شك أن تركيا تعلمت دروساً قاسية من التأخر الأمريكي السابق في مثل هذه الاتفاقيات، خاصة في مدينة منبج قبل أكثر من عام عندما أدخلت الولايات المتحدة الأمريكية تركيا في دوامة تسيير الدوريات المشتركة على حدود المدينة ، مما دفع وزير الخارجية التركي “جاويش أوغلو” إلى التصريح بأن “تركيا لن تسمح للولايات المتحدة بتعطيل العملية في شرق الفرات كما فعلوا في “منبج” ، ومن جهة أخرى حذّر وزير الدفاع التركي “خلوصي أكار” من أن “تركيا متمسكة بمنطقة آمنة في شمال سوريا يتراوح عمقها بين 30 و 40 كيلومتراً ولن تتردد في اتخاذ إجراء عسكري إذا فشلت الولايات المتحدة في تلبية مطالبها و إجبار الأحزاب الانفصالية على الانسحاب منها، وهذا يدل على أن احتمال التوغل التركي لا يزال عالياً كما كان دائماً، بل ازداد الآن مع بدء ظهور فشل الخطة الأمريكية خصوصا بعد ورود عدة تقارير تثبت استمرار تزويد واشنطن لوحدات الحماية بالسلاح و المعدات اللوجستية .

  تركيا؛ بلغ السيل الزبا

استمرت العلاقة الجيدة بين ميليشيات الحماية والولايات المتحدة لأربع سنوات، وفي العديد من المناسبات  كانت تركيا تهدد بعمل عسكري ضد الميليشيات،  معبرة عن انزعاجها الشديد من تحالف واشنطن العلني لما تعتبره أكبر تهديد لأمنها القومي وخصوصا مع استمرار تزويد واشنطن حليفتها بالسلاح والمعدات إضافة إلى برامج التدريب المستمرة ؛ والآن ومع شراء منظومة S-400 فإنّ أنقرة تجاهلت التحذيرات الأمريكية، ويدل ذلك على أنها وصلت لآخر حدودها مع الولايات المتحدة الأمريكية وأن “السيل بلغ الزبا” لديها كما يقول المثل العربي ، وهذا يفسر تفكيرها الجدي بالعمل العسكري وأن الوقت قد حان لإنهاء هذا الملف مع إعطاء أولوية مطلقة لإنهائه سياسيا بالتعاون مع واشنطن.

 كيف تنظر موسكو إلى شرق الفرات:

موسكو المراقبة عن بعد لكل هذه التجاذبات في شرق الفرات ، طلبت أنقرة منها أن تدعم مطالبها في شرق الفرات تماماً كما فعلت قبل هجوم عفرين الناجح ضد ميليشيات الحماية في 2018م ، ليأتي الرد بشكل غير معتاد من العقيد الروسي “سيرجي رودسكوي” حين قال : “إن قوات الاحتلال الأمريكية تستولي على حقول النفط ومنشآته” في منطقة الجزيرة السورية،  وهم مستمرون في تدريب الجماعات الإرهابية” في الإشارة إلى الوحدات الكردية ،  وتجدر الإشارة إلى أن هذا التغيير في التصريحات الروسية بعد هبوط الطائرة التي تحمل أجزاء منظومة صواريخ s400 في أنقرة ؛ لتغلب سلطة المصالح على ملف شرق الفرات بالنسبة لموسكو .

 ردة فعل وحدات الحماية على التهديدات التركية

لا يوجد لدى الأحزاب الانفصالية أي خطة دفاع حقيقية عن المنطقة في حال بدأ الهجوم التركي، فالمنطقة كبيرة جغرافيا وعشائرها التي تشكل المكون السكاني الأساسي للمنطقة يدينون بالولاء للثورة والحليف التركي أكثر من الأحزاب وحلفائهم، وهذا يجعل من فرضية صد الهجوم أمرا أقرب للمستحيل إلا في بعض المدن ذات الغالبية الكردية كعين العرب مثلا.

تحاول الأحزاب كعادتها؛ استغلال التناقضات بين الدول المؤثرة في سوريا لخلق مظلة مؤقتة تحمي بها نفسها من الهجوم التركي، لذلك كلما شعرت باقتراب وجهات النظر التركية الأمريكية من بعضها البعض، تسارع إلى التقرب من موسكو ونظام الأسد من خلال تصريحات أصبحت أقرب ما تكون للهزلية مع اتفاق المؤثرين على كل شيء.

 الهجوم التركي أمر لا مفر منه 

أخيراً، ينبغي تحليل التوغل التركي المحتمل في شمال سوريا في سياق الوجود العسكري التركي في شمال العراق.

ففي السنوات الخمس الماضية، أقامت تركيا حوالي 13 قاعدة عسكرية في مناطق رئيسية مثل “دهوك” و”أربيل” و”السليمانية” و”زاهو”، مما يشير إلى أن الوجود التركي في شمال العراق طويل الأجل، يُضاف إلى ذلك التعزيزات العسكرية الضخمة التي أرسلتها أنقرة إلى حدودها الجنوبية المتاخمة لشرق الفرات.

إذا التوغل التركي شرق الفرات بات قاب قوسين أو أدنى ويصبح وشيكا عند انتهاء العسكريين الأتراك من مهمة التدرب على منظومة الصواريخ S 400، حيث ستعزز تركيا من قدراتها الدفاعية ضد أي ردات فعل عسكرية ضد أراضيها، والولايات المتحدة الأمريكية تدرك هذه الحقيقة ولكنها تستمر بالمراوغة لكسب أكبر فترة زمنية ممكنة في تأخير الهجوم لأسباب قد تكون مجهولة.

أنفاق قسد أنواعها وآلية إعدادها والأهداف المرجوة منها

أنفاق قسد أنواعها وآلية إعدادها والأهداف المرجوة منها

أنفاق قسد أنواعها وآلية إعدادها والأهداف المرجوة منها

تُشكل استراتيجية الأنفاق وآلية القتال المخفية تحت الأرض إعاقة حركية لأي جيش في العالم، وتعمل على تأمين الحركة والمباغتة والحماية في المناطق غير الصالحة لحرب العصابات التقليدية، ومجابهة التفوق العسكري عند الخصم، كما تنعكس آثارها السلبية على الخصم من خلال التأثير النفسي والمعنوي على عناصره، نظرا لاعتمادها مبدأ المفاجئة في مكان وزمان لا يتوقعهما، من خلال الإعداد لمواقع قتالية مجهولة، وفسح المجال للمقاتلين العمل في مجالين تحت الأرض وفوقها.

ضاقت الولايات الأمريكية المتحدة ذرعا من أنظمة الأنفاق الأرضية لمقاتلي الفيتكونغ، ولعبت دورا رئيسيا في انتصار فيتنام في الحرب، كما شكلت الأنفاق والممرات التي حُفرت داخل الجبال وتحت الأرض وحُصنت بأقوى أنواع الإسمنت المسلح، السلاح الأقوى في أيدي مسلحي الوحدات الكردية، والعائق الأكبر أمام تقدم كل من الجيش التركي والسوري الحر نحو وسط المدينة خلال معركة غصن الزيتون التي انطلقت بتاريخ 20 كانون الأول من العام 2018م.

بدأت قوات سورية الديمقراطية “قسد” بزيادة وتيرة العمل بتجهيز الأنفاق بعد انسحابها من مدينة عفرين وعدم قدرتها على الاحتفاظ بها، معتمدة في تنفيذ ذلك على ما أعلن التحالف الدولي عن تشكليه مطلع العام 2018م “قوة أمنية حدودية من قسد تتألف من 30 ألف مقاتل” لنشرها على طول الحدود السورية، وقَسمت قوات سورية الديمقراطية المنتسبين إلى تلك القوة إلى قسمين؛ فئة الشباب الذين لا تزيد أعمارهم عن عشرين عاما للقيام بمهام الحفر والتعزيل، وفئة كبار السن الذين كلفوا بمهمة مراقبة الحدود مع تركيا، ويتقاضى عناصر كلا الفئتين تعويضا ماليا يبلغ مقداره /200/ دولار شهريا، إضافة إلى العمال المدنيين الذين يعملون بأجر يومي ويشكلون الثلث من التعداد العام للفريق المكلف بهذه المهمة، وبذلك يصل عدد من يقومون بحفر هذه الأنفاق قرابة /2000/ بين منتمٍ لقسد، أو من خارجها وذلك بحسب مصادر محلية.

تنقسم الأنفاق التي تم الإشارة إلى منفذوها إلى قسمين الأول: الأنفاق المفتوحة و يتم حفرها في المناطق المكشوفة  بالآليات الثقيلة، ومن ثم تدعيمها بالإسمنت وتجهيزها بفتحات التهوية كمرحلة نهائية، ومن ثم تغطيتها بالتراب وتمويهها. أما النوع الثاني فهي الأنفاق المخبأة ويتخذون من المدارس والمدن والقرى مداخل لها ونقاطا للبدء بإنجازها، ويتم تدعيمها أيضا بالإسمنت المسلح وتجهيزها بفتحات للتهوية، ولا يتجاوز عرض الأنفاق بنوعيها  /2م/ وكذلك يبلغ ارتفاعها، إلا أن شبكة الأنفاق المذكورة يبلغ طولها مجتمعة ما يزيد عن /1500كم/. إلا أن الأنفاق في كل من القامشلي والمالكية وعامودا فهي كبيرة وواسعة وتسمح بدخول سيارة متوسطة الحجم، كما يُضاف للنوعين المذكورين الأنفاق الكبيرة المتواجدة في المدن التي اندحر منها تنظيم الدولة “داعش”.

تنتشر الأنفاق بشكل عام التي تقوم قوات سورية الديمقراطية منذ أكثر من عام بتجهيزها في كافة المناطق والمدن الخاضعة لسيطرتها، وبشكل خاص في القرى المحاذية للحدود التركية و التي يقطنها مواطنون أكراد، ويعتبر أهمها النفق الذي يتم حفره في القامشلي في الجهة المقابلة لمدينة نصيبين التي تقع ضمن الحدود التركية على عمق يزيد عن خمسة عشر مترا بهدف الوصول إلى مدينة نصيبين، إضافة إلى عدد من الأنفاق في المنطقة الصناعية في مدينة القامشلي وقد تم نصب خيمة عند مدخل كل واحد منها وهي لا تبعد أكثر من 1 كم عن الحدود التركية، كما تتواجد الأنفاق في المدن الخاضعة لسيطرتهم حيث يوجد مثلا في مدينة القحطانية أربع أنفاق تربط كل من الفوج التابع لقوات سورية الديمقراطية ويقع غرب المدينة، والمركز الثقافي، ومبنى الأمن العسكري في المدينة الذي كان سابقا يتبع للنظام وتستخدمه قسد حاليا كواحد من مقراتها القيادية، ومدرسة عبد القادر الجزائري للتعليم الأساسي وهي إحدى مقرات قسد أيضا.

إن الأنفاق وبناء على المعلومات السابقة تهدف قسد من ورائها إلى تحقيق أمرين، يتمثل الأول في استمرار الاتصال والتواصل وقت الحرب وتتواجد فيها قيادة تلك القوات، وتحتوي مراكز قيادة وسيطرة لإدارة عملياتها العسكرية المحتملة، وتوزيع المهام على المقاتلين. أما الثاني لتحقيق مبدأ التماس مع العدو وتنفيذ المناورة فيها لأطول فترة ممكنة، والقيام بالمهمات الكبيرة والالتفاف حول القوة العسكرية المقابلة، ومواجهة قوات الخصم بشكلٍ يحقق مبدأ المفاجئة، وتنفيذ ما يمكن تسميته بالكمين المستور. وتزود تلك الأنفاق بجميع الاحتياجات من طعام وشراب وذخائر ومعدات للصيانة بهدف البقاء فيها لأطول فترة ممكنة.

تعد استراتيجية حفر الأنفاق تكتيكا أو أسلوبا حربيا يتم اللجوء إليه عند الضرورة الملحة، ومن الممكن أن يتحول إلى سلاح استراتيجي قادر على قلب موازين القوى، وصياغة معادلات صراع جديدة تصنع التفوق إذا ما توفرت عوامل التماسك لدى الطرف الذي اعتمد تلك الاستراتيجية، وهو ما لا يتوفر لدى قوات سورية الديمقراطية التي تشهد المنطقة التي تسيطر عليها انفلاتا أمنيا ملحوظا وخاصة في مدينة دير الزور، وتنتشر فيها حالات الخطف والاعتقال والاغتيال، كما تشهد في الوقت نفسه استنفارا كاملا وخاصة في مدن تل أبيض وسلوك والقرى القريبة منهما بريف الرقة الشمالي، ومدينة رأس العين في الحسكة، لدرجة العمل على تسيير دوريات بالدراجات النارية، الأمر الذي يعكس التخوف الكبير الذي يكتنف قسد وقادتها من الحرب التي تلوح في الأفق نظرا لبدء العد التنازلي للعملية العسكرية الكبيرة ضد “قوات سوريا الديمقراطية” شرقي الفرات وفق ما نشرته صحيفة “يني عقد”، وغياب العقيدة القتالية الذي يعكسه الانقسام الحاد داخل صفوف متزعمي “قسد” حيث يسعى قسم من القيادات الكردية والعربية السورية تجنب المواجهة مع الجيش التركي وفصائل المعارضة السورية وتجنب سيناريو مدينة عفرين، بينما يلقى هذا الأمر اعتراضا من القيادات غير السورية التابعة لحزب “العمال الكردستاني” وتحديدا من “جبال قنديل”.

كيف انهارت حركة أحرار الشام؟

كيف انهارت حركة أحرار الشام؟

تعتبر حركة أحرار الشام النموذج الأهم لتجربة الفصائل الإسلامية في سوريا وتحولاتها وصراعاتها، وبدا ‏مفاجئاً انهيار الحركة السريع أمام حملة هيئة تحرير الشام منذ 18/7/2017 والتي انتهت بتوقيع اتفاق 21 تموز ‏وخروج قيادة الحركة من معبر باب الهوى المحاصر بعد التزام أغلب مجموعات الحركة الحياد، و أصبح هذا ‏اليوم تحولاً مفصلياً في تاريخ الحركة وتتويجاً لحملة جبهة النصرة على فصائل الجيش الحر، ورغم العوامل ‏الأيديولوجية والسياسية التي لعبت دورها في هذا الصراع الطويل، إلا أنه كان للعوامل المناطقية وأزمات قيادية ‏وطريقة إدارة المعركة دور حاسم في هذه المعركة والتي تؤثر نتيجتها على مستقبل إدلب والثورة ككل وليس على ‏حركة أحرار الشام التي تلقت ضربة قد تكون أقسى من حادثة رام حمدان 9/9/2014م.‏

المقدمة

أثار الانهيار المفاجئ لحركة أحرار الشام الإسلامية أمام هيئة تحرير الشام (مكونها الرئيس جبهة فتح الشام، جبهة النصرة سابقاً) استغراباً من المراقبين، بحكم أن الحركة كانت ذات امتداد جغرافي وعدد مقاتلين وعتاد أضخم مما لدى هيئة تحرير الشام، إضافة لتأييد الحاضنة الاجتماعية لها كخيار محلي ومعتدل وقريب من الثورة الشعبية في وجه جبهة النصرة التي كانت تنتمي رسمياً إلى تنظيم القاعدة حتى زمن قريب قبل أن تصبح جبهة فتح الشام ثم تتحالف مع فصائل أخرى وتصبح هيئة تحرير الشام، مع بقاء القيادة الفعلية بيد الجولاني.

ومنذ قيام هيئة تحرير الشام في 28/1/2017م، كانت الاشتباكات متواترة ومتكررة بين هتش وأحرار الشام، ولكن ضمن مناطق محدودة، رغم توقع أحرار الشام أنهم هدف لحرب شاملة تستهدف معبر باب الهوى خاصة، وقد كانت حملة التحولات الأخيرة التي قامت بها أحرار الشام من الأسباب التي عجلت هذه الحملة التي نجح فيها الجولاني بفرض هيمنته العسكرية على إدلب.

تحولات الأحرار نحو الأخضر

فبعد جدل أخذ سنوات حسمت أحرار الشام أمرها وتبنت علم الاستقلال الأخضر، الذي يعتبر شعاراً للثورة المحلية يرفضه الجهاديون الذين يرفعون رايات سوداء بشعار التوحيد، وانتشرت حملة شعبية لرفع الأعلام الخضراء في مناطق ريف إدلب، وهي حملة سميت “إدلب خضراء”، لإثبات الهوية الثورية المحلية لهذه المناطق، ما اعتبرته هتش وأنصارها محاربة لنفوذها.

وبعدها أعلنت أحرار الشام تبنيها للقانون العربي الموحد، وهو الأمر الذي كان محرماً في الوسط الجهادي سابقاً، بسبب رفضهم لاعتماد قوانين مكتوبة، خاصة كونه صادراً عن جامعة الدول العربية. وتوجت أحرار الشام مسيرتها الجديدة نحو “الأخضر” بإعلان مبادرة لإنشاء إدارة مدنية للشمال السوري تعتمد علم الاستقلال شعاراً لها وتقتصر على السوريين والقوى غير المصنفة دولياً، وهو ما اعتبره الجولاني تهديداً مباشراً بإقصائه من المعادلة.

كان مما سمح بسلسلة التحولات هذه بعد الزحف البطيء الطويل نحو الأخضر، هو خروج القسم الأكبر من التيار المتشدد من أحرار الشام وانتقالهم إلى هتش، ولكن قبل ذلك سمح به حالة ضمور الأيديولوجيا التي أصابت الحركة تدريجياً بعد مقتل قادتها الأوائل وغياب المنظّرين، وهي حالة ليست منفصلة عن الحالة العامة للفصائل والوسط الثوري بعد فترة من طغيان الخطاب المتشدد خلال 2013م، ورافق ذلك أن قيادة الحركة الحالية معظمها جديد على الأحرار ولا يتبع له كتل عسكرية خاصة به، يمكن ملاحظة أن قائد الأحرار علي العمر من تفتناز ونائبه جابر علي باشا من بنش ونائبه الآخر أنس نجيب من أطمة ، وكل هذه المناطق بقيت على الحياد في المعركة، بينما قاتلت ألوية الغاب وصقور الشام.

حملة منتظرة واستعداد غائب

في يوم (14 تموز) هاجمت هتش مواقع أحرار الشام في تل طوقان (تل شرق سراقب ومشرف على الطريق الدولي) وفي جبل الزاوية، ورغم سقوط التل بيد هتش إلا أن مؤازرة الأحرار حول سراقب ساعدت في عقد اتفاقية تهدئة في الليلة نفسها، أو من جانب آخر فإن الهجمة كانت محاولة ليستكشف الجولاني مدى مقاومة مجموعات الأحرار وتحركها معاً، كان هذا طبعاً بعد قرابة ثلاثة أشهر من الاستنفار المستمر بين الحركة والهيئة، الأمر الذي اعتبره أعضاء في الأحرار استنزافاً للحركة أسهم في فشلها الأخير.

في 18 تموز تجدد هجوم هتش على محاور متعددة، من جبل الزاوية جنوباً إلى سراقب في الوسط إلى ريف إدلب الشمالي، وكان امتداد الأحرار الجغرافي وعددهم الكبير والحاضنة المحلية للوهلة الأولى يبدو عائقاً أمام الجولاني ومصدر قوة للأحرار، ولكن بعد ثلاثة أيام أصبحت قيادة أحرار الشام محاصرة داخل معبر باب الهوى وتوقع اتفاقية خروجها من المعبر، فيما بدا أشبه باستسلام وتفكك للحركة، فما الذي حدث ؟!

استطاع أحرا ر الشام في جبل الزاوية (صقور الشام) وفي سهل الغاب وجبل شحشبو في ريف حماة أن يتقدموا على هتش ويطردوهم من مناطقهم، وتحركت قوة من تل طوقان لمحاولة اقتحام سراقب التي شهدت مظاهرات مدنية للمجتمع المحلي ضد جبهة النصرة، وهو ما انتهى باتفاقية لخروج الأحرار والنصرة من المدينة، ولكن بعد أسر “أبي عزام سراقب” أحد قياديي الحركة، وتم تحييد سراقب.

كانت جرجناز محاصرة أيضاً، وهي أحد المعاقل المناهضة لجبهة النصرة، والتي تضم لواء جند السنة في الأحرار وقائده حسام سلامة صاحب الموقف القوي ضد الجهاديين، وأدى أسر “أبي عزام سراقب” والتخوف من اقتحام جرجناز إلى عقد اتفاق بتحييد “قاطع البادية” وإعلان مبايعة شكلية من قائده أبي البراء معرشمارين للهيئة، وهو يضم ريف إدلب الجنوبي وريف حلب الجنوبي، وكان أحد أكبر كتل أحرار الشام، وفرض الجولاني بذلك سيطرته على الطريق الدولي، وعزل جبل الزاوية وسهل الغاب وشحشبو عن إرسال مؤازرات نحو الشمال.

في مناطق ريف إدلب الشمالي، والتي تعتبر تقليدياً من معاقل أحرار الشام وقوتها البشرية، فقد شهدت معظم البلدات عملية تحييد للمنطقة وعدم إدخالها في الاقتتال سواء باتفاق معلن أو ضمنياً، رغم وجود مجموعات صغيرة لهتش مقارنة بأحرار الشام في معظمها، مثل بنش وتفتناز وطعوم وكللي وغيرها، بينما شهدت مناطق أخرى معارك معزولة عن البقية مثل حارم (من أهم مراكز النصرة ومعسكراتها هجم الأحرار عليها ولكن انسحبوا) وسلقين (اقتحمتها النصرة مع التركستان وطردوا الأحرار) وبلدتي معرة مصرين ورام حمدان (معقل لواء بدر في الأحرار واستطاعوا منع هتش من اقتحامها ولكن سيطروا عليها بعد الاتفاق).

وفي ريف حلب الغربي، أحد أهم معاقل الجيش الحر المناهضة للطيف الجهادي، كان انشقاق حركة الزنكي عن هتش (وهو أكبر فصيل فيها بعد النصرة) عامل قوة معنوي لصالح الأحرار، كما أن قسماً كبيراً من مجموعات الفصائل التي هاجمتها جبهة النصرة -وقت الأستانة يناير 2017- كان قد انضم إلى أحرار الشام، خاصة ثوار الشام ومجموعات من جيش المجاهدين والشامية، وكان هناك محاولة من هتش لاقتحام بلدة الأتارب (معقل حركة حزم سابقاً) واجهتها مظاهرات مدنية، ولكن لم تتمكن أحرار الشام من حشد مجموعاتها هناك (سواء الأصلية أو التي انضمت إليها بداية العام أو مجموعات الجيش الحر المناهضة للنصرة) لمؤازرتها في إدلب ولا للهجوم على مواقع هتش في الريف الغربي، رغم توقعها الهجوم مسبقاً، كانت تحالفاتها في المنطقة هشة، وربما لم تحاول أن تجعلها متينة حتى.

ولم يكن هذا أول التحالفات الفاشلة التي عقدتها الأحرار، ففي وقت سابق انضم تجمع فاستقم وجيش الإسلام في الشمال إلى أحرار الشام أيضاً بعد الهجوم الذي تلا الأستانة، وكانت مقراتهم في بابسقا ولديهم تجارب قتالية سابقة ضد الجهاديين (داعش، جند الأقصى، جبهة النصرة)، ولكن بعد تهديد الجولاني لقيادة الأحرار بأنه سيهجم على بابسقا بسبب عدم قناعته أن هذه المجموعات من الأحرار، تولت أحرار الشام بنفسها الهجوم على هذه المجموعات وتفكيكها والسيطرة على مقراتها وطرد قياداتها إلا قسما من جيش الإسلام فقط بقي في بابسقا، فساعد ذلك الجولاني في السيطرة على المنطقة لاحقاً.
بعد قطع طريق سهل الغاب وجبل الزاوية وتحييد ريف إدلب الجنوبي وقرى ريف إدلب الشمالي و إشغال المؤازرات المحتملة بمعارك معزولة، تركز هجوم الجولاني على المنطقة المحيطة بباب الهوى، حيث تمثل بلدتا الدانا وسرمدا شريان المعبر، وتمثل عقربات وبابسقا التلال الحامية له، فبعد سيطرة الأحرار على الدانا وسرمدا في اليوم الأول (18 تموز)، تمكنت هتش في اليوم الثاني من السيطرة على الدانا بسهولة، وتمكنت بعد اشتباكات من السيطرة على سرمدا، البلدة الملاصقة للمعبر، وبدأت بهجومها نحو التلال المحيطة بالمعبر يوم 20 تموز، واستمرت محاولاتها السيطرة على التلال طيلة الليلة لتسقط المواقع تباعاً حتى صباح 21/7 (عقربات، نقطة 106، جبل ومعسكرات بابسقا)، وانحصر وجود الأحرار في معبر باب الهوى، لتبدأ مفاوضات التسليم.

إدارة الجولاني للمعركة

رغم انشقاق الزنكي عن هتش يوم الهجوم على الأحرار وتعليق مجموعات أخرى عملها قبل ذلك، خاصة المنشقين من أحرار الشام إلى هتش، وكذلك رفض قطاعات ضمن هتش المشاركة في القتال ضد الأحرار سابقاً، مثل قسم كبير من مقاتلي المنطقة الشرقية، وتعليق الشرعي السعودي عبد المحيسني أنه لا يقبل فتوى قتال الأحرار الصادرة عن المكتب الشرعي في هتش، وهو ما بدا تفككاً مركباً ينخر مشروع الجولاني، إلا أنه تمكن من المضي في معركته الأكبر حتى الانتصار فيها وفرض شروطه.

في الحقيقة فقد كانت رأس حربة الجولاني في حملته ضد أحرار الشام هو “جيش النصرة”، وهو تنظيم عسكري صلب داخل جبهة النصرة، يقوده أبو حسين الأردني، وهو طبيب شاب أردني من أصل فلسطيني اسمه محمد حسين الخطيب، مع تعبئة شرعية من الشرعيين المصريين المنشقين عن أحرار الشام، طلحة المسير وأبو اليقظان المصري وأبو الفتح الفرغلي، إضافة لـ “الزبير الغزي” والشرعي العام عبد الرحمن عطون (سوري)، واستعان الجولاني بمجموعات من المقاتلين الأجانب كانت هي رأس الحربة في الحملة المضادة على ريف إدلب في اليوم الثاني (من سراقب وحتى سرمدا)،وخاصة الصينيين التركستان الذين اقتحموا سلقين، مستغلاً المخزون الأيديولوجي الأكثر صلابة لديهم والتخويف من أن أحرار الشام والفصائل الأخرى تنوي طردهم بسبب العملية السياسية، وربما يقدّر عدد القوة التي حركها الجولاني في حملته ضد أحرار الشام بأقلّ من 1500 مقاتل.

استطاع الجولاني إدارة المعركة على مساحات واسعة، عبر تحييد مناطق تعتبر حواضنا للأحرار عن القتال لأسباب مناطقية غالباً من المجموعات التي فيها، أو عبر علاقات مع وجهاء المنطقة والتخويف من حصول اقتتال داخلها، خاصة في قطاع البادية وريف إدلب الشمالي، وتمكن من السيطرة على عقد الطرق في سراقب ودارة عزة وحارم لتسيير قوته، وإشغال مناطق قوة الأحرار بمعارك معزولة عن مركز المعركة الذي أراده –وأراده الأحرار للمفارقة- في معبر باب الهوى حيث قيادة أحرار الشام، مستفيداً بلا شك من العمل الأمني السابق واختراق الأحرار أنفسهم.

إدارة أحرار الشام للمعركة

بالمقارنة، فإن أحرار الشام رغم الامتداد الجغرافي الكبير والأعداد الكبيرة التي كانت تتباهى بها الحركة، وتأييد الحاضنة الشعبية لها بوجه النصرة، لكنها بقيت مجموعة من الكتائب المناطقية يربط بينها اسم الحركة، ولم تعمل الحركة على قوة عسكرية مركزية حرة الحركة شبيهة بـ “جيش النصرة” لدى الجولاني، فيما عدا القوة التي تمركزت في منطقة باب الهوى وتكونت من مقاتلين من الغاب ولواء الإيمان حماة وكتيبة المعبر (حوالي 800 مقاتل)، ولم تتمكن أحرار الشام من دمج فصائل الجيش الحر المنضمة إليها في بنيتها ولا الاستفادة من عداوتها للنصرة، بقدر ما قضت بنفسها على بعضها في مناطق هي الهدف الأول لجبهة النصرة مثل بابسقا، أو أبقت تحالفات اسمية مثل مجموعات ريف حلب الغربي، ولا استطاعت تحريك مجموعاتها أو مجموعات مناصرة أيضاً، وافتقدت للقيادة العسكرية المركزية التي تستطيع الحشد والتعبئة وتحريك المجموعات، بدت أحرار الشام في المعركة مجموعة غير مترابطة من الكتائب لا تعمل باستراتيجية موحدة، وتحمل عبء القتال مجموعة الصقور في جبل الزاوية الشرقي ومجموعات سهل الغاب في ريف حماة، وهم الذين أصبحوا الهدف القادم للجولاني بعد هزيمة الحركة.

بعد أعوام من صراع الصبغتين الثورية والجهادية في هوية الأحرار ومواقفها، حسمت هويتها الثورية المحلية والمعتدلة على مستوى الخطاب، ولكن دون أن تتحول لمؤسسة صلبة تنظيمياً أو أن تبني قوة عسكرية مركزية، أو أن تستفيد حقاً من حلفائها وتشارك فصائل الجيش الحر التي انضمت إليها أو شبكات المناصرين الثورية، واقتنعت بتفوقها حسب الامتداد الجغرافي والعدد الكبير دون تنظيمه وقيادته، لقد ماتت الأيديولوجية القديمة مع التباسها ولكن دون بناء المشروع الجديد تنظيمياً أو على مستوى قواعد الحركة وحلفائها، ما سهّل القرارات المنفردة والمناطقية وغياب التنسيق والحياد، وكان فشل القيادة الرهيب في المعركة تتويجاً لمسيرة طويلة من تردد الحركة وهويتها القلقة وخسارة الحلفاء المحليين أو الإقليميين.

مؤازرات الدرع

كان مطروحا منذ يوم الهجوم الأول أن تنتقل مجموعات من فصائل الجيش الحر في ريف حلب الشمالي والشرقي (مناطق درع الفرات) إلى إدلب لتؤازر الأحرار في معركتها، وأبلغت الإدارة التركية الفصائل بذلك، والتي جهزت أعدادها وآلياتها للمؤازرة، ولكن لم تذهب سوى مجموعة من أحرار الشام في جرابلس، مع بقاء المجموعات الأخرى تنتظر الإذن التركي مع اقتراب المعارك من معبر باب الهوى، ولكن السقوط السريع لمعبر باب الهوى حسم موضوع إلغاء (أو تأجيل) المؤازرات، وهو ما فسره البعض بموقف أحرار الشام الرافض للأستانة رغم الطلب والضغط التركي، ما لم يشجع تركيا على إنقاذ الأحرار، أو أن انتهاء الأحرار قد يكون مبرراً أكبر للتدخل لاحقاً.

ما بعد الاتفاق

في 21 تموز تم توقيع اتفاق بين أحرار الشام وهتش، وقيل إن الجولاني حضر الاجتماع، قضى الاتفاق بخروج أحرار الشام من معبر باب الهوى وعدم عودتهم للمناطق التي انسحبوا منها ووقف إطلاق النار والإفراج عن المعتقلين بين الطرفين، ورغم أن الاتفاق هو أشبه باستسلام فعلاً، إلا أنه بدا أقلّ مما يمكن للجولاني فرضه بعد انتصاره في المعركة بتحييد أغلب مجموعات الأحرار أو عزلها مناطقياً وحصار قيادتهم في المعبر، كان الجولاني مهتماً أكثر بتثبيت مكتسباته والتقدم بمشروع “الإدارة المدنية” للشمال تحت مظلته العسكرية، وإن تنازل عن حلّ الأحرار علنياً فقد استمر بتطبيق حلّها عملياً، حيث سيطر على معبر أطمة وخربة الجوز بعد باب الهوى وتقدم على مناطق ومستودعات الأحرار في ريف إدلب الشمالي تباعاً بعد الاتفاق، في رام حمدان ومعرة مصرين ودارة عزة وكفروما وترمانين وغيرها، رغم حصول اشتباكات عنيفة في رام حمدان قبل التسليم، وحصول اشتباكات وسلسلة انفجارات في مدينة إدلب، إلى حين توقيع اتفاق آخر بدأ بعده خروج قيادة أحرار الشام إلى مناطق في إدلب وحماة أو إلى مناطق درع الفرات، ولكن دون أن يعني ذلك توقف تمدد الجولاني على ميراث أحرار الشام والمؤسسات المدنية التي كانت محمية منها، ولا تخليه عن استكمال حملته ضد رأس الحربة التي قاتلته حقاً في سهل الغاب وجبل الزاوية.

خاتمة

في 1 آب، أعلن مجلس شورى أحرار الشام تعيين حسن صوفان في منصب القائد الجديد لحركة أحرار الشام الإسلامية، كان حسن صوفان معروفاً طيلة السنوات السابقة باسم “شادي المهدي” على موقع تويتر، وخرج من السجن بصفقة تبادل نهاية 2016م بعد قرابة 12 عاماً في سجون نظام الأسد، وكان مشاركاً في أحداث سجن صيدنايا ومعروفا في الوسط الجهادي، وكان يحظى باحترام واسع من قبل قيادة أحرار الشام الأولى، ورغم مؤهلات الرجل الشرعية وموقعه المحترم و”المعتدل” ضمن الوسط الجهادي وموقفه النقدي المبكر من تنظيم القاعدة وداعش، إلا أنه يبدو بمثابة عودة خطوة للخلف لدى أحرار الشام ومحاولة لتمتين الجانب الأيديولوجي واستعادة الشرعية والتحصين الشرعي ووجود قيادة كاريزمية (…الخ)، ولكن الحركة بكل الأحوال تبدو -كما كانت- تلعب بالأوراق القديمة بزمن جديد تجاوز هذه الأوراق وربما تجاوز الحركة أيضاً.

لقد كانت ثلاثة أيام غيرت خارطة إدلب ومستقبلها، وكتبت تحولاً مفصلياً في مسيرة الصراع الفصائلي والأيديولوجي في المشهد السوري، وكان 21/7/2017م ضربة أخرى لمشروع حركة أحرار الشام الإسلامية قد تكون أقسى من التي تلقتها يوم 9/9/2014م وقامت بعدها، ولكن هل تقوم الآن؟

قواعد اشتباك جديدة غير معلنة بعد اتفاق مناطق خفض التصعيد

قواعد اشتباك جديدة غير معلنة بعد اتفاق مناطق خفض التصعيد

قواعد اشتباك جديدة غير معلنة بعد اتفاق مناطق خفض التصعيد

بدأت عدة فصائل مطلع العام الجاري معارك متفرقة ضد تنظيم الدولة” ISIS” بدعم من التحالف الدولي بهدف تقطيع أوصال مناطق التنظيم في الشمال والشرق السوري، وفصلها عن المناطق الأخرى في الجنوب، والوصول إلى مدينة دير الزور  انطلاقاً من بعض المناطق الحدودية السورية- الأردنية- العراقية.

وقد سيطرت هذه الفصائل سابقا عقب معركة “سرجنا الجياد لتطهير الحماد” التي أطلقتها في شهر آذار الماضي، بهدف فتح الطريق إلى منطقة القلمون الشرقي المحاصر من قِبل قوات النظام السوري، وتنظيم الدولة (Isis) معًا، على مساحات واسعة من  البادية السورية الممتدة على ريفي دمشق والسويداء، ومنطقة القلمون الشرقي في ريف دمشق.

تعتبر البادية السورية جسرا يُمكّن من يسيطر عليه أن يبسط نفوذه على عقدة الطرق الرئيسة باتجاه خمس محافظات هي ريف دمشق ” القلمون الشرقي” ريف حمص الشرقي ،ريف حماة الشرقي ،ريف الرقة الجنوبي وريف دير الزور الجنوبي، بالإضافة إلى الحدود العراقية السورية، كما تؤثر بشكل كبير على تموضع التنظيم وتشل حركته وتقطع أوصاله بين العراق وسوريا، وتضرب عقدة تحركات النظام في الجغرافية السورية.

بدأت ملامح ظهور استراتيجية الإدارة الأميركية الجديدة إثر استهداف مطار الشعيرات صاروخيا، والذي اتخذته إيران   قاعدة مهمة لها لإدارة عملياتها في سوريا والعراق أيضا، وفق ما ذكرت وكالة “آكي” الإيطالية، كما يحتوي على قسم مخصص للقوات الروسية  لم يتعرض للقصف بالصواريخ الأميركية وفق ما صرحت به وزارة الدفاع الأميركية، وما تحركها العسكري المكثف في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة عبر المشاركة في هجوم قوات سوريا الديمقراطية في محافظة الرقة، والقيام بغارات وتنفيذ عمليات إنزال قوات ضد مواقع لـتنظيم الدولة (Isis) في محافظة دير الزور، ونشر قوات على الحدود السورية التركية في محافظة الحسكة، مع الاستعداد لإرسال تعزيزات عسكرية وفق ما قاله روبرت فورد السفير الأميركي السابق في سوريا إلا تأكيدا على السير قدما في هذه الاستراتيجية.

وأعطى الإعلان عن اتفاق مناطق خفض التصعيد الذي تم إنجازه في أستانة وبدأ سريانه في السادس من شهر أيار 2017م بمبادرة روسية – تركية وإيرانية أريحية لقوات النظام (الفيلق الخامس) وأعوانها من الميليشيات الإيرانية (حزب الله، حركة النجباء، الفاطميون الأفغان، الزينبيون، الباكستانيون … الخ) حيث بدأت بالتوغل إلى عمق البادية السورية للمرة الأولى منذ بداية الثورة السورية، تزامنا مع تطورات ميدانية متسارعة في منطقة المثلث الاستراتيجي المشرف على طريق دمشق بغداد، وتسارع تحركات فصائل المعارضة السورية المدعومة  من القوات الخاصة الأميركية والنرويجية من قاعدتهم في بلدة التنف الحدودية لبسط السيطرة على البادية والتوجه إلى محافظة دير الزور ، ويهدف النظام وحلفاؤه لتحقيق ما يلي:

1 – قطع الطريق على أي توجه أميركي تنفذه فصائل المعارضة السورية (أحرار الشرقية، جيش أسود الشرقية، جيش مغاوير الثورة. لواء شهداء القريتين) لبسط السيطرة على البادية وانطلاقها نحو محافظة دير الزور.

2 – محاولة قوات النظام الوصول إلى معبر التنف الحدودي مع العراق لفتح “طريق دمشق – بغداد”، ولاحقاً خط “طهران – دمشق”. حيث تستخدم طهران طريق يمر من إيران باتجاه الأراضي العراقية ثم يدخل الأراضي السورية باتجاه حلب إلى اللاذقية، إلا أن زيادة الوجود الأمريكي شمال سورية دفعها على تعديل المسار القديم ونقل الممر 220 كم جنوبا بهدف احتلال مدينة الميادين في دير الزور ثم وصلها بمدينة البعاج العراقية، وذلك ما يفسر تحرّك ميليشيا الحشد الشعبي نحو الحدود السورية العراقية، للسيطرة عليها من الجهة الأخرى، واقترابه من مدينة البعاج العراقية، وهو  _ أي الحشد  _ يخوض المعركة بالتعاون مع الأميركيين في العراق ضد تنظيم الدولة، بينما يتحرّك حالياً لحماية النفوذ الإيراني على الحدود السورية، ومن ثم وصل منطقة البعاج العراقية بمدينة دير الزور  ومنها إلى دمشق ومنها إلى الساحل بوابة المتوسط حيث يضمن هذا الممر طريق إمداد لإيران بديلا عن مياه الخليج التي تخضع للمراقبة المشددة[1].

 3 – باتت إيران وميليشياتها وفي مقدمتها حزب الله اللبناني تعتمد على مخططات استراتيجية تمكنها من تقديم نفسها وأذرعها العسكرية على أنها شريك قوي وخيار صحيح في مواجهة الإرهاب المتمثل بتنظيم الدولة (Isis) وتقف إلى جانب الدول العظمى في مواجهته في سوريا من خلال التماهي مع التركيز السياسي والإعلامي الدولي على تلك المنطقة المهمة وضرورة تحريرها من التنظيم  (Isis) من جانب، وتكرار التصريحات الصادرة في الآونة الأخيرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأركان إدارته، من وزير الخارجية تيلرسون ووزير الدفاع ماتيس ومستشار الأمن القومي ما كماستر وسفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة نيكي هيلي، التي تحدثت عن تركيز الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط على ثلاث محاور، أولها، محاربة جماعات الإرهاب، وخاصة تنظيم الدولة في سورية والعراق.

من جانب آخر ،

  أعلن الطيران الأمريكي في 18 أيار 2017م عن قصفه لقوات حليفة للجيش السوري لدى تقدمها نحو التنف، نقطة الحدود الثلاثية السورية-الأردنية-العراقية – في منطقة «الشحمة» شمال معبر التنف في خطوة تُظهر أن التحرك العسكري الأميركي في تلك المناطق، والمناطق المرتبطة بمعركة الرقة شمالا، يجري وفق تفاهمات عسكرية بين واشنطن وموسكو، وأن إدانة روسيا لغارات التحالف قرب التنف لا يعدو كونه تمرينا دبلوماسيا روتينيا لا يخرق هذه التفاهمات، خاصة أن مصادر أمريكية صرحت أن محاولات وقف القافلة شملت اتصالا مع الروس تلاه استعراض للقوة فوق تجمع الآليات، قبل توجيه النيران باتجاهها. ولم تلجأ إلى ضرب القافلة “إلا بعد أن باءت محاولات روسيا لثنيها عن التحرك جنوبا باتجاه التنف بالفشل”، وهو على غرار ما جرى أثناء الاستهداف الصاروخي لقاعدة الشعيرات الجوية في السابع من نيسان 2017م، ما يدل على أن نقاط الخلاف الاستراتيجية بين روسيا وإيران عادت تطفو على السطح من جديد، فروسيا ترى إيران على أنها حليفٌ سياسيٌ وأمنيٌ مضاد لنفوذ القطب الغربي، وتقيم معها تحالفًا عسكريًا وسياسيًا في سوريا، وتسعيان معًا لتحويله إلى “عمودٍ” ترتكزان عليه في مواجهتهما للغرب، إلا أن الخلاف الجيو ـ اقتصادي يمثل نقطة اشتباك رئيسية تحتاج لحل وسط بينهما، ويتمثل الخلاف باتفاق عقدته إيران في تموز 2010م مع كل من العراق وسوريا لتنفيذ مشروع خط الغاز الإسلامي الذي يمثل أحد أكبر مشاريعها الاستراتيجية لتصدير غازها الطبيعي إلى العراق  ومنها إلى سوريا ولبنان و أوروبا مستقبلا، وتمت الموافقة على المشروع في آذار 2013م رغم الحرب التي تعصف بسوريا، ومن هنا يمكن استيعاب الإصرار الإيراني بمشاركة عراقية مباشرة، على وأد الثورة السورية والإبقاء على النظام السوري قائمًا، عبر التمعن في الميزة الجيو سياسية والاقتصادية التي تمثلها الجغرافيا السورية بالنسبة لهما، إلا أن احتلال روسيا للقرم وفرض الاتحاد الأوربي عقوبات اقتصادية عليها وتوصل إيران إلى اتفاق نهائي مع النظام السوري بشأن مد الخط الإسلامي” الفارسي” هو ما دفعها للتدخل عسكريا في سوريا ومحاولة تقليص دور إيران وميليشياتها، وبناء على ذلك يبدو أن الطرفين سيواصلان تنافسهما السياسي والميداني البارز على الجغرافيا السورية.   

[1] نون بوست – عماد عنان – كيف أجبرت أمريكا الإيرانيين على تغيير ممرهم البري إلى البحر المتوسط؟ http://www.noonpost.org/content/18044