Category: الملف الاقتصادي

زيارة نائب رئيس الوزراء الروسي لسورية تعميق للتعاون أم ترسيخ للسيطرة

زيارة نائب رئيس الوزراء الروسي لسورية تعميق للتعاون أم ترسيخ للسيطرة

زيارة نائب رئيس الوزراء الروسي دميتري روغوزين لتعميق التعاون أم لترسيخ سيطرة اقتصادية

بعد اللقاء الذي جمع الأسد مع دميتري روغوزين، نائب رئيس الوزراء الروسي، يوم الإثنين الماضي قال الأسد “أن الظروف باتت مؤاتيه لتسريع عملية إعادة الإعمار، ما من شأنه فتح آفاق اقتصادية واسعة، وتعميق التعاون بين سوريا وروسيا.”

ولكن كيف يكون تعاون وآفاق مشتركة والمستفيد طرف واحد هو روسيا من هذه العملية، واللافت في المسألة أن روسيا لا تخفي كونها الطرف المستفيد الوحيد من هذا التعاون المزعوم، وهذا ما صرح به جهارا نائب رئيس الوزراء الروسي عندما قال “اليوم القيادة السورية تريد العمل مع روسيا، حصريا فيما يخص إعادة إعمار جميع المنشآت في مجال الطاقة في البلاد. اليوم السيد الرئيس بشار الأسد قال إنه لا توجد لدى سوريا رغبة بالعمل مع شركات تلك البلدان التي خانت دمشق في لحظة ما”.

فكلمة – حصريا – تدل على احتكار الروس لعملية إعادة الإعمار ـ ليس إعادة الإعمار فحسب، بل جميع المفاصل الحيوية في سوريا، لذلك نجد أن (دميتري) صحب معه نواب وزراء الخارجية والدفاع والتنمية الاقتصادية والطاقة والنقل والصناعة والتجارة ومدراء عدد من أهم الشركات الروسية. وهذا ما صرحت به الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية العربية السورية، على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، وجاء فيها ((بحَث اللقاء العلاقات الوثيقة والمتجذّرة بين موسكو ودمشق، وآفاق تعزيز التعاون الاقتصادي ولا سيما في مجال الطاقة، بما فيها النفط والغاز، والفوسفات، والكهرباء، والصناعات البتروكيماوية، ومجال النقل والتجارة والصناعة)).

إذاً نستطيع القول بأن سوريا بيعت بالكامل لروسيا، ليست ثرواتها فحسب، بل وحتى استثماراتها ويتعدى ذلك كله إلى لقمة عيش المواطن السوري الذي سيتحكم به الروسي إذا ما تم له ما يسعى له.

ما كان يُنتظر قدوم دميتري إلى سوريا وتصريحاته الأخيرة حتى يثبت أن العلاقة بين سوريا وروسيا اقتصاديا إنما هي استعمار وسيطرة وليست تعاونا مشتركا ومتبادلا ، والأطماع الروسية في سوريا ظاهرة وبشكل مفضوح مع بداية الثورة من خلال الدعم  الروسي للنظام السوري في حربه على شعبه والذي استغلته روسيا عن طريق توقيع  عقود واتفاقيات بينها وبين النظام في جميع المفاصل الحيوية في سوريا كمصانع ومطاحن دقيق وإعادة تأهيل المنشآت، فعلى سبيل المثال هذا العام( 2017) بلغ مجموع العقود الروسية لمشاريع الكهرباء (200) مليار ليرة سورية، وبلغت مجموعة المشاريع الاستراتيجية لروسيا خلال العام الجاري(2017) تريليونين من الليرات السورية أي ما يعادل أربعة مليارات أمريكية، إضافة إلى شبكات المياه التي لم تستثنها  روسيا  من عقودها فلقد وضعت يدها على نبع  عين الفيجة للتحكم حتى في قطرة الماء للمواطن.

ويُذكر أن بداية التدخل الروسي في سوريا كان من أجل التأمين على الديون الروسية في ذمة الحكومة السورية.

فقد اتفق الطرفان – الروسي والسوري – قبل الثورة على تسديد النظام السوري 30% من ديونه كاش، و 70% تسهيلات استثمارية وعسكرية مدفوعة من الجانب السوري بسعر الصرف الرسمي، لذلك تجد أن روسيا تسعى جاهدة لإنشاء مصرف سوري روسي تكون أحد مهامه إدارة الدين، والذي لا يوجد فيه رقم ثابت وصحيح مصرح به، ولكن هذه الديون زادت مع بداية الثورة حتى أن روسيا أرسلت للنظام في صيف العام (2011) ما مقدراه (200) طن من العملة الورقية تم نقلها إلى سوريا جوا.

وإصرار روسيا على وجود هذا البنك المشترك يدل على أن روسيا لا تثق بأي مصرف من المصارف السورية، ولاتريد العمل أصلا تحت أي مصرف يخضع لرقابة غير رقابتها، لهذا عملت على الاتفاق من أجل إنشاء مصرف في سوريا، والذي من إحدى مهامه إدارة الاستثمارات الروسية في سوريا.

حتى أن عين روسيا تتجه نحو الديون السيادية التي صرح النظام أنه سيطرحها للبيع، ومع إنشاء المصرف سيستطيع الروس قانونيا شراء الديون المتعثرة لدى المصرفين العقاري والصناعي، وبالتالي يتمكن البنك الروسي من الاستحواذ على العقارات السكنية والصناعية بأسعار زهيدة، وما يترتب عليه من استحواذه على المصرفين وزبائنهما.

وفي العودة إلى الأطماع الاقتصادية الروسية في سوريا نجد أن من أهم ما تسعى إليه روسيا من خلال تواجدها في سوريا هو:

بيع الأسلحة لسوريا، وفائدة روسيا هنا تكمن في جانبين: (الجانب الأول) بيع السلاح، وهو سلاح من طراز قديم ونتيجة صفقات قديمة مع النظام، علما أن هناك صفقات كانت قد وقّعت عليها روسيا مع اندلاع الثورة في سوريا تُقدّر بــ (20) مليار دولار و(الجانب الثاني) استعراض الأسلحة في سوريا، وهو بمثابة تسويق لإنتاجها العسكري.

وأيضاً السيطرة على عقود النفط والغاز والفوسفات في سوريا، سواء كان تنقيبا أو استخراجا والوقوف في وجه مد خطوط أنابيب الغاز القطري أو النفط السعودي، لا سيما خط الغاز القطري خشية المنافسة الشديدة للغاز الروسي، والذي يكلف نقله كثيراً، وقطع الطريق عليه من الوصول إلى تركيا أو إلى الشواطئ السورية ومن ثم إلى أوروبا.

بالإضافة للضغط على الحليف والند التركي لكسب مصالح اقتصادية مع وداخل تركيا بسبب تواجدها في سوريا.

كما وتسعى إلى تعويض الخسارة الناتجة عن عدم توريد منظومة الدفاع الصاروخي (اس 300) إلى إيران.

وفقا لكل ما سبق، فهي تعمل جاهدة لجعل  سوريا سوقا للصناعات الروسية  والمواد الصناعية وخاصة بعد توقيع اتفاقية جمركية جديدة هذا العام بين سوريا وروسيا تسهل حركة تنقل المواد والبضائع بين البلدين ، ولجعل سوريا قاعدة اقتصادية روسية في الشرق لتصريف بضائعها.

فتح سقوف الحوالات الخارجية وانعكاساتها على سعر الصرف مستقبلا

فتح سقوف الحوالات الخارجية وانعكاساتها على سعر الصرف مستقبلا

في محاولاته المتواصلة لرفع سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار، ما زال (المصرف المركزي السوري) يعتمد ألاعيب اقتصادية بعيدة كل البعد عن سياسة الموازنة التلقائية بين العرض والطلب، بل يعمل على ضبط كميات الليرة السورية والدولار في السوق بقرارات احتكار وإغراق متعاقبة للسوق.

لذلك نجد أن المركزي قد أصدر يوم الخميس القرار رقم (1602)، والذي “يسمح لأي شخص بتحويل أي مبلغ يريده بالعملة الأجنبية إلى سوريا، بحيث أصبح بمقدوره استلامه نقداً بالعملة الأجنبية، أو قيداً في حسابه بالعملة الأجنبية في المصرف الذي يريده، أو تصريفه مقابل ليرات ضمن الشروط المذكورة في القرار”.

وبصدور هذا القرار أصبح المواطن السوري قادراً على الحصول على مبالغ القطع الأجنبي التي ترده من الخارج فورياً، ضمن الشروط المذكورة في القرار”.

علما بأن هذا القرار جاء بعد سنوات من إجبار مستلمي الحوالات الشخصية على استلامها بالليرة السورية فقط، وبسعر الصرف المفروض من(المركزي)، والذي غالباً ما يكون أقل من السوق السوداء بما يتجاوز 5 ليرات سورية للدولار الواحد.

وكان(المركزي) قد أصدر قراراً نهاية تشرين الأول/أكتوبر، يقضي بعدم السماح للمواطن باستلام أكثر من حوالة واحدة (خارجية ) شهريا، وبمبلغ يتجاوز (100) دولار أمريكي ـ وفي حال تجاوز المبلغ ذلك الرقملأ, تعددت الحوالات تم تجميد الحوالة لمدة ثلاثة أشهر، أو يتم اقتطاع نسبة 10 بالمائة من أصل الحوالة في حال استلامها بشكل فوري. كما منع (المركزي) في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر المودِعين من سحب إيداعاتهم بالليرة السورية، ما جعله ينجح في رفع قيمة الليرة أمام الدولار، حتى وصل سعر الصرف إلى 445 ليرة للدولار الواحد.

بينما جاء “القرار (1602) ليعدل عتبة التصريف المسموح بها في الشهر الواحد، لترتفع إلى 500 دولار للشخص الواحد خلال شهر ميلادي كامل، من دون تجميد أو عمولات، وذلك بعدما كانت العتبة المسموح بها هي 100 دولار شهرياً.

كما أظهر القرار السابق أنه أصبح بمقدور أي شخص سحب أو إيداع أي مبلغ بمجرد إبراز الهوية الشخصية أو جواز سفر، طالما أن المبلغ أقل من خمسة ملايين ليرة سورية، وإذا كان لديه حساب مصرفي فقد تم رفع المبلغ الذي لا يُطلب لأجله أي ثبوتيات غير بطاقة تعريفية إلى 15 مليون ليرة”.

وحتى نعرف انعكاس هذا القرار على سعر الصرف في المرحلة القادمة، يجب أن نعود إلى ما قبل القرار عندما كان سحب الحوالات فقط بالليرة السورية، وبالتالي أغرق ( المصرف المركزي ) السوق السورية بالليرة ومنع  من تداول الدولار ، ومع بداية انخفاض الدولار  في الفترة الماضية، بدأ السوريون يبيعون مدخراتهم من الدولار خشية انخفاضه أكثر، مما زاد من كمية الليرة السورية في السوق، واليوم ومع رفع سقف الحوالات الشخصية والقدرة على استلامها بالعملة الصعبة، سيتوجه الناس إلى المركزي مجدداً لاستلام حوالاتهم بالدولار، والذي سيؤدي إلى إغراق السوق السورية بالدولار مجدداً، وخفض الطلب عليه، ما سيرفع من قيمة الليرة السورية، وبالتالي ستضطر السوق السوداء إلى تخفيض سعر الصرف بدورها، ليتناسب مع طرح المركزي.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما سبب تأخر (المركزي) عن تنفيذ سياسات مماثلة لتحسين قيمة الليرة السورية بدلا من إتخام السوق بطباعة المزيد من العملة السورية وضخها في السوق، ورفع مستوى التضخم إلى حدود قصوى؟ الجواب على ذلك: أن النظام كان مستفيدا من انهيار سعر صرف الليرة مع الاستمرار بدفع الرواتب بالليرة السورية دون زيادة حقيقية في حين حرص على احتكار الدولار في الخزينة، وهكذا كانت أرباح النظام من التلاعب بسعر صرف الليرة خيالية خلال السنوات الماضية.

وهو الآن يحاول ضبط السوق على إيقاع النصر وانفراج الأزمة، زد على ذلك أنه يحاول بذلك سد العجز الواضح في ميزانيته للعام (2018)، فمع عجز النظام في موازنته والمقدر ب (809) مليار ليرة سورية أي ما يعادل 25 % من إجمالي الموازنة، والتي تزيد في هذا العام عن (3000) مليار ليرة سورية حسب ما ذكر وزير المالية في حكومة النظام مأمون حمدان، ومن الطبيعي أن النظام لن يزيد من طباعة العملة بسبب وصول السوق لحالة من التضخم النقدي لا تسمح له بذلك، ولن يعالج هذا العجز عن طريق موجوداته، بل الحل كالعادة سيكون على حساب السوريين.