Category: مقالات اقتصادية

زيارة نائب رئيس الوزراء الروسي لسورية تعميق للتعاون أم ترسيخ للسيطرة

زيارة نائب رئيس الوزراء الروسي لسورية تعميق للتعاون أم ترسيخ للسيطرة

زيارة نائب رئيس الوزراء الروسي دميتري روغوزين لتعميق التعاون أم لترسيخ سيطرة اقتصادية

بعد اللقاء الذي جمع الأسد مع دميتري روغوزين، نائب رئيس الوزراء الروسي، يوم الإثنين الماضي قال الأسد “أن الظروف باتت مؤاتيه لتسريع عملية إعادة الإعمار، ما من شأنه فتح آفاق اقتصادية واسعة، وتعميق التعاون بين سوريا وروسيا.”

ولكن كيف يكون تعاون وآفاق مشتركة والمستفيد طرف واحد هو روسيا من هذه العملية، واللافت في المسألة أن روسيا لا تخفي كونها الطرف المستفيد الوحيد من هذا التعاون المزعوم، وهذا ما صرح به جهارا نائب رئيس الوزراء الروسي عندما قال “اليوم القيادة السورية تريد العمل مع روسيا، حصريا فيما يخص إعادة إعمار جميع المنشآت في مجال الطاقة في البلاد. اليوم السيد الرئيس بشار الأسد قال إنه لا توجد لدى سوريا رغبة بالعمل مع شركات تلك البلدان التي خانت دمشق في لحظة ما”.

فكلمة – حصريا – تدل على احتكار الروس لعملية إعادة الإعمار ـ ليس إعادة الإعمار فحسب، بل جميع المفاصل الحيوية في سوريا، لذلك نجد أن (دميتري) صحب معه نواب وزراء الخارجية والدفاع والتنمية الاقتصادية والطاقة والنقل والصناعة والتجارة ومدراء عدد من أهم الشركات الروسية. وهذا ما صرحت به الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية العربية السورية، على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، وجاء فيها ((بحَث اللقاء العلاقات الوثيقة والمتجذّرة بين موسكو ودمشق، وآفاق تعزيز التعاون الاقتصادي ولا سيما في مجال الطاقة، بما فيها النفط والغاز، والفوسفات، والكهرباء، والصناعات البتروكيماوية، ومجال النقل والتجارة والصناعة)).

إذاً نستطيع القول بأن سوريا بيعت بالكامل لروسيا، ليست ثرواتها فحسب، بل وحتى استثماراتها ويتعدى ذلك كله إلى لقمة عيش المواطن السوري الذي سيتحكم به الروسي إذا ما تم له ما يسعى له.

ما كان يُنتظر قدوم دميتري إلى سوريا وتصريحاته الأخيرة حتى يثبت أن العلاقة بين سوريا وروسيا اقتصاديا إنما هي استعمار وسيطرة وليست تعاونا مشتركا ومتبادلا ، والأطماع الروسية في سوريا ظاهرة وبشكل مفضوح مع بداية الثورة من خلال الدعم  الروسي للنظام السوري في حربه على شعبه والذي استغلته روسيا عن طريق توقيع  عقود واتفاقيات بينها وبين النظام في جميع المفاصل الحيوية في سوريا كمصانع ومطاحن دقيق وإعادة تأهيل المنشآت، فعلى سبيل المثال هذا العام( 2017) بلغ مجموع العقود الروسية لمشاريع الكهرباء (200) مليار ليرة سورية، وبلغت مجموعة المشاريع الاستراتيجية لروسيا خلال العام الجاري(2017) تريليونين من الليرات السورية أي ما يعادل أربعة مليارات أمريكية، إضافة إلى شبكات المياه التي لم تستثنها  روسيا  من عقودها فلقد وضعت يدها على نبع  عين الفيجة للتحكم حتى في قطرة الماء للمواطن.

ويُذكر أن بداية التدخل الروسي في سوريا كان من أجل التأمين على الديون الروسية في ذمة الحكومة السورية.

فقد اتفق الطرفان – الروسي والسوري – قبل الثورة على تسديد النظام السوري 30% من ديونه كاش، و 70% تسهيلات استثمارية وعسكرية مدفوعة من الجانب السوري بسعر الصرف الرسمي، لذلك تجد أن روسيا تسعى جاهدة لإنشاء مصرف سوري روسي تكون أحد مهامه إدارة الدين، والذي لا يوجد فيه رقم ثابت وصحيح مصرح به، ولكن هذه الديون زادت مع بداية الثورة حتى أن روسيا أرسلت للنظام في صيف العام (2011) ما مقدراه (200) طن من العملة الورقية تم نقلها إلى سوريا جوا.

وإصرار روسيا على وجود هذا البنك المشترك يدل على أن روسيا لا تثق بأي مصرف من المصارف السورية، ولاتريد العمل أصلا تحت أي مصرف يخضع لرقابة غير رقابتها، لهذا عملت على الاتفاق من أجل إنشاء مصرف في سوريا، والذي من إحدى مهامه إدارة الاستثمارات الروسية في سوريا.

حتى أن عين روسيا تتجه نحو الديون السيادية التي صرح النظام أنه سيطرحها للبيع، ومع إنشاء المصرف سيستطيع الروس قانونيا شراء الديون المتعثرة لدى المصرفين العقاري والصناعي، وبالتالي يتمكن البنك الروسي من الاستحواذ على العقارات السكنية والصناعية بأسعار زهيدة، وما يترتب عليه من استحواذه على المصرفين وزبائنهما.

وفي العودة إلى الأطماع الاقتصادية الروسية في سوريا نجد أن من أهم ما تسعى إليه روسيا من خلال تواجدها في سوريا هو:

بيع الأسلحة لسوريا، وفائدة روسيا هنا تكمن في جانبين: (الجانب الأول) بيع السلاح، وهو سلاح من طراز قديم ونتيجة صفقات قديمة مع النظام، علما أن هناك صفقات كانت قد وقّعت عليها روسيا مع اندلاع الثورة في سوريا تُقدّر بــ (20) مليار دولار و(الجانب الثاني) استعراض الأسلحة في سوريا، وهو بمثابة تسويق لإنتاجها العسكري.

وأيضاً السيطرة على عقود النفط والغاز والفوسفات في سوريا، سواء كان تنقيبا أو استخراجا والوقوف في وجه مد خطوط أنابيب الغاز القطري أو النفط السعودي، لا سيما خط الغاز القطري خشية المنافسة الشديدة للغاز الروسي، والذي يكلف نقله كثيراً، وقطع الطريق عليه من الوصول إلى تركيا أو إلى الشواطئ السورية ومن ثم إلى أوروبا.

بالإضافة للضغط على الحليف والند التركي لكسب مصالح اقتصادية مع وداخل تركيا بسبب تواجدها في سوريا.

كما وتسعى إلى تعويض الخسارة الناتجة عن عدم توريد منظومة الدفاع الصاروخي (اس 300) إلى إيران.

وفقا لكل ما سبق، فهي تعمل جاهدة لجعل  سوريا سوقا للصناعات الروسية  والمواد الصناعية وخاصة بعد توقيع اتفاقية جمركية جديدة هذا العام بين سوريا وروسيا تسهل حركة تنقل المواد والبضائع بين البلدين ، ولجعل سوريا قاعدة اقتصادية روسية في الشرق لتصريف بضائعها.

فتح سقوف الحوالات الخارجية وانعكاساتها على سعر الصرف مستقبلا

فتح سقوف الحوالات الخارجية وانعكاساتها على سعر الصرف مستقبلا

في محاولاته المتواصلة لرفع سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار، ما زال (المصرف المركزي السوري) يعتمد ألاعيب اقتصادية بعيدة كل البعد عن سياسة الموازنة التلقائية بين العرض والطلب، بل يعمل على ضبط كميات الليرة السورية والدولار في السوق بقرارات احتكار وإغراق متعاقبة للسوق.

لذلك نجد أن المركزي قد أصدر يوم الخميس القرار رقم (1602)، والذي “يسمح لأي شخص بتحويل أي مبلغ يريده بالعملة الأجنبية إلى سوريا، بحيث أصبح بمقدوره استلامه نقداً بالعملة الأجنبية، أو قيداً في حسابه بالعملة الأجنبية في المصرف الذي يريده، أو تصريفه مقابل ليرات ضمن الشروط المذكورة في القرار”.

وبصدور هذا القرار أصبح المواطن السوري قادراً على الحصول على مبالغ القطع الأجنبي التي ترده من الخارج فورياً، ضمن الشروط المذكورة في القرار”.

علما بأن هذا القرار جاء بعد سنوات من إجبار مستلمي الحوالات الشخصية على استلامها بالليرة السورية فقط، وبسعر الصرف المفروض من(المركزي)، والذي غالباً ما يكون أقل من السوق السوداء بما يتجاوز 5 ليرات سورية للدولار الواحد.

وكان(المركزي) قد أصدر قراراً نهاية تشرين الأول/أكتوبر، يقضي بعدم السماح للمواطن باستلام أكثر من حوالة واحدة (خارجية ) شهريا، وبمبلغ يتجاوز (100) دولار أمريكي ـ وفي حال تجاوز المبلغ ذلك الرقملأ, تعددت الحوالات تم تجميد الحوالة لمدة ثلاثة أشهر، أو يتم اقتطاع نسبة 10 بالمائة من أصل الحوالة في حال استلامها بشكل فوري. كما منع (المركزي) في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر المودِعين من سحب إيداعاتهم بالليرة السورية، ما جعله ينجح في رفع قيمة الليرة أمام الدولار، حتى وصل سعر الصرف إلى 445 ليرة للدولار الواحد.

بينما جاء “القرار (1602) ليعدل عتبة التصريف المسموح بها في الشهر الواحد، لترتفع إلى 500 دولار للشخص الواحد خلال شهر ميلادي كامل، من دون تجميد أو عمولات، وذلك بعدما كانت العتبة المسموح بها هي 100 دولار شهرياً.

كما أظهر القرار السابق أنه أصبح بمقدور أي شخص سحب أو إيداع أي مبلغ بمجرد إبراز الهوية الشخصية أو جواز سفر، طالما أن المبلغ أقل من خمسة ملايين ليرة سورية، وإذا كان لديه حساب مصرفي فقد تم رفع المبلغ الذي لا يُطلب لأجله أي ثبوتيات غير بطاقة تعريفية إلى 15 مليون ليرة”.

وحتى نعرف انعكاس هذا القرار على سعر الصرف في المرحلة القادمة، يجب أن نعود إلى ما قبل القرار عندما كان سحب الحوالات فقط بالليرة السورية، وبالتالي أغرق ( المصرف المركزي ) السوق السورية بالليرة ومنع  من تداول الدولار ، ومع بداية انخفاض الدولار  في الفترة الماضية، بدأ السوريون يبيعون مدخراتهم من الدولار خشية انخفاضه أكثر، مما زاد من كمية الليرة السورية في السوق، واليوم ومع رفع سقف الحوالات الشخصية والقدرة على استلامها بالعملة الصعبة، سيتوجه الناس إلى المركزي مجدداً لاستلام حوالاتهم بالدولار، والذي سيؤدي إلى إغراق السوق السورية بالدولار مجدداً، وخفض الطلب عليه، ما سيرفع من قيمة الليرة السورية، وبالتالي ستضطر السوق السوداء إلى تخفيض سعر الصرف بدورها، ليتناسب مع طرح المركزي.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما سبب تأخر (المركزي) عن تنفيذ سياسات مماثلة لتحسين قيمة الليرة السورية بدلا من إتخام السوق بطباعة المزيد من العملة السورية وضخها في السوق، ورفع مستوى التضخم إلى حدود قصوى؟ الجواب على ذلك: أن النظام كان مستفيدا من انهيار سعر صرف الليرة مع الاستمرار بدفع الرواتب بالليرة السورية دون زيادة حقيقية في حين حرص على احتكار الدولار في الخزينة، وهكذا كانت أرباح النظام من التلاعب بسعر صرف الليرة خيالية خلال السنوات الماضية.

وهو الآن يحاول ضبط السوق على إيقاع النصر وانفراج الأزمة، زد على ذلك أنه يحاول بذلك سد العجز الواضح في ميزانيته للعام (2018)، فمع عجز النظام في موازنته والمقدر ب (809) مليار ليرة سورية أي ما يعادل 25 % من إجمالي الموازنة، والتي تزيد في هذا العام عن (3000) مليار ليرة سورية حسب ما ذكر وزير المالية في حكومة النظام مأمون حمدان، ومن الطبيعي أن النظام لن يزيد من طباعة العملة بسبب وصول السوق لحالة من التضخم النقدي لا تسمح له بذلك، ولن يعالج هذا العجز عن طريق موجوداته، بل الحل كالعادة سيكون على حساب السوريين.

الجباية في المجالس المحلية التابعة للمعارضة السورية ودورها في التنمية

الجباية في المجالس المحلية التابعة للمعارضة السورية ودورها في التنمية

الجباية في المجالس المحلية التابعة للمعارضة السورية ودورها في التنمية

أثرت الأحداث الجارية على الساحة السورية في مستوى التنمية المحلية، حيث شهدت تدهوراً كبيرا في جميع المجالس المحلية، وخاصة التابعة لسيطرة المعارضة السورية، ولهذا التدهور أسباب عدة منها مالية وهي في المقدمة ومنها أسباب إدارية وأخرى قانونية.

الأسباب المالية أو المادية أهم الأسباب التي ساهمت في تدهور التنمية المحلية في المجالس التابعة للمعارضة، وخاصة أن احتياجات هذه المجالس كبيرة جدا سواء في الجانب الخدمي أو في الجانب التنموي، لذلك تحتاج هذه المجالس إلى دخل يغطي أجزاءً كبيرة من هذه الاحتياجات.

وتمثل الإغاثات أو المساعدات الإنسانية المقدمة من المنظمات أو الهيئات، وخاصة في قطاع المشاريع، جزءا هاما لتمويل هذه المجالس، ولكنها تشهد تقلباً مستمرا، لذلك وجب على المجالس المحلية أن تسعى إلى وسائل أخرى تجعلها تبتعد عن شبح التبعية لمؤسسات يجب أن تكون تابعة أصلا لها خاصة في انعدام منح الدولة للمجالس والتي كانت تساهم وبشكل كبير في تغطية نفقات المجالس.

والواقع الحالي لمجالس البلدات والمدن التابعة للمعارضة يفرض عليها نوعا من الاستقلالية المالية والإدارية لحد ما، وهذا ليس من الأمور السلبية بل على العكس، لقد أثبتت التجارب أنه كلما كانت درجة استقلالية الإدارة الذاتية أكبر كلما زادت قدرتها على توفير الموارد، وبما أن المشاريع التي تنفذها المجالس المحلية تكاد تكون نادرة، لذلك ظهرت الحاجة الماسة لوجود نظام ضريبي جبائي من أجل سد العجز الحاصل.

وقبل الدخول بموضوع الجباية يجب أن ننوه إلى أن الجباية واقع حاصل وموجود في مناطق عديدة من مناطق سيطرة المعارضة وبدأت في نهاية العام 2014، وخاصة في محافظات إدلب وحلب، لكن مردود الجباية كان في هذه المجالس قليلا وضعيفا على عكس المجالس التي تتبع لمناطق تنظيم داعش ومناطق الأكراد، والتي تمتعت بمردود مرتفع وذلك بسبب امتلاكها لأدوات تنفيذية تحصل بموجبها الجبايات.

ولكن ماهي الجباية وما الذي يجب على المجالس القيام به قبل الشروع بفرض الجباية على الناس؟

الجباية هي عبارة عن اقتطاعات نقدية تفرضها الدولة ( وزارات .. إدارات .. مجلس محافظة .. مجلس مدينة …) على الأفراد لتغطية نفقاتها وتكون على شكل ضريبة أو رسوم.

وفي الحال السوري ومع انعدام الوعي الضريبي وأثره على الناتج العام، يجب على المجالس المحلية أن تتخذ بعض الخطوات قبل البدء بعملية الجباية نذكر منها:

أولاً-يجب دراسة المجتمع اقتصاديا ومن ثم تقسيم المجتمع المحلي إلى فئات لتحديد القادرين على دفع قيمة الجباية، حتى لا يظلم المعدم وغير القادر، وبالتالي تتم خسارة الحاضنة التي هي أساس وجود هذه المجالس والتي تسعى المجالس لخدمتها.

ثانياً- نشر ثقافة الجباية وأثرها على المجتمع من خلال ندوات توعوية أو  ورش عمل أو منشورات توزع على السكان والأهالي تبين بشيء من التبسيط والتفصيل آلية عمل وفوائد الجباية وتظهر أهمية الجباية في استمرار ية المشاريع الخدمية.

ثالثاً – إعداد كوادر مدربة أو رفع كفاءة العاملين في المجالس المحلية.

رابعاً – إيجاد هيئة تنفيذية لضمان تنفيذ خطة الجباية.

ويتعين على هذه المجالس البحث في جبايات متوافقة مع المعقول، كوضع الرسوم على العقارات شراءً أو بيعاً أو تجزئة سواء بيع حصص او توريث ، وكذلك الرسوم الخاصة على رخص البناء ورسوم الإعلانات الطرقية والرسوم على المعامل والمحال التجارية.

وينبغي أن يكون هناك تعاون بين المجالس الفرعية المحلية مع مجلس المحافظة الأم حتى يكون هناك توزيع عادل بين بلدات وقطاعات المحافظة الواحدة، وبالتالي لا نقع بالمحظور بأن تزاد المجالس الغنية والتي فيها عوائد تجارية ومالية غنى، بينما تبقى المجالس الفقيرة على حالها تجلس وتراقب تطور مجالس الجوار.

وكما سبق وذكرنا، يجب أن يكون هذا العمل متوافقاً مع رغبة الناس وأن تصبح لديهم مستساغة مقبولة، لأنها مهما أوجدت آلية تنفيذية لن تحصل على ما وضعت لأجله ما لم يتعاون المواطن نفسه مع هذه الآليات، وكل ذلك في سبيل الوصول إلى حالة الفطام في هذه المجالس عن حالة الدعم الجاهزة الإقليمية والدولية. وبالتالي تنتقل هذه المجالس إلى الخطوة التنموية دون الخوف من انقطاع الحبل في منتصف الطريق.

حال الاقتصاد السوري وحلم إعادة الاعمار

حال الاقتصاد السوري وحلم إعادة الاعمار

حال الاقتصاد السوري وحلم إعادة الاعمار

مع توسع رقعة الحرب في سوريا تتزايد خسائر الاقتصاد السوري بشكل يومي، حيث أشار البنك الدولي في أحدث تقاريره إلى أنه “من الصعب تقدير الأثر الاقتصادي لهذا الصراع العنيف بدقة نظراً لمحدودية البيانات المتاحة، لكنه بلا شك كبير ومتزايد “.  

وذلك بالتزامن مع تصريحه بأن الاقتصاد السوري  يحتاج إلى 20 عاما على الأقل لكي يعود إلى مستواه قبل الحرب، هذا في حال تحقق الاستقرار الكامل وبمعدل نمو 4.5 % على الأقل، نستطيع أن  نقول أن الأثر الاقتصادي على سورية في ظل الصراع أصبح مهولاً  ومتزايداً لا يمكن حصره حيث تقدر خسارة الاقتصاد السوري نحو 260 مليار دولار أمريكي أي ما يعادل ستة أضعاف الناتج المحلي الاجمالي لسورية عام 2010 هذا بأقل تقدير وبحساب فقط الدمار الحاصل على الأرض، وبعض المؤسسات قدرت خسارة الاقتصاد السوري بـ 689 مليار دولار بحساب توقف النمو بل وتراجعه.

كما يتوقع مركز فرونتيير إيكونوميكس  frontier-economics الأسترالي للاستشارات أن ترتفع الخسائر الاقتصادية في سوريا  نتيجة الحرب إلى 1.33 تريليون دولار  في حال استمرت  حتى عام  2020. وحسب مؤشرات صندوق النقد الدولي فإن الاقتصاد السوري انكمش بنسبة 55% على الأقل خلال السنوات الخمس الأولى للحرب منذ 2011.

 ووفقا لتقدير حديث أجراه صندوق النقد عن بُعد يتناول الأضرار التي خلفها الصراع على البنية التحتية في ست مدن، هي حلب ودرعا وحماة وحمص وإدلب واللاذقية، حتى ديسمبر/كانون الأول 2014، يقرر أن الصراع ألحق أضرارا واسعة بالممتلكات العامة والخاصة تتراوح قيمتها ما بين 3.7 و 4.5 مليار دولار. وكانت الأضرار التي تسبب فيها الصراع في عام 2015 أكثر فداحة عن السنوات السابقة، وارتفعت تقديرات الأضرار في أحدث تقرير إلى ما بين 5.9 – 7.3 مليار دولار.

وباستعراض بعض الأرقام حول الوضع الاقتصادي السوري يظهر جليا هذا التدهور الكبير، حيث ذكرت الأمم المتحدة أن معدلات الفقر ارتفعت من 28% عام 2010، إلى ما بين 80 و85% عام 2016حسب تقديرات المركز السوري لبحوث السياسات (SCPR)بينما نجد أن البطالة زادت من 8% عام 2010 إلى 50% عام 2013 لتصل إلى 80 % بنهاية العام 2016.

كما انخفضت القوة العاملة إلى نسبة 60 % نتيجة الهجرة والقتل والسجن، وقد وصل الدمار في البنية التحتية قبل دمار حلب إلى 200مليار دولار وبعد تدميرها إلى 350 مليار دولار، ومما زاد في انهيار الاقتصاد السوري بالإضافة لنتائج الحرب، التدهور الكبير في القطاعات الأساسية من تعليم وصحة وزراعة ونفط وكهرباء.

فمثلا هبطت العائدات النفطية منذ النصف الثاني من عام 2012 هبوطا حادا حتى وصلت خسائر قطاع النفط في نهاية العام 2016 إلى 97.5 % بإنتاجية (6000) برميل مقارنة مع العام 2010 حيث كان يصل الانتاج اليومي إلى 385000 برميل، ووصل عدد الاشخاص الذين يفتقدون للأمن الغذائي إلى 7 مليون سوري.

وبنظرة إلى المستقبل بالبحث عن دعائم إعادة الإعمار يظهر جليا أنه لا بد من حلّ سياسي حقيقي يضمن متطلبات العمل بكافة أطرافه ويهيئ المناخ المناسب لعودة الكوادر وإغراء المانحين الذين هم المستثمرين في النهاية، وهذا يتوقف على ما يقدمه الحل السياسي من بيئة صالحة تساعد على زيادة وتيرة الاصلاحات الاقتصادية وخصوصا في البنية التحتية وتجذب الدعم والاستثمارات الخارجية.

لبنان واللاجئ السوري.. أزمة اقتصادية أم دوافع أخرى

لبنان واللاجئ السوري.. أزمة اقتصادية أم دوافع أخرى

لبنان واللاجئ السوري.. أزمة اقتصادية أم دوافع أخرى

لا يكاد يمر شهر في لبنان إلا ويخرج للإعلام أحد المسؤولين متضجرا من المهجرين السوريين متشكيا من ثقل التبعات الاقتصادية لوجودهم على موارد لبنان وبنيته التحتية، بل يصل الأمر للإسهاب في التحذير من خطرهم على البنية الاجتماعية اللبنانية.

للوقوف على أهم أسباب هذه النزعة وتلك التصريحات لابد من مناقشة هذه الظاهرة من منحيين أساسيين هما المنحى الاقتصادي والأخر الاجتماعي.

بداية من الطبيعي أن يكون لوجود مليون ونصف أو مليون و800 ألف نسمة أثرهم على البلد المستضيف سواء من النواحي الاقتصادية أو الاجتماعية، ولكن لماذا يقتصر التذمر على البلدان العربية ودول الجوار ويغيب عن تصريحات المسؤولين في الدولة الأوربية؟ على الرغم من أن البلدان الأوربية تتحمل كلفة النفقات دون انتظار مردودية في الفترة القريبة على أقصى حد، بينما البلدان المجاورة تتلقى دعما اقتصاديا أممياً لاستضافتها للمهجرين السوريين بالإضافة إلى أن أغلب السوريين هم أشخاص منتجون في تلك البلدان.

 لفهم أسباب ودوافع هذه الحالة نستعرض واقع المهجرين السوريين في لبنان من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية.

على الصعيد الاقتصادي يستنزف السوريون المقيمون في لبنان ما حجمه 40% من إجمالي البنية التحتية للبنان أي ما قدر بـ 589 مليون دولار لعام 2014، هذا بالنسبة للأثر الحكومي، لكن هناك أيضا أثر شعبي اقتصادي وهو أن المواطن اللبناني يستفيد من موارد الدولة بشكل جزئي، وذلك لضعفها وقلتها في لبنان، مما يضطره للتعويض عن النقص من خلال الاشتراكات سواء بالكهرباء أو الماء …  فوجود هذا العدد من السورين زاد من الطلب على هذه الموارد الإضافية مما تسبب بارتفاع أسعارها وقلتها، بالإضافة للضغوط المؤثرة على سوق العمل، فاللاجئ السوري يعمل بأي أجر يعرض عليه.

 لكن بالمقابل السوري يساهم في دعم الاقتصاد اللبناني من خلال الأرقام التالية فمثلا يشتري مواده الغذائية من “مَحلّات” مخصّصة من قبل الحكومة اللبنانيّة، التي تستلم المساعدات الدوليّة للاجئين “نقداً”، وتعطيها لهم على شكل “سلع” بإضافة 20% على قيمة تلك السلع، لتضيف الحكومة اللبنانيّة إلى خزانتها “11” مليون دولار شهرياً

وتلقى لبنان خلال العام 2016 مبلغا قدره 1.26مليار دولار لبرامج دعم اللاجئين السوريين وتلقى أيضا 300 مليون دولار لبرامج المساعدات الطبية للاجئين السوريين. ولا ننسى التحويلات المالية التي تقوم بها الهيئات الداعمة للاجئين السوريين في لبنان والتي تصل إلى “35” مليون دولار شهريا.                         
بالإضافة إلى 378 مليون دولار دفعها اللاجئون العام الفائت بدل سكن بمعدل “1.04” مليون دولار يوميّاً، و “3.6” مليون دولار لتجديد إقاماتهم فقط، وكما يدفع السوريون في لبنان أكثر من “8” مليون دولار شهريّاً لشركات الاتصالات وذلك على أقل تقدير وفوق ذلك الأموال ومشاريع سورية المنشأ الى لبنان والتي ساهمت في تعزيز الحركة الاقتصادية والتجارية.

إذا المشكلة في جانبها الاقتصادي ليس لها أثر، وإن كان هناك مشكلة فإنها تكمن في إدارة الدولة اللبنانية أصلا لملف البنى التحتية وجعله ملفا متراكما ويحتاج لعمل جاد، إذ يعد لبنان ثالث أسوء دولة في العالم من حيث البنى التحتية.

وهذا يؤيد صحة التخمينات التي تقول بأن سبب هذه الحملة هي دفع الدول الداعمة للمساهمة في  خطة استجابة لبنان للأزمة السورية ٢٠١٧-٢٠٢٠ والتي أطلقت في كانون الثاني/ الماضي، إلى تأمين ٢.٨ مليار دولار لمواجهة الأزمة في العام ٢٠١٧

أما الجانب الاجتماعي في الأمر فهو الاحتقان القديم الحديث، فالشارع اللبناني لم ينسَ بعد فترة حكم اليد العسكرية السورية التي كانت مسيطرة على لبنان، بالإضافة إلى تخوف من عودة السيناريو الفلسطيني في لبنان مرة أخرى مع اللاجئين السوريين، بالإضافة لأمر غاية في الأهمية وهو الخوف من تحويل المناوشات بين السورين واللبنانيين إلى نزاع مدني وخاصة بوجود انقسام طائفي عميق في بنية المجتمع اللبناني.