Category: دراسات اجتماعية

تركيبة المجتمع السوري وحياته السياسية

تركيبة المجتمع السوري وحياته السياسية

تقوم نظرية العقد الاجتماعي على قناعة الأفراد بضرورة الاتفاق على الخروج من الحالة الطبيعية (ما قبل الدول أو حالة الفوضى) إلى الحالة المنظمة، فإذا أردنا أن نجد مخرجا للحرب في سوريا، فعلينا أولا بالنظر إلى تركيبة المجتمع السوري، وإيجاد الحلول المناسبة لإعادة التعايش واللحمة الوطنية بين الأعراق والطوائف التي يتشكل منها المجتمع السوري، عن طريق نظام سياسي يضمن حقوق كافة المواطنين المتواجدين على الأراضي السورية.

المقدمة

يعد الشعب السوري شعباً متنوع الأعراق والقوميات تاريخيا، ويصنف على أنه من الشعوب السامية بغالبية عربية إلى جانب وجود عدد من القوميات الأخرى “الأكراد والأرمن والسريان” بنسب متباينة يغلب عليها “انتماء مناطقي أو محلي قوي”، وقد نشطت منذ القرن التاسع عشر الهجرة بين أبنائه نحو العالم الجديد نتيجة لعوامل متعددة أبرزها اقتصادي وسياسي، وتصاعدت الهجرة بشكل كبير منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية.

يعد لفظ “سوريا” يوناني الأصل واستخدم في أقدم أطواره للإشارة إلى ناطقي السريانية في الهلال الخصيب، بكل الأحوال فإنّ الموقع الجغرافي المتوسط لسوريا وأراضيها الخصبة لعب دوراً مهما في جذب عدد كبير من الهجرات إليها عبر التاريخ نتج عنه تمازج فريد بين مكوناته، أما الهوية السورية الحديثة فقد بدأت ملامحها بالتشكل باستعراب غالبية البلاد خلال القرون الوسطى، ويعتبر القرن التاسع عشر مرحلة حاسمة في تكوينها حيث ظهرت أندية وجمعيات أدبية وسياسية ومفكرون نادوا وأسسوا في الهوية السورية وهو ما تصاعد خلال القرن العشرين، وقد كان لاندلاع الاحتجاجات الشعبية بداية عام 2011 بالغ الأثر على الروابط الاجتماعية للسوريين، حيث أدت المعالجة العنيفة من قبل السلطة لشروخ قاسية نتج عنها تفكك خطير في بنية المجتمع السوري، ومن مظاهرها تصاعد تيارات متنوعة وطارئة على المشهد الاجتماعي ذات طابع طائفي لدى غالبية المكونات، وهيمنتها على المشهد العام، انعكست هذه الظواهر بشكل مباشر على السياسيين السوريين وازدادت الفجوة أيضا نتيجة سياسات الدول الكبرى في تعاطيها الخطير مع الملف السوري بما يرسخ هذه الشروخ الآنية.

ماهية المجتمع وخصائصه

يعود مفهوم نظرية العقد الاجتماعي إلى الفلسفة الكلاسيكية، والتي يعد أفلاطون وأرسطو أبرز مفكريها وترى هذه الفلسفة أن الإنسان حيوان اجتماعي يستطيع الدخول في اتفاق ينظم المجتمع، ولقد ظهرت نظرية العقد الاجتماعي في القرنين السابع عشر والثامن عشر وهي بالتعريف: فلسفة سياسية حديثة، تعتقد أن أصل الدولة يعود لعقد بين الناس، قبلوا بموجبه وجود قوانين تحد من حريتهم، مقابل ضمان استمرار حياتهم وحياة المجتمع.[1]

برز مفكرو “العقد الاجتماعي”: “توماس هوبز” و”جون لوك” و”جان جاك روسو”، ورغم اختلاف نتائج تنظيرهم للظاهرة والوجود السياسيين، فقد انطلق تنظيرهم من فكرة انفصال الفرد عن البيئة، والتي برزت مع التملك والملكية الخاصة، وذلك من خلال تحاكم الأفراد إلى صيغة قانونية افتراضية لتأسيس السلطة بمعيار دنيوي بدلاً من المعيار الديني، عرفت بـ”العقد الاجتماعي” وذلك لحماية الفرد وحقوقه الطبيعية فأفضت النظرية إلى تحول الفرد إلى مواطن له حقوق وعليه واجبات في مقابل الحاكم (العقد الاجتماعي) وبهذا المعنى غدا المجتمع المدني تعبيراً عن وعي الفرد بحقوقه في مواجهة السلطة.[2]

وتنطلق نظرية العقد الاجتماعي من الفرضية القائلة بأن نشوء المجتمع لم يكن طبيعياً بل اصطناعياً حيث كان الناس يعيشون في الحالة الطبيعية (ما قبل الدولة) من دون قوانين تنظم حياتهم مما أدى لانتشار الفوضى، الأمر الذي دفع الناس للاتفاق على عقد بينهم ينقذ حياتهم وينظم شؤونهم وبموجبه يتخلون عن بعض حقوقهم الطبيعية لصالح الدولة.

ويمكن تقسيم المجتمع المدني على هذا الأساس إلى نمطين:

 أولهما: يبرز في النظم الديمقراطية ويهدف إلى اضطلاع الأفراد ببعض وظائف السلطة التي لا تستطيع تحقيقها بفعل التراكم الوظيفي الذي، بدوره، يقلص الحيز الذي تمثله الدولة (البيئة،المرأة، أطباء بلا حدود…الخ)، أو بهدف رسم برنامج للحكم (الأحزاب) أو التحرر من قيود السوق المفتوحة (النقابات) فيقوم المجتمع المدني بدور وظيفي مكمل لوظائف ومسؤوليات الدولة.

 وتصبح بذلك منظمات المجتمع المدني منظمات وسيطة بين المواطن والدولة وفقا لدورها الوظيفي وهذا النمط هو تعبير عن نظرة غربية في ظل وجود مؤسسات متبلورة في المجتمع.

 ثانيهما: يتعلق برسم استراتيجية لمقاومة استبداد السلطة، وقد برز هذا النمط الغرامشوي (نسبة إلى غرامشي) في إطار مقاومة حركات المجتمع المدني في أوروبا الشرقية للأنظمة الشيوعية المستبدة، ويقوم هذا النمط على اعتبار المجتمع المدني مقاوما للتسلط، في ظل وجود تأطير له (اتحادات، نقابات، تجمعات.. الخ) بهدف ألا تطغى إرادة الدولة واستبدادها على الأفراد ويقوم هذا النمط على شعار “مجتمع مدني أكثر دولة أقل” كما برز في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية ويمكن في هذا السياق اعتبار الدور الذي اضطلعت به مساجد العراق لوقف عمليات النهب الذي عم في العراق إثر سقوط النظام السابق مثالاً أنموذجياً للشعار المذكور.[3]

هذه النظريات أدت إلى تكريس مفاهيم أساسية كالحقوق والولاء للدولة وساهمت بوضع أسس وأشكال مختلفة لنظم الحكم والسياسة، فكانت نظرية العقد الاجتماعي لدى روسو أساس الثورة الفرنسية التي غيرت وجه فرنسا الملكية المطلقة وغيرت معها العالم، إلا أن هذه النظريات واجهت انتقادات واسعة من قبل المفكرين، فلا أساس تاريخي يثبت صحتها، إضافة إلى أنّ المروجين لهذه النظريات يؤمنون بأن للشعب حقاً مطلقاً في الثورة.

الهوية السورية

هناك من يحدد مفهوم الهوية بالعودة إلى الأصل القومي أو حصرها عليه، وهناك من يعود بها إلى الأصل الديني أو المذهبي أو الجنسي، وليس هناك من شك أن هذه الجوانب تشكل عناصر من هوية الإنسان الفرد لكنها لا تستنفذ هويته.

الهوية هي الإعلاء من شأن الإنسان الفرد بما هو ذات مستقلة وحرة، والهوية في اللغة مشتقة من الضمير “هو”، ويشير مفهوم الهوية واقعيا إلى ما يكون عليه هذا الإنسان الفرد أو ذاك، أي من حيث تشخصه وتحقيقه في ذاته وتميزه عن غيره، وهو وعاء الضمير الجمعي ومحتوى لهذا الضمير في الوقت عينه بما يشتمل عليه من قيم وعادات ومقومات تكثف وعي الجماعة وإرادتها في الصمود والحياة.[4]

والمفهوم الضيق للهوية، سواء أحلناه إلى أصل قومي أو ديني أو مذهبي، هو تشنيئ للذات الإنسانية وتنكير لحرية الفرد واستقلاله وجدارته واستحقاقه، وهو بالتالي إقصاء للآخر على الصعيدين الاجتماعي والسياسي بل إعدام له.

وقد مرت على سورية العديد من الهويات، حيث تمتد عميقاً في التاريخ، فمنذ الألف الثالث قبل الميلاد، عاش على هذه الأرض الفينيقيون والكلدان، إضافة لشعوب أكادية وعمورية وآرامية وآشورية، وما تلاها من فترات السيطرة الفارسية واليونانية والرومانية، وصولاً إلى فترة الحكم الإسلامي في لحظات السيطرة العربية والفارسية والسلجوقية والمملوكية والعثمانية وحتى الفترة الاستعمارية المتأخرة وفترة ما بعد الاستقلال ونشوء ظاهرة الدولة الحديثة في النصف الأول من القرن العشرين.[5]

فسورية حاليا رسمت حدودها ضمن اتفاق سايكس-بيكو عام 1916 تحقيقاً لمصالح المنتصرين في الحرب العالمية الأولى، ودون النظر إلى خصوصية مكوناتها وتنوعها، ولم تأت الحدود السياسية في سورية متوافقة مع الحدود الثقافية والديمغرافية للشعوب، لذا فمسألة الهوية هي مسألة إشكالية منذ نشأة الدولة السورية الحديثة.

تبنت النخبة السورية إحدى النظريات القومية الأوروبية التي تعتمد على اللغة أساساً (نظرية القومية الألمانية) دون أن تلقي بالاً إلى باقي النظريات القومية الأوروبية التي تعتمد التاريخ أو الأمة (نظرية القومية الفرنسية مثلاً), أدى تطبيق النظرية الألمانية إلى اعتبار كل من لا يتحدث العربية أو ليست هي لغته الأم ليس عربياً، أي مواطنا من الدرجة الثانية أو الثالثة, كما أصبح هؤلاء خارج نطاق القومية العربية والوطنية السورية, من هنا كان السوريون الواقعون تحت وهج القومية العربية ينظرون للأكراد والآشوريين والسريان والتركمان وسواهم من السوريين غير الناطقين بالعربية كلغة أم, كغرباء أو رعايا يعيشون على أرض عربية, وهذا ما جعل وطنية هؤلاء غير الناطقين بالعربية منقوصة برأي السوريين الناطقين بالعربية.

وبعد كفاح طويل نجحت العديد من الدول لا سيما الدول الأوربية في صياغة هويات وطنية شاملة وجامعة لشعوبها، عندما أدركوا أن سياسات الهوية يجب أن تقوم على الانفتاح والاعتراف بالتعدد الاجتماعي والثقافي والقيمي والديني. وأن الهوية ليست معطى نهائيا أو مقدسا، بل هي عرضة للمراجعة والنقد والتقويم لتصبح أكثر فاعلية في توحيد المجتمع والدولة، أي أنها ظاهرة قابلة للبناء والتشكيل بحسب ما تقتضيه مصلحة الدولة وشعبها، والمرحلة التاريخية التي تعيشها، ولم تستطع الثورة التي بدأت عام 2011 أن تجد صيغة شاملة لمفهوم الهوية لجميع السوريين بل زادت هذه القضية من معاناة السوريين.

ما يحصل على أرض الواقع منذ 2011 هو محاولة لتحطيم الوجود السوري ذي الهوية السورية من طرف النظام الذي يعتمد على طائفة معينة، ويزداد خطره بحضور الميليشيات الشيعية الخارجية الإيرانية والعراقية واللبنانية  أولا، ومن طرف القوى الأصولية التي تخوض صراعها مع النظام من المنطلق نفسه، وكثير من القوى الفاعلة عربيًا وعالميًا غير مكترثة أبدًا بتطابق الوجود السوري مع هويته، إذًا فالصراع الداخلي السوري المستمر الآن هو بين الوجود السوري الأكثري الساعي للاحتفاظ بالهوية ذات السلطة الديمقراطية المعبّرة عنها من جهة ووجود هويات ما دون الهوية السورية كالهويات السلطوية والطائفية والإثنية والدينية من جهة ثانية.[6]

وعلى هذا، فمن مصلحة السوريين وحدهم أن ينجزوا عقدهم الاجتماعي-الوطني الذي يكفل السلم الأهلي، ويجدد ثقة السوريين ببعضهم البعض، عبر دولة وطنية تمهد الطريق أمام مواطنيها لبناء مؤسسات تكفل مواطنتهم، بل إنه أيضاً من مصلحة العرب أن يكون مسار التسوية السياسية مقدمة لاستقرار سوريا، بما لذلك الاستقرار من أهمية في استقرار العالم العربي، وهو ما يستلزم ألا يغيب العرب عن مسار التسوية، وأن يكون دورهم مساعداً في تمكين السوريين من عملية انتقال سياسي تضمن استقرار سوريا، انطلاقاً من مرجعيات صاغها السوريون، خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها وثيقتا مؤتمر توحيد المعارضة السورية في يوليو/ تموز 2012، اللتان يمكن البناء عليهما.[7]

وفي ظل الصراعات التي تمر بها سوريا، يبرز السؤال التالي: ما شكل الهوية السورية القادمة؟ لتظهر أمامنا عدة مشاريع لكل منها مؤيدوها: الأول مشروع سوريا الأسد القديم، والثاني مشروع الدولة الدينية (الدولة الإسلامية (ISIS)، فتح الشام… إلخ) والثالث مشروع الدولة الفيدرالية التي تسعى إليها الأحزاب الكردية، والرابع مشروع الدولة الديمقراطية التي تسعى إليها المعارضة.

وجوابا على هذا السؤال، يحب أن ندرك أن شكل الهوية الجديدة مرهون بمدى وعي المواطن السوري وتقبله للآخر بدون أي شروط أو تدخل خارجي، وفهم التغيرات الجذرية في بنية المجتمع بعيدًا عن أي تعصب طائفي أو قومي، وتكون نهاية هذه الحرب بداية لبناء مجتمع مدني ديمقراطي يجتمع فيه الجميع تحت قبة القانون والعدالة، هذا ما نجده في تجارب المجتمعات التي عانت من ويلات الحرب ولكنها خرجت منها أقوى اقتصاديا وعلميا وسياسيا.

الأعراق والطوائف في سوريا

تتميز سوريا بتنوع عرقي وديني كبير نظرا لموقعها الجغرافي المتميز وغناها بالموارد الطبيعية التي تجعلها صالحة لحياة السكان، فهي من أقدم الأماكن المأهولة، إذ تم اكتشاف آثار إنسانية فيها تعود لعصور ما قبل التاريخ، حيث لا يزال يوجد حتى الآن في معلولا قرب دمشق من يتكلم الآرامية التي تحدث بها السيد المسيح عليه السلام.

اللغة العربية هي اللغة الرسمية التي يتحدث بها غالبية السكان، حيث يشكل العرب نسبة 92%،ثم يليهم الكورد بنسبة 7%ويشكلون أكبر تجمع عرقي في سوريا، حيث حرم أكثر من 120 ألف كوردي من حق المواطنة والجنسية، وبالتالي فهم محرومون من المساواة في الحقوق الاجتماعية والسياسية، إضافة للعديد من القوميات الأخرى منها الآشورية والسريانية والكلدانية والأرمنية والشركسية والتركمانية.

ولعل التنوع الطائفي يعتبر أحد الأسباب التي أدت لتقسيم سوريا مطلع القرن الفائت إلى عدّة دول منها (دولتين سنيتين: حلب ودمشق، ودولة جبل العلويين العلويّة، ودولة جبل الدروز الدرزية) ولكنها سرعان ما اتحدت في دولة مدنية واحدة سميّت باسم الجمهوريّة العربية السورية.[8]

وحسب الإحصاء الرسمي عام 1985، يشكل المسلمون السنة نسبة 76.1%، يليهم العلويون بنسبة و11.5%،و3% دروز، و1% إسماعيليون، و4.5% مسيحيون، و0.4% شيعة اثنا عشرية، ويرى بعض الباحثين أن نسبة المسلمين السنة في سوريا لا تقل عن 80%، وبحسب عبد الحليم خدام (نائب الرئيس السابق) أن السنة مع الأكراد يمثلون نسبة 85% إلى جانب 9% من العلويين و5% من المسيحيين (بعد أن هاجر كثير منهم).[9]

أما التقديرات الأميركية فتقول أنّ: 77 % من السكان مسلمون سنة، و10 % علويون ومرشدون، 3% دروز وإسماعيليون وشيعة واثنا عشرية، و8% من السكان مسيحيون من طوائف مختلفة، وتوجد أيضا أقلية يزيدية في منطقة جبل سنجار على الحدود مع العراق.

وبفعل حركة الهجرة الداخلية، لا يمكن حصر منطقة جغرافية معينة بفئة عرقية أو دينية منفصلة، بل هناك أغلبية سنية إضافة لوجود ديانات يتوزع أهلها على الشكل التالي:

أولاً: السنة

أكبر طائفة دينيّة في سورية حيث يشكلون ما نسبته 75٪ إلى 80٪ من عدد السكان، وهم منتشرون في مختلف المناطق السورية ويشكلون أغلبيّة في 11 محافظة من أصل 14 محافظة سوريّة ومعظم المدن السوريّة، وتعتبر أهم التجمّعات كالعاصمة دمشق وحلب وحمص وحماة مدنا سنيّة، وبشكل عام فنسبة السنّة في المحافظات تشبه نسبتهم من تعداد سكّان سورية.

تقدر الأمم المتحدة أن عدد السكان في سوريا انخفض من 24.5 مليون نسمة قبل اندلاع الحرب إلى نحو 17.9 مليون شخص حاليا، يصنف “أيضا” ستة ملايين منهم كنازحين داخل سوريا بعد اضطرارهم للفرار من ديارهم للبحث عن أماكن أكثر أمنا. [10]

الغالبية العظمى من النازحين واللاجئين من السكان السنة، فالأردن لجأ إليها أكثر من مليون ونصف، وتركيا لجأ إلها ثلاثة ملايين شخص مسجلين بصفة حماية مؤقتة، أما لبنان فقد لجأ إليها أكثر من مليونين، ما مجموعه 6.5 مليون نسمة كلهم من السنة، أضف إلى ذلك اللاجئين في العراق ومصر والسودان ودول أوروبا وأمريكا، وإذا ما حسبنا عدد القتلى والجرحى الذين بلغ عددهم مليوني سوري[11] نجد أن التركيبة السكانية بدأت تهتز بشكل صارخ وجلي.

ثانياً: العلويون

يتركز أبناء الطائفة العلوية التي تتبع المذهب الجعفري الشيعي الإثني عشري في قرى الساحل السوري، وبعض مناطق الداخل والقريبة من الداخل، وتعتبر ثاني أكبر طائفة في سوريا، حيث يشكلون ما بين 7- 15 % من عدد السكان، يتركز العلويون في مناطق الساحل في محافظتي اللاذقية وطرطوس إضافة لتواجدهم في مناطق متفرقة من حمص وحماه ودمشق.

وقد دفعت الطائفة العلوية ثمنا باهظا دفاعا عن النظام السوري فمن بين 250 ألف شخص في سن تؤهّلهم لحمل السلاح، ثلث هؤلاء أصبحوا في عداد القتلى، حتى أن القرى العلوية الواقعة في تلال اللاذقية خلت من الشباب خلواً شبه تام.[12]

ثالثاً: الدروز

الكثافة الأعلى لهم في المنطقة الجنوبية بجبل العرب في محافظة السويداء، فضلا عن وجود أكثر من 40 ألف درزي في هضبة الجولان المحتل يتحدثون اللغة العربية، ويطلقون على أنفسهم اسم “الموحدين”، إذ يؤمنون بوحدة الله وبالديانات السماوية، ويعتبرون أن كل الديانات على غرار اليهودية والمسيحية والإسلام متشابهة.

نسبة كبيرة منهم مغتربون في دول الخليج ودول أميركا اللاتينيّة خصوصاً فنزويلا، وقد انتفضوا سنة 2000 ضد حكم حافظ الأسد بسبب ممارسات الأمن، حيث انتهت انتفاضتهم باقتحام الدبابات لمدينة السويداء.

 حذر الشيوخ الدروز في سوريا من الحرب، ودعوا إلى البقاء بعيداً عن مرمى الاشتباكات في بداية الحرب السورية، ما لبثت أن انضمّت وحداتٌ صغيرة من الطائفة الدرزية إلى المعارضة السورية والجيش السوري الحر، إذ تمكنت من السيطرة على جزءٍ كبير من محافظة السويداء، ولكن دعوات التطهير العرقيّ والدينيّ فضلاً عن احتجاز الرهائن، وقتل بعض المدنيين في شمال إدلب على يد جماعات متطرفة،ونتيجة حسابات إقليمية معينة، منها مقاربة اسرائيل للوضع في سوريا، وعدم حصول الثورة السورية على الدعم الدولي اللازم لإنهاء النظام دفعهم للتراجع، وتقف نسبة كبرى منهم حاليا لجانب النظام بعد أن شكلوا مليشيات مسلحة مدعومة من قبله وتقاتل مع قواته.

رابعاً: المسيحيون

الطائفة المسيحية هي الطائفة الأكثر انفتاحاً وتعليماَ وتمدنا في سوريا، ينتشر المسيحيون في كل أنحاء البلاد، وفي بعض المدن يتركزون في أحياء معينة، أو في قرى بأكملها، مع الإشارة إلى وجود عرقيات مختلفة مثل الآشوريين والكلدان والسريان والأرمن والآراميين.

ودخلت المسيحية إلى سوريا في عهد باكر جداً في البدايات الأولى للمسيحية، ومنها انطلق عدد من الرسل وآباء المسيحية إلى العالم، يوجد في سوريا الكثير من المقدسات الهامة في تاريخ المسيحية وتعد أقدمها من أديرة وكنائس، بعد الفتح الإسلامي لبلاد الشام تحول أكثرهم للإسلام، عدد من مسيحيي سوريا انتقل إلى لبنان أثناء الحكم الفرنسي، والكثير من العائلات المسيحية في لبنان هي عائلات سورية، كما هاجر الكثير منهم إلى البلاد الغربية عقب قوانين التأميم التي حدثت بعد استيلاء حزب البعث على السلطة، وتقدر الحكومة الأميركية عدد المهاجرين المسيحيين ما بين 1967 إلى 1968 بـ 300,000 مسيحي.[13]

تضمن التشريعات والقوانين لهم حقوقاً سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية على قدم المساواة مع باقي الطوائف والأديان التي تشكل المجتمع السوري، ورغم ذلك نجد أن أعدادهم في تناقص مستمر خصوصا خلال السنوات القليلة الماضية، لعل السبب الأبرز لهجرتهم هو العامل الاقتصادي والبحث عن فرص أفضل للعيش.[14]

انخرط العديد من النشطاء المسيحيين في الجوانب اللوجستية للثورة، وذلك في بداية انطلاقتها، فقاموا بتوظيف قدراتهم لتغيير نظام الحكم والتخلص من عبء الأجهزة الأمنية، ولكن عدم وجود قيادة مشتركة للثورة، إضافة لسيطرة المتشددين على مساحات واسعة من البلاد دفعهم للحذر والتراجع، وانخفض عدد المسيحيين في سوريا منذ بداية الحرب من 2.2 مليون إنسان إلى 1.2.[15]

وتجدر الإشارة إلى أن المسيحيين يتبنون مبدأ علمانية الدولة ويشجعون عليه لأنه الضامن للعيش المشترك، فبحسب اعتقادهم أن تراجع العلمانية يعني نهاية التعايش وتفاقم مشكلة الهجرة، لأن سوريا حسب وصفهم لا يمكن أن تكون إلا علمانية إن أرادت أن تسير على خطى التقدم والحداثة.

خامساً: الشركس

لا توجد إحصاءات رسمية للشركس في سوريا وتقدر أعدادهم بين 100-200 ألف نسمة، وهم متواجدون في سوريا منذ بداية هجرة الشركس إليها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بعد ثورة القائد (شامل) ضد الحكم القيصري وفشل تلك الثورة، وتكثفت هذه الهجرة في مطلع القرن العشرين.[16]

وقف شركس سوريا بعيدين عن الثورة مع استثناءات لبعض الناشطين والمعارضين غير أن الشريحة الأهم منهم وقفت على الحياد فهي ضد النظام القمعي ومع الديمقراطية لكنها في نفس الوقت خائفة من القادم وتخشى على مكونها الأقلي في سوريا.

سادسا: الأكراد

يقدر عددهم بأكثر من مليون كردي، يتركزون في المناطق الشمالية الشرقية، خاصة محافظة الحسكة والقامشلي والشمالية في ريف حلب قريبا من الحدود مع تركيا، إضافة إلى حي الأكراد في دمشق، وينتشرون على كافة الأراضي السورية ويختلطون تماماً بالنسيج السوري المتنوع.

ضيقت الحكومات السورية المتعاقبة على الأكراد ولم تعترف بحقوقهم كحق تدريس لغتهم في المدارس العامة وإقامة مدارس خاصة بهم وإصدار صحف باللغة الكردية، ولم تفتح أمامهم كامل وظائف الدولة، إضافة إلى أنها أهملت مناطقهم ولم تشملها بالتنمية كبقية المناطق السورية رغم غناها الزراعي والنفطي والبشري فضلاً عن إبقاء قضيتهم في الحصول على الجنسية والمواطنة معلقة، ما حرم أكثر من 160 ألف كردي من حق الجنسية.

 انسحب النظام السوري في بداية الثورة من بعض المناطق التي يقطنها الأكراد في شمال شرق سوريا وشمال غربها وقام بتسليمها إلى حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني الذي قام باستعراض قوته وإنزال الأعلام السورية ورفع الأعلام الكردية مكانها على المؤسسات والمباني الرسمية.[17]

ورغم خصوصية الحالة الكردية السورية إلا أنه لا يمكن فصلها عن القضية الكردية الإقليمية، إذ يجد الأكراد أنفسهم أمام فرصة قد لا تتكرر للسير خطواتٍ على طريق إقامة الدولة الكردية الكبرى التي جرى تأجيلها لأكثر من 100 عام، منذ أن تم إعطاء الأكراد وعداً من قبل البريطانيين والفرنسيين بإقامة دولة كردية مستقلة، وذلك بموجب معاهدة سيفر عام 1920، لكن هذه الدولة لم ترَ النور نتيجة الظروف السياسية التي سادت العالم حينها لذلك ينشدون اليوم في ظل ما يحصل في سوريا لتحقيق مكاسب قومية والوصول إلى الفيدرالية أسوة بإقليم كردستان العراق.[18]

وتدعم الولايات المتحدة القوات الكردية بما فيهم حزب العمال الكردستاني، خاصة في حربها ضد تنظيم الدولة الإسلامية ISIS)) ومع وصول إدارة ترامب إلى الحكم زاد الدعم الأمريكي للأكراد السوريين، فقد وصلت مركبات مدرعة لأول مرة لهذه القوات، وقد ضمت الشحنة ذاتها أيضًا ناقلات جند وأسلحة متطورة، إضافة لزيادة عدد القوات الأمريكية والقواعد التي أنشأتها في مناطق سيطرتهم. [19]

سابعا: التركمان

لا توجد إحصائية دقيقة، لكن بعض المصادر رجحت أن تكون نسبتهم 3% من تعداد السكان، وهم يتوزعون في كل من حلب ودمشق وحماة وحمص والجولان واللاذقية والرقة ودرعا، عملوا بالزراعة والتجارة وانخرطوا في النشاطات الثقافية والسياسية.

لم يحصل تركمان سوريا على حقوقهم في الحياة السياسية والاجتماعية في سوريا رغم وجودهم الكبير، وذلك بغاية خفض التمثيل المجتمعي لتركمان سوريا في البرلمان بعد الاستقلال، وكان لا يسمح لهم في أن يمثلوا قوميتهم في مجلس الشعب السوري في انتخابات 1954، وفي عام 1953 تم إلغاء النظام الطائفي تماما.[20]

اعتقل النظام السوري المئات من مثقفيهم وتحفظ عليهم بالسجون في فترة التسعينات، وتمت محاربة لغتهم وتجريم النشر والكتابة بها، ومنع نشر ثقافتهم المختلطة بالتركية، وعدم الترخيص للجمعيات الثقافية التي تعنى بذلك، ليس هذا فقط، بل تم فرض المزيد من التشريعات التي قلّصت الأحوال الشخصية الخاصة بهم، كما أنهم مُنِعوا من المشاركة في القطاعات العسكرية والأمنية، وتم منعهم من الحصول على جوازات السفر.[21]

لم ينضم التركمان للثورة السورية ضد نظام الرئيس بشار الأسد في بداياتها، إلا أن الظروف المتعاقبة وزيادة مستوى العنف دفعتهم في النهاية إلى الانخراط في الصراع، وشكلوا ألوية عسكرية منها لواء الجولان في دمشق واللواء التركماني الأول في القلمون، والذي تشكل من أبناء القصير الذين نزحوا بعد اجتياح مدينتهم، وتمكنوا من تأسيس كتل سياسية ناجحة في تركيا موطنهم الأم، وأنجزوا العديد من الأمور التي تخص التركمان، بما يتعلق بأمورهم القانونية وعملية نزوحهم وهجرتهم وإيوائهم في المخيمات داخل سوريا وخارجها في تركيا ولبنان، إلى جانب تأمين الغذاء والمؤن والدواء للمحاصرين والنازحين في الداخل السوري أيضًا.[22]

ثامناً:اليهود

اليهود أقدم طائفة دينية في سوريا، كما أن أقدم كنيسة لليهود في العالم توجد في دمشق، فيما خرجت أول كتابة للتوراة من مدنية حلب الواقعة شمال غرب سوريا.

عاش في سوريا قبل عام 1942 نحو ثلاثين ألف يهودي، كانوا موزعين على دمشق وحلب والقامشلي، تقلص عددهم نتيجة هجرة الآلاف منهم عام 1947 مع صدور قرار تقسيم فلسطين واستعار الحرب خلال محاولة اليهود احتلالها وإعلان وثيقة الاستقلال على أرضها.

وقبل حقبة حكم حافظ الأسد كان ممنوعا على اليهود التنقل داخل سوريا دون موافقة رسمية، وأما سفرهم خارج البلاد فكان صعبا جدا، فيما استمرت مشكلة رئيسية لهم وهي كتابة كلمة موسوي [23]على خلفية بطاقاتهم الشخصية.

ومع اندلاع شرارة الحرب عام 1967 فرّ عدد منهم ولم يبق سوى نحو مائتي يهودي هاجر عدد كبير منهم خلال تسعينيات القرن الماضي بعد سماح حافظ الأسد لهم بمغادرة البلاد، فيما أشارت آخر الإحصاءات إلى أن 22 يهوديًا فقط بقوا في سوريا خلال السنة الماضية، ولعلّ الأرجح أن سوريا صارت خالية من اليهود بعد تنفيذ إسرائيل عمليات لإجلائهم خلال العامين الماضيين.[24]

لا يعترف يهود سوريا بثورة في البلاد، حتى حين كانت بينهم في حي جوبر الدمشقي، وأثناء ارتكاب قوات الأمن السوري للانتهاكات بحق أهالي الحي كانوا يتهمون الجيش الحر بقصف كنيسة “سيدنا الخضر” في جوبر وتهديدهم.[25]

نفذت جهات أمريكية وإسرائيلية عملية عسكرية لإجلاء إحدى آخر العائلات اليهودية المقيمة في مدينة حلب شمالي سوريا ومنح بعض أفرادها ما يعرف بـحق العودة إلى إسرائيل.[26]

تاسعاً: الشيعة

يشكل الشيعة 0.4 في المئة، حيث وجدت الأغلبية الشيعية الكبيرة التي هجرت العراق قبل الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2003 ملاذها الآمن في سوريا، وأبرز المناطق التي يتواجد فيها الشيعة بسوريا هي: في العاصمة دمشق زين العابدين والجورة والأمين، وكفريا والفوعة شرق ادلب، والتي يبلغ عدد سكانها20 ألف نسمة كلهم شيعة، وفي درعا حيث يتواجد حوالي ألف نسمة، وفي حمص يتوزع الشيعة على قرى كثيرة أهمها أم العمد، وتوجد أقلية مهاجرة من لبنان تمركزوا في عدة مناطق منها: الشيخ مسكين، نوى- مزيريب، المليحة، الكسوة.[27]

بدأ الظهور الشيعي العلني في دمشق بعد عام 2011، فانتشرت الرايات السوداء وأعلام حزب الله في المدينة وفي ساحات المسجد الأموي بعد أن كان تواجدهم مقتصراً على منطقة السيدة زينب وحي زين العابدين.

جرى ذلك بعد دخول المقاتلين الشيعة بصورة مباشرة إلى جانب النظام السوري بتوجيه ودعم مباشر من إيران وذلك لعدة أسباب نذكر منها:

  • تحقيق حلم الهلال الشيعي الذي يمتد من إيران للعراق ويصل إلى البحر الأبيض المتوسط.
  • الأطماع التاريخية بعودة النفوذ الفارسي للمنطقة والذي وحسب معتقدات الشيعة سيعجل بظهور المهدي المنتظر.

عاشراً: الاسماعيلية

تبلغ نسبة الإسماعيليين حوالي 1% من إجمالي تعداد سكان سورية، يتركز وجود الطائفة الإسماعيليّة في سورية وبشكل أساسي في محافظتين: حماة وتحديدا في منطقة “السلمية ومصياف” إضافة لأقلية صغيرة في حماة المدينة، ومحافظة طرطوس ببلدة القدموس وريفها.[28]

الطائفة الإسماعيلية أكثر الأقليات الإسلامية انفتاحا على الإطلاق، وهم محبوبون نسبيا في سورية، وخصوصا بعد الثورة لأنهم الأقلية الوحيدة التي خرجت مع الثورة في بدايتها، لأنهم فعلا عاشوا ليس كأبناء أقلية وإنما كأبناء البلد، وهناك 24 ألفا من أبناء السلمية هم بحكم الفارين من الخدمة الإلزامية[29]

تأثير الحرب على الروابط الاجتماعية

تعتبر القيم التي كان يتميز بها الشعب السوري قبل 2011 مثالا يحتذى به للشعوب الأخرى، حيث لا فرق بين مسيحي ومسلم ولا بين فقير وغني إلا من خلال ما يقدمونه من أعمال تخدم المجتمع والبلد ككل، ولكن نتيجة استمرار الحرب لفترة طويلة وما صاحبها من الفقد والغياب والشهادة والموت والوداع والبكاء والهجرة وفقدان مصادر الدخل والبطالة والبحث عن عمل مهما كان نوعه وطبيعته، وإيجاد المأوى والأمن والأمان وتأمين أجور البيوت، كل ذلك ساهم بتفكك الروابط الاجتماعية في ظل تقطيع أوصال الأسرة الواحدة بين النزوح واللجوء والانعزال.

ونتيجة الأوضاع الأمنية التي تهدد حياة السوريين والظروف الاقتصادية المزرية التي يعيشونها، أصبحوا عاجزين حتى عن التواصل العاطفي فيما بينهم وسادت القسوة بالتعامل.

بدت حالة استقطاب واضحة وانقسم المجتمع بين مؤيد للثورة ومعارضٍ لها، الانقسام الذي امتد إلى داخل الأسرة الواحدة فكرياً وسياسياً وعقائدياً، وبرزت الأنانية وحب الذات والبحث عن المصلحة الفردية وعدم احترام العلاقات وغيرها من الأمور التي كانت من صلب طبيعة مجتمعنا.

من جانب آخر وجد اللاجئ نفسه تحت ضغط التزامات كبيرة في مجتمع غريب عنه، أجبره على تعلم لغات غريبة عنه، بالإضافة إلى ما توجب عليه من استخراج أوراق رسمية وترتيب شؤونه وشؤون أسرته في بيئته الجديدة التي تختلف في عاداتها وتقاليدها عن بيئته الأساسية، وكان لها الأثر السلبي على الروابط الاجتماعية من ناحية صعوبة التواصل وغيرها.

ومن نتائج امتداد الحرب تجلت قضايا كثيرة أمام عموم المجتمع السوري منها: تراجع وانحسار دور أطراف الصراع العسكري بالسيطرة على حاضنتهم الشعبية، ساهم ذلك إلى حد كبير في تخفيف حدة التوتر الطائفي في المجتمع.  

حيث فشل النظام بالسيطرة على مناطق واسعة تقع تحت سيطرة المعارضة بعد سنوات من الصراع الدامي،إضافة لانعدام الأمن والأمان في مناطق سيطرته، حيث ترافق ذلك مع سياسة الإفقار والتجويع التي نالت من أغلبية الشعب السوري، والدور الذي تلعبه مافيات الخطف والسرقة والابتزاز مع غياب القانون والمحاسبة، كل ذلك أثر على القاعدة الشعبية للنظام حيث انكشف شعبيا أمامها.

 أما على صعيد المعارضة، فقد ساهمت الانقسامات العسكرية والصراعات التي دارت بين أطرافها، خاصة بعد صعود تنظيم الدولة (ISIS) والنصرة وابتعاد هذه القوى عن قيم وأهداف الثورة بدفع المجتمع لاتخاذ مواقف من القوى العسكرية حسب قربها وبعدها عن قيم الثورة.[30]

الإجراءات الواجب اتخاذها لتخفيف آثار الحرب على الروابط الاجتماعية

  • إعداد خطط عمل تعليمية وتربوية لرفع مستوى ثقافة المواطن السوري بشكل عام والفئة العمرية التي ترعرعت في أجواء الحرب بشكل خاص.
  • توفير ظروف حياة كريمة للمواطنين تتناسب مع غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار من خلال زيادة عدد المشاريع التنموية والإعمار وتوفير فرص العمل.
  • إقامة مراكز دعم وتأهيل اجتماعي تستهدف كافة شرائح المجتمع السوري لتعزيز الروابط الاجتماعية ونزع بذور الأنانية والفساد التي انتشرت خلال الفترة الماضية.
  • إعادة تأهيل المنظومات الأمنية في مناطق النظام والمعارضة حسب قوانين حقوق الإنسان بهدف القضاء على ظواهر القمع والكبت ومصادرة حرية التعبير المتفشية في كافة المناطق السورية.
  • تعزيز الحريات السياسية للسكان من خلال إنشاء منظمات حقوقية مستقلة تعنى بمراقبة الانتهاكات، وتوطيد ونشر ثقافة التنوع وقبول الأخر، وتفعيل دور الأحزاب والتيارات السياسية التي تضع في أولوياتها الإنسان، ودعم التجمعات الفكرية والنخب الثقافية لأنها الأقدر على صناعة القرار ورسم مستقبل البلاد بما يتناسب مع حاجات السوريين.

تصاعد التيّارات الدينيّة الإسلاميّة المحافظة

بعد بداية الثورة السورية 2011 وتحولها إلى صراع مسلح بين الفرقاء السوريين، برزت ظاهرة التيارات الإسلامية المتشددة نتيجة لعدة عوامل نذكر منها:

  • الوضع الاقتصادي المتردي وسيطرة الأقليّات خصوصاً الأقليّة العلويّة على معظم الاقتصاد السوري.
  • تأثر السوريين بشكل عام وفئة الشباب خصوصاً بالأفكار الإسلاميّة المحافظة بفعل عدة عوامل منها الحماس الديني والعاطفي نتيجة الرسائل التحريضية التي عملت هذه التنظيمات على نشرها عبر وسائل الاتصال.
  • التدخل الإيراني المباشر أو عن طريق وكلائهم في المنطقة وتزايد أعداد المرتزقة من الشيعة والأفغان عامة وارتكابهم أشنع المجازر بحق السوريين من ذبح وحرق وتشريد جماعي.
  • تردد المجتمع الدولي في دعم قضية الشعب السوري والتذرع بحجج واهية إضافة للتغاضي عن الجرائم التي ارتكبها نظام بشار الأسد وحلفاؤه.
  • العنف الذي واجه به نظام الأسد وأجهزته الأمنية السوريين من قصف بالبراميل المتفجرة وارتكاب المجازر الجماعية وحرق السجناء قبل أو بعد تصفيتهم وانتهاء باستخدام الأسلحة الكيماوية.
  • الاستراتيجية التي اتبعتها أنظمة الحكم في دمشق، بغداد، طهران، للسيطرة على خيرات منطقة الشرق الأدنى والتأثير على مستقبلها السياسي.
  • ابتعاد نظام الحكم عن تقاليد غالبية الشعب السوري الذي ينتمي للطائفة السنية والعمل بقوانين قديمة نسبيا لا تناسب واقع العولمة الذي نعيشه في عصرنا الراهن.
  • الدعم المالي والعسكري الكبير من قبل الأفراد والدول للفصائل الإسلامية دفع الكثير من عناصر الجيش الحر للالتحاق بصفوفها.
  • الدور الذي لعبته دول الخليج العربي في دعم وتمويل هذه الجماعات ورعايتها نتيجة حذرها وخوفها من انتصار ثورة ديمقراطية في سوريا تهزّ ارتداداتُها الإقليم بما فيه دول الخليج العربي ذاته.
  • شجّع الدعاة المعتمدون من الحكومات الشباب الغاضب على السفر إلى سورية، وفي حزيران 2013 قال أحد كبار المسؤولين في حكومة مرسي إن مصر لن تعاقب المقاتلين العائدين من سورية.

التداعيات السياسية للثورة السورية على المجتمع

شهدت سوريا منذ عام 2011 موجة  الاحتجاجات ضد الفساد الذي استشرى في مفاصل الدولة، وتسلط الأجهزة الأمنية على كافة مناحي حياة السوريين، وكانت الاحتجاجات السلمية تهدف للتغيير في المجتمع نحو نظام ديمقراطية ينادي بمبادئ حقوق الإنسان معتمدين بالأساس على العامل التكنولوجي والثورة الرقمية ليتطور الوضع فيما بعد إلى مواجهات عنيفة بين جموع المنتفضين ونظام الحكم القائم في البلاد الذي استخدم كافة أنواع العنف لإخماد الثورة، ما فتح الطريق أمام المتطرفين والمتشددين من جميع الأطراف لاستغلال الوضع القائم وإشعال نار الفتنة بين أفراد الشعب الواحد، مما زاد في تعقيد المشهد السوري لتواجه الثورة في سوريا حربا أهلية دموية بين مختلف المكونات إضافة لحربها مع النظام.

في ظل إصرار الشعب على سلمية ثورته كخيار استراتيجي له وتجنباً للدمار ومزيداً من القتل والعنف، اعتمد النظام استراتيجية ثابتة تحت شعار “الأسد أو نحرق البلد” متهما المظاهرات المطلبية التي انطلقت في عموم سوريا بأنها مؤامرة كونية تستهدف محور المقاومة والممانعة، وأكد على أن كل مسلح تقف خلفه عائلة تحميه وحاضنة شعبية وبالتالي وضع نفسه أمام مواجهة الشعب بأكمله.[31]

واستمرت روسيا بدعمه في المحافل الدولية منذ اليوم الأول لانطلاق الثورة، فقد استخدمت حق النقض الفيتو خمس مرات ضد أي مشروع قرار يدين النظام السوري إلى أن كللت هذا الدعم بإعلان أولى ضرباتها الجوية في سوريا بتاريخ 30/9/2015 ليتحول لاحقا إلى قيادة مباشرة للعمليات على الأرض وفي الجو مترافقا مع دعم لوجستي وسياسي كبير، جاء ذلك مقابل التنازلات التي قدمها النظام السوري لصالح روسيا التي باتت تعمل اليوم على استراتيجية إعادة تنظيم المجتمع السوري من خلال مناطق خفض التصعيد التي تحاول تطبيقها في البلاد.

بينما  اكتفت الولايات المتحدة الأمريكية ومن خلفها حلفاؤها المتمثلون بدول الخليج وتركيا والاتحاد الأوروبي بتقديم الدعم اللوجستي وتدريب بعض مقاتلي المعارضة عن طريق برنامج المخابرات المركزية الذي أثبتت الأيام فشله، وكذلك تسليح قوات سوريا الديمقراطية التي يشكل حزب العمال الكردستاني عمودها الفقري في الشمال والشمال الشرقي من سوريا، جاءت كل التحركات الأمريكية في إطار التحالف الدولي الذي شكلته الولايات المتحدة الأمريكية لمحاربة الدولة الإسلامية (ISIS) والإرهاب في سوريا، إضافة لقيامها بتوجيه ضربة مباشرة لقاعدة الشعيرات العسكرية إثر قصف الطيران الحربي السوري لمدينة خان شيخون التي تسيطر عليها قوات المعارضة بالأسلحة المحرمة دوليا بتاريخ 4/4/2017، هذه التحركات التي ستؤدي إلى مواجهة حتمية بين الأكراد الذين يسعون لإقامة دولتهم المستقلة وبين باقي أطياف المجتمع.

على صعيد المعارضة السورية فقد عملت على تشكيل العديد من الهيئات والتكتلات السياسية التي تتسم جميعها بطرح ضرورة الانتقال السلمي لدولة مدنية ديمقراطية تعددية يكون الشعب السوري هو صانع القرار السياسي فيها، لكنها تختلف فيما بينها بالآليات ولعل أهمها: هﻴﺌﺔ ﺍﻟﺘﻨﺴﻴﻖ ﺍﻟﻮﻃﻨﻴﺔ ﻟﻘﻮﻯ ﺍﻟﺘﻐﻴﻴﺮ ﺍﻟﺪﻳﻤﻘﺮﺍﻃﻲ والمجلس الوطني السوري وﺍﻻﺋﺘﻼﻑ ﺍﻟﻮﻃﻨﻲ ﻟﻘﻮﻯ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ ﻭﺍﻟﻤﻌﺎﺭﺿﺔ السورية والهيئة العليا للمفاوضات.

يعيش المجتمع السوري مع هذه الأوضاع الداخلية والمواقف الدولية حالة اغتراب سياسي نتج عن سنوات القمع وإغلاق الأبواب أمام جل الأصوات الرافضة لخيارات نظام بشار الأسد الذي آثر مصالح المقربين منه على مصالح السواد الأعظم من شعبه، زاد من ذاك الإحساس وتلك المعاناة ظهور جماعات مسلحة متشددة استغلت بدورها حالة الفوضى القائمة لتنفيذ مشاريعها.

خلاصة

  • الريف السوري واسع النطاق ويشكل نحو 46% من السكان وعمله الأساسي في الزراعة كما في السياحة لبعض المناطق الريفية بنتيجة تضخم الريف وتحديثه، ولم تبق منطقة ريفية إلا تعرضت للضر حيث تركزت المعارك خلال الفترة الماضية في الأرياف أكثر منها في المدن ولذا فمن الضروري إعادة تأهيل القطاع الزراعي وبناء المجتمع في المناطق الريفية.
  • تعد سوريا من البلدان النامية والفتية، حيث 40% من الشعب السوري هم أطفال دون سن العاشرة، ومتوسط إنجاب المرأة السورية الواحدة 4 أطفال ويرتفع في المحافظات الشرقية عن هذا المعدل المتوسط إلى 7 أطفال في الأسرة الواحدة، وخلال فترة الحرب الممتدة في سوريا منذ 2011 لدينا جيل كامل تأثر بتداعيات الحرب، فمن الواجب إعداد الخطط التعليمية والنفسية لتوجيه هذا الجيل ليكون فعالا في إعادة بناء الدولة.
  • سوريا بلد متنوع عرقيا ودينيا، فموقع البلاد ونشاطها التجاري وغناها جعلها منطقة اجتذاب للهجرات منذ القدم، لكن المكونات الاجتماعية والقومية مؤهلة للتعايش بشكل سلمي فيما بينها بشرط بناء حكم متوازن وعادل.
  • تثبيت الهوية العربية باستعراب غالبية البلاد حصل في عصر الدولة العباسية في القرن العاشر، كذلك استقرار القبائل الكردية في حلب والجزيرة يعود أيضا لمرحلة ضعف الدولة العباسية في القرن الحادي عشر وما تلاه، وكان للحروب الأهلية بين الأمراء لاسيّماالسلاجقة دور في استجلاب قبائل تركمانية لمساندتهم في الحروب الداخلية فكل القوميات السورية لها تاريخ عريق في سوريا ويجب تنظيم مؤتمرات حوار وندوات مع كافة القوميات في سوريا لإيجاد صيغة تفاهم فيما بينها بهدف الحفاظ على وحدة سوريا.
  • لا تعاني سوريا من مشاكل في البنية الداخلية للدولة فقط، بل الأمر أبعد من ذلك وهو وجود بذور صراع مستحدث بين الثقافات والطوائف ناتج عن خلل في ممارسات السلطة خلال العقود الماضية، فمن الواجب دعم المشاريع التي يقودها الأفراد والجماعات داخل سوريا عن طريق الهيئات والمراكز التي ينشئونها والتي تعزز وحدة المجتمع السوري وتوطد العلاقات بين مختلف الطوائف.
  • حول المسألة الكردية في سوريا، يجب تنظيم مؤتمر لحوار صادق وصريح يهدف من خلال إشراك الدول المجاورة وإنشاء لجنة تحقيق خاصة معترف بها دوليا إلى التوصل لحل مستدام لوضع الأكراد في سوريا.
  • الثورة التي بدأت منذ 2011 والمستمرة إلى الآن أسست للجمهورية الثالثة،لذلك يجب أن تشمل المرحلة القادمة دستور ونظام حكم جديدين إذا أرادت القوى العظمى تعزيز السلام والوصول لحل جذري للقضية السورية بحيث لا يتفجر الوضع من جديد.

[1] نظرية العقد الاجتماعي، منارة دمشق، بابونج، تاريخ النشر 16/4/2016

[2]في ماهية المجتمع المدني، الغد، تاريخ النشر 18/3/2005

[3]في ماهية المجتمع المدني، الغد-أفكار ومواقف، تاريخ النشر 18/2/2005

[4] الهوية السورية المبددة..هل في وسع السوريين استعادة هويتهم الوطنية الجامعة؟ عبدالأحد صطيفو، مركز حرمون للدراسات المعاصرة تاريخ النشر 26/7/2016

[5]الورقة الخلفية لمؤتمر الهوية الوطنية: دمشق 6-7 أيلول/سبتمبر 2017، مركز دمشق للدراسات والأبحاث، تاريخ النشر 7/3/2017

[6]مرة أخرى: السوري بين الهوية والوجود، أحمد برقاوي، تطورات جنيف، تاريخ النشر 4/6/2017

[7]الصراع على هوية الدولة السورية، حسام ميروا، مجلة الخليج، تاريخ النشر 30/1/2017

[8]تعرّف أكثر على فسيفساء الشعب السوري، مواطن سوري، تاريخ النشر 5/9/2011

[9]التوزع الجغرافي لسكان، المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية، تاريخ النشر 14/4/2011

[10]الحياة والموت في سوريا-بعد خمس سنوات من الحرب، ماذا تبقى في البلاد؟الشرق الأوسط، تصميم: تشارلوت ثورنتون وتوم نيرس. تطوير: بونيت شاه. فيديو: عساف عبود وجو إنوود. انتاج فيديو إضافي: هنري كلارك برايس. كتابة وإخراج: بيلا هاريل وجون والتون وناسوس ستيليانو وإدوين لوثر ومايك هيلز وخليل لبد ومحمد يحيى، تاريخ النشر 15/3/2016

[11]إحصائية: نحو مليوني قتيل وجريح منذ اندلاع الثورة السورية.. فما هي خسائر كل طرف بالأرقام؟ الشرق الأوسط، تاريخ النشر 7/2/2015

[12]التلغراف البريطانية: ثلث العلويين القادرين على حمل السلاح قتلوا، كلنا شركاء، تاريخ النشر 4/7/2015

[13]السكان في سورية، المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية،  

[14]مسيحيو سوريا: قرى خاوية وأرقام غائبة ونزيف الهجرة متواصل، تيسير خلف، مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط، تاريخ النشر 3/6/2014

[15]تقلص المسيحيين في سوريا بمليون منذ بداية الحرب، اسأل أكثر، تاريخ النشر 1/6/2016

[16]الشركس في سوريا.. أقلية أجبرها العنف على الرحيل، صحيفة العرب، العدد 9288 ص (13) تاريخ النشر 13/8/2013

[17] ملف خاص الأكراد السوريون.. سوريون أكراد، خالد قنوات، سوريتنا العدد 65، تاريخ النشر 16/12/2012

[18]هل يتحقق الحلم الكردي في سوريا؟ فاضل الحمصي، الجمهورية، تاريخ النشر 1/2/2017

[19]كيف غيَّر أكراد سوريا ساحة المعركة الآن؟ ميرفت عوف، ساسة بوست، تاريخ النشر 3/5/2017  

[20]التركمان في سوريا، عقود من الاضطهاد، سامية السيد، تركيا بوست، تاريخ النشر 30/9/2015

[21] التركمان: سر عدائهم للأسد ولماذا يمثلون رقمًا هامًا في الحرب الدائرة في سوريا زهراء مجدي، ساسة بوست، تاريخ النشر 26/9/2015

[22]التركمان السوريون، سيما نعناعة، عنب بلدي، تاريخ النشر 22/2/2016  

[23] لغز اللّحامين الذي تسبب في هجرة يهود سوريا، حيان نيوف، العربية، 4/4/2006

[24]“إسرائيل” تجلي عائلات يهودية من حلب السورية وتعيد فتاة بشبهة الإسلام، هيئة الإذاعة التركية، تاريخ النشر 9/11/2015

[25]يهود سوريا: مع الأسد.. ضد إسرائيل، فادري الداهوك، المدن، تاريخ النشر 2/6/2014

[26]“إسرائيل” تجلي عائلات يهودية من حلب السورية وتعيد فتاة بشبهة الإسلام، هيئة الإذاعة التركية، تاريخ النشر 9/11/2015

[27]أوضاع الشيعة في سوريا، محمد مظهري، مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط، تاريخ النشر 1/6/2014

[28]الاسماعيلية.. شيعة مع الثورة السورية، مدونة مبادرتنا، أخر تحديث 26/11/2012

[29] مدينة “السلمية”.. بين مطرقة النظام وسندان “التنظيم” سارة ابراهيم، الجزيرة، تاريخ النشر 19/9/2014

[30]تأثير مسارات الحرب والحوار على العلاقة بين أطياف المجتمع السوري، سحر حويجة، شبكة المرأة السورية، تاريخ النشر 23/10/2016

[31]قرأه في الواقع السياسي في سوريا منذ بداية الثورة، محمد قنطار، تيار الغد السوري

أطفال سوريا في زمن الحرب

أطفال سوريا في زمن الحرب

مقدمة

الانتهاكات والجرائم المرتكبة في سوريا لا يقتصر أثرها على المجموعات المقاتلة، بل تطال مختلف فئات المجتمع، ولعلّ الأطفال هم الفئة الأكثر تأثراً بها، لأنهم العنصر الأكثر ضعفاً في المجتمع، وقد نالهم من التعذيب ما يخالف جميع القوانين والأعراف الإنسانية والدولية، حتى أنّ عدداً ليس بالقليل مات في المعتقلات، وحرم أغلبهم من التعليم، واضطروا للهجرة واللجوء مع ذويهم إلى حيث ينشدون السلام والأمان. غَرِق بعضهم، وفُقد آخرون، بل وتاجر بأعضائهم من لا يمت للإنسانية بصلة، كل ذلك تحت مرأى المجتمع الدولي ومسمعه، الذي لم يتجاوز دوره تصريحات التنديد والشجب والقلق على مصيرهم، رغم وجود عشرات الاتفاقيات والقوانين التي تحمي حقوقهم، لكنّه وقف متعاجزاً عن تطبيقها، وبالتالي عاجزاً عن حمايتهم. فهل لنا أن ندرك التداعيات النفسية التي مروا بها خلال الحرب الممتدة منذ ست سنوات في بلادهم، وما تأثيرها على مستقبلهم؟

يقف البحث على عرض الاتفاقيات الدولية التي تحدثت عن أوضاع الأطفال حول العالم وحمايتهم، إضافة لتفسير الحالة الاجتماعية والقانونية التي يعيشها الأطفال السوريّون في الداخل السوري ودول اللجوء.

الفصل الأول:

الاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الأطفال

تزامن الاهتمام بالطفل مع إنشاء التجمعات والمنظمات العالمية، وقد أصدرت الأمم المتحدة أول عملٍ تشريعي غير ملزم يخص حقوق الأطفال، كذلك قامت جامعة الدول العربية باستصدار ميثاق حقوق الطفل العربي، وقام المجلس الأوربي -من خلال ميثاقه الاجتماعي- للتطرق إلى حقوق الطفل الأساسية، إضافة للعديد من الاتفاقيات الدولية الخاصة منها: اتفاق جنيف 1924، والإعلان العالمي لحقوق الطفل 1959، الذي اعتمد يوم توقيع اتفاقيته بأنّه “اليوم العالمي للطفل”، واتفاقية حقوق الطفل 1989.

(1) الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:

يعدّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والصادر على شكل لائحة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 15 ديسمبر 1948 أول عمل تشريعي في المنظمة الأممية. إذ تنادي الجمعية من خلاله كل فرد وهيئة ومجتمع للتمسك به، ويتكون من ثلاثين مادة تناولت كلاً من الحقوق المدنية والسياسية، إضافة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لكنّه لا يتمتع بصفة قانونية ملزمة، ولا يشكل جزءاً من القانون الدولي. وقد ورد في المادة الأولى منه: “يولد جميع الناس أحراراً ومتساويين في الكرامة والحقوق، وهم قد وهبوا العقل والوجدان، وعليهم أن يعاملوا بعضهم البعض بروح الإخاء”. وترتبط جميع مواد الإعلان -بشكل مباشر أو غير مباشر- بحقوق الطفل، لا سيما فيما أوردته من حقوق أساسية للإنسان، كالحق في الحياة والحرية والنماء والعمل والمساواة، وقد تناولت المادة (25) من الإعلان بشكل صريح ومباشر، حق الطفل في الحياة والرعاية والمساعدة، فنصت في بندها الثاني: “للأمومة والطفولة حقٌ في رعايةٍ ومساعدةٍ خاصتين، ولجميع الأطفال حق التمتع بالحماية الاجتماعية نفسها، سواءً ولدوا في إطار الزواج أو خارج هذا الإطار”.[1]

ومن خلال قراءة معمقة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان يمكن أن نستخلص منه الجوانب التالية فيما يتعلق بحقوق الطفل:

  1. حقوق الطفل في الحياة والحرية والسلامة الشخصية:
  • المادة (1): “يولد جميع الناس أحرار ومتساوين في الحقوق والكرامة”.
  • المادة (3): “لكل فرد الحق في الحياة والحرية والسلامة الشخصية”.
  • المادة (4): “لا يجوز استرقاق أو استعباد أي شخص، ويحظر الاسترقاق وتجارة الرقيق بكافة أوضاعها”.
  1. حق الطفل في الاعتراف بشخصيته القانونية المادة (6): “لكل شخص أينما وجد أن يُعترف بشخصيته القانونية”.
  2. الحق في التعليم الفقرة الأولى من المادة (26): “لكل شخص الحق في التعليم”.[2]

(2) الميثاق الاجتماعي الأوروبي:

وقعت الحكومات الأوروبية على هذا الميثاق كخطوة نحو تحقق الوحدة الكبرى بين أعضاء المجلس الأوروبي، تم إقراره وأصبح نافذاً اعتباراً من عام 1962، ويتشكل من 38 مادة، تضمنت حقوقاً اجتماعية مختلفة تتعلق بالعمل والتعليم والصحة والتأمين الاجتماعي والحقوق النقابية وغيرها.

ضَمِنَ الميثاق للأطفال والشباب الحق في الحماية من الأخطار، والتمتع بالحماية الاجتماعية والقانونية والاقتصادية، وحظر عمل الأطفال تحت سن 15.[3] بالإضافة لتدريب الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة على أعمال تناسبهم، ودعا إلى احتساب وقت التدريب ضمن ساعات العمل.

(3) ميثاق الطفل العربي:

أقره مؤتمر “وزراء الشؤون الاجتماعية العربي” في ديسمبر 1984 تزامناً مع مشاركة الدول العربية في إطار “هيئة الأمم المتحدة” لإنجاز نصوص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، شمل ميثاقُ حقوق الطفل العربي 50 مادةً توزعت بين عرض المبادئ والأهداف، والمتطلبات والوسائل، وتوجهات العمل العربي المشترك، وارتكزت على المبادئ التالية:

  • المنطلقات الأساسية:
  • تنمية الطفولة ورعايتها وصون حقوقها.
  • التنشئة السويّة للأطفال مسؤولية عامة.
  • الأسرة نواة المجتمع وأساسه.
  • دعم الأسرة للنهوض بمسؤوليتها نحو أبنائها.
  • الأسرة الطبيعية هي البيئة الأولى المفضلة لتنشئة الأطفال وتربيتهم ورعايتهم.
  • الالتزام بتأمين الحقوق الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الطفل لأطفال العرب كافة، ودون تمييز.
  • الحقوق الأساسية للطفل العربي:
  • تأكيدُ وكفالةُ حق الطفل في الرعاية والتنشئة الأسرية القائمة على الاستمرار الأسري.
  • تأكيد وكفالة حق الطفل العربي في الأمن الاجتماعي.
  • تأكيد وكفالة حق الطفل بأن يُعرّف باسمٍ وجنسيةٍ معينة منذ الولادة.
  • تأكيد وكفالة حقه في التعليم المجاني والتربية في مرحلتي ما قبل المدرسة والتعليم الأساسي كحدٍّ أدنى.
  • تأكيد وكفالة حقه في الخدمة الاجتماعية.
  • حق الطفل في رعاية الدولة وحمايتها له من الاستغلال والإهمال الجسماني والروحي.
  • حقه في أن يتفتح على العالم من حوله.[4]

(4) إعلان جنيف الخاص بحقوق الطفل:

اعتُمد في المجلس العام للاتحاد الدولي لإغاثة الأطفال عام 1924م، وبناء عليه يعترف الرجال والنساء -في جميع أنحاء البلاد-بأنّ على الإنسانية أن تقدّم للطفل خير ما عندها، ويجب أن يكون الطفل في وضع يمكّنه من النمو، مع كفالة إطعامه وعلاجه، وكفالة الأيتام والمهجّرين، وأن يكون الطفل أول من يتلقى العون في وقت الشِدّة، وأن يُحمى من كل استغلال، وأن يُربى في جو من الخلق والتسامح وحب الآخرين.[5]

(5) الإعلان العالمي لحقوق الطفل 1959:

أصدرت الأمم المتحدة إعلان حقوق الطفل لتمكنه من التمتع بطفولة سعيدة، وتدعو الآباء والأمهات والرجال والنساء، والمنظمات الطوعية والسلطات المحلية والحكومات القومية، للاعتراف بهذه الحقوق والسعي لضمان مراعاتها بتدابير تشريعية تُتخذ تدريجياً وفق مبادئ الإعلان العشر، والتي تؤكد في مبدئها الأول على “تمتع كل طفلٍ -دون استثناء- بهذه الحقوق دون أي تفرقة أو تمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو الدين أو الرأي السياسي أو غير السياسي أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو النسب أو أي وضع آخر يكون له أو لأسرته”.[6]

(6) اتفاقية حقوق الطفل 1989:

بعد أكثر من ستة عقود من العمل على تطوير وتدوين القواعد الدولية المعنية بحقوق الطفل، اعتُمدت اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، تلاه اعتماد بروتوكولَيْن اختياريين بشأن بيع الأطفال واستغلالهم في البغاء وفي المواد الإباحية، وبشأن إشراك الأطفال في المنازعات المسلحة عام 2000. وتُعدّ هذه الاتفاقية شاملة لحقوق الطفل، كما تطرقت لوضعية الأطفال في زمن المنازعات المسلحة والأطفال اللاجئين، وتحظى هذه الاتفاقية بما يشبه الإجماع العالمي، فكل دول العالم أطراف في الاتفاقية عدا الولايات المتحدة الأمريكية والصومال.

عالجت الاتفاقية أهداف التعليم في الفقرة (1) من المادة (29)، وحدّدت الهدف من التعليم لتشجيع ودعم وحماية القيم الأساسية للاتفاقية، أي كرامة الإنسان المتأصلة في كل طفل، وحقوقه المتساوية وغير القابلة للتصرف، وتعترف الاتفاقية بقائمة طويلة ومفصّلة من الحقوق الواجب أن تحترم وتؤمّن للطفل في جميع الأوقات. وبموجب الاتفاقية فإنّ الطفل يعني “كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة من العمر ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه”، ومما نصت عليه الاتفاقية: حق الطفل في الحياة والنمو، وحقه في التسجيل عند الولادة، وحقه بالاسم وفي الهوية بما في ذلك الجنسية، وعدم فصله عن والديه على كرهٍ منهما.[7]

أما الأحكام الرئيسة الواردة في البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية حقوق الطفل والخاص بإشراك الأطفال في النزاعات المسلحة، فتشمل: التزام الدولة الطرف فيه بأن تتخذ جميع التدابير الممكنة عمليا لكفالة عدم اشتراك أفراد قوّاتها المسلحة الذين تقل أعمارهم عن ثماني عشرة سنة بشكل مباشر في الأعمال العدائية، كما يحظر البرتوكول على الجماعات المتمرّدة أو الجماعات المسلحة غير الحكومية تجنيد الأشخاص الذين لم تبلغ أعمارهم ثماني عشرة سنة، أو استخدامهم في الأعمال العدائية، ويطالب الدول الأطراف بتجريم هذه الأعمال، واتخاذ التدابير اللازمة لمنع هذه الجماعات من تجنيد الأطفال.[8]

(7) القانون الدولي الإنساني:

ينظّم القانون الدولي الإنساني العلاقات بين الدول والمنظمات الدولية وغيرها من رعايا القانون الدولي، وهو فرع من فروع القانون الدولي العام الذي يتكون من قواعد تسعى -في أوقات النزاعات المسلحة أو لأسباب إنسانية- إلى حماية الأشخاص الذين لا يشاركون، أو الذين كفّوا عن المشاركة في الأعمال العدائية ولتقييد وسائل الحرب وأساليبها.[9]

استعمال الأسلحة المتطورة في القتال أدى لزيادة عدد الضحايا بين السكان خاصة الأطفال، وقد أثبتت ذلك أحداث القرن 21، وقد جاءت قواعد القانون الدولي الإنساني لتحرّم الاعتداء على المدنيين، فتلزم الأطراف المتعاقدة بضرورة اتخاذ التدابير المناسبة التي تجعل المدنيين بمعزلٍ عن التأثر بالعمليات الحربية.

حماية الأطفال في زمن الحرب مبدأ يكرّسه القانون الدولي الإنساني، ويلزم به الدول والجماعات المسلحة غير الحكومية على حد سواء، لذلك يتعيّن على أطراف النزاع أن تحترم القانون الدولي الإنساني وحقوق الطفل، ويتعين تجنّب القتال وسط المدنيين، ويمكن للحرب أن تدور دون انتهاك الحقوق الأساسية للسكان المدنيين، كما أن من الضروري محاسبة الأشخاص الذين لا يحترمون القانون الدولي الإنساني. ونتيجة التأثير المباشر للحرب على الأطفال وجب إعمال كافة القواعد التي تحميهم من خطر العمليات القتالية، إضافة للتأثير غير المباشر، فالحرب تؤثر على النمو الطبيعي للأطفال بسبب إغلاق المدارس والمستشفيات، وإتلاف المحاصيل وتدمير الطرقات، وضياع الموارد وتحطيم القدرات الاقتصادية للأطراف المتحاربة، وفقدان الأمان والاطمئنان والثقة بالنفس نتيجة للخوف والرعب الذي يتعرضون له في زمن الحرب. [10]

الفصل الثاني:

الحرب وتداعياتها على الجوانب المختلفة لحياة الأطفال

أطفال سوريا هم الفئة الأكثر تأثراً من بين فئات المجتمع السوري خلال الأعوام الماضية من الحرب، فقد ارتُكبت بحقهم جرائم وانتهاكات من مختلف القوى المتصارعة، إذ امتدت أثار الحرب للمؤسسات التعليمية فحُرم الكثير منهم من متابعة مسيرته التعليميّة، وقد تعرضوا لضغوطات نفسية ستترك أثراً بالغاً على مستقبلهم، واضطروا للهجرة مع ذويهم -وفي أحيان كثيرة هاجروا وحدهم-هرباً من جحيم الحرب إلى حيث ينشدون الأمان. وفي ظل سوء الرعاية الصحية ونقص الكوادر الطبية في كثير من المناطق، انتشرت بين هؤلاء الأطفال العديدُ من الأمراض.

المبحث الأول: الانتهاكات والجرائم بحق الطفولة:

الجرائم المرتكبة بحق الأطفال متعددة ومأساوية، وقد شاركت بها مختلف الجهات المتصارعة في سوريا، وجاء في مقدمة مرتكبي هذه الجرائم القوات الحكومية، التي مارست عددا كبيراً من الجرائم اتسمت بالتواتر بهدف الضغط على الفصائل والحواضن المعارضة، إضافة للجرائم التي ارتكبها تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، وسُجّل عدد من الانتهاكات على بعض أطراف المعارضة.

(1) انتهاكات النظام والميليشيات المساندة له:

كما هو معلوم، فإن بداية الثورة السورية كان على خلفية اعتقال عاطف نجيب رئيس فرع “الأمن السياسي” في درعا لعدد من الأطفال بتاريخ 26-2-2011 بعد كتابتهم شعارات تطالب بإسقاط النظام، فعذبوا في مراكز الاعتقال واقتلعت أظافرهم. ومن ثم توالت فيما بعد انتهاكات النظام والمليشيات التابعة له بحق الأطفال، ففي تقرير أصدرته “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” فإن الحرب المتواصلة منذ أذار 2011 قد ذهب ضحيتها 19773 طفلاً على يد قوات النظام، 159 منهم ماتوا تحت التعذيب، كما بلغ عدد المعتقلين من الأطفال 10891 طفلا وما زال 2716 قيد الاعتقال.[11] وفي التقرير المؤرخ في 27-1- 2014 قال الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إنّ “المعاناة التي تكبدها الأطفال في سوريا منذ بدء الصراع كما يوثقها هذا التقرير لا توصف ولا يمكن قبولها” وأشار إلى أنّه من بين ما يتعرض له الأطفال في سوريا على يد النظام: “الضرب بأسلاك معدنية وسياط وهراوات خشبية ومعدنية، والصعق بالكهرباء -بما في ذلك صعق أعضائهم التناسلية- وخلع أظافر اليدين والقدمين والعنف الجنسي الذي يشمل الاغتصاب، أو التهديد به، والإيحاء بالإعدام، والحرق بالسجائر والحرمان من النوم والحبس الانفرادي وتعذيب أقارب أمامهم”.[12]

إحصائية الضحايا الأطفال (دون 16 سنة)حسب السبب الذي أدى للموت

ونسبتهم في المحافظات، حتى تاريخ 30-4-2016.[13]

سبب الموت

العدد المحافظات نسبة مئوية

العدد

القصف المدفعي والصاروخي

15720 حلب 29 5,092
التفجيرات 453 دمشق وريفها 24

4,188

نقص المواد الغذائية والطبية ومواد التدفئة

643 إدلب 12 2,105
تحت التعذيب 519 حمص 11

1,955

غازات كيماوية وسامة

100 درعا 10 1,777

غرقا وحرقا

38 دير الزور والرقة والحسكة 8 1.465

لقاحات سامة

12 حماة 6

1,024

عوامل أخرى 52 القنيطرة والسويداء 0,3

55

غير موثقين 736 اللاذقية وطرطوس 0,5

85

هذا ويتعرض الأطفال في عشرات البلدات والقرى السورية -خاصة تلك التي تقع على خط التماس مع القرى التي تسكنها طائفة موالية للنظام ومدعومة بمليشيات مسلحة- إلى مذابح جماعية بالسكاكين كما حدث في بانياس والتريمسة والحولة التي راح ضحيتها 108 أشخاص بحسب إحصاءات مكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة. وتعمد المليشيات الشيعية الموالية للنظام السوري -سواء كانت محلية أو قادمة من إيران والعراق ولبنان- إلى قتل الأطفال من الطائفة السنيّة ضمن نهج طائفي وتطهير ديني، وسُجّلت العديد من حالات اختطاف الأطفال من أحياء المعارضة في محافظة حمص، إضافة لإطلاق حملة تحت اسم “تنظيف الأحياء العلوية من أبناء وتوابع الإرهابيين”، ويعزى سبب اختفائهم لنشاط تجارة الأعضاء التي يقوم بها أطباء يتبعون النظام السوري. إضافة لتعرض الأطفال السوريين من الجنسين لحوادث اغتصاب من قبل السجّانين والجلادين أثناء التحقيق في مدة الاعتقال، الأمر الذي يخفيه الأهل  لدى الإفراج عن أبنائهم أو يخفيه الأبناء عن الأسرة.[14] كما يتعرض الأطفال لعمليات التجنيد ضمن الكتائب المقاتلة وخاصة فيما يسمى اللجان الشعبية “الشبيحة” أو “جيش الدفاع الوطني” والتي تقاتل إلى جانب قوات النظام.[15] وعلى هذا فالنظام ومن يسانده قد خالفوا كافة الاتفاقيات العالمية المعنية بحقوق الأطفال أمام مرأى المجتمع الدولي ومسمعه، رغم امتلاكه كافّة الوسائل الكافية لفرض احترام العهود والمواثيق الدولية الخاصة بحماية الأطفال، سواءً عن طريق الجمعية العامة في الأمم المتحدة أو مجلس الأمن، أو حتى التدخل لدواع إنسانية خارج منظومة الأمم المتحدة.

(2) انتهاكات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش):

مارس تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” منذ تأسيسه مختلف أصناف انتهاكات حقوق الإنسان، لا سيّما بحق الأطفال، لعلّ أخطرها تجنيدهم في صفوف المقاتلين تحت تسمية “أشبال الخلافة الإسلامية” اعتماداً على برنامج الترغيب والترهيب. وتشير تقديرات اللجنة السورية لحقوق الإنسان إلى أنّ هناك حوالي 800 طفل دون سن الثامنة عشرة في صفوف مقاتلي تنظيم الدولة، يقومون بأعمال غير قتالية كتقديم الدعم اللوجستي، فيما يشارك أخرون بأعمال الحراسة والدوريات والحواجز الأمر الذي لاقى احتجاج المنظمات الحقوقية. هذا ويقوم التنظيم بتعريض الأطفال لمشاهد العنف التي يمارسها ويشجعهم على المشاركة فيها في إطار زرع هذه العقيدة في مخيّلتهم، وقد تعرض الأطفال للقتل جنباً إلى جنب مع النساء والشيوخ، وقام التنظيم بقتل بعضهم بتهم موجهة بشكل مباشر لهم مثل الإفطار في رمضان أو حتى الاغتصاب، وقام بوضع جثثهم في الساحات العامة أمام الجمهور لعدة أيام لترهيبهم.[16]

(3) انتهاكات المعارضة السورية:

اتهمت الأمم المتحدة جانبي الصراع بارتكاب انتهاكات ضد الأطفال، ومع زيادة ترتيب المعارضة لصفوفها ارتكبت عدداً متزايداً من الانتهاكات ضد الأطفال، ويشير المرصد السوري لحقوق الإنسان إلى أن مجموعات المعارضة المسلحة قتلتْ ما لا يقل عن 304 أطفال واعتقلت حوالي 1000 واستخدم بعضهم في الأعمال القتالية. [17]

المبحث الثاني: التعليم وتحديات الحرب:

التربية ضرورة فردية واجتماعية على حد سواء، فلا يستطيع الفرد ولا المجتمع الاستغناء عنها وهي حق يجب أن تتمتع به جميع الطبقات، وهذه شرعة حقوق الإنسان تُنبئنا بأنّ التربية حق من حقوق كلّ مواطن، وبأنّ التعليم يجب أن يكون إلزامياً في مرحلته الابتدائية ومجاناً في مراحله الأولى والأساسية على الأقل.[18]

يؤكد العديد من الباحثين أنّ النظام التعليمي في سوريا قبل الثورة هو نظام أحادي وشمولي يهدف إلى خلق نسخة متطابقة من الأفراد السوريين لا يفكرون خارج النطاق الذي حددته لهم الدولة، وتقول ماسة المفتي مسؤولة القسم التربوي والتعليمي في جمعية “الأمانة السورية للتنمية” المقرّبة من النظام: “إنّ العملية التعليمية في “سوريا الأسد” كانت تندرج ضمن منظومة تلقينية وبعثية تعمل على تكوين مواطن لا يتمتع بحرية التفكير والتعبير إلا ضمن المربع المسموح به من قبل السلطة”.[19]

وفي دراسة لـ “منظمة اليونيسف” بعنوان “توقف التعليم”، عدّت أنّ تدهور مستوى تعليم الأطفال السوريين هو الأسوأ والأسرع في تاريخ المنطقة، وأنّه منذ عام 2011 “اضطر ما يقارب ثلاثة ملايين طفل من سوريا إلى التوقف عن التعليم بسبب القتال الذي دمّر فصولهم الدراسية، وتركهم في حالة رعب، واضطرت كثير من أسرهم إلى الفرار خارج البلاد”، وهي أول دراسة تبحث في “مدى التدني الكبير في بلد كانت مستويات الالتحاق بالمدارس الابتدائية فيه قد بلغت 97 في المائة قبل اندلاع الصراع عام 2011”، كما تؤكد اليونيسف في بيانها “أنّ الصراع الذي مضى عليه أكثر من ألف يوم تسبب في فقدان الملايين من الأطفال تعليمهم ومدارسهم ومعلّميهم، وفي أفضل الأحوال يحصل الأطفال على تعليم متقطع، في حين يضطر الأقل حظاً إلى ترك المدارس والعمل لإعالة أسرهم”.[20] ووصل حال المدارس في سوريا إلى أن واحدة من بين خمس مدارس هناك غير صالحة للاستخدام، إما لأنّها تعرضت للتلف أو للتدمير، أو أصبحت ملجأ للمشردين داخلياً، وأشارت أيضاً إلى أنّه في البلدان التي تستضيف اللاجئين السوريين فإنّ ما بين 500 ألف إلى 600 ألف طفل سوري لاجئ خارج نطاق العملية التعليمية، وفي سياق متصل، ذكرت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” أنّ 3873 مدرسة قد دُمّرت بشكلٍ كامل أو جزئي على يد قوات النظام في سوريا، وأشارت إلى تحويل النظام المدارسَ لمراكز اعتقال، خاصة في السنة الأولى للثورة حيث حول النظام حوالي 1000 مدرسة لمعتقلات تابعة لأجهزة المخابرات والقوات التابعة للنظام.[21]

كذلك استخدمت المعارضة مناهج غير وطنية في المدارس التي لا تزال قيد الاستخدام، لم يقم بوضعها أفراد ينتمون للثورة السورية، ونقلت المناطق ذات الغالبية الكردية المناهج من كردستان العراق بشكل كامل، وكثير من مخيمات اللجوء لا يتلقى الأطفال فيها أي تعليم عدا التربية الدينية واللغة التركية، كل هذا دفع إلى تلخيص جملة مفادها “لقد استبدلت مادة التربية القومية بمواد طائفية لا تقل عنها أصولية وتلقينية”.[22]

ومع الظروف القاسية للحرب، كان لا بد للثورة أن تنتج من داخلها حلولاً تحاول أن تغطي النقص الحاصل في العملية التعليمية في عدد من المناطق والمحافظات المحررة.

  • ففي محافظة إدلب عملت مجموعة من الشباب على مشروع “غراس” الذي هدف لتوفير تعليم بديل عبر إقامة مدارس ميدانية يتم فيها تعويض الطلاب ما فاتهم. بدأ المشروع بتاريخ 20-5-2013 إذ أُسست أول مدرسة في معرة النعمان بالتعاون مع جمعية “بسمة أمل” حيث تشاركتا في العمل الميداني. استطاع المشروع بعدها تأسيس سبع مدارس موزعة بين مدينة معرة النعمان وريفها الشرقي والغربي، توفر جميعها التعليم لحوالي ألف طالب موزعين بين مدينة معرة النعمان وريفها.
  • وفي ريف حمص الشمالي قام أبناء مدينة تلبيسة بالتعاون مع “رابطة أحرار تلبيسة” و“هيئات العمل المدني” بإطلاق العملية التعليمية بعد انقطاع دام حوالي العامين بتكلفة أولية قدرت بحوالي 46740 دولار، استهدفت ما يقارب سبعة آلاف طالب في المدينة وريفها، ولا تزال المدينة تواجه صعوبات بالغة بسبب نقص الكادر التدريسي وضعف تمويل نفقات المدارس إضافة لعدم الأمان الذي يعاني منه الطلاب والمدرسون بسبب الاستهداف المتعمّد للمدارس من طرف قوات النظام والتحالف الروسي على السواء.[23]

محافظة حلب العاصمة الاقتصادية لسورية والمدينة الأضخم من حيث عدد السكان، يمكن تلخيص المشكلات التي تعانيها معظم المدارس فيها بما يلي:

  • نقص الكوادر التربوية المتخصصة نظراً لعمليات اللجوء والنزوح والاعتقالات، وانتساب العديد من حملة الشهادات لعناصر الجيش الحر، والاعتماد على المتطوعين لسد النقص رغم قلة كفاءتهم.
  • نقص الكتب المدرسية لكافة المراحل، وانعدام الوسائل التعليمية.
  • قلّة الإمكانات المادية لتغطية نفقات المدارس من قرطاسية وتدفئة شتوية.
  • ضعف توافر المرافق الصحية، وعدم وجود المياه الصالحة للشرب داخل المدارس.
  • تغيير مستمر في أعداد الطلاب بسبب النزوح المستمر وفق الوضع الأمني للمنطقة، وصعوبة وصول الطلاب للمدارس بسبب الظروف الأمنية.[24]

ومع اشتداد وتيرة القصف وامتداده خلال مدة زمنية طويلة كان لا بد للسوريين أن يجدوا طرقاً يتابعون فيها حياتهم، ويستطيع الأطفال من خلالها إكمال مشوارهم التعليمي، فمن الأمور التي ابتكرها السوريون لتأمين الأطفال وحمايتهم من قصف طيران النظام والروس لجوؤهم إلى الكهوف والأقبية، وتحويلها إلى مدارس يتوجه إليها العديد من الطلاب في المناطق المحررة بعيداً عن أشعة الشمس والتهوية الجيدة، من أجل استكمال تحصيلهم العلمي. ويبيّن وزير التربية والتعليم في الحكومة المؤقتة عماد برق، أن عدداً كبيراً من الأطفال يتعلمون في الأقبية في حلب والغوطة وريف حمص، وقسم منهم يتعلم بالكهوف بريف إدلب ورغم، ذلك يستمر النظام باستهدافهم حيث يوجدون.[25]

أعداد اللاجئين السوريين في زيادة مستمرة، ولأنّ أغلب اللاجئين من الأطفال والنساء، كان الاهتمام بالتعليم أهم الأمور التي بدأ المثقفون بالتركيز عليها. ففي دول الجوار نشأت العديد من المشاريع التعليمية لمساعدة الأطفال السوريين على استكمال مشوارهم التعليمي، ولعل أهم هذه المشاريع “رياض الأطفال”، ففي مدينة إسطنبول تم إنشاء “روضة الأمان” إحدى مشاريع “جمعية معاً” للأعمال الإنسانية في مدينة إسطنبول كان شعارها “نغرس بذور حب التعلم والعمل الجماعي في نفوس الأطفال عن طريق التجربة والمشاركة” معتمدة على منهج “مونتيسوري”، وهو منهج تعليمي وضعته الطبيبة والمربية الإيطالية ماريا مونتيسوري وهو منهج معتمد في جميع أنحاء العالم، ويخدم الأطفال من عمر 3 إلى 18 سنة واعتمدت بشكل أساسي على مراقبة سلوك الأطفال وتجربة تفاعلهم مع الطبيعة.[26]

أما التعليم في المناطق التي تخضع لسيطرة تنظيم الدولة فمسألة جبرية ضمن مناهج تهدف لتلقين أيديولوجية خاصة بالتنظيم، حيث ألغيت فيها الموسيقى والمواد الاجتماعية والتاريخ والرياضة والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس واستعاضت عنها بمواد التوحيد وألفية ابن مالك إلى جانب الفيزياء والكيمياء والرياضيات.[27] وأضافت الاندبندنت البريطانية بأن مدارس تنظيم الدولة تجبر الأطفال على رؤية مشاهد التعذيب وقطع الرؤوس إلى جانب تدريبهم على استخدام السلاح.

ونتيجة لتعقد الأوضاع في الساحة السورية واستمرار الحرب، فإن السوريين لا بد لهم من وسائل جديدة تساعدهم على تقديم التعليم المناسب لأطفالهم. ومع العودة للتاريخ، نجد تجربة الهنود الحمر الأناركيين الرائدة في المكسيك، وكيف أنهم استطاعوا رغم حربهم مع الدولة ورغم قصفها لمدارسهم ومستشفياتهم أن يقيموا عملية تعليمية لا مؤسساتية قوامها الأساسي التفاعل المباشر بين المعلم الذي ينتخبه المجتمع الثائر والمتعلم، حيث يحاول المعلم والمتعلم أن يستكشفوا كلّ يوم شيء جديد في هذا العالم. مدارس الأناركيين بلا صفوف دراسية أو ألواح أو مناهج دراسية أو علامات، حيث لا يوجد لديهم شيء يسمى الطفل الحاصل على المركز الأول بين أقرانه.[28]المشكلة أن المهتمين سواء من المجتمع المدني أو المعارضة المحلية لا يتصوّرون حلولاً خارج دائرة التفكير في التعليم بصورته التقليدية، فلم يصدر عنهم أي دور فعال في إنشاء فلسفة تعليمية جديدة لمجتمع جديد تحذو حذو الفلسفة الرائدة في إقليم تشباياس Chiapas” بالمكسيك.

المبحث الثالث: الأطفال ومأساة اللجوء:

ارتبطت كلمة لاجئ تاريخياً بالحماية، إذ استمر العرف على حماية اللاجئ من جانب الدولة التي يلتجئ إليها، فهو يمثل جزءاً من سمعتها ومكانتها بين الدول وربما سيادتها في تأمين حمايته. واقتضى العرف عدم تسليم طالب اللجوء والحماية، وكثيراً ما اشتبكت الجماعات والدول مع بعضها نتيجة لجوء سياسيين وغير سياسيين إليها، وأحياناً قامت نزاعات بينها بعضها مسلح، وتركت تأثيرات على تطور العلاقات بين بعضها أحياناً أخرى.

الظروف القاسية التي يعيشها السوريون أدّت إلى زيادة عدد اللاجئين، حيث كشفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسيف” في إحصائية لها أنّ أطفال سوريا يمثلون 50 بالمئة من مجمل عدد اللاجئين السوريين. ويعاني هؤلاء الأطفال من ظروف مأساوية، حيث يعيشون في خيام أو تجمعات، وإمكانية وصولهم للمياه النقية والطعام المغذي وفرص التعليم محدودة للغاية، مما يضطر قسماً كبيراً منهم للعمل. وقد أشار تقرير اليونيسيف إلى أنّ واحداً من بين كل عشرة أطفال لاجئين يعمل، وحسب تقرير لمفوضية شؤون اللاجئين في تقييم أجري في 11 محافظة أردنية وجد أنّ 47 بالمائة من 186 أسرة تعتمد جزئياً أو كلياً على الدخل الذي يدرّه عمل طفل، كما أدّى اللجوء لزيادة حالات الزواج المبكر بين الإناث بدل إكمال مشوارهن التعليمي، ففي الأردن من بين كل خمس حالات زواج فإن حالة واحدة هي لطفلة تحت سن ال 18 عاما.[29]

وقد سعت منظمة العمل الدولية منذ تأسيسها للقضاء على عمالة الأطفال، ومن الأدوات الرئيسية التي اعتمدتها المنظمة مراقبة معايير الحد الأدنى لسن العمل، إضافة لإدراج مبدأ ربط معايير الحد الأدنى لسن العمل بالدراسة كجزء لا يتجزأ من التقليد المتبع في منظمة العمل الدولية في هذا المجال، وتنص الاتفاقية رقم 138 على الحد الأدنى لسن القبول في الاستخدام يجب ألا يكون من الحد الأدنى لسن الانتهاء من التعليم الإلزامي.[30]

منظمة الأمم المتحدة للطفولة يونيسف ومنظمة سايف ذا تشيلدرين “save the children ” أصدرتا تقريراً بعنوان “أيادي صغيرة وعبء ثقيل” أظهر أنّ النزاع والأزمة الإنسانية في سوريا يدفعان أعداداً متزايدة من الأطفال إلى الوقوع فريسة الاستغلال في سوق العمل. وتنتشر عمالة الأطفال بشكلٍ كبير في تركيا، فقد غدا حال العائلات السورية مشابه تماماً لآلة يعمل كلُّ أفرادها من أجل التغلب على أعباء الحياة ومصاعبها. حيث يبيع أحد الأطفال البالغ من العمر 11 عاما مناديلاً للمارة طيلة النهار ليعود إلى منزله وقد جنى 20 ليرة تركية، ليساعد أخاه الأكبر الذي يعمل في جمع مخلّفات المعادن والكرتون والبلاستيك لتأمين لقمة عيشهم مع والدتهم وإخوانهم الصغار بعدما توفي والدهم في مدينة حلب.

وفي رواية لطفلة تبلغ من العمر 10 سنوات ذات جسد نحيل وبشرة سمراء تقول: “أنا أعمل لكي نأكل لأنني إذا لم أعمل فلن نستطيع أن نأكل، أعيش مع أختي وجدتي بعدما ماتت عائلتي نتيجة قصف بيتنا في حلب، فأنا أذهب كل يوم إلى كراج كلس وأضع ميزاني أمامي ويزن الشخص نفسه ب 50 قرشا تركيا”.[31]

إنّ استمرار عمالة الأطفال سيؤدي إلى حرمانهم من تعليمهم مما ينتج جيلاً أمياً جاهلاً، وبالتالي سيؤثر سلباً على الطفل والمجتمع، وسيحرم الطفل في حقه بأن يعيش طفولته وبراءته. إضافة لتعرض الأطفال في بعض بيئات العمل لـلضرر والأذى الجسدي بسبب ظروف العمل القاسية، واكتسابهم عادات سيئة كالتدخين في سن مبكرة، كما لا يمكن إغفال التأثير السلبي على نفسية الطفل فيتحول لشخصية عدوانية تميل إلى العنف ضد أهله والمجتمع.

وبما أنّ الأطفال أصبحوا خارج دولتهم فهناك قوانين جديدة تحدد وضعهم القانوني كلاجئين، فمنذ بداية الثورة السورية ولد أكثر من 50 ألف طفل سوري في بلدان اللجوء، وبموجب القانون السوري لا تنتقل الجنسية إلا من خلال الأب. وفي ظل الحرب فقدَ مئات آلاف الأطفال السوريين آباءهم، وهم معرضون لخطر انعدام الجنسية،[32] وهي مشكلة تطال حوالي 10 ملايين شخص حول العالم على الأقل. عديمو الجنسية لا يستطيعون في أغلب الأحيان الحصول على أوراق ثبوتية، ويعانون من القيود الصارمة المفروضة على حقوقهم وحرياتهم في التنقل، والأطفال غير المسجلين معرضون بشكل خاص لانعدام الجنسية، ففي ظل عدم وجود شهادة ميلاد رسمية، فإنهم يفتقرون إلى الأدوات الأساسية التي تثبت جنسيتهم، وقد يحرمون من الاستفادة من الرعاية الصحية والتعليمية. فولكر تورك مدير إدارة “الحماية الدولية لدى المفوضية” يتحدث عن كون الكثيرين من الأطفال اللاجئين السوريين لم يتمكنوا من الحصول على الوثائق التي تثبت كونهم مواطنين سوريين، وأشار قائلا: “قد يبقى هؤلاء الأطفال عديمي الجنسية إلا في حال تم العثور على حل لهذه المشكلة في وقت لاحق”. وتشير دراسة أجرتها “مفوضية الأمم المتحدة” إلى أنّ 70 في المئة من الأطفال السوريين الذين ولدوا في لبنان لا يحملون شهادة ميلاد رسمية، وكذلك الحال في باقي بلدان اللجوء.[33]

ويواجه السوريّون مخاطر وصعوبات جسيمة قد تصل إلى فقدان حياتهم أثناء رحلة اللجوء بحثاً عن الأمان، فبحسب إحصائية المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بلغت نسبة الغرق في طريق اللجوء حالة كل 4 ساعات، وتحديداً في صيف 2015 الذي كان حافلاً بقصص اللاجئين التي تبنتها وسائل الإعلام ونقلتها إلى العالم، ومن أبرزها صورة الطفل إيلان الذي تقاذفته أمواج البحر المتوسط قبل أن تلفظ جثته على أحد الشواطئ بعد غرقه مع أمه وشقيقه أثناء محاولتهم الوصول لجزيرة يونانية بزوارق الموت “البلم”. وقد لفتت فجيعته الإنسانية أنظار العالم إلى زوارق الموت والطرق الخطرة التي يتبعها السوريون للوصول إلى أوربا.

كما يعاني السوريّون من العنصرية في مجتمعات اللجوء وخصوصاً في أوربا، وقد ظهر ذلك جلياً في حالة عرقلة إحدى الصحفيات للاجئ “أسامة عبد المحسن” وابنه، بتاريخ 9 أيلول 2015، وذلك أثناء جريهم لقطع الحدود البرية المجرية الصربية.

من نافلة القول أنّ حق اللجوء يعطى لمن لا يملك مكاناً آمناً يلجأ إليه، لكن البيروقراطية الأوربية قد حرمت الكثير من العائلات حقهم في أن يعيشوا مجتمعين بتشديدها إجراءات لم الشمل، نتيجة الاتفاق بين دول الاتحاد الأوربي على إعادة المهاجرين واللاجئين في اليونان إلى تركيا، وعمدت لقطع طريق البلقان إلى أوربا الشمالية والغربية، فحرمت الطفلة “إنصاف” البالغة من العمر 13 سنة والساكنة في جزيرة يونانية مع والدها من لقاء والدتها “ليالي رضوان” الموجودة في شرق ألمانيا من أن يلتقوا ببعضهم[34]، وبالتالي انهارت لائحة دبلن الأوربية التي تقول بأنه يحق لأسر اللاجئين والمفصولين وطالبي اللجوء لم الشمل القانوني، ويحدد هذا القانون البلد المسؤول عن معالجة طلبات اللجوء وبناء على هذا القانون يحق لأي شخص وصل إلى بلد تشمله لائحة دبلن تقديم طلب انضمام باقي أفراد أسرته إليه.

إنّ قضية الأطفال اللاجئين تعدّ من أبرز الملفات المطروحة في المحافل الدولية، وتبرز قضية الأزمات النفسية جرّاء رحلة اللجوء المحفوفة بالمخاطر والاستغلال للوصول إلى أعتاب القارة الأوربيّة.

المبحث الرابع: الضغوطات والآثار النفسية:

الصدمات النفسية تنتشر بين الأطفال السوريين نتيجةً لعدة عوامل، منها: مشاهدتهم لأشكال العنف، وتعرضهم للقصف، وهروبهم مع عوائلهم تحت ظروف سفر عصيبة، أو موت أحد أفراد أسرهم، وغير ذلك. يتراوح أثر هذه الصدمات بين الانطواء أو الابتعاد عن أقرانهم، وأحياناً يصل الأمر إلى تفكير بعضهم بالانتحار، وقد أدّت هذه الأعراض لارتفاع العنف والعدوانية عند بعضهم.

أما حول ردود الأفعال إزاء الانفجارات التي يعايشها الأطفال في حياتهم اليومية فيمكن تقسيمها إلى:

  • ردود أفعال مباشرة: التخدير الحسي عند سماع الانفجارات، ثم الانتقال إلى مرحلة عدم استيعاب الحدث، يتبعها مرحلة الهستيريا من الصراخ والبكاء.
  • ردود الفعل على المدى القريب: صعوبات التفكير وحالة من القلق والاضطرابات.
  • ردود فعل على المدى المتوسط: يبدأ الإنسان بالشعور بعدم الاطمئنان، وأحياناً الإحساس بالذنب لعدم قدرته على تقديم المساعدة، وقد تنتابه حالة من الغضب الناتج عن العجز وهذا يؤدي لانتكاسات نفسية وجسدية.
  • ردود الفعل على المدى الطويل: تعتمد على قدرة الإنسان على التكيف مع الأحداث.[35]

ويؤكد الدكتور ألبرت نامبتجي وهو عالم في الطب النفسي السريري في “المركز الوطني لمعالجة الصدمات” أنه بعد عمليات الإبادة الجماعية يعاني الأطفال من العديد من الأعراض التي تتجلى في الكوابيس، وفي صعوبة التركيز، والاكتئاب، والشعور باليأس بشأن المستقبل. وأكّد تقرير الأمم المتحدة الخاص ببحوث الإنسان أنّ الأطفال الذين يكونون ضمن دوامة الأحداث الدموية تبقى ذكريات الأحداث معهم وتسبب لهم كوابيس شديدةـ وتتداخل مع مجريات حياتهم اليومية وكأنّها تحدث الآن، كما أنّها تسبب لهم الخوف وانعدام الأمن والمرارة.[36]

وبحسب تقديرات اليونيسيف هناك 2 مليون طفل لاجئ بحاجة إلى الدعم النفسي، فتوالي أصوات الانفجارات الرهيبة التي يسمعها الأطفال يومياً، ومشاهد الدمار الهائلة التي تثير الفزع والخوف المزمن في نفوسهم، ناهيك عن مشاهدتهم مقتل وإصابة أفراد أسرهم وأقرانهم، الأمر الذي يزيد من مخاوف تعرضهم لمستوى مرتفع من الشعور بالبؤس كما أنَ بعضهم تعرض للانفصال عن أسرهم أو تشردهم كل هذه الأمور دعت إلى إيجاد مراكز خاصة لرعايتهم ومساعدتهم على الاندماج في المجتمعات التي لجئوا إليها.[37]

على الصعيد الميداني نشطت منظمات وهيئات مجتمع مدني في مشاريع للدعم النفسي في كافة المحافظات محاولةً رسم الابتسامة على وجه الأطفال، نذكر منها:

  • حملة “من أجلهم نعمل” في محافظة القنيطرة التي استهدفت حوالي 1102 طفل تحت السن الثامنة عشرة، وقام فريق الحملة بتنظيم جلسات لتعليم المهارات اليدوية للفتيات في مركز إيواء الجويزة شاركت فيه 25 فتاة تتراوح أعمارهن بين 13 – 18 سنة، وفي شعبة البطيخة استهدف فريق الدعم النفسي حوالي 530 طفل.[38]
  • تعمل 33 فرقة جوالة على تقدم الدعم النفسي والاجتماعي في جميع المحافظات لدى شعبة الهلال الأحمر العربي السوري بالتعاون مع الشركاء، إضافة لعشرة مراكز استشارية وأربع عيادات نفسية.[39]
  • في صيدا جنوب لبنان تدعم الإغاثة الإسلامية أكثر من 1،187 طفل لاجئ سوري ونحو 335 أسرة ضمن مشاريعها التي شملت جلسات علاج تعبيري، وجلسات الكتابة الإبداعية، ومسرح العرائس، والدراما النفسية، والعلاج باللعب. حيث أكّد السيد محمد عمار مدير مكتب الإغاثة الإسلامية في لبنان “أنَ الأطفال الذين تم تشريدهم والذين شهدوا خبرات مروعة يعيشون الآن بلا حماية نفسية أو دعم اجتماعي، فالظروف التي مروا بها حرمتهم من التعليم والحماية والدعم، فهم معرضون لخطر فقدان الأمل وقبول العنف بشكل طبيعي ومتكرر”.[40]

وعن أكثر المواضيع خطورة والتي تسبب الأمراض والعقد النفسية، يتحدث رئيس الشبكة السورية عن اغتصاب القاصرات قائلاً: “هنّ الفئة الأضعف في المجتمع، إذ لا يوجد اهتمام بهذه الفئة، قابلت فتيات تعرضوا للعنف الجنسي في الأردن، المجتمع لا يصرح عن هذه الحالات وتقاليده لا تتقبل ذلك، ونحن نراعي المجتمع المحافظ لكن من الضروري أن يتم إنشاء مراكز للتأهيل والعلاج “أما عن زواج القاصرات، فقال: “موجود لكنّه محدود، بعض العائلات عاملت بناتها بشكل سيء فأدى ذلك إلى هروب البنات وبعضهن حاولن الانتحار”.[41] وفي ذات السياق تم توثيق حالات اغتصاب عديدة لنساء ورجال وأطفال، لكن المشكلة الأكبر أنّ الأرقام المعلنة عن حالات الاغتصاب تبقى محدودة، وذلك بسبب الخوف من إعلان الضحايا وخاصة النساء بسبب الوصمة، وما يترتب على ذلك من تعامل المجتمع مع المغتصبة فيما بعد.[42]

الأطفال هم الضحية في الحروب البشعة، فإذا لم يصابوا بمكروه جسدي تلاحقهم التداعيات النفسية وتؤثر على مستقبلهم، ولمساعدتهم في ظل هذه الظروف من الواجب:

  • محاولة تهدئتهم وإشعارهم بالأمان.
  • تعليمهم كيفية حل المشاكل التي تواجههم في حياتهم بطرق سليمة وكيفية التحمل والصبر.
  • توفير الغذاء والشراب والدواء لهم.
  • مساعدتهم في تعلم هوايات متعددة وإشغالهم بما ينفعهم في مستقبلهم في محاولة لإبعادهم عن الماضي والحروب التي واجهوها.
  • تبسيط الأمور التي تحدث من حولهم لكي يستطيعوا استيعابها فيطمئنوا.
  • الاستماع لهم والحديث عن مخاوفهم.[43]

المبحث الخامس: غياب الرعاية الصحية للأطفال:

“ماذا نتوقع أن يكون الوضع الصحيّ في سوريا وهناك مناطق سكنية تعدادها مئة ألف نسمة يخدمها طبيب واحد؟!” هذا ما قاله الدكتور عمار البيك بسخرية مريرة لدى سؤاله عن انتشار الأمراض وعن الرعاية الطبية في سوريا ويضيف الطبيب: “أضطر أحياناً إلى تغيير دواء السكري لمرضاي كل عشرة أيام وأحياناً كثيرة لا يجد مرضى ارتفاع الضغط أي نوع من الأدوية”.

وفيما يلي، نذكر عدداً من النقاط المتعلقة بنقص وغياب الرعاية الصحيّة للأطفال:

  • المياه: في ظل الحرب التي دمّرت البنية التحتية ومرافق الخدمات العامة، تعاني غالبية المدن السورية لا سيما المحاصرة منها من نقص المياه النظيفة، الأمر الذي يعني أمراض جديدة نتيجة تلوث المياه وعدم توافر مواد التعقيم.
  • المعدات: في سوريا قُتل أكثر من سبعة آلاف طفل وتعرض طفل من كلّ ثلاثة أطفال إما للضرب أو الركل أو إطلاق النار، وهناك خمسة ملايين طفل بحاجة لعناية عاجلة، اضطر الأطباء في بعض الحالات لبتر الأطراف نتيجة عدم وجود المعدات اللازمة لعلاج الإصابات التي تصلهم.
  • الكهرباء: توفي أطفال حديثو الولادة في الحاضنات نتيجة انقطاع الكهرباء، وتوفي العديد من المرضى نتيجة حصولهم على فصيلة دم خاطئة، إذ تجري عمليات نقل الدم بشكل مباشر نتيجة انعدام الكهرباء.
  • الأمراض: وأدّت عوامل مثل شدة الازدحام وسوء أحوال المعيشة والماء والصرف الصحي وانعدام عوامل التدفئة في شدة البرد إلى تزايد الإصابة بالأمراض التنفسية والجلدية وانتقال العدوى.
  • الأدوية: إن الأطفال في سوريا لا يقتلون في الحرب فحسب، بل قد وصل الأمر إلى حد موتهم نتيجة إصابتهم بأمراض يمكن معالجتها أو منعها. فمنذ بداية الحرب مات أكثر مئتي ألف سوري نتيجة أمراض مزمنة، أو نتيجة عدم استطاعتهم الحصول على العلاج والأدوية المناسبة.
  • اللقاحات: الأطفال الذين ولدوا بعد عام 2010 لم يحصلوا على تطعيم باللقاحات الوقائية منذ عامين، وتوجد قيود شديدة في إمكانية الحصول على اللقاح، ولا يستطيع موظف القطاع الصحي الوصول للمحتاجين.[44] ويبذل العاملون في الطواقم الطبية السورية جهوداً حثيثة لتأمين اللقاحات.
  • “مجموعة عمل اللقاح”: من بين أقوى حملات اللقاح في المناطق المحررة “مجموعة عمل اللقاح” وهي تحالف يضم: المنظمات الطبية، ومديريات الصحة، والمجالس المحلية، ووزارة الصحة في الحكومة المؤقتة. حيث قامت باستهداف مليون طفل دون الخمس سنوات في الشمال السوري خلال العام 2016، ويوضح المدير التنفيذي لمجموعة عمل اللقاح الدكتور ناصر الحمود أن المجموعة أجرت 12 جولة تلقيح في المحافظات الشمالية.[45]
  • ومن الواجب التنبيه إلى أنّ الجهود المقدمة يتخللها بعض الأخطاء كان آخرها مقتل 15 طفلاً في ريف إدلب جراء جرعات خاطئة قدمت للأطفال. وكان تقييم أجرته منظمة الصحة العالمية قد خلص إلى أنّ السبب الأرجح للوفاة هو استخدام خاطئ لعقار يسمى “أتراكوريوم” عوضاً عن المذيب الصحيح للقاح الحصبة أو الحصبة الألمانية، وأشار التقرير إلى أنّه لا توجد أدلة على أنّ اللقاح كان سببا لهذا الحادث.[46]
  • مخيمات اللجوء: الأوضاع الصحية للأطفال في مخيمات اللجوء ليست بأحسن حال من أوضاعهم النفسية والتعليمية، حيث تتفشى الأمراض بين الأطفال السوريين في مخيم باب السلامة للإيواء، قبالة الحدود التركية في الجزء الشمالي من سورية. ووفقاً لأطباء المخيم والإداريين فإنه يضم 12000 شخص بينهم 7000طفل.[47] في المخيمات سترى طفلة تبلغ من العمر 14 عاماً تعاني من نقص هرمون النمو، وقد فقدت دواءها عندما دُمر منزلها في حلب ولم تتمكن والدتها من إيجاد العلاج الذي تحتاجه ابنتها، وسترى كذلك الدكتور براء الناصر يعالج طفلاً بوضع ضمادات على ذراعه المكسورة داخل كابينة مصنوعة من البلاستيك تقوم مقام العيادة الطبية. يقول الدكتور: بالإضافة لعدم توفر الأدوية، فإنّ سوء الصرف الصحي وعدم كفاية مرافق الاستحمام والاكتظاظ، لها تأثير رهيب على صحة الأطفال حيث ينام بين خمسة إلى عشرة أطفال في كل خيمة.[48]
  • نقص الغذاء: في ظل سياسة التجويع والحصار التي يمارسها النظام السوري على المناطق المعارضة، انتشرت حالات نقص غذاء حادة. وكان برنامج الغذاء العالمي قد حذّر من حدوث “مجاعة أطفال” في المناطق المحاصرة في سوريا جرّاء النقص الحاد في إمدادات المواد الغذائية.[49]
    • سوء التغذية في بلدة مضايا التي يحاصرها النظام السوري:
      • 25 طفلاً دون الخامسة يعانون سوء التغذية.
      • و22 طفلاً تظهر عليهم أعراض سوء تغذية من متوسط إلى حاد.
      • و6 أطفال ظهرت عليهم أعراض سوء التغذية الحاد.

وقال بوليراك إنّ عاملين في يونيسف شاهدوا: وفاة صبي عمره 16 عاماً بعد معاناة من سوء التغذية الحاد في مضايا، وصبيّاً آخر عمره 17 عاماً في حالة تهدد الحياة، وامرأة حبلى في حالة مخاض متعسر وتحتاج إلى إجلاء (جرائم النظام وحلفائه طالت حتى الأطفال الذين لم يخرجوا للحياة بعد). كما أخطر أهالي بلدة مضايا السورية برنامج الغذاء العالمي بأنّ 32 شخصا ماتوا جوعاً خلال ثلاثين يوم من جرّاء الحصار.[50]

الخاتمة

الأطفال السوريّون هم الأكثر تضرراً من الحرب التي تدور في بلادهم منذ أكثر من خمس سنوات، فقد تعرضوا لكل أنواع الجرائم من قتل وتعذيب واعتقال إلى حرمانهم حتى من أبسط حقوقهم، وذلك رغم وجود عشرات الاتفاقيات والعهود الدولية التي تحميهم أثناء النزاعات المسلحة سواء في داخل بلدهم أو في البلاد التي يلجؤون إليها. بالإضافة للجرائم والانتهاكات التي تشير إلى إمكانية حدوث تدخل دولي لدواع إنسانية كما حدث في كوسوفو عام 1999، أو كجزء من مهام الدول في تحمّل مسؤوليتها لحماية الشعوب من جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي بوصفه انتهاكاً ممنهجاً لحقوق الإنسان، وهو ما كان سبباً جوهرياً في بعثة حفظ السلام الأممية في دار فور عام 2006، إلا أنّ العالم يقف عاجزاً أمام محنة السوريون وأطفالهم، في ظل دعم روسيا أحد أعضاء مجلس الأمن دائمة العضوية والتي تملك حق النقض “الفيتو” على كل قرار لا يتوافق مع مصالحها المرتبطة بالنظام السوري، مستبيحة في سبيل ذلك كافة القوانين والأعراف الدولية الإنسانية، واستطاعت تحويل وتشتيت مجهود المجتمع المدني. فهل ينجح السوريّون في قلب المعادلة وإعادة ترتيب أولوياتهم بالسرعة والمقدرة التي تتيح لهم العودة للإمساك بصنع قرارهم وتوجيهه؟!

إنّ من الواجب على منظمات المجتمع الدولي والإقليمي المعنية بحقوق الطفل زيادة تركيزهم بالدرجة الأولى على الأطفال وتنشئتهم تنشئة صالحة، فهم الجيل الذي نعوّل عليه في بناء دولتهم والانتقال إلى نظام أكثر عدالة يحافظ على حقوقهم ويحفظ كيانهم ويلبي متطلباتهم.

[1]  الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، موقع الأمم المتحدة http://www.un.org/ar/documents/udhr

[2]  حقوق الطفل في الاتفاقات الدولية وقانون العقوبات، الكاتبة شهير بولحية، جامعة محمد خيضر، بسكرة http://thesis.univ-biskra.dz/997   

 [3]  الميثاق الاجتماعي الأوروبي (المعدل) 1996، جامعة منيسوتا، مكتبتة حقوق الإنسان http://hrlibrary.umn.edu/arab/eu-soc-charter.html   

[4] ميثاق حقوق الطفل العربي، المجلس العربي للطفولة والتنمية https://goo.gl/CQkIXR

[5]  إعلان حقوق الطفل لعام 1924، جنيف، جامعة منيسوتا، مكتبة حقوق الإنسان http://hrlibrary.umn.edu/arab/child1924.html

[6]  إعلان حقوق الطفل، جامعة منتسوتا، مكتبة حقوق الإنسان http://hrlibrary.umn.edu/arab/  

[7]   تعريف باتفاقية حقوق الطفل، 1989، والبروتوكولين الإضافيان الملحقان بها ، جامعة منيسوتا، مكتبة حقوق الإنسان http://hrlibrary.umn.edu/arabic/CRC-info.html

[8]  المرجع السابق نفسه

[9]  القانون الدولي الإنساني ..إجابة عن أسئلتك ،اللجنة الدولية للصليب الأحمر ، تاريخ النشر كانون الأول 2014 file:///C:/Users/ISLAM-9090/Desktop/icrc_004_0703.pdf

[10]  حماية الأطفال في القانون الدولي الإنساني، جامعة الاسراء، الأردن، تاريخ النشر 24/5/2010

 [11] الحرب السورية تقتل 21 ألف طفل، الجزيرة، الأخبار  https://goo.gl/7T1ZUK

[12]  أطفال سوريا بين سندان المعارضة ومطرقة الأسد ، ميشيل نيكولز ، ميدل إيست أونلاين، الأمم المتحدة ، تاريخ النشر   2014-02-05 http://www.middle-east-online.com/?id=170670

[13]  قاعدة بيانات شهداء الثورة، عدد الشهداء الأطفال حتى تاريخ 30/4/2016 http://syrianshuhada.com/default.asp?a=st&st=13 

[14]  أطفال سوريا يتعرضون لانتهاكات ويحرمون من الحقوق، محمد إقبال بلو ، عربي 21، تاريخ النشر  22/9/ 2014 https://goo.gl/K9PyJH

[15] قد نعيش وقد نموت-تجنيد الأطفال واستخدامهم من قبل الجماعات المسلحة في سوريا، منظمة حقوق الإنسان، تاريخ النشر 23/6/ 2014 https://goo.gl/I96GP9 

[16]  داعش تقتل الطفولة: تقرير خاص عن انتهاكات داعش بحق الأطفال في سورية-، اللجنة السورية لحقوق الإنسان، تاريخ النشر 16/8/2016 http://www.shrc.org/?p=19219

[17]  أطفال سوريا… الحلم المفقود، الشبكة السورية لحقوق الإنسان، تاريخ النشر 20/11/2014 http://sn4hr.org/arabic/2014/11/20/25940/

[18]  نظرة موجزة لواقع النظم التعليمية في سوريا، ناصـر الغزالي ، الاتحاد الإماراتية ، العدد 9/4/1997 http://www.mokarabat.com/mok-105.htm

[19]  التعليم في سوريا.. أحلام فوكو التي التهمتها الحرب!، محمد عزت، ساسة بوست، تاريخ النشر 10/4/ 2016 http://www.sasapost.com/edu-syria

[20]  تدهور مستويات التعليم للأطفال السوريين “هو الأسوأ والأسرع في تاريخ المنطقة” ، يونيسيف المركز الصحفي، تاريخ النشر 13/2/2013 https://www.unicef.org/arabic/media/24327_71539.html

[21]   الصراع على التعليم وجيل سوريا الضائع، خولة دنيا، شبكة المرأة السورية، 25/05/2015 http://swnsyria.org/?p=2881

[22]  التعليم في سوريا، أحلام فوكو التي التهمتها الحرب!، محمد عزت، ساسة بوست، 10/4/2016 http://www.sasapost.com/edu-syria/

[23]  واقع التعليم في المناطق السورية الثائرة، خولة حسن حديد، زمان الوصل، تاريخ النشر 12/01/2014 https://zamanalwsl.net/news/45398.html 

[24]  توصيف واقع التعليم في المناطق المحررة، عبدالله حمادة، المنتدى الاقتصادي السوري، تاريخ النشر 4/11/2015 http://www.syrianef.org/?p=4868  

[25]  التعليم في سوريا المحررة.. مقاعد مهجورة ومدارس في الأقبية، عنب بلدي فريق التحقيقات، تاريخ النشر 17/04/2016 http://www.enabbaladi.net/archives/74308  

[26]  رياض الأطفال في إسطنبول .. محو ذاكرة الحرب وبناء جيل سوريا الحرة، إيهاب بريمو، أخبار الأن، إسطنبول تركيا، تاريخ النشر 32/1/2016 https://goo.gl/4CTyKG 

[27]  التعليم في سوريا.. أحلام فوكو التي التهمتها الحرب!، محمد عزت، ساسة بوست، تاريخ النشر 10/4/2016 http://www.sasapost.com/edu-syria

[28]  المرجع السابق نفسه.

[34] مشكلة لم الشمل في أوروبا تفرق الكثير من الأسر اللاجئة، unhcr، 28/9/2016 https://goo.gl/lSm0QR 

[35] الصدمات النفسية للأطفال في الحروب، ريم محمد، أثرها وعلاجها، مجلة عربيات الدولية، تاريخ النشر 15/07/2016 http://www.arabiyat.com/content/issues/17.html  

[36] صدمات الحروب وآثارها على الأطفال، نون بوست، مقالات، تاريخ النشر 17/01/2016 https://www.noonpost.net/content/5056  

[44] أطفال سوريا يواجهون الموت في ظل إنهيار النظام الطبي، مديل إيست أون لاين، تاريخ النشر 10/03/2014 http://www.middle-east-online.com/?id=172571  

[45] خطة لقاح في مناطق المعارضة تستهدف مليون طفل سوري، عنب بلدي، تاريخ النشر 21/02/2016 http://www.enabbaladi.net/archives/65754  

8 بيان حول النتائج المؤقتة للتقييم الذي أجرته منظمة الصحة العالمية بشأن وفيات الأطفال في إدلب، سوري- منظمة الصحة العالمية، بيان 27/9/2014 https://goo.gl/TNJd3U

[47] معاناة الأطفال الصحية وعدم كفاية الرعاية الطبية، في مخيم لإيواء السوريين، تقرير يونيسف  https://goo.gl/yubF23 

[48] المرجع السابق نفسه.

[49] تحذير أممي من مجاعة أطفال بسوريا، الجزيرة، تاريخ النشر 2/11/2013 https://goo.gl/J1gDu5 

[50] اليونيسيف: سوء تغذية حاد في مضايا السورية، سكاي نيوز عربية، تاريخ النشر 16/1/2016 https://goo.gl/tI0Kpg