Category: النتاج الفكري

النتاج الفكري 27-12-2017

النتاج الفكري 27-12-2017

تقرير يومي يتابع أهم الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث المحلية والعالمية بما يخص المشهد السوري الداخلي مع التوقف على البعدين الإقليمي والدولي وانعكاس ذلك على صناع القرار، كما يعرض مضمون هذه الدراسات بطريقة موجزة ومقتضبة بما يوفر الجهد والوقت على المهتمين والباحثين.

مركز جسور

جماعة القبيسيات ….النشأة والتكوين

تمهيد

  • ظلت دراسة الجماعات الدينية النسائية بشكل عام وجماعة “القبيسيات” بشكل خاص موضوع الدراسة هذه بعيدة عن اهتمامات الباحثين والأكاديميين الاجتماعيين والمهتمين بالحركات الدينية حقبة من الزمن، ويعود ذلك إلى عوامل متعددة؛ إما متعلقة بالجماعة نفسها كونها اتخذت من الانكفاء على نفسها منهجاً لها، أو عوامل تعود لطبيعة الحالة السورية الخاضعة لقبضة أمنية قمعية شديدة طالت مجالات الحياة كافة حتى مجال البحث العلمي، وعوامل أخرى تتعلق بالظروف السياسية لسورية وللدول العربية والعالم والتغيرات الطارئة عليها.
  • يعود تاريخ تأسيس جماعة “القبيسيات” إلى ستينيات القرن الماضي، على ما يبدو، وقد نهجت جماعة “القبيسيات” نهج المدارس الدينية الدمشقية الأُخرى مثل مدرسة حسن حبنكة الميداني ومن بعده مدرسة جامع زيد ومدرسة كفتارو، ونهج الشيخ فرفور وجماعته في التركيز والاستناد إلى الطبقة الاجتماعية الغنية والمتوسطة والمرتبطة مع طبقة رجال الأعمال، حيث اتسمت علاقات القوة والسلطة والنفوذ في سورية بنوع من النفعية وإيلاء مسألة تبادل المصالح على رأس العلاقات بتأثير من سياسة البعث التي عززت هذا النوع من العلاقات من جهة، ومن جهة أخرى بسبب طبيعة المجتمع الدمشقي خاصة، والذي يعتمد على حلف مقدس بين طبقة البرجوازية السنية والإسلام المعتدل ،ولذا فمن المنطقي انتقال بنية هذه العلاقات وشكلها إلى فئات المجتمع ومجالاته كافة بما فيها الجماعات الدينية كونها تمثل جزءاً من تركيبة هذا المجتمع المديني.  

المبحث الأول ماهية الجماعة تنظيم أم حركة نسوية أم جماعة دينية اجتماعية؟

  • من المعلوم أن الجماعة لم تطلق على نفسها اسم “القبيسيات”، إنما تعود هذه التسمية إلى الداعية “منيرة القبيسي” مؤسسة الجماعة وشيختها الكبيرة، وبات من الملاحظ أن هناك تشويش والتباس في تصنيف هذه الجماعة، فبعضها عدّها حركة باطنية سرية تنشط باسم الإسلام، والبعض الآخر خلع عليها صفة السياسة بغطاء ديني، بينما صنفها بعض المفكرين الإسلاميين بأنها جماعة دينية إصلاحية إحيائية…
  • غالباً ما يتم نفي مصطلح “التنظيم” عن الجماعة لعدم وضوح هيكلية تنظيمية وآليات تصعيد الكوادر فيها ولم يعرف لها آليات إدارة الموارد الكبرى التي تردها ولم يشتهر ارتباطها بأية أغراض أو أجندات سياسية على اعتبار أن المصطلح يشير إلى حركات الإسلام السياسي أو الحركات الجهادية كتنظيم الإخوان المسلمين أو تنظيم القاعدة وبهذا فهي تفترق عن الجناج النسائي للحركات الإسلامية بالمعنى العام

المبحث الثاني النشأة والظروف التاريخية المحيطة

  • في ذروة انتشار أفكار قاسم أمين ورفاعة طهطاوي رائدي تحرير المرأة العربية ،وفي أوج ظهور ثقافات هجينة عن المجتمع السوري كالشيوعية والليبرالية نشأت الشابة منيرة القبيسي في بيئة مستقرة اقتصاديا محافظة دينيا بنبرة إنفتاحية منحتها الجرأة لإرسال ابنتها للتعليم بالمدرسة في وقت كان المتدينون يضيقون ذرعا بالمدارس الرسمية ذات النفس الليبرالي وقلما يجدون مبررا لتعليم البنات أصلا في ظل الثقافة الشرقية المهيمنة وقتها،كانت منيرة محل اهتمام رفيقاتها نظرا لدماثة طبعها ولكنها كانت محل شفقتهم واستغرابهم كونها كانت المحجبة الوحيدة بمدرستها حينها.
  • بدأت تحركات الجماعة المحدودة تنشط في فترة تاريخية حرجة بالنسبة للمجتمع السوري المتدين في أغلبه، حيث طغى الفكر العلماني والليبرالي وقيم الشيوعية على سورية بشكل عام.
  • مع تنامي نشاط الجماعة اجتماعياً ودينياً، استطاعت جذب الكثير من الدمشقيات كون أغلب القيادات النسائية الأولى فيها كانت من العائلات الدمشقية المعروفة، وتدريجيا أخذت تشكل حلقاتها الدينية الدعوية الخاصة المتسمة بالاعتدال تارة وبالتشدد تارة أخرى، وحملت على عاتقها مسؤولية توعية النساء اجتماعياً ودينياً في بيئة اقتصر الوعي الديني والتعليم الشرعي فيها على المدارس والمعاهد الشرعية التابعة للمؤسسات الدينية الرسمية مثل معهد بدر الذي أُسس عام 1964 الخاص بتعليم الإناث والتابع لمجمع الشيخ كفتارو. ثم في العام الذي يليه عام 1965افتتح معهد الفتح (الذي أسسه الشيخ محمد صالح فرفور) فرعاً للإناث لتعليمهن العلوم الشرعية وإعدادهن للدعوة والتي عُدت المبادرة الأولى للنهوض بالفتيات دينياً وتربوياً في دمشق.
  • شكلت مسألة الحجاب قضية مركزية لدى القبيسيات ولدى غيرهن من النساء المحافظات، فالنظام السوري استخدم الحجاب استخداماً وظيفياً ما بين نزعه وبين السماح به على مضض ما أثر لاحقاً كثيراً على الأسر السورية المحافظة ودفع بالكثير منها إلى إجبار الفتيات على ترك المدرسة بسبب منع الحجاب، بينما اعتمد البعض الآخر على فتاوى تُولي التعليم أهمية كبيرة. هذه الحالة المقلقة دفعت بالقبيسيات إلى تحدي مبطن للنظام من خلال إنشاء البديل عن المدارس لتلقين الفتيات مبادئ دينهن وتعليمهن تعليماً شرعياً، والحث على التمسك بالحجاب في الأماكن العامة. ثم إن سياسة منع المحجبات من الظهور في المجال العام في موقع قيادي ما في المجال السياسي أو الحكومي أو الإعلامي على سبيل المثال، وفرض شرط نزع الحجاب إن أرادت إحداهن الوصول إلى تلك المراكز، خلقت حالة من تهميش المحجبات وجعلتهن في أطر ومجالات محددة وقامت بعزلهن في جماعات خاصة بهن منغلقات على الجماعات الأخرى، وعلى أفراد المجتمع الآخر المخالف.

المبحث الثالث الانتشار … وقياديات الجماعة وآنساتها

  • تعتبر دمشق هي الحاضن والمنشأ الفعلي لمجموعة الأخوات وفيها استقرت صورتها النهائية ورؤيتها الفكرية ومنها استمدت المرجعيات، ولازالت الوفود النسوية تحج لرؤية الآنسة الكبيرة بدمشق ،كما عمل وجود الجامعة الكبرى بسوريا في العاصمة على توسع الاحتكاك بين الدمشقيات والطالبات من محافظات أخرى اللواتي شكلن رسلا مباشرين للدعوة ومرتكزات صارت فيما بعد أعمدة الجماعة في مناطقها وتجمعاتها، وتعتبر كلية الصيدلة في جامعة دمشق أحد أهم معاقل القبيسيات التي تخرجت منها شخصيات قيادية نسوية ذات مستوى تعليمي عالي في محافظاتها استطعن نقل الأفكار وتطبيق التجربة ذاتها.
  • تأتي سلسلة من الأسماء البارزة للآنسات القبيسيات اللواتي شكلن أعمدة قامت عليها الحركة حيث يمكننا أن نورد منهن: خير جحا والتي تلي الشيخة منيرة في رتبتها ومكانتها الروحية في الجماعة، ودلال شيشكلي (التي كانت مهددة أمنياً كونها إحدى اللاتي خرجن من سورية في ثمانينيات القرن الماضي)، ونهيدة طرقجي، ودرية العيطةالتي شكل كتابها فقه العبادات على المذهب الشافعي أحد أهم المراجع الدينية لدى الطالبات ولازال كتابا له حظوته رغم كثير من النقد الفقهي الذي وجه له، وسميرة الزايد التي اشتهرت بموسوعيتها حول السيرة النبوية التي سنذكرها لاحقا، وسعاد ميبر التي كتبت كتابا اختصاصيا في قضايا الاعتقاد واعتبر جرأة منها في اقتحام مثل هذا الباب على تعقيده، ومنى قويدر، وفائزة الطباع، ورجاء تسابحجي، ونبيلة الكزبري، وفاطمة الخباز التي تعد اليد اليمنى للشيخة الكبيرة.
  • ساهمت الزيجات من مغتربين سوريين في بلاد غربية عدة في انتشار الجماعة وممارسة نشاطاتها هناك، ومن المعلوم أن ترتيب هذا النوع من الزواج ليس خاصاً بالجماعة فهي تحدث في الأوساط المحافظة وفي المساجد، فكثيراً ما يلجأ شاب متوسط الحال يريد الزواج إلى إمام المسجد لتأمين له ترتيبات الزواج كافة بدءاً من اقتراح عروساً له إلى جمع المال لمساعدته في مسلتزمات الزواج.

المبحث الرابع أصولها الفكرية ومصادرها المعرفية

  • جماعة القبيسيات لسن من أتباع حركة الإسلام النسوي، المتأثرة بالحركة النسوية العالمية في تفسير النصوص الدينية، واللاتي أخذن على عاتقهن التحرر من الخطاب الذكوري في تفسير النصوص المقدسة ومحاربة الأدوار النمطية للمرأة المسلمة، أو اللاتي نادين بإعادة قراءة القرآن قراءة نسوية. إنما هي جماعة عُرف عن أغلب آنساتها الأوائل اتباعهن المنهج الصوفي، منذ بداية نشأتها نظراً للبيئة الدينية والاجتماعية المحيطة بهن في سورية آنذاك، ولذلك فمن غير المستهجن وجود بعض السلوكيات الصوفية واعتماد بعض الأذكار والموالد والأدعية المستوحاة من الطرق الصوفية مثل الطريقة النقشبندية تحديداً، كونها الطريقة الأكثر انتشاراً في سورية إلا أنه لا يمكننا الجزم بأن الجماعة ظلت على هذا الخط طوال مسيرتها.
  • تتبع جماعة القبيسيات المنهجية نفسها لحلقات الدرس الديني النسائية منها والذكورية، حيث تكون على شكل إلقاء دروس دينية بشكل وعظي دعوي خال من العمق العلمي أو التأصيل الشرعي الدقيق، حتى بلغ الأمر أن أطلقت بعض آنسات الجماعة الفتاوى جزافاً ودون تأصيل أو عودة إلى الفقهاء وعلماء الدين. وكون الجماعة دعوية محضة فإنه من الطبيعي أن تنقصها المرجعية الفقهية الرصينة، حتى شبهها البعض بجماعة التبليغ والدعوة، من حيث تركيزها على الرقائق والعبادات وطريقة نشر الفضائل الإسلامية بين أفراد المجتمع ومذهبها الصوفي الذي يعتمد على العبادة الفردية الروحية والبعيدة عن الشأن العام وخاصة المجال السياسي

المبحث الخامس الهوية والبنية

الهوية الفكرية:

  • تتفانى المريدة في طاعة آنستها أو شيختها القبيسية لاعتقادها أن ذلك يقربها من الله ورسوله، وهو سلوك متعارف عليه بين الأوساط الصوفية سواء كانوا ذكوراً أم إناثاً، وكون الجماعة تابعة للمدرسة الصوفية التقليدية التي تولي تزكية النفس وتطهيرها الأولوية الكبرى، فإن طريقة تلقي العلوم الإسلامية غالباً ما تكون على الطريقة الصوفية أي من طريق شيخ/ة إلى مريديه/ا. إن حالة الاحترام المفرط تجاه المشايخ يعدها البعض ممن هم في سلك المشيخة أنها مجرد تعبير عن الشارع السوري فهو “شارع ديني أو متعاطف مع الدين ويحترم العلماء، وهذا الاحترام لا يصل إلى حد التقديس، أنا أقبّل يد العلماء، بالتالي أقبّل الفكر والحكمة وليس كل عالم تُقبّل يده أو يدها، ولكن لا نقصد بالاحترام تقبيل اليد أو الأرجل، أما أن نركع ونسجد لشيوخنا فهذا ليس من الدين”.

البنية التنظيمية والهيكلية القيادية:

  • نلمس وضوحا في التراتبية الهرمية بين الأخوات القبيسيات ليست بطريقة الجماعات والتنظيمات التقليدية والهيكلية المؤسساتية بل تتجسد بالمظهر والمضمون؛ فالمظهر يبدو من خلال طريقة اعتماد اللباس المكون من “المانطو” وألوان غطاء الرأس، ويعود أصل هذا اللباس إلى دراسة الآنسات والشيخات الكبيرات لأنسب طريقة للباس الشرعي يمكن أن يكون مقبولاً اجتماعياً وأمنياً ويحمل هوية دينية معتدلة، ومن ثم لا يخالف الدين الإسلامي  حسب ما ارتأين  بالتزامن مع تأكيدهن على عدم التبرج والتقيد بمظاهر تشي بالتزام العفة والحياء في المشي وخفض الصوت وعدم إطلاق النظر على المحرمات.
  • بخصوص الانعزالية السياسية فالقبيسيات بعيدات عن الحياة السياسية بشكل كبير، ويمتنعن عن التحدث إلى وسائل الإعلام أو إجراء حوار مع باحثين للكتابة عنهن بهدف تبيين ما يُتداول خطأً عنهن، والدافع الأول لهذا الانعزال يعود ربما إلى دواعٍ أمنية بحتة، فحتى بعد الانفتاح النسبي والخروج إلى المجال العام ظلت السرية صفة خاصة طبعت سلوك الجماعة ونشاطاتها .

المبحث السادس نشاطات الجماعة بين المجال الخاص والمجال العام

  • يعد البعض القبيسيات جماعة أدركت دور المرأة كونها عنصر مهم في المجتمع، وأنه من الضرورة بمكان التركيز عليها ليصار إلى تربيتها وفق مبادئ ومبادئ الجماعة المستقاة من الشريعة، كون المرأة هي نفسها الأم والزوجة والمربية وتقع على عاتقها مسؤولية تنشئة جيل كامل على الأخلاق الإسلامية، والمسألة هنا فيما نعتقد لا يجب أن تُفهم من باب نشر فكر الجماعة إنما نشر الإسلام وتربية الفتيات على الأخلاق والقيم الإسلامية في مجتمع يذهب إلى العلمانية والإلحاد والتفلت الأخلاقي في كثير من الأحيان تحت مظلة البعث الحاكم.
  • لدى فتيات الجماعة قناعة وإيمان بأن مظاهر التدين والإسلام بشكل عام لم يكن ليوجد لولا الجماعة، فمنذ ظهور الجماعة مروراً بالمحطات الكثيرة التي مرت على سورية؛ إما في محاربة مظاهر التدين أو في صعودها كان للجماعة الفضل في المحافظة على القيم والأخلاق الإسلامية في المجتمع السوري المحافظ، من خلال الحض على الحجاب، وحفظ القرآن والتعليم الروحي… وفي الواقع للآنسات القبيسيات الفضل في تعريف البنات بأمور دينهن التي قد تتحرج الأمهات من الخوض فيها، ففي ظل غياب دور الأم التربوي والتنشئة الدينية الملتزمة وانعدام التعليم المدرسي الديني لأصول الدين والشريعة، فإن الجماعة تقوم بهذا الدور في تأسيس الفتيات دينياً وأخلاقياً. كما حققت للفتيات شعوراً بالانتماء في جو اجتماعي بين حلقات الآنسات والمريدات أو بين المريدات فيما بينهن، وعن طريق المدارس الخاصة يحاولن خلق حدٍ مقبول من الالتزام الديني. وفي نظر علماء الدين والمشايخ فإن وسائلهنّ ومناهجهن التعليمية الدينية أفضل من الوسائل التعليمية الحكومية، على الرغم من أنه لا وجود لأية خطوة أو حركة تتم خارج الاتفاق مع وزارات نظام الأسد الثقافية والتعليمية.
  • تشجّع الجماعة الفتيات على قيام الليل وإقامة الفرائض والورد الليلي والتسابيح اليومية والأذكار وعدم الاختلاط وتحري الشبهات في السلوك والقول من خلال دروس دينية على شكل حلقات تُعقد بشكل دوري في المساجد أو منازل إحدى الآنسات والداعيات، غالباً ما تكون مغلفة باحتفالات دينية كليلة القدر ومنتصف شعبان والمولد النبوي وحفلات تكريم للفتيات اللاتي أتممن حفظ أجزاء من القرآن أو ختم القرآن كله… و”هناك حلقات تقام في المساجد للداعيات الكبيرات لدى الداعية منيرة وهي خمس مساجد وحصلوا على ترخيص رسمي من وزارة الأوقاف، ويمتلئ حرم هذه المساجد عندما تعطى هذه المحاضرات” . كما تحرص على تنمية شخصية الفتاة وتقويتها، وحثها على طلب العلم والوصول إلى المراتب العليا وخلق حالة من التنافس الشريف، وتولي بعنايتها اكتشاف مواهب وطاقات وقدرات البنات وتنميتها بشكل يخدم الجماعة وممارسة نشاطاتها الدعوية بشكل منظم وهادف.
  • مما ساعد على انتشار الجماعة دخولها بين طبقة الأغنياء والطبقة ذات المكانة الاجتماعية المرموقة وبين نساء أصحاب النفوذ ورجال الأعمال حيث قدمت مصداقية وقبولية لصورتهن في الأوساط النسائية بشكل واسع، ولم يكن التقرب من الأغنياء استراتيجية تعتمده الجماعة للتأثير في السياسة، فهذا النهج اُتبع من قبل أغلب التيارات والجماعات الدينية في سورية، خاصة في المدن المركزية، حيث عُد نشر الدين وتعاليمه بين أفراد الطبقة الغنية إنما هو بمثابة نصر للجماعات الدينية كون أفراد تلك الطبقة قد تكون غارقة في حياة من الترف والدعة والبذخ تجعلهم بعيدين عن الدين. هذا النفوذ المديني والممتد إلى طبقة الأغنياء طالت فئة من المسؤولين في الدولة حيث فُتح لهن المجال واسعاً لجمع مبالغ من أجل التبرع للأعمال الخيرية، مع الإنجاز بسرية كي لا تكتسب الجماعة حاضنة شعبية وتتوسع أكثر فتفتح أعين المخابرات على نشاطهن الخيري فيُلاحقن ويُضيق عليهن.
  • امتد نفوذ الجماعة في المجال العام إلى تقديم مساعدات خيرية وبعض الخدمات الطبية، وأشرفت بعض الآنسات القبيسيات على جمعيات خيرية مثل جمعية البر في حمص التي أُنشأت من تبرعات بعض تجار مدينة حمص وأقيم فيها مشاريع للأيتام ومشفى ومكتبات ومشغل وروضة ومركز لغوي خاص بالجمعية، وأقيمت فيه حملات لجمع الثياب المستعملة وتوزيعها على الفقراء.

المبحث السابع سرية الجماعة شعبياً وعلنيتها أمنياً

  • من غير المنطقي الحديث عن حركة أو جماعة أياً كان توجهها ناشطة داخل سورية في حكم الأسد الأب والابن القمعي المخابراتي بشكل سري؛ فكل الحركات والأحزاب والجماعات، على اختلاف توجهاتها سواءً كانت إسلامية أو علمانية، اُخترقت أو اُكتشفت ولوحق بعض أفرادها وأبعد الآخر ووضع غيرهم تحت المراقبة، فكيف بحركة نسائية دينية دعوية وفي قلب العاصمة دمشق!
  • بعد الانفراجة الدينية الممنهجة وانتشار مظاهر التدين وافتتاح معاهد تحفيظ القرآن في مختلف المدن السورية، ظلت الجماعة تتحرك بسرية، كما قلنا سابقاً، ويحق لنا هنا أن نتساءل لماذا ظلت هذه السرية ملازمة لتحركات الجماعة في ظل بيئة أمنية ومجتمعية أصبحت شيئاً فشيئاً تقبل بوجودهن ونشاطاتهن؟ لدرجة أن وصلت مسألة السرية حداً من الطقس المتعارف عليه يُتداول بين الطالبات المستجدات وكأنه من شروط الانتساب؟ مع أن اللباس الموحد بين القبيسيات كفيل بأن ينفي عنهن تهمة السرية، فمن السهل الدلالة عليهن وهنّ في الشوارع أو المساجد أو الجامعات أو في الأماكن العامة، إلا أنهن اتخذن من الحذر منهجاً دائماً في تنقلاتهن فكن لا يخرجن جماعات بعد الانتهاء من الدروس بل إما فرادى أو على شكل فئة قليلة (ليس أكثر من أربع طالبات)، كما أن الدروس والحلقات الدينية وجلسات الذكر التي كانت تعقد في بيوت إحدى الآنسات أو التلميذات كانت بغطاء مناسبات واحتفالات اجتماعية في أغلبها وبشبه سرية.
  • جماعة القبيسيات أدت إلى حدٍ ما الدور نفسه الذي كان للجماعات والتيارات الدينية في سورية من كونها مثلت صمام الأمان في وجه أي انفجار لحراك اجتماعي أو سياسي أو ثوري قد يطرأ على المجتمع من خلال تعزيز منهجية الفكر الديني الذي يركز على أخلاق الفرد والتركيز على علاقة الفرد الخاصة مع الله، دون الالتفات كثيراً إلى الشأن العام.  

المبحث الثامن النأي بالنفس عن السياسة… سياسة

  • غياب التصور الشامل لدى جماعة القبيسيات عن الواقع والحياة وضمور فكرة التغيير الشامل لديهم كما في أدبيات الجماعات الأخرى ، يضاف إلى ضمور دراسات الفكر الإسلامي عموما لديهم وغياب المممارسة السياسية والتنظيمية بالمعنى الحركي أدى إلى ضبابية الموقف السياسي من الأنظمة الحاكمة التي يحيون في كنفها وخصوصا النظام السوري وبقيت العلاقة معه لفترة طويلة علاقة متوجسة متحفظة من الطرفين ،تقوم على كثير من البراغماتية تمارسها الجماعة نتيجة استشارات وتوجيهات مشيخية ذكورية كما في نصائح الحبش والدكتور البوطي.
  • موقف القبيسيات السياسي هو موقف أغلب المشايخ في مختلف الجماعات والمدارس الدينية التقليدية في سورية نفسه، الذين إما نأوا بأنفسهم عن السياسة تحت ذرائع عدة أهمها الحفاظ على سيرورة العمل الدعوي كما هو حال أغلب المدارس التقليدية ، أو كانوا على مذهب طاعة الحكام وولي الأمر ونهوا عن الخروج عليه، وشرّعوا عدم الخوض في الشأن العام وتكرار الخطاب السياسي للنظام من زاوية دينية؛ بالتالي فإن تشجيع هذا النوع من التدين الشعبي والسماح للجماعة بممارسة نشاطاتها الدعوية والتربوية، وإن كان على شكل حركات وجماعات مثّل ضرورة أمنية لحكومة الاستبداد كونها بعيدة عن ما يعرف بالإسلام السياسي أو التدين الحامل لأجندات سياسية، عدا عن الدور الاجتماعي والديني المهم المنوط بالجماعة كون القبيسيات شكلنّ صمام الأمان للمجتمع واستقراره ضد أية حركة أو جماعة من الممكن أن تلعب دوراً في زعزعة الركود المجتمعي والسياسي الذي اجتاح سورية طيلة 50 سنة.
  • إن طبيعة العلاقات الاجتماعية السلطوية الدينية الثلاثية في سورية في مجتمع الرجال الديني والسياسي يُسحب على مجتمع النساء كذلك الأمر، فالعلاقة النفعية والمصلحية بين التجار ورجال الأعمال وبين مخابرات نظام الأسد بواسطة المشايخ وعلماء الدين، هي العلاقة المتفق عليها بوعي أو دون وعي  لمزاولة النشاطات الدينية بدعم رأسمال رجال الأعمال وبمباركة من الأجهزة الأمنية والتي تتقاطع مصالحها مع طبقة التجار وتتحالف معها في كثير من الأحيان.

خاتمة

  • ترسم جماعة القبيسيات كحال الجماعات الدينية في مجتمع الرجال صورة دقيقة عن واقع التدين ومظاهره واتجاهاته ومواقفه في المجتمع السوري في ظل حزب البعث، وتقدم لنا فكرة واضحة عن كم التشوه الديني الذي طال الخطاب الديني للجماعات الدينية في بعدها عن جادة الحق وفي استكانتها لأشكال من الظلم والعنف والتجهيل لمجرد تبنيهم مبدأ عدم الخروج على الحاكم ولو كان ظالماً وموغلاً في الطغيان ومرتكباً لجرائم ضد الكرامة الإنسانية.
  • جماعة القبيسات كأية جماعة دينية قد تنحرف في بعض مساراتها على طول الزمن إن لم تجرِ مراجعات دورية ووقفات نقدية وتطوير وتجديد بشكل مستمر. ونقول إنه ليس من الخطأ والمعيب الوقوف بشكل دائم مع الذات لإعادة تقييمها وتصفية ما علق فيها من شوائب وتشوهات تلحق بأية جماعة أو إيديولوجيا أو تيار بمسارها الزمني، بل من المعيب أن تظل أية جماعة متشبثة بآراءها مدعية أنها لازالت تحتفظ بنقائها وبريق مبادئها الأولى دون القيام بالمراجعات والتدقيق، مع أن ذلك حدث مع القبيسيات بشكل جزئي  عندما تم إيقاف تدريس كتاب “إحياء علوم الدين” للغزالي الذي عُرف عنه احتواءه للعديد من الأحاديث الضعيفة المنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وعندما ابتعدت الجماعة عن المنحى الصوفي المغرق في الفردية والاستلاب المجتمعي.
  • يظل الموقف السياسي منوطاً بالفقه الذي استندت إليه الجماعة وهو ما كان ليس بالإمكان تغييره أو تطويره أو الخروج عليه طالما ظل المجتمع قابعاً تحت قبضة أمنية شديدة تحالفت معه أغلب المدارس الدينية التقليدية حيناً وابتعدت أو صمتت المدارس الدينية الأخرى عن أي مشاركة في الحياة السياسية.

الرابط الأصلي:

http://www.jusoor.co/details/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A8%D9%8A%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%AA-….%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B4%D8%A3%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%83%D9%88%D9%8A%D9%86/346/ar

النتاج الفكري 25-12-2017

النتاج الفكري 25-12-2017

تقرير يومي يتابع أهم الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث المحلية والعالمية بما يخص المشهد السوري الداخلي مع التوقف على البعدين الإقليمي والدولي وانعكاس ذلك على صناع القرار، كما يعرض مضمون هذه الدراسات بطريقة موجزة ومقتضبة بما يوفر الجهد والوقت على المهتمين والباحثين.

مركز حرمون

جنيف8: مواصلة لمسار مُعطّل لا بدّ منه

مقدمة

  • بعد أن انتهت المعارضة السورية من استحقاق مؤتمر الرياض2 الذي انتهى بتغيير الهيئة العليا بهيئة تفاوضية جديدة، تضم منصة موسكو التي دأبت المعارضة السورية على رفض التحالف معها طوال سنوات بسبب موقفها الذي كثيرًا ما وصفته بالرخو والمتطابق في الكثير من جوانبه مع موقف النظام، وإعلان هذه الهيئة عن استراتيجيات وسقوف جديدة ليس فيها شرط تنحّي رأس النظام وحاشيته عن السلطة، مع إبدائها قدرًا من المرونة تجاه المشاركة في مؤتمر سوتشي الذي دعت إليه روسيا، انتقلت مباشرة إلى حضور الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف التي شدّدت الأطراف الدولية الراعية لها على ضرورة أن تبدأ خلالها المفاوضات المباشرة بين وفديّ النظام والمعارضة.
  • لم تجرِ أي مفاوضات مباشرة في الجولة الثامنة من مؤتمر جنيف، كما لم يلتق وفدا النظام والمعارضة حتى في ممرات مبنى الأمم المتحدة؛ وبقيت المفاوضات رهينة الوسيط الدولي الذي ظلّ يتنقل من قاعة إلى أخرى حاملًا اقتراحات لم يوافق عليها بشكل جادّ أي من الطرفين، لا المعارضة ولا النظام.

أولًا: تركيز على الهوامش

  • ركّز المبعوث الأممي لسورية ستيفان دي مستورا على الهوامش أكثر من تركيزه على جوهر المفاوضات. فقد دعا عددًا كبيرًا من السوريين ليُشاركوا في ورشات عمل ولجان قانونية ودستورية، استمرارًا لاجتماعات سابقة بالشكل نفسه وللغرض نفسه؛ واهتم بعضهم بكتابة الدستور، وبعضهم بوضع رؤية لقوانين التفاوض والمرحلة الانتقالية، وبعضهم الآخر ببحث الوسائل الناجعة لزيادة المشاركة النسائية، وغير ذلك. بينما من المفترض، وفق كل القرارات الدولية، ومن بينها بيان حنيف1 لعام 2012، والذي هو أساس هذه الاجتماعات المتتالية في جنيف، أن تكون هذه المهمات من شأن الهيئة الحاكمة الانتقالية التي من المفترض تشكيلها في بداية المرحلة الانتقالية.
  • من غير المعروف على أي أساس يرتكز المبعوث الأممي في تشكيل لجانه المختلفة هذه، ومن هي الجهة التي فوّضته بكتابة مشروع الدستور والقوانين المكملة لسورية المستقبل، والتي من المفترض أن تكون نتاج المرحلة الانتقالية لا سابقة لها. هذا العمل الخلفي للمبعوث الأممي لم يُواجَه في الحقيقة باعتراض من طرفي المفاوضات، النظام والمعارضة، وفي الغالب سيواجَه برفض الطرفين فيما لو ترجمت هذه اللجان نتائجها إلى بنود يحملها المبعوث الأممي للأمم المتحدة في وقت لاحق.
  • راهنت موسكو على بحث ملفيّ الدستور والانتخابات، وهذا ما ركّز عليه دي مستورا في اللجان الجانبية؛ بينما راهن النظام على طهران وبكين لنقل التركيز إلى إعادة الإعمار والاستمرار في محاربة الإرهاب وتأجيل التسوية السياسية. ولم يُركّز أيّ طرف دولي أو إقليمي على ضرورة أن يكون بحث المبادئ السياسية للحل السوري بين المعارضة والنظام وكيفية البدء بتنفيذ بيان جنيف1 تدريجيًا، أولوية هذه الجولة من المفاوضات.
  • تعترف الأمم المتحدة بأن القضية السورية معقدة وصعبة، وأن حلّها يجب أن يستند إلى توافق محلي وإقليمي ودولي؛ وتشدد في كل مرة على ضرورة حصول اختراق في جنيف، اختراق يكسر الركود والتكرار واللا واقعية؛ لكنها لا تتخذ أيّ قرارات من شأنها دفع العملية قدمًا نحو الأمام؛ ذلك أن الأمر يعتمد على مجلس الأمن، وهذا الأخير محكوم، بما يخص القضية السورية، ومنذ سبع سنوات، بالفيتو الروسي المتكرر، الذي استخدمته روسيا عشر مرات خلال سبع سنوات لتُعطّل أي قرار يُمكن أن يُسهّل الحلّ أو يوقف المأساة في هذا البلد.
  • من المؤكد أن المبعوث الأممي لا يستطيع إيجاد حلول للقضية السورية التي باتت بيد الدول الكبرى، لكن كان بإمكانه، لو شاء، أن يتعاطى بجدّية أكبر مع المسار المرسوم له، ويُحدث تغييرًا في الشكل على الأقل، وليس في المضمون، كما فعل المبعوث السابق له، كوفي أنان، الذي أعلن صراحة عن الطرف الذي يقوم بتعطيل الحل، ويرتكب الانتهاكات، وبيّن كيف يمكن أن يكون الحل، ومن ثمّ، قدم استقالته بجدّية عندما أدرك أن ما يجري حول سورية عبثي؛ لكن موقفه الراسخ ولّد، بشكل أو بآخر، بيان جنيف1، الذي ارتكز في الكثير من أسسه على اقتراحات الرجل.

ثانيًا: ورقة في مواجهة ورقة

  • تقدّم المبعوث الأممي بوثيقة مبادئ لطرفي المفاوضات، النظام والمعارضة، وثيقة مُكررة ومُعدّلة، لم يجد فيها الطرفان ضالتهما في جولات سابقة؛ كما تقدّم وفد الهيئة التفاوضية التابع للمعارضة بوثيقة مبادئ للحل السياسي، فيها تقاطعات كثيرة مع وثيقة المبعوث الأممي، لكنها قوبلت بانتقادات كثيرة على اعتبار أنها ذات سقف منخفض، وتُركّز على قضايا هامشية، أو على قضايا غير مختلف عليها بين السوريين، ولم تدخل في صلب عملية التغيير السياسي، كما لم تُشر إلى المرحلة الانتقالية بوصفها مدخلًا لصوغ سورية الجديدة.

ثالثًا: انتقادات

  • يُلاحظ أن ورقة المبعوث الأممي لم تُشر لا من قريب ولا من بعيد إلى مسألة تغيير النظام الحالي، ولا إلى أي فكرة تُقارب فكرة “الهيئة الحاكمة الانتقالية” التي نصّ عليها بيان جنيف1 والقرارات الدولية، ولم تُحدّد أي سقوف زمنية لعملية التغيير السياسي، واكتفت بالإشارة إلى ما يوحي بضرورة القيام بإصلاحات في الحكم، وثبّتت وجود الأجهزة الأمنية، ولم تشدّد على ضرورة إصلاحها أو تغيير بنيتها، كما تركت لهذه المؤسسات الأمنية ولمؤسسات الدولة الأخرى، والتي ما زال النظام يُسيطر عليها بالكامل، حصريًا، الحق في استخدام القوة في سورية.
  • لم تُشر وثيقة دي مستورا إلى بيان جنيف1 الذي يُعقد مؤتمر جنيف لتنفيذه، ولا إلى الهيئة الحاكمة الانتقالية ذات الصلاحيات التنفيذية الكاملة، والتي تتألف من طرفي المفاوضات، المعارضة والنظام ومعهم شخصيات مستقلة حيادية، وتقود المرحلة الانتقالية التي يوضع خلالها الدستور وتُصلح بإشرافها الأجهزة الأمنية ويتشكل فيها جيش وطني، إلى حين استقرار البلاد وإقرار دستور جديد فيها وإجراء انتخابات رئاسية.
  • الوثيقة التي تقدّم بها وفد المعارضة المفاوض، تعرّضت لانتقادات من قبل الكثير من المعارضين السوريين الذين وصفوها بأنها “لا علاقة لها بالثورة وثوابتها”، وفيها تنازل والتفاف على المرحلة الانتقالية بأكملها، وطالبوا الوفد المفاوض بالمزيد من الشفافية والتمسّك بمطالب الثورة. واعتبر كثيرون أن الورقة تعترف بـ/ وتُشرّع النظام، ولو بشكل جزئي، وتتخلى عن شرط تنحيته، كما تتخلى عن شرط وجوده في سورية المستقبل، وتقبل ضمنيًا بمشاركة أركانه في المرحلة المقبلة، بغضّ النظر عن جرائم الحرب التي ارتكبوها.
  • وثيقة النظام، فقد تضمنت مطالبَ تتوافق فقط مع ما يريده النظام، من دون الأخذ في الحسبان أي مطلب من مطالب المعارضة، بل تجاهلت وجود حرب وأزمة وطنية، وأن سورية مرّت بحرب قضت على ما يُعتقد أنه وصل إلى مليون من الضحايا، وهجّرت نصف سكان سورية، ودمّرت أكثر من 60 في المئة من البنى التحتية.
  • تحاول جميع الأطراف الضغط على المعارضة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، بحسن نيّة أو بسوء نيّة. فالروس ضغطوا لتقبل بضم منصة موسكو وشخصيات أخرى من “الحمائم” إلى الهيئة العليا للتفاوض، ونجحوا، ويضغطون بكل الوسائل من أجل إقناعها، أو إلزامها سحب بند رحيل الأسد من بيان الرياض 2، أو على الأقل تجميده، وكذلك عدم مناقشته نهائيًا في الجولة الثامنة من مؤتمر جنيف أو أي جولة مقبلة، ويضغطون كذلك لتليين موقفها الرافض لمؤتمر سوتشي الذي تريد روسيا عقده في أوائل العام المقبل، وتسعى من أجل أن يكون بديلًا عن جميع المؤتمرات السابقة بما فيها جنيف، عبر صيغة “مؤتمر وطني” ينتج عنه توافق بين السوريين، لا يحتاجون بعده إلى جنيف أو غيره.

رابعًا: أمل مفقود

  • استند النظام في رفضه أي تسوية، وتعطيل أي مفاوضات، وتخريب أي مبادرة، إلى قوة عسكرية تحصّل عليها من إيران بشكل ميليشيات طائفية عابرة للحدود، إيرانية وعراقية وأفغانية ولبنانية وغيرها، وإلى دعم عسكري وسياسي روسي كبير، وتعامل مع الحالة السورية على أنه منتصر، من دون أن يُحاول التفكير في أن ثباته ليس انتصارًا وليس بفضل قوته وبأس قواته، وإنما بفضل الدعم الروسي والإيراني بشكل أساسي، فكانت المحصلة المزيد من التشدد تجاه المعارضة بأشكالها كافة، ورفض كامل لأي تسوية سياسية متوازنة، ورفض كامل لأي إصلاح جذري، هذا مع الحديث طبعًا عن رفض كامل للتغيير السياسي الشامل.
  • أفشل النظام كل جولات جنيف الماضية، وأغرق المعارضة والمبعوث الأممي المُشرف على هذه المفاوضات بالتفاصيل، وماطل، وحاول تغيير أولويات التفاوض، وتفريغ كل (الجنيفات) من محتواها عبر إدراج مسألة الحرب على الإرهاب كبند وحيد فيها، كما ركز دومًا على عدم شرعية وفد المعارضة. وعملت روسيا على دعم معارضة رخوة، أصرّت طوال سنوات على إدخالها ضمن الوفد المفاوض، ونجحت في ذلك بعد مؤتمر الرياض2 الذي عُقد في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، ونجح بفضل الدعم الروسي له، وحوّل أنظار المجتمع الدولي عما ارتكب من جرائم حرب، ومن نضال شعب ضد حكم ديكتاتوري شمولي طائفي، أخاف الغرب بفتحه الباب في سورية أمام كل التنظيمات الإرهابية الطائفية، ما حوّل المعركة في نظر الغرب، بشكل عام، إلى معركة ضد الإرهاب.
  • كان يُعتقد أن دي مستورا يُراهن على تدخّل موسكو وعواصم غربية أخرى لإنقاذ المفاوضات، وللدخول في جوهر المفاوضات المباشرة وبحث مبادئ الحل السياسي والانتقال لبحث ملفي الدستور والانتخابات، لكن شيئًا من هذا لم يحدث، وبقيت المفاوضات تراوح في مكانها، وسط عدم اكتراث من وفد النظام، وتقطّع في الحضور، وغياب أخّر كثيرًا الجلسات التفاوضية.
  • يبدو أن موسكو ليست جادّة في ما تقول، وأن تصريحات مسؤوليها ذرّ للرماد في العيون، وأنها أيضًا تراهن على مؤتمر سوتشي لـ “الحوار الوطني” المرتقب عقده في بدايات عام 2018، كما راهنت سابقًا على مؤتمر أستانا، بتطويع المعارضة أكثر وأكثر، تحت إشراف روسي- إيراني- تركي، مع أملها في أن يحلّ هذا المسار مكان كل المسارات السابقة، وعلى رأسها مسار مؤتمر جنيف.

خامسًا: أساسيات لا بدّ منها لمؤتمر لا بدّ منه

1_ المعارضة

  • تتعرض المعارضة السورية، السياسية والعسكرية، لضغوط، من أكثر من طرف. واختُرقت مؤخرًا بمنصات ميّالة لطروحات النظام وأساليبه، واستُبعد من الهيئة التفاوضية العليا التابعة لها شخصيات معارضة صاحبة تجربة، وبدأت روسيا تُمارس ضغوطًا حقيقية لجعلها تتراجع عن شرط تنحّي الأسد عن السلطة سواء في المرحلة الانتقالية أو بعدها، كذلك تسعى لإفشال جنيف لجرّ المعارضة إلى مؤتمر سوتشي، الذي سيجمع 1500 من السوريين فيما يشبه “العرس″، والذي ستضيع فيه حقوق، وتتغير مبادئ، وينتهي دور الأمم المتحدة.

2_ الأمم المتحدة

  • يُدرك السوريون أن المفاوضات ليست بين طرفين، المعارضة والنظام، بل صارت مفاوضات بين أطراف عديدة، ضاغطة ومؤثرة في الوضع السوري، تتشابك مصالحهم وتلتقي أحيانًا وتتعارض وتتنافر في الكثير من الأحيان، أطراف مباشرة وغير مباشرة، وتُشكّل قوى ضغط على النظام والمعارضة؛ وإدارة هذه المفاوضات المعقدة ومتعددة الأطراف تحتاج إلى كفاءة عالية، لا توفرها الأمم المتحدة للملفّ السوري، ما يُعرّض الهيئة الأممية لانتقادات وللتقليل من أهميتها كمؤسسة دولية ذات صدقية وقدرة.

3_ الدول الكبرى

  • يبدو مؤتمر جنيف للمراقب كساحة للمناكفة الروسية- الأميركية، فروسيا تسعى لتهميش هذا المؤتمر الذي أنتج قبل خمس سنوات بيانًا متوافقًا عليه دوليًا، يؤدي إلى نهاية حتمية للنظام السوري فيما لو طُبّق، بينما تريد الولايات المتحدة استمراره، لكنها تريده أن يستمر من دون أن ينجح في الوقت الراهن، ذلك لأنها لا تستعجل الحل، وتُفضّل أن يبقى الملفّ السوري مفتوحًا؛ لكن هذه الساحة المفتوحة تمنع وضع حدّ للمأساة السورية التي أنتجت مشكلات إقليمية ودولية متعددة الأشكال والخطورة، ليس أولها تنظيم الدولة الإسلامية، وانتشار وتكاثر الميليشيات الطائفية المدعومة من إيران، ولا مشكلات اللجوء والنزوح، ولا الإرهاب العابر للحدود من وإلى سورية؛ واستمرار هذه الساحة مفتوحة للمناكفات سيولّد مخاطر أخرى في المدى القريب والمتوسط.

سادسًا: خاتمة

  • تتواتر جولات مؤتمر جنيف، سعيًا لإيجاد حل سياسي للقضية السورية الشائكة، ويشارك فيها، إضافة إلى المعارضة والنظام والأمم المتحدة، لاعبون محليون وإقليميون ودوليون، ولو بصورة شكلية رمزية، وتكثر الاقتراحات والوثائق والطروحات، وترتفع المناورات الدبلوماسية والرهانات المتنـاقضة، وتسود موجة من التفاؤل في كل مرة تُعقد فيها جولة جديدة من هذا المؤتمر، لكن لم يصدر أيّ قرار عملي تنفيذي، أو نتيجة إيجابية ملموسة، عن الجولات السابقة، والجميع يُركّز على مكافحة الإرهاب، وينسى جوهر المأساة السورية، وأولوية تغيير النظام السياسي وفق ما اتّفقت عليه الدول الكبرى عام 2012 في جنيف، ضمن ما يُعرف باسم (بيان جنيف1)، وتبقى الحلقة مُفرغة ومن دون نتيجة، ويعمل الجميع على تركيب حلول تجميلية ترقيعية موقّتة، وحتى في هذه لا ينجحون.
  • منذ الجولة الأولى لمؤتمر جنيف عام 2012، وحتى اليوم، لم يتغيّر موقف النظام من المفاوضات، واستمرّ في التعامل معها بطريقة من العبث المطلق راسخة وثابتة، ولم يقبل أن ينتقل بها لبعض الجدّية، حتى الشكلية منها، بينما تغيّرت المعارضة تغيّرًا جذريًا، فقد تراجعت على المستوى العسكري، وخسرت داعميها الإقليميين، وأُجبرت على تغيير تركيبتها، وإدخال أطراف رخوة، ترتبط بصورة مباشرة بروسيا، وبصورة غير مباشرة بالنظام، مستعدة لتقديم تنازلات سياسية لا محدودة؛ لكن، مع هذا، تبقى المعارضة مُمثلة ولو نظريًا لمطالب شريحة عظمى من الشعب السوري المتضرر من الحرب والرافض للنظام والراغب في التغيير السياسي والأمني، والمتضرر من ممارسات نظام الأسد الأب والإبن طوال خمسة عقود، وهذا في حدّ ذاته يمنحها قوة وشرعية.

الرابط الأصلي:

https://harmoon.org/archives/7656

النتاج الفكري 13-12-2017

النتاج الفكري 13-12-2017

تقرير يومي يتابع أهم الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث المحلية والعالمية بما يخص المشهد السوري الداخلي مع التوقف على البعدين الإقليمي والدولي وانعكاس ذلك على صناع القرار، كما يعرض مضمون هذه الدراسات بطريقة موجزة ومقتضبة بما يوفر الجهد والوقت على المهتمين والباحثين.

مركز عمران

قراءة تحليلية لاستطلاع واقع وتحديات الإدارة المالية للمجالس المحلية

المقدمة

  • تعمل وحدات الإدارة المحلية على رسم سياساتها الاقتصادية والاجتماعية والتنموية المتوافقة مع مصالح ومطالب مجتمعاتها المحلية، ولكي تتمكن تلك الوحدات من ممارسة وظائفها وتحقيق أهداف سياساتها المعتمدة، فإنها تحتاج إلى إدارة مواردها المالية بكفاءة تجنباً للهدر واتقاءً للعجز المالي الذي يؤثر سلباً على وظائفها وحتى استمراريتها. انطلاقاً مما سبق يحظى التمويل المحلي بأهمية متزايدة في دراسات الإدارة المحلية، سيما مع تنامي توجه الحكومات المركزية لمنح الوحدات المحلية صلاحيات أوسع في إدارة شؤونها، إضافةً إلى تقليص تمويل تلك الحكومات للوحدات المحلية في ظل سياسات التقشف التي تتبعها، وهو ما يوجب على وحدات الإدارة المحلية العمل على تنمية مصادرها الذاتية وتعزيز أدائها المالي سعياً منها للقيام بأدوارها وضمان استقلالها المالي.
  • في الحالة السورية، يكتسب موضوع المالية المحلية أهمية إضافية في ظل تشكل وحدات محلية مستقلة عن المركز بحكم الأمر الواقع، تقوم بإدارة مناطقها وتوفير خدماتها للسكان المحليين بما تيسر لها من الأدوات والتمويل، وفي ظل ما تعانيه المجالس المحلية في مناطق سيطرة فصائل المعارضة من عجز مالي مزمن، وأمام ما تواجهه راهناً من تحديات توفير الخدمات سيما خلال مرحلة خفض التصعيد، وما ينتظرها من استحقاقات كبيرة تتصل بدورها المركزي في إنعاش الاقتصاديات المدمرة لمجتمعاتها المحلية، وكذلك دورها المتوقع ضمن عملية إعادة الإعمار مستقبلاً، يغدو من الأهمية بمكان تسليط الضوء على الأداء المالي للمجالس المحلية بما يتضمنه من تحليل موازناتها ومصادر تمويلها واتجاهات إنفاقها المحلي، كذلك التطرق لمنظومة الرقابة المالية القائمة لديها، لمعرفة أوجه الخلل والقصور في أدائها المالي ثم الخلوص إلى توصيات عامة، من شأنها تعزيز استقلالية مالية المجالس باعتبارها أحد أهم مقوماتها الأساسية، إضافةً إلى تعزيز قدرتها على أداء وظائفها الخدمية والتنموية، واشتقاق مبادئ عامة لتأطير علاقة المجالس المالية مع المركز فيما يتعلق بتقاسم الموارد وصلاحيات الإنفاق المحلي خاصة في مرحلة إعادة الإعمار.

نظرة على المجالس المحلية: آليات التشكيل وخصائص القيادات

  • يتوزع ما يقارب من 470 مجلس محلي على مناطق سيطرة المعارضة منها 393 مجلس مقيم في حين تمثل المتبقية مجالس المناطق المهجرة بفعل اتفاقيات التهجير والإخلاء، ويذكر في هذا الصدد تقدم محافظة إدلب على غيرها من المحافظات بعدد مجالسها والتي بلغت 156 بحسب مجلسها، في حين جاءت محافظة دمشق بالمرتبة الأخيرة بــما مجموعه 5 مجالس بين قائمة ومهجرة.
  • تتنوع آليات تشكيل المجالس المحلية ما بين انتخاب وتوافق إلى تعيين ومبادرة فردية، وقد أظهرت النتائج تُشكل ما يزيد عن نصف المجالس المستطلعة بقليل 52% من خلال التوافق، مقارنة بـــ 44% ممن أشاروا إلى اعتمادهم آلية الانتخاب في تشكيلها. وقد أظهرت النتائج قلة الاعتماد على آليتي التعيين والمبادرة الفردية في التشكيل حيث بلغتا مجتمعتين ما نسبته %4 من إجمالي إجابات العينة.
  • على الرغم من تنامي اعتماد القائمين على إدارة المجالس على الانتخابات كآلية لتشكيل المجالس وبروز تجارب رائدة في هذا الصدد، تبرز عدة عوائق تحول دون إجراء المجالس لانتخابات محلية، وقد رتبتها عينة الاستطلاع بحسب أهميتها وفق الآتي: الانقسامات المجتمعية، غياب إطار تنظيمي، قلة الوعي العام بأهمية الانتخابات، عوائق أمنية، معارضة القوى العسكرية.
  • يمكن تفسير ميل القائمين على المجالس بالاعتماد على الانتخابات كآلية للتشكيل، برغبتهم في تعزيز الشرعية المحلية للمجالس أمام ما تواجهه من مخاطر واستحقاقات تفرضها المقاربة الروسية في سورية من جهة وتوجهات القوى المناوئة لها كالحركات الجهادية من جهة أخرى، إضافةً إلى مراكمتها لخبرات تنظيمية في مجال الانتخابات المحلية وتبادلها مع مجالس أخرى بدعم من منظمات المجتمع المدني، علاوةً على تزايد شريحة القوى المنخرطة في تشكيل المجالس وعدم قدرة التوافقات على تنظيم مشاركتهم في تشكيل المجالس، وتوافقها كقوى على اللجوء للانتخابات كآلية لحسم تنافسها وتمثيلها في المجالس.
  • يحتل الشباب مواقع القيادة في المجالس المحلية، حيث بلغ عدد من هم دون 47 عاماً 92 رئيس مجلس محلي، مقابل 30 فقط ممن هم فوق 47 عاماً. كما تشير النتائج إلى حيازة نصف رؤساء المجالس شهادات جامعية، وثلثهم يحملون شهادة ثانوية، وتقريباً سدسهم على شهادات معاهد متوسطة، بينما جاء حملة الشهادات العليا في المرتبة الرابعة بما نسبته 5% من مجموع رؤساء المجالس.

أدوار المجالس المحلية: تنامي الوعي السياسي ومحورية الدور الخدمي

  • تؤدي المجالس المحلية أدوار متنوعة الأبعاد، حيث تتيح للسكان المحليين فرصة المشاركة في صنع السياسات المحلية من خلال ممثليهم، كما تقوم بإدارة شؤون مجتمعاتها المحلية وتوفير الخدمات لهم، إضافة إلى دورها في تطوير اقتصاديات مجتمعاتها المحلية وتحقيق التنمية لسكانها.
  • فيما يتعلق بنظرة القائمين على المجالس المحلية في مناطق سيطرة المعارضة لطبيعة دور مجالسهم، أظهرت نتائج الاستطلاع توصيف 49% من العينة لدور مجالسهم بأنه خدمي يقوم على تقديم الخدمات المحلية للسكان في مجالات الإغاثة والبنية التحتية والصحة والتعليم، بينما أجاب 36% بأنه دور متعدد الأبعاد يشتمل على السياسي والخدمي والتنموي، في حين توزعت النسبة المتبقية من العينة بين 11% وصفت دورها مجالس بالتنموي فقط، و4% تنظر لدورها على أنه سياسي بحت.
  • من المهم تناول الدور الخدمي للمجالس من حيث طبيعته ونطاق الخدمات والأولويات في هذا المجال، والتحديات التي تواجه المجالس في توفير خدماتها للسكان، سيما مع تزايد الأعباء الخدمية على المجالس في ظل ما ينتظرها من استحقاقات ناجمة عن اتفاقيات وقف التصعيد من حيث عودة اللاجئين والنازحين وتوفير الخدمات وترميم البنية التحتية.
  • يتراوح الدور الإداري والخدمي للمجالس بين المركزي والثانوي، فأغلبها يقوم بتأدية هذا الدور بمفرده بما يتوفر له من إمكانيات وموارد (69%) أو أن تؤديه بالتشارك مع هيئات أخرى توافقاً أو تنافساً (21%)، بينما كان 10% فقط منهم يقوم بالتنسيق لتقديم الخدمات.
  • تعمل المجالس على توفير خدماتها وفق سلم أولويات مجتمعاتها، فقد أظهر ترتيب عينة استطلاع المجالس لأولوياتها الخدمية حلول قطاعي البنية التحتية والتعليم معاً في المرتبة الأولى، بينما احتل قطاع الصحة المرتبة الثانية، تليها الإغاثة ثالثاً، في حين شغل الدفاع المدني المرتبة الأخيرة في سلم أولويات المجالس.
  • تواجه المجالس المحلية عدة تحديات تؤثر سلباً على قدرتها في توفير الخدمات، جاءت وفق الترتيب الآتي بحسب ما أظهرته نتائج الاستبيان: 1) قلة الموارد المالية، 2) قلة الكوادر، 3) صعوبات أمنية، 4) تدخل فصائل المعارضة المسلحة في عمل المجالس، 5) مشاكل إدارية.
  • يظهر سلم أولويات خدمات المجالس المحلية استمرار تركيزها على قطاعي البنية التحتية والتعليم، تأكيداً منها على ضرورة معالجة ملف البنية التحتية لدوره في تحقيق الاستقرار للمجتمعات المحلية، فضلاً عن سعيها لتعزيز حضورها في المرحلتين الراهنة (خفض التصعيد) واللاحقة (الحل السياسي وإعادة الإعمار) من خلال هذا الملف. أما فيما يتعلق بقطاع التعليم، تدرك المجالس ضرورة الانخراط فيه سواءً بزيادة إشرافها على هذا الملف أو بإدارته من قبلها، سيما في ظل بروز مؤشرات سلبية عن واقع التعليم في مناطق عمل المجالس.

موازنة المجالس المحلية: آلية الإعداد ومصادر التمويل والإنفاق المحلي

  • تكتسب دراسة المالية المحلية أهمية لما لها من دور في وضع السياسات واتخاذ القرارات، وتحديد طبيعة المشهد الاقتصادي والوضع المالي للمحليات واحتياجاتها، الأمر الذي يساعد صناع القرار على إدارة الموارد بعقلانية لتحقيق الأهداف الموضوعة.
  • يكتسب موضوع المالية المحلية أهمية لدى المجالس المحلية في مناطق سيطرة فصائل المعارضة نظراً لما تعانيه من عجز مالي مزمن يتهدد دورها واستمراريتها واستقلاليتها. انطلاقاً مما سبق سيتم التطرق لموازنة المجالس المحلية من حيث آلية إعدادها والهيئات المكلفة بذلك، ومصادر إيراداتها واتجاهات إنفاقها بغية معرفة مكامن الخلل بما يساعد على تصويبها.
  • تقوم المجالس المحلية بإعداد موازناتها المالية بناء على عوامل عدة، وقد أظهرت نتائج الاستطلاع اعتماد 50 % من عينة الاستطلاع على الموارد المالية المتوفرة في إعداد موازناتها، بينما يعتمد 15% من عينة المجالس على خبراتها السابقة، وبفارق قليل تصوغ 14% من عينة المجالس سياساتها المالية بناء على النفقات المتوقعة، كذلك أظهرت النتائج اعتماد 12% على تقديرات المسؤول المالي في إعداد موازناتها، في حين يقدر 9% موازنته بناء على الدعم المتوقع من المانحين.
  • تتألف الموازنة بشكل عام من قسمين رئيسين هما الإيرادات والنفقات، وفيما يتعلق بمصادر تمويل المجالس المحلية لموازناتها، أظهرت النتائج تنوع المصادر المالية التي تعتمدها المجالس في تمويل إنفاقها المحلي، بحيث تشمل موارد ذاتية وأخرى خارجية رتبتها عينة الاستطلاع من حيث وفرتها وفق الآتي:

الضرائب والرسوم المحلية التي تتقاضاها المجالس من المكلفين مالياً؛

  • الدعم الخارجي الذي توفره بالدرجة الأولى المنظمات بما فيها الحكومية وغير الحكومية الإقليمية منها والدولية؛
  • الإيرادات المالية المتأتية عن استثمار الأملاك العامة التي تديرها المجالس ضمن نطاقها الإداري؛
  • الإيرادات المالية الناجمة عن المشاريع التنموية المملوكة أو المدارة من قبل المجالس المحلية؛
  • الإيرادات المالية الناجمة عن الهبات والتبرعات التي يقدمها الأفراد بشكل مباشر وغير مباشر؛
  • الدعم الذي توفره مؤسسات المعارضة الرسمية كالائتلاف الوطني والحكومة السورية المؤقتة؛
  • الدعم المالي أو العيني الذي تقدمه الفصائل العسكرية للمجالس المحلية ضمن مناطق تواجدها.
  • تعتمد المجالس على عدة آليات لتحصيل الضرائب والرسوم من المكلفين مالياً، وقد أظهرت عينة الاستطلاع ترتيب تلك الأدوات وفق الآتي: تعيين جباه محليين، تحصيل الرسوم والضرائب من خلال فرضها على الخدمات (كالخبز، سلال الإغاثة) التي يوفرها المجلس للسكان، تفويض المجلس مهام الجباية لهيئات محلية (كالشرطة المحلية أو الفصائل أو منظمات المجتمع المدني).
  • يعتبر تقاسم الموارد بين الحكومة المركزية والمجالس المحلية إحدى أبرز القضايا الإشكالية المتوقعة بين الطرفين مستقبلاً خاصة في مرحلة إعادة الإعمار ولا سيما في المناطق الغنية بالموارد المحلية، وفي سؤال عن رأي المجالس المحلية تجاه هذا الموضوع، أكد ما نسبته 85% من عينة الاستطلاع على أحقية المجالس بالتصرف بالإيرادات المحلية دون إرسالها للحكومة المركزية، بينما أيد 10% من العينة فكرة تقاسم الإيرادات بين المركز والمجالس المحلية وفق صيغة متفق عليها، في حين كان التأييد لحق استئثار المركز بالإيرادات المالية المحلية ضعيفاً جداً حيث لما يتجاوز نسبة 1%، أما النسبة المتبقية من العينة والتي بلغت 4% فقد فضلت عدم الإفصاح عن رأيها تجاه هذا الموضوع.

انخفاض القدرة الاقتصادية للسكان المحليين نتيجة ارتفاع مستويات البطالة واعتماد السكان المحليين على المساعدات كمصدر رئيسي لتوفير احتياجاتهم؛

  • يعبر تأييد غالبية المجالس لحقها بالاستئثار بالموارد المحلية دون إرسالها للمركز مستقبلاً، عن عدم ثقتها بالمركز نتيجة سياساته التنموية والاقتصادية التمييزية في وقت سابق، والقائمة على اعتبارات الولاء وترجيح مراكز المدن على أطرافها، وقد أفرزت هذه السياسات مشاكل تنموية وأزمات اقتصادية ساهمت في تأجيج الحراك الاحتجاجي مطلع 2011 خاصة في المناطق المهمشة اقتصادياً وتنموياً. كما تتعزز مخاوف المجالس من استئثار المركز بمنافع عملية إعادة الإعمار واستخدامها كورقة ضغط عليها، الأمر الذي يفسر تأكيد غالبيتها على ضرورة تمتعها بصلاحيات الانفاق المحلي بشكل مستقل عن المركز، باعتباره ضمانة لاستقلالها وبما يمكنها من تلبية متطلبات مجتمعاتها التنموية والخدمية.
  • تفسر طبيعة الانفاق المحلي للمجالس أحد أسباب عجزها المالي، حيث تركز المجالس بالدرجة الأولى على دعم القطاعات الحيوية وإعادة تأهيل البنية التحتية، الأمر الذي يستنزف مواردها المحدودة نظراً لحجم الدمار الذي يتطلب قدرات مالية كبيرة لا تتوافر حتى لدى المركز.

الرقابة المالية في المجالس المحلية: تعدد الآليات وضعف الأداء

  • يكتسب موضوع الرقابة المالية أهمية لدى المجالس المحلية سيما في ظل ما تتهم به من سوء إدارة المال المحلي هدراً أو فساداً، وتبعاً لما سبق سيتم التطرق لمنظومة الرقابة المالية القائمة لدى المجالس من حيث الأنظمة والآليات المعمول بها، والجهات المسؤولة عن ممارستها.
  • تدير المجالس المحلية ماليتها المحلية وفق نظام مالي ومحاسبي، وقد أظهرت النتائج تبني ما يزيد عن ثلثي العينة بقليل لنظام مالي ومحاسبي متوافر بشكل مكتوب، بينما أجاب ربع العينة تقريباً بعدم امتلاكها لأنظمة مالية مكتوبة، في حين لم تتخطى نسبة المجالس التي لا تعتمد أي أنظمة مالية عتبة 10%.
  • توثق الغالبية العظمى من المجالس أنشطتها، حيث يعتبر التوثيق المالي لأنشطة المجالس من عوامل نجاحها، بما يعزز من ثقة السكان المحليين والجهات الداعمة بها، وقد بينت النتائج تعدد أدوات التوثيق المالي للمجالس، حيث رتبتها العينة وفق الآتي: الإيصالات والفواتير، دفتر حسابات مالي، برنامج محاسبة على الكمبيوتر وتقارير مالية، بينما لم تتجاوز نسبة المجالس التي لا توثق مصاريفها المالية عتبة 8%.

الخاتمة

  • تكتسب دراسة مالية الوحدات المحلية أهمية في ظل حاجة تلك الوحدات إلى تنظيم شؤونها المالية راهناً بما يساعدها على وضع السياسات المحلية واتخاذ القرارات وإدارة مواردها بعقلانية لتحقيق الأهداف المتوخاة، كما تكتسب هذه الدراسات أهمية من حيث إثارتها لقضايا إشكالية من قبيل تقاسم الموارد وتوزيع صلاحيات الانفاق المحلي بين المركز والوحدات المحلية سيما في مرحلة إعادة الإعمار.
  • في حين يشكل اعتماد المجالس على الضرائب والرسوم كمصدر رئيسي لإيراداتها المالية نقطة تحول في تفكير المجالس لجهة التقليل من اعتمادها على المانحين لصالح الاعتماد أكثر على مواردها الذاتية، فإن النتائج المتحققة عن الجباية لا ترقى للمستوى للمأمول لأسباب تتصل بضعف الوضع الاقتصادي للمكلفين مالياً وعدم تجاوبهم مع جهود المجالس في الجباية لأسباب عدة، وإلى جانب ما سبق يفسر طبيعة الانفاق المحلي للمجالس عجزها المالي، حيث تقوم المجالس باستنزاف مواردها في دعم قطاعات حيوية تحتاج إلى موارد كبيرة لا تتوافر حتى لدى المركز. كما يفاقم ضعف منظومة الرقابة المالية للمجالس من عمليات الهدر، ويعزز من فرص تشكل حالات فساد مالي داخلها.

الرابط الأصلي:

https://www.omrandirasat.org/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%A8%D8%AD%D8%A7%D8%AB/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%A8%D8%AD%D8%AB%D9%8A%D8%A9/%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D8%AA%D8%AD%D9%84%D9%8A%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B7%D9%84%D8%A7%D8%B9-%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9-%D9%88%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%A7%D9%84%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%84%D9%8A%D8%A9.html

النتاج الفكري 08-12-2017

النتاج الفكري 08-12-2017

تقرير يومي يتابع أهم الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث المحلية والعالمية بما يخص المشهد السوري الداخلي مع التوقف على البعدين الإقليمي والدولي وانعكاس ذلك على صناع القرار، كما يعرض مضمون هذه الدراسات بطريقة موجزة ومقتضبة بما يوفر الجهد والوقت على المهتمين والباحثين.

مركز عمران

“الأمن مقابل الحريات”: الأزمات كمُتغير في ضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم

  • على الرغم مما حمله حدث استقالة رئيس الحكومة اللبنانية، سعد الحريري، من مؤشراتٍ مُغريةٍ للتحليل على المستوى السياسي لمستقبل لبنان الذي تنفس أهله الصعداء في الأيام الماضية، أو على مستوى المنطقة التي تنتظر كل يوم أزماتٍ جديدةٍ كدول ملعبٍ تحمل إليها دول اللاعب صراعاتها ومبارياتها؛ إلا أن أبرز ما يلفت في تفاعلات هذا الحدث من بدايته المريبة إلى نهايته النسبية؛ هي عودة الحريري إلى لبنان، وتحديداً ذاك الاستقبال الحاشد له في بيت الوسط ببيروت ومن ثم من قبل أنصاره من تيار المستقبل.
  • بغض النظر أن لهذا التحشيد سياقه وهدفه السياسي والحزبي على الصعيدين المحلي والإقليمي، إلا أن المثير للاهتمام هو ذاك التمسك الذي يبديه الناس في الأزمات التي تهدد استقرارهم وتنذر بما هو أسوأ، إذ يبدو أن السلوك العام للجماعة ينتقل في الأزمات إلى مستوى التعبير عن الحاجة لقيادة يلتفون حولها بشكل قد يصل للمبالغة، علماً أنهم قد يكونوا غير مقتنعين بالقائد الذي يمثلها!
  • المكون السُني اللبناني بعقله الجمعي يدرك تماماً كغيره من مكونات لبنان؛ أن سعد الابن لم يرث من قامة والده السياسية ما يستحق الذكر، فلم يمثلْ الشابُ رجل دولة حقيقي أو سياسي مُحنَّك أو زعيم طائفي أو رجل علاقات إقليمية ودولية أو حتى عميداً لأسرة الحريري، وعلى الرغم من إدراكهم هذا؛ إلا أنهم يلتفون اليوم حول “سعد الشاب” ويتمسكون به.
  • الأزمات والتهديد الحقيقي لأي جماعة قد يدفعها للالتفاف حول قيادتها رغم عدم قناعتها بها، أي أن الجماهير تُعبر عن شعورها برفض واقعٍ أسوأ كالعودة إلى حالة عدم الاستقرار وذكريات الحرب التي يعرفها لبنان جيداً، فتعبرُ كجماعة مدركة لمصالحها عن رفضها وخوفها من العودة لتلك الحالة أكثر من تمسكها بالشخص ذاته، والذي تخدمه الأزمة لتقدمه “كمُخلِّص”.
  • سلوك الجماعة هنا يبدو تعبيراً عن رفض الأسوأ أكثر من كونه تمسكاً بشخص. وإن صحت المقاربة للتوضيح؛ فقد فُسِّرَّ الخروج الجماهيري للمصريين إلى الشوارع بمظاهرات 9و10 يونيو 1967 للمطالبة بعودة جمال عبد الناصر إلى الرئاسة والعدول عن استقالته، وبقدر ما كان ناصر عليه من كاريزما القائد، إلا أن هذا التحرك الجماهيري ضمن ذاك الموقف عبَّر في عمقه عن رفض المصريين لهزيمة الـ 67 أكثر من تمسكهم بناصر، والذي كان يمثل بقاؤه أيضاً بالنسبة لهم أداة لرفض الهزيمة، أي أنهم عبروا بشكل جماعي عن رفض الهزيمة أمام إسرائيل وانعكاسها داخلياً بشكل يدفع زعيمهم للاستقالة.
  • على الرغم من أن شخصية ناصر ببعدها القومي وعمقها المحلي وجانبها الزعامي لا يصح مقارنتها بسعد الحريري، ليس تقليلاً من شأن سعد ولا تعظيماً لشأن ناصر، وإنما هو الواقع. ولكن يمكن أن نفهم من تلك المقاربة بشكل عام بعضاً من سلوك الجماعات في الأزمات والمهددات الحقيقية، وكيف تعيد الأزمة كمتغير ضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم من مدخل الحاجة، أي أن الجماعة في الأزمات قد تعبر عن حاجتها للالتفاف خلف قيادة، أو حتى خلقها بمن ليسوا أهلاً لها، في سبيل حماية مصالحها أو درء تهديدٍ ما عنها أو حتى تحقيق هدفٍ معين.
  • في الأزمات المهددة لمصالح الجماعة ليس بالضرورة أن يكون القائد مُخلِّصاً بالمطلق، وإنما قد تتحول القيادة إلى وسيلة لابتزاز الجماعة؛ فالأزماتُ كظرفٍ سياسيٍ تبدو من أكثر المداخل التي تلجأ الأنظمة السياسية إلى استغلالها في سبيل إعادة ضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم من مدخل الحاجة. فمن يمثل تلك القيادة يدرك تلك الحاجة تماماً، فيعمل على استثمار الأزمات وحاجة الناس في تعزيز قيادته، وقد يحرص على استمرار الأزمة التي تستمر بها مخاوف الجماعة وبالتالي التفافها حول قيادته أكثر، بل وقد يسعى في سبيل ذلك إلى تصنيع أزمات معينة.
  • غالباً ما تكون تلك الأزمات مُصنعة باتجاهٍ يهدد أمن الجماعة، لذلك قد تُقدّم الجماعة تنازلاتٍ عدة لحفظ أمنها، ومن تلك التنازلات حقوقها وحرياتها التي لا تبدو أولوية قياساً بأمنها و”تهديد وجودها”، لتولد من هنا معادلة الأنظمة السياسية الديكتاتورية وعقدها الاجتماعي المتمثل بـــ “الأمن مقابل الحريات”، والذي يعيد ضبط العلاقة بين المطالب الشعبية بالإصلاح السياسي والاقتصادي وبين استجابة النظام الحاكم لها.
  • حافظ الأسد اعتاش ونظامه على القضية الفلسطينية واستغلالها كإحدى الأزمات الناظمة لسلطته الأمنية مع شعبه عموماً، ومن ثم تهويل واستغلال أزمات داخلية (الإخوان المسلمين) لترهيب الأقليات وربط مصالحهم به، وبالتالي ضمان تغول أكبر للأجهزة الأمنية وقانون الطوارئ ومصادرة الحريات. ومع اندلاع الثورة السورية استمر الأسد الابن بذات العقلية لضمان ولاء فئات محددة من المجتمع السوري، فكان أن لجأ إلى إخراج الجهاديين من السجون كأداة ساهمت مع العديد من العوامل في تصنيع “الإرهاب” كأزمة أعادت ضبط اصطفاف بعض الفئات حوله وتحديداً الأقليات، و”شرعنت” له سياقاً وأدوات قمعية للتعامل مع مطالب الحراك الشعبي على الطرف الآخر، فاستطاعت تلك الأزمة قلب أولويات المعادلة السورية من رحيل النظام إلى مكافحة “الإرهاب”.
  • يتجلى نهج القيادة المصرية المتمثلة بعبد الفتاح السيسي، فصبرُ المصريين على السيسي رغم الكوارث التي تعيشها الدولة المصرية في عهده؛ بدءاً بشخصيته التي لا تليق بحجم مصر وصولاً إلى التدهور الاقتصادي والسياسي والحقوقي وحتى السيادي، ذلك الصبر لا يبدو حباً بالسيسي بقدر ما يظهر كتعبيرٍ عن رفض لواقعٍ “أسوأ” استطاع نظام السيسي تسويقه كبديل لحكمه، فحصر أغلب المصريين في ثنائية “أنا أو الإرهاب”، “أنا أو النموذج السوري”، إذ يبدو أن السيسي استطاع إلى الآن ابتزاز المصريين واستغلال حاجتهم للأمن في الأزمات، بل وأجبرهم على التنازل عن حريات عدة في سبيل “ضمان أمنهم”.
  • استراتيجية خلق الأزمات واستغلالها لم تقتصر على قادة الأنظمة العربية في المنطقة، وإنما امتدت عدواها لتشمل غيرهم، فالبرزاني أحد الأمثلة الحية وليست الأخيرة على الهروب إلى الأمام من تأزم الوضع الداخلي سياساً واقتصادياً، من خلال تصديره أزمة أكبر تمثلت بالاستفتاء، على أمل إعادة ضبط الأوضاع الداخلية لصالحه من جديد، إلا أن البرزاني يختلف عمن سبقوه بأن أزمته أطاحت به بدلاً من تثبيته، وربما اختار الأزمة الخطأ لتصديرها.
  • للأنظمة العربية وقياداتها تاريخٌ طويلٌ في صناعة الأزمات لإعادة ضبط العلاقة بينها وبين الشارع؛ الأزمات التي صُممت للتغطية على أُخرى أعمق وتثبيت سلطة معينة في الحكم. إلا أن تلك الصناعة اتخذت بعد الربيع العربي مستويات خطيرة، حيث شكلت بالنسبة للأنظمة الغطاء الأهم لتبرير دخولها بحرب مفتوحة مع مجتمعاتها على المستوى المحلي، بينما تجلت خطورتها أكثر في إعادة تعويمهم رغم تلك الحرب على المستوى الإقليمي والدولي. فـ”الإرهاب” الذي صُنّعَ بصيغةٍ إسلامية؛ مثّلَ أزمةً أطالت بعمر العديد من الأنظمة التي وظفتهُ في صد الربيع العربي. واليوم ومع اتجاه تلك الأزمة إلى النهاية بعد رحلة طويلة من “المكافحة”، ها هي ثورات الربيع العربي تدور 360 درجة مع الأزمات التي صُنِّعتْ لعرقلتها، لتعود وجهاً لوجه مع الأنظمة الصانعة، فهل تلجأ الأخيرة لخلق أزمات جديدة بأدوات مختلفة، أم تكون الموجة القادمة من التحرك الشعبي هذه المرة أسرع وأوعى؟

الرابط الأصلي:

https://www.omrandirasat.org/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%A8%D8%AD%D8%A7%D8%AB/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A3%D9%8A/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86-%D9%85%D9%82%D8%A7%D8%A8%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D9%83%D9%85%D9%8F%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%B6%D8%A8%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%A9-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85.html#.WipYS-2Tbog.link

النتاج الفكري 04-12-2017

النتاج الفكري 04-12-2017

تقرير يومي يتابع أهم الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث المحلية والعالمية بما يخص المشهد السوري الداخلي مع التوقف على البعدين الإقليمي والدولي وانعكاس ذلك على صناع القرار، كما يعرض مضمون هذه الدراسات بطريقة موجزة ومقتضبة بما يوفر الجهد والوقت على المهتمين والباحثين.

مركز جسور

اعتقالات رموز القاعدة في إدلب ….تكتيك آني أم خطوة استراتيجية؟

تمهيد

  • تأسست جبهة النصرة لأهل الشام التي تتبنى التوجه السلفي الجهادي أواخر عام 2011، وأعلن أبو محمد الجولاني في تسجيل مصور عن فك الارتباط عن القاعدة وزعميها أيمن الظواهري في 28يوليو/حزيران 2016م، كما أعلن إلغاء العمل باسم جبهة النصرة وتشكيل جماعة جبهة فتح الشام.
  • تعدّ تجربة تنظيم القاعدة في سورية، من خلال فرعه المتمثل بجبهة فتح الشام، التجربة الأهمّ والأكثر فرادة ضمن تجارب القاعدة في البلدان الأخرى، لتوفرها على عدد وعتاد ومساحة نفوذ وعلاقات بالمجتمع المحلي أكبر مما حظيت به فروع القاعدة الأخرى، عدا عن التحولات الحركية والخطابية التي مرّت بها، ففي 28 ديسمبر/كانون الثاني2017 أعلنت عدد من كبرى الفصائل في الشمال السوري، عن اندماجها في مكون عسكري جديد باسم “هيئة تحرير الشام”، يضم كلاً من “جبهة فتح الشام، وحركة نور الدين الزنكي، ولواء الحق، وجبهة أنصار الدين، وجيش السنة”.
  • لم يكن مفاجئاً لكثير من المتابعين ذلك الإجراء الأخير الذي اتخذته هيئة تحرير الشام باعتقال الرموز المتمردة على القيادة والتي تخطط لإعادة إعلان (القاعدة) في سورية متمثلة في رموز كالعريدي وأبو جليبيب الأردني، إذ يعتبر ذلك الإجراء الحلقةَ الأخيرة في الطلاق البائن تنظيمياً وفكرياً بين هيئة تحرير الشام وتنظيم القاعدة المعولم، وللخطوات دلالات جديّة تعكس حالة الحسم لدى قيادة الهيئة في معالجة الظواهر الشاذة التي تؤثر على سمعة الهيئة مثل داعش وجند الأقصى وأخيراً تنظيم الفرقان.

موروث القاعدة وكلمة الفصل

  • أحدثت عملية انفصال الهيئة ( جبهة النصرة آنذاك) عن القاعدة هزة عنيفة داخل التنظيم الجهادي العامل في سورية، وتركت بصمة عميقة بين الأفراد المنتمين فكرياً لدائرة القاعدة وأخواتها بشكل خاص، وبدت ملامح مشروع جديد بالظهور على شكل إجراءات جذرية فكرية وتكتيكية في بنية جبهة تحرير الشام بقيادة الجولاني.
  • سبب فك الارتباط انشقاقات داخلية كبيرة لدى “جبهة فتح الشام”، وعزوف العديد من القادة العسكريين والشرعيين والعناصر عن العمل ضمن مكوناتها، فمنهم من انتقل لمناطق سيطرة تنظيم الدولة ومنهم من فضل البقاء في مناطق سيطرة الجبهة.
  • يشعر الجولاني بضغط يهدد استقراره، ويتمثّل هذا الضغط في تقدم داعش في جبهة حماة، لذلك فإن قيادة الهيئة حسمت أمرها بالانتقال من تنظيم مغلق له آلياته ” كالسرية المفرطة”، ومحدداته الفكرية المتمثلة “بجرعات أيديولوجية دينية”، إلى حركة مفتوحة تسيطر على مساحة كبرى جغرافية، وتملك موارد اقتصادية وتنادي بتشكيل حكومة انتقالية بما يعني البحث عن وسائل وآليات جديدة للتعاطي مع المرحلة الجديدة. وإن الهيئة بقتالها العسكري والعنيف لداعش في بادية حماة وباستئصالها الأمني المبكر لقيادة القاعدة ترسل رسالة واضحة حول جديتها في المضي بالتغيير الفكري والسلوكي. وهي جادّة في البرهنة على خيارها الاستراتيجي بقطع كامل ارتباطها بالقاعدة وفكرها التي تدعي قيادة الهيئة أنها اضطرت للانخراط به ضمن سياق تاريخي معين في سياق المناكفة مع داعش.

الصعيد المدني والسياسي

  • تجاوزت الهيئة في مسيرة قيادتها لمناطق السيطرة التابعة لها الامتحان الأصعب في إثبات قدرتها على إدارة المناطق مدنياً، وهيكلة المؤسسات الاجتماعية والسياسية وخاصة في إدلب، والامتحان الثاني بالمرونة الني أبدتها الجبهة للتعامل الحذر مع قوات درع الفرات التركية، لذلك فإن قيادة الهيئة تعتبر أن التوافق بينها وبين تركيا في دخول القوات التركية لسورية دون منغصات كان سبقاً سياسياً ناجحاً يمكن التعويل عليه دولياً في محاولة الهيئة للهروب من شبح العزلة الدولية، وعليه فإنها لن تسمح لأحد بتعكير صفو تخطيطها السياسي، وأيضاً إن قيادة الهيئة تدرك الحجم الشعبي المتواضع لمجموعة القاعدة المزمع إنشاؤها بالداخل، ولذا عزمت أمرها باجتثاثهم دون خوف من انشقاق داخلي، حيث تؤكّد قيادة الهيئة بقرارها هذا على مركزية القرار الشديدة لديها، وإنها قادرة على اتخاذ قرارات جريئة بهذا الاتجاه.

خلاصة

  • تظهر المعطيات أن عملية اعتقال الشرعيين القاعديين في الهيئة تأتي ضمن سياسة تنتهجها قيادة الهيئة بشكل واضح منذ فترة طويلة.
  • قيادة الهيئة ترنو من خلال عمليات الاعتقال بشكل غير مباشر لمغازلة الغربيين والأمريكان، للتأكيد على أن الهيئة باتت حسنة السلوك السياسي، وإنها خارج نظرية الجهاد المعولم التي تتبناها القاعدة والتي تشكل هاجس رعب للغرب، وأنها تسعى لصياغة نظريتها الخاصة بها فكريا وممارساتياً، وأن أي محاولة لإلصاقها بآخرين هي رؤية سطحية، مما يعني ضرورة مراجعة الغرب لفكرة التصنيف الدولي للهيئة.
  • التحدي الأكبر للهيئة يتمحور في قدرتها الحقيقية على التحول لكيان له رؤية سياسية يمكنه التعايش مع الحلول الدولية الممكنة لمستقبل سورية والموافق عليها دولياً، وقدرته على العيش كمؤسسة من مؤسسات المعارضة.
النتاج الفكري 30-11-2017

النتاج الفكري 30-11-2017

تقرير يومي يتابع أهم الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث المحلية والعالمية بما يخص المشهد السوري الداخلي مع التوقف على البعدين الإقليمي والدولي وانعكاس ذلك على صناع القرار، كما يعرض مضمون هذه الدراسات بطريقة موجزة ومقتضبة بما يوفر الجهد والوقت على المهتمين والباحثين.

مركز حرمون

الرقة: خلال وبعد الطوفان

مقدمة

  • بعد سيطرة الميليشيات الكردية على الرقة أثارت ثلاث قضايا اللغط والتساؤلات، الأولى طريقة استغلالها “الطائشة” لبث رسائل قومية “شوفينية” توحي بالفعل بأنها مُحتلّ جديد للمدينة، والثانية اختفاء مقاتلي (تنظيم الدولة الإسلامية) من المدينة بشكل غريب وسريع، والثالثة رفض أي طرف-عدا الولايات المتحدة-الاعتراف أو التعاون مع الميليشيات الكردية لإدارة المدينة ورسم معالمها المقبلة، سياسيًا وعسكريًا وديموغرافيًا، وهذه القضايا وغيرها سترسم مستقبل المدينة وما حولها في المستقبل القريب.

أولًا: استعراضات “طائشة

  • فور سيطرة الميليشيات الكردية على مدينة الرقة، أو “استلامها” من (تنظيم الدولة)، استنسخ مقاتلو (قوات سورية الديمقراطية) ما قام به مقاتلو (داعش) قبل ثلاث سنوات، في ساحة الشهيد حسين جاهد، من استعراض عسكري لمظاهر القوة، و”التفحيط” بالمدرعات في وسط الساحة، والإفراط برفع الرايات القومية والصور، واستعراض صور للأحياء المدمّرة كليًا في المدينة.
  • قام المقاتلون الأكراد بإنزال الراية السوداء لـ (تنظيم الدولة) من (دوار النعيم) وسط المدينة أو ما كان عُرف سابقًا بـ (دوار جهنم) الذي شهد الكثير من عمليات الإعدام الجماعي بحق المدنيين خلال فترة سيطرة التنظيم على المدينة، لكنّهم رفعوا فورًا بدلًا منه سارية عملاقة عليها علم كردي، لا يعني لأهالي المدينة أي شيء.
  • رفض شيوخ عشائر الرقة حضورَ احتفالية الميليشيات الكردية بالسيطرة على المدينة، كما لم يحضرها أي من المعارضين أو الناشطين المعروفين في الرقة، ورفض أهالي المدينة ووجهاؤها أن يكونوا جزءًا من مجلس محلّي عيّنه الأكراد وحاولوا أن يُطعّموه ببعض من أبناء المدينة، وفشلوا في ذلك.
  • كانت استعراضات الميليشيات الكردية مُبالغًا فيها، وجارحة للكثير من السوريين، ومُستهجنة بالنسبة إلى الرأي العام الدولي، وأثارت حنقًا تركيًا إضافيًا ضد الأكراد، واستياءً روسيًا وإيرانيًا، ما دفع ببعض القيادات الكردية لتبرير الاحتفالية، ورفع صورة أوجلان وسط الرقة، بأن المقاتلين وصلهم خبر يتعلق بسوء صحة أوجلان في سجنه فعبّروا باستعراضاتهم عن تضامنهم معه، ولم تُقنع هذه الحجج أحدًا من المُنتقدين.
  • التزمت واشنطن الصمت حول أداء ذراعها العسكري الكردي في الرقة، وغضّت الطرف عن ممارسات عناصر (قسد) السلبية في المدينة، وقال بعض المعارضين السوريين إن الإدارة الأميركية قررت غضّ الطرف عن هذه الانتهاكات مقابل خدمات هذا الطرف، خاصة أنها قررت ألّا تزجّ قواتها في الحرب السورية خشية أي مصير مماثل لفيتنام أو أفغانستان أو العراق.

ثانيًا: تبخّر (داعش)

  • عندما سيطرت الميليشيات الكردية على الرقة، تبخّر فجأة مقاتلو (داعش)، واستفرد حلفاء الأميركيين بمصير المدينة، وقاموا بتدمير مقارّ التنظيم وسجونه، والتي من المفترض أن فيها أسرى احتجزهم التنظيم في أوقات سابقة، ودمّروا كل الأدلة التي يمكن أن تُوصل إلى هؤلاء الأسرى من أبناء المدينة وسواها.
  • سيطرت الميليشيات الكردية على الرقة من دون أن يظهر أي مقاتل من مقاتلي التنظيم الأجانب، واختفى كل أثر لهم، ولم يرَ أبناء المدينة المُدمّرة أيًا منهم، وقال الأهالي إن الميليشيات الكردية اتّخذت من الترويج والمبالغة بوجود هذا العدد الضخم من مقاتلي (تنظيم الدولة) الأجانب حجّة لتقوم قوات التحالف الدولي بتدمير المدينة كلّيًا على رؤوس أصحابها.

ثالثًا: انتهاكات

  • (قسد) فعلت كل ما في وسعها لتقديم معلومات وإحداثيات مُضلِّلة، نجم عنها مقتل مدنيين بالجملة، بما يمكن وصفه بجرائم الحرب، وكذبت بشأن معارك وهمية، وقصفت مدفعيًا بشكل عشوائي، وقامت بمحاصرة المدنيين بما يُخالف قوانين الحرب.
  • الميليشيات الكردية التي سيطرت على المدينة قامت بعمليات سرقة للممتلكات، وأطلقت عملية تجنيد إلزامي واسعة للشباب، واقتادت المئات من المدنيين إلى معسكرات اعتقال قرب عين عيسى، بل وأخفت المعتقلين والمختطفين الذي كانوا في سجون (تنظيم الدولة) أو قايضتهم.
  • لم تصدر أيّ ردّة فعل من الولايات المتحدة، ربما لأن كل ما كان يهم البيت الأبيض هو أن تنجح هذه المعركة لأنها ستحقق نتائج سياسية مهمة لإدارة ترامب، ولا ضير في أن يكون عدد الضحايا كبيرًا، أو أن تُدمّر المدينة، أو أن تحتفل الميليشيات الكردية بالسيطرة عليها على طريقتهم “الاحتلالية”، ما استدعى غضّ الطرف عن انتهاكات طالما أن هناك حاجة لمرتكبيها، وطالما أن النتيجة- على المدى الأبعد- لن تفيد سوى الولايات المتحدة وحدها.
  • الرقة الآن مدينة مُدمّرة بالكامل، أكوام الركام وأنقاض المنازل تبعث برسائل واضحة عن الاستراتيجية الأميركية، وهو أن القوة المُدمِّرة المُفرطة حاضرة دائمًا، وأن الولايات المتحدة لن تتورط بريًا في سورية ما دام هناك من يمكن أن تستخدمه على الأرض، وأنها أيضًا لن تنسحب من المناطق التي تريد الهيمنة عليها حتى لا تتكرر معها تجربة سحب قواتها من العراق في العام 2011.

رابعًا: إدارة بالقوة

  • قامت (قسد) بتعيين مجلس محلي للمدينة، كانت قد أعدّته مسبقًا، أغلبيته من الأكراد والبعض من سكان المدينة من الموالين لهم، على الرغم من أن وجود الأكراد في المدينة قبل الحرب كان لا يزيد على 3% من عدد سكانها، وبدأ هذا المجلس المُعيّن يتّخذ قرارات بشأن المدينة بخلوّها من سكّانها الذين فرّوا منها بمئات الآلاف.
  • أعلنت الميليشيات الكردية أن مدينة الرقة ستكون جزءًا من سورية “لا مركزية اتحادية”، وقالت إن مستقبل محافظة الرقة “سيحدده أهلها ضمن إطار سورية ديمقراطية لا مركزية اتحادية، يقوم فيها أهالي المحافظة بإدارة شؤونهم بأنفسهم”. وتعهّدت بـ “حماية حدود المحافظة ضد جميع التهديدات الخارجية، وتسليم السيطرة إلى مجلس مدني من الرقة”.
  • استبعدت واشنطن التعامل مع ناشطي الرقة وأهلها وقواها الحقيقية، وفضّلت التعامل مع الميليشيات الكردية الهجينة من مقاتلين أكراد أتراك وعراقيين وإيرانيين وسوريين، يسعون لمشروع بطابع قومي مرفوض من دول المنطقة.
  • التصريحات الأميركية التي تُشدّد على أن الولايات المتحدة لن تدعم مشروعًا انفصاليًا في المناطق التي يسيطر عليها “حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي”، باتت مشكوكًا فيها، فالولايات المتحدة، التي ترفض تقسيم سورية، دعمت حتى الآن (قسد) لاحتلال الرقة وتهجير سكانها، وإعلانها حكمًا ستحاول تثبيته، ينضم إلى فدرالية يقوم الحزب الكردي بالإعداد لها منذ ثلاث سنوات، ومنحتها مصادر الطاقة والتمويل والحياة: آبار النفط، سد الفرات، محطات الطاقة الكهربائية، وحقول القمح؛ كما أتاحت لها أيضًا شيئًا مشابهًا في مناطق تمتدّ من القامشلي حتى الرقة في معظم الشمال السوري.
  • يبدو أن مستقبل المدينة ووسائل إدارة شؤونها الخدمية واليومية، ووسائل تأمين حمايتها، ستظلّ جميعها قضايا مُعلّقة، وسط رفض السكان وجود الميليشيات الكردية في المدينة، وقبولهم مرغمين له، على الأقل طالما أن هذه القوات الكردية ستبقى من القوة بمكان لا تسمح لهم بتغيير الواقع. كما سيبقى هاجس السوريين عمليات التغيير الديموغرافي التي لم تتوقف الأذرع العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي عن القيام بها، ليس في الرقة فحسب، بل في المناطق الشرقية والشمالية لسورية.

خامسًا: ما بعد الطوفان

  • بعد سيطرته على المدينة عام 2014، فرض (تنظيم الدولة) قوانينه التكفيرية على سكان المدينة، ومارس إجرامًا لا حدود له، طال المعارضين للنظام والمعارضين للتنظيم بشكل أساسي، بينما كانت المواجهات بين التنظيم وقوات “النظام السوري” شبه معدومة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المواجهات بين التنظيم والميليشيات الكردية.
  • بسيطرة الميليشيات الكردية ، تقلّص نفوذ (تنظيم الدولة) في العمق السوري إلى درجة شبه معدومة، ومع سيطرة قوات النظام على دير الزور شرقي سورية، بات وجود (التنظيم) في كل سورية شبه معدوم أيضًا، عدا عن بضعة جيوب في مناطق مبعثرة، أو عبر بعض الفصائل المسلحة الموالية له والتي تُمثّله على الأرض.
  • طرح انهيار (تنظيم الدولة الإسلامية) أسئلة حول مستقبل التدخل العسكري الأميركي في سورية، لكن الولايات المتحدة حسمت الأمر سريعًا، وأعلنت أنها لن تنسحب من سورية حتى لو هلك (تنظيم الدولة الإسلامية)، وربطت مغادرتها بالتوصل إلى حلّ سياسي نهائي مضمون وراسخ في سورية، وهي تُعلن عن ذلك حتى لا تترك فراغًا بانسحابها، سيستغله الروس والإيرانيون و”النظام السوري”، وسيتسبب بهلاك المشروع الكردي برمّته، وانهيار ثقة حلفاء الولايات المتحدة بها. وفي هذا السياق، قال الرئيس دونالد ترامب “معًا، أي مع حلفائنا وشركائنا، سندعم المفاوضات الدبلوماسية التي تُنهي العنف وتسمح للاجئين بالعودة بسلام إلى ديارهم، وتؤدي إلى تحول سياسي يحترم إرادة الشعب السوري”، لكنّه لم يُشر إلى مستقبل الأسد، ولم يوضح أيضًا كيف ستدعم الولايات المتحدة قوات الأمن المحلية، ومن هي هذه القوات.

سادسًا: خاتمة

  • يبدو أنها مرحلة إعادة رسم الخرائط السياسية في إقليم يعاني من اضطرابات سياسية واستراتيجية، وفوضى عسكرية غير مسبوقة. والخطر الكبير سيبقى ماثلًا لزمن ليس بقليل، وثمة سلسلة من الاعتبارات الاستراتيجية التي يرتبها خروج التنظيم من الرقة، منها أين اختفى التنظيم، وأين ذهب قادته ومقاتلوه، وما مصير مئات الآلاف من السكان، ومن سيقوم بإعادة تأهيل مدينتهم، وكيف يمكن للحكومة المركزية بدمشق أن تتحكم في هذه المنطقة الحرجة، وهل ستتعامل الميليشيات الكردية مع النظام، وفي حال تعاملوا معه هل ستبدأ حرب مفتوحة مع المعارضة، وهل سيبقى تقاسم الأدوار الناعم بين الروس والأميركيين، وهل سترضى إيران وتركيا بـ “حصصها” المعدومة تقريبًا، كلها أسئلة تُشير إلى انفتاح المنطقة على صراعات أعنف وأغرب، وإلى أن الأمور منفتحة على احتمالات كثيرة.

الرابط الأصلي:

https://harmoon.org/archives/7389

النتاج الفكري 30-10-2017

النتاج الفكري 30-10-2017

تقرير يومي يتابع أهم الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث المحلية والعالمية بما يخص المشهد السوري الداخلي مع التوقف على البعدين الإقليمي والدولي وانعكاس ذلك على صناع القرار، كما يعرض مضمون هذه الدراسات بطريقة موجزة ومقتضبة بما يوفر الجهد والوقت على المهتمين والباحثين.

مركز كارنيغي

معارك سوريا الأخيرة

  • ليس هناك في الواقع مؤشرات على أن لدى الولايات المتحدة أي نية متبقية للدفع قدماً نحو تغيير سياسي في سورية، أو حتى أن لها أصلاً سياسة تجاه سورية على الإطلاق. وبالتالي، ومع هذا الغياب الأميركي، ستُسفر معارك سورية المقبلة عن نوع جديد مختلف تماماً من المحصلات عن تلك التي تصوّرها بيان جنيف في حزيران 2012، أو حتى إطار فيينا في تشرين الثاني 2015. هذان الاتفاقان رسما، على رغم الاختلافات بينهما، لوحة لعملية دبلوماسية بإشراف دولي تقود إلى تقاسم سلطة رسمي بين الحكومة السورية وبين المعارضة. لكن، لن يحدث في الحقيقة لا تقاسم للسلطة أو عملية انتقال سياسي في دمشق، ولا تخلٍ للأسد عن الحكم.
  • سيكون الفعل الأكبر لمحادثات أستانة التي ترعاها روسيا دفع أجزاء أساسية من المعارضة المسلحة إلى الانضمام الى مسار يُتوَّج بإعادة دمجها في الدولة السورية، تحت مظلة الحكم الراهن. وكان الرئيس الروسي بوتين صريحاً حين قال في خطاب أمام منتدى دولي في 19 تشرين الاول: ” حالما تتشكّل مناطق خفض التوتر، سيبدأ الناس الذين يسيطرون عليها بإجراء اتصالات مع دمشق، مع الحكومة”.
  • المعركة الأولى تجري الآن بالفعل على قدم وساق، وهي تتمثّل في طرد تنظيم الدولة مما تبقى من معاقله على طول القطاع الأوسط لنهر الفرات في محافظة دير الزور. ويفترض بعض المراقبين أن هذه المنطقة ستشهد أيضاً تسابقاً للسيطرة عليها، استناداً إلى الاعتقاد بأن الولايات المتحدة ستسعى إلى إحكام قبضتها على المنطقة الحدودية، بهدف منع إيران من شق “ممر برّي” إلى البحر المتوسط. وبالفعل، تدعم الولايات المتحدة تقدُّم قوات سورية الديمقراطية ذات الأكثرية الكردية إلى تلك المنطقة، غداة فشل محاولتها السابقة لبناء قوة معارضة قادرة على مهاجمة الدولة الإسلامية انطلاقا من قواعد في البادية الجنوبية السورية. بيد أن بسط النظام سيطرته على مدينة الميادين التي تقع جنوب مدينة دير الزور في 14 تشرين الأول الماضي، سد الطريق أمام اندفاع قوات سورية الديمقراطية لتحقيق المزيد من التقدم، في الوقت نفسه أتاح للقوات الحكومية نقطة ارتكاز تزحف منه، تحت غطاء جوي روسي، على البوكمال في الطرف الجنوبي من وادي الفرات خلال الأسابيع والأشهر المقبلة. ومثل هذه المحصلة لن تُواجه باعتراض أميركي.
  • المعركة الثانية هي تلك المؤجلة في محافظة إدلب، والتي سبق أن أُعلن مرات عدة عن بدئها. لكن هذا لم يحدث. الأهم هنا هو تصميم الحكومة التركية على منع حزب الاتحاد الديمقراطي من خلق ما وصفه الرئيس التركي أردوغان بالممر الإرهابي الذي يبدأ في عفرين ويمتد إلى البحر المتوسط. بيد أن التكهنات بأن تركيا ستلتزم مهمة تهدئة إدلب، التي يسيطر التحالف الجهادي “هيئة تحرير الشام” على معظمها، في مقابل إطلاق يدها لاستئصال الجيب الكردي، ليست في محلها.
  • على رغم إشارات أردوغان المتكررة الى “عملية عسكرية جدّية” في سورية، إلا أن القوات المسلحة التركية لن تشن معركة برية كبرى ضد خصوم مُحصنين جيدا، سواء في إدلب أو عفرين، من دون دعم جوي قوي، وهو الدعم الذي تسبّب غيابه في تكبّد القوات التركية خسائر فادحة خلال تقدمها إلى بلدة الباب شمال حلب أوائل هذا العام. لكن، في حين أن روسيا عرضت استخدام سلاحها الجوي لحماية مراقبي الهدنة الأتراك المُنتشرين في إدلب، إلا أنها لا تسمح لسلاح الجو التركي بالقيام بمهمات قتالية في المجال الجوي السوري.
  • أدى التموضع العسكري التركي في إدلب، في إطار اتفاقية أستانة لخفض الصراع، إلى طي صفحة خيار أنقرة الخاص بقيامها بتدخل عسكري منفرد. والآن، ومع المحاصرة التامة لعفرين من قبل القوات التركية أو فصائل المعارضة المسلحة الحليفة لها، سيكون على أنقرة تأجيل أي عمل عسكري كبير، بما في ذلك العمليات ضد هيئة تحرير الشام التي سيتم احتواؤها بدلاَ من مواجهتها.
  • يتوقف توقيت ومسار العمليات العسكرية المستقبلية في إدلب على المعركة الثالثة التي تتوالى فصولاً: الصراع الحتمي بين النظام وبين الأكراد حول درجة الحكم الذاتي السياسي الذي سيتمتعون به حين تضع الحرب السورية أوزارها. بالطبع، نجاح قوات سورية الديمقراطية في انتزاع السيطرة على مدينة الرقة ومناطق جديدة في المحافظات الشرقية، من يد الدولة الإسلامية، سيشد من أزر حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يسيطر مباشرة على المكوّن الكردي الأكبر لتلك القوات. بيد أن قدرة الحزب على التفاوض مع النظام وانتزاع التنازلات منه تعترضه عقبات كأداء تتجسّد في المشهد الجيوسياسي غير المؤاتي له. إذ أن الاستفتاء على الاستقلال الذي أُجري في 25 أيلول/سبتمبر في كردستان العراق المجاور، لم يفعل شيئاً سوى تأجيج مشاعر القلق لدى تركيا من النوايا الكردية في سورية، كما أنه جعل من الصعب على الحكومات الغربية الدفاع عن نصرة القضية الكردية في سورية. واقدّم مسؤولون حكوميون سوريون إشارة هامة على نواياهم حين أدانوا الاستفتاء بكونه خطوة “انفصالية”، وهنأوا الحكومة والقوات المسلحة العراقية على نجاحها في “الحفاظ على وحدة العراق أرضاً وشعبا”، من خلال انتزاعها السيطرة على مدينة كركوك المتنازع عليها من يد حكومة إقليم كردستان في 16-17 تشرين الأول.
  • التهديد الضمني في ثنايا هذا التصريح جلي للعيان، ويتمثّل في إعادة فرض سلطة الحكومة السورية على المناطق التي تُسيطر عليها راهناً قوات سورية الديمقراطية. لعل النظام يكتفي بداية بالمطالبة فقط بتسليمه الرقة وباقي المناطق غير الكردية، ولكن يمكنه بسهولة أن يوسّع هذا المطلب ليشمل القامشلي، عاصمة محافظة الحسكة، ونقاط عبور حدودية في قلب المنطقة الكردية مثل تل أبيض..
  • المجابهة العسكرية بين نظام الأسد وبين الأكراد ليست حتمية. إلا أن أي حل سلمي سوف يعتمد على قدرة روسيا على جسر الهوة بين أقصى حكم ذاتي إداري يكون النظام مستعداً لمنحه للأكراد، وبين أدنى حكم ذاتي سياسي يطالب هؤلاء به. وهذه مهمة شاقة نظراً للعداء الذي يكنّه النظام لفكرة اللامركزية التي سبق لروسيا أن حبذتها منذ أوائل العام 2016 كإطار لحل الخلافات. يضاف إلى ذلك أن أي صيغة يتم التوصل إليها، يجب أيضاً أن تهدئ من روع تركيا ومخاوفها من الحكم الذاتي الكردي، إذا ما كانت ستوافق على القضاء على هيئة تحرير الشام في إدلب، وتشجّع المعارضة السورية المسلحة على المضي قدماً بمسار الأستانة حتى نهاية مطافه بالانخراط تحت لواء الدولة المركزية، والانسحاب من سورية.
  • مختلف سيناريوهات المعارك هذه، لن تحدث بدقائق تفاصيلها أو في سياقات متتابعة واضحة. فروسيا تفتقد إلى ما يكفي من النفوذ لإجبار نظام الأسد على قبول تسوية سياسية وفق شروط قد يعارضها بقوة، لكنها سوف تسعى إلى لجم اندفاعه إلى حرب مع قوات سورية الديمقراطية لأطول فترة ممكنة. وهذا سيكون أمراً سهلاً طالما أن النظام لايزال يقاتل لاستعادة وادي الفرات من قبضة الدولة الإسلامية، خاصة وأنه قد يُيمم وجهته بعد ذلك صوب المجابهة مع هيئة تحرير الشام في إدلب. لكن، في مرحلة ما من السنة المقبلة، سيلجأ النظام إلى تكتيكه المعتاد: إجراء حوار سياسي عبر الضغط العسكري المباشر، في حواره مع روجافا. في ذلك الوقت، قد تجد قوات سورية الديمقراطية نفسها عُرضة إلى الخطر بسبب تمددها الزائد جغرافيا.

الرابط الأصلي:

http://carnegie-mec.org/publications/?fa=73530

النتاج الفكري 24-10-2017

النتاج الفكري 24-10-2017

تقرير يومي يتابع أهم الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث المحلية والعالمية بما يخص المشهد السوري الداخلي مع التوقف على البعدين الإقليمي والدولي وانعكاس ذلك على صناع القرار، كما يعرض مضمون هذه الدراسات بطريقة موجزة ومقتضبة بما يوفر الجهد والوقت على المهتمين والباحثين.

مركز حرمون

عامان يُمهّدان لاحتلال قد يمتد إلى نصف قرن

مقدمة

  • مرّ عامان كاملان على بدء التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية، والذي كان هدفه المُعلن ضبط الوضع العسكري والتمهيد للعملية السياسية، وطبعًا “محاربة الإرهاب”، بينما كان هدفه الأساس والجوهري دعم قوات النظام السوري، ومنع سقوط رأس النظام، بشار الأسد، وتثبيت أقدام روسيا في شرقي المتوسط، وإنهاء القطبية الواحدة التي تُسيطر على المجتمع الدولي.
  • كان “منع انهيار الدولة ومؤسساتها” ومكافحة “الإرهاب الإسلامي”، هو الشعار الذي رفعته روسيا كمبرر لتدخلها العسكري المباشر في سورية، لكنّ هذه الأسباب كانت غلافًا لأسباب أخرى أكثر أهمية بالنسبة إلى الروس، بدليل أنهم شاركوا خلال سنتين في تدمير بنى الدولة السورية وانهيار ما تبقى من مؤسساتها في مناطق سيطرة المعارضة المسلحة. كما لم يقوموا بعمليات جدّية ضد تنظيم الدولة (داعش)، الذي يُعتبر رأس الإرهاب في سورية وأقوى أعمدته.
  • تدخّل الروس في سورية واضعين نصب أعينهم المكاسب العسكرية التي يمكن أن يفوزوا بها، وكذلك الوقائع السياسية التي سيفرضونها في المنطقة والمكاسب التي يمكن أن يجنوها من وراء ذلك، مع تركيزهم الشديد على الفرص الاقتصادية التي توفرها الحرب السورية، فضلًا عن استخدامها كحالة نموذجية لتجريب أسلحتهم الحديثة، ولتصريف الأسلحة القديمة التي انتهت صلاحيتها أو كادت تُشرف على الانتهاء. كما كانوا يأملون بشدّة أن تأخذهم الولايات المتحدة على محمل الجد كقوة دولية ضاربة، خاصة في العالم القديم وشرقي المتوسط؛ وهي الأهداف التي ما زال أمر تحقيقها مشكوكًا فيه على الرغم من مرور سنتين على هذا التدخل.

أولًا: حصيلة عامين

  • قدّم الروس فوائد للنظام السوري لم يُقدّمها له أيّ طرف آخر، بما في ذلك الإيرانيون. في المقابل، قدّم رأس النظام لهم تنازلات لم يكونوا ليحلموا بمثيلها من قِبَل أي نظام آخر في المنطقة، تنازلات كبيرة وخطيرة، مقابل حمايته وإبقائه على رأس السلطة، وعدم تعريض نظامه لخطر الانهيار والسقوط أو الهزيمة.
  • تحدثت منظمات ومراصد حقوقية دولية عن انتهاكات واسعة قام بها الروس في سورية، أسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى في صفوف المدنيين، فضلًا عن تسببهم بدمار كبير أصاب مؤسسات خدمية حساسة مثل الأفران والمشافي ومراكز الإسعاف وغيرها.
  • قالت وزارة الدفاع الروسية، بعد مرور عامين على التدخل، إنها منعت تقدّم (داعش) و(جبهة النصرة)، وإنها قتلت وجرحت آلاف المسلحين، نتيجة الضربات التي نفذتها القوات الجوية الروسية، منهم متشددون جاؤوا من روسيا ودول الاتحاد السوفياتي السابق. ووفق تقرير لها بمناسبة مرور عامين على التدخل العسكري، فإن هذا التدخل “مكّن روسيا من تحرير 87.4% من الأراضي السورية من (داعش)” وجرى منذ بدء العملية تنفيذ “أكثر من ثلاثة آلاف طلعة جوية قتالية، شنت خلالها 92000 غارة أدت إلى تدمير 96828 هدفًا، بينها 8330 مقر قيادة، و5370 تجمع مقاتلين، و6770 مستودعًا للذخيرة والمحروقات”.

ثانيًا: فئران لحقل تجارب روسي

  • استفادت روسيا من تدخلها في سورية لتجربة أنواع جديدة من الأسلحة في ظل ظروف حرب حقيقية، وهو ما أشار إليه وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، حين أطلقت أربع سفن من بحر قزوين 26 صاروخًا من طراز (كاليبر) على مواقع (داعش) في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، إذ قال إن القصف “جرى لأول مرة، ضمن ظروف حرب حقيقية من على متن قطع في بحر قزوين، وباستخدام صاروخ (كاليبر) لأول مرة”. وبهذا اعترفت روسيا أن سورية صارت ساحة لتجريب أسلحة سوق السلاح الروسي، وهو أيضًا ما أكّده سيرغي غوريسلافسكي، نائب رئيس شركة (أوبورون إكسبرت) الذي أشار إلى “ارتفاع الاهتمام بشكل ملموس في العالم بالأسلحة الروسية بفضل العملية العسكرية في سورية”.
  • اعترفت وزارة الدفاع الروسية في نشرةٍ لها بأن المشاركة العسكرية في سورية سمحت لها بالتحقق من الاستعداد القتالي لجميع الطيارين العسكريين تقريبًا، وأن ما يقارب من 90 في المئة من أفراد القوات الجوية تلقّوا خبرة قتالية في سورية.
  • تعتبر مرحلة تجريب الأسلحة مسألة في غاية الأهمية بالنسبة إلى سوق السلاح العالمي، خاصة عملية تجريب هذه الأسلحة في ظل ظروف قتال حيّ وحرب حقيقية، من أجل التسويق الأفضل لهذه المنتجات دوليًا، حيث تجد روسيا في سورية أحسن وأرخص حقل لهذه الغاية، ويبدو أنها تتعامل مع المدنيين السوريين كفئران تجارب في عملياتها، ليس أكثر.
  • مشروع الدولة الروسية المُعلن يقضي بتحديث القوات المسلحة، وينص على تجديد 70 في المئة من المعدات العسكرية بحلول عام 2020. ومن المفترض التخلي عن الأسلحة القديمة التي لم تعد تعني شيئًا في عالم السلاح الحديث، ووضع الأسلحة الجديدة قيد الاستخدام بعد إخضاعها لتجارب ميدانية عديدة.

ثالثًا: قواعد ثابتة وبنى عسكرية دائمة

  • تمكنت روسيا خلال عامين من جني ثمار عسكرية واستراتيجية واقتصادية، نتيجة تنازل النظام السوري وتسليمها زمام الأمور بإبرامه معها اتفاقيات، هي أقرب ما تكون إلى “اتفاقيات إذعان”، المُعلن منها اتفاقية لإقامة قاعدتين عسكريتين على المتوسط، الأولى جوية في مطار حميميم في محافظة اللاذقية، والثانية بحرية في محافظة طرطوس، وكلاهما لمدة نصف قرن قابلة للتمديد تلقائيًا.
  • حصلت روسيا من الأسد على تنازلات هائلة من وراء هذه الاتفاقيات، لدرجة أنه لا يُسمح للسلطات السورية، لا الآن ولا في المستقبل، بدخول الأماكن التي ترابط فيها قوات روسية، ولا يخضع الجنود الروس للقوانين السورية، ولا تخضع كل الشحنات الروسية لأي تفتيش من قِبل الجمارك السورية.
  • أنقذت موسكو الأسدَ من هزيمة محققة وفق اعتراف وزير خارجيتها، سيرجي لافروف، الذي نبّه إلى فضل بلاده الأول في إنقاذ الأسد من السقوط. وسمحت موسكو لنفسها بالاستفراد بالقوة والسيطرة، وإخضاع كل عملية التفاوض ومصير الأسد لمنطق الابتزاز، واستخدمت الفيتو غير مرّة لنفس السبب، كما هو معروف، وحاصرت الوضع السياسي بما يتناسب وسيطرتها على القرار العسكري في دمشق، وبات لخطاب موسكو منطق “المحتل المنتصر” في ساحة المعركة، والذي من حقه فرض الشروط والضغوط في المجال السياسي.

رابعًا: التدخل ومواقف الأطراف

  • وقف بوتين إلى جانب الأسد منذ بداية الثورة السورية، وقدم له دعمًا عبر تسليح قواته، وحماه في مجلس الأمن، ودعمه اقتصاديًا، ورسّخ الوجود العسكري الروسي في سورية، على الأقل لـ “تسعة وأربعين عامَا مقبلّا”، بموجب الاتفاقية العسكرية التي وقّعها النظام مع الروس، وهو أكبر وجود عسكري روسي في الخارج منذ زمن الاتحاد السوفياتي السابق وحتى اليوم، كما ضمن لروسيا نفوذًا شبه دائم في الشرق الأوسط.
  • لم يكن التدخل الروسي في سورية فعلًا سارًا للمعارضة السورية، إذ اعتُبرت روسيا مُحتلة منذ الأيام الأولى للتدخل، ذلك لأن تجربة المعارضة السورية مع الروس في الفترة ما بين انطلاق الثورة وحتى التدخل العسكري المباشر، كانت تجربة مريرة، تؤشر سلفًا إلى ما سيحمله هذا التدخل من المزيد من الدعم للنظام والاستخفاف بالمعارضة وعدم الاكتراث بالقتل والتدمير الذي تسبب به النظام خلال زمني الثورة والحرب.
  • كانت الولايات المتحدة تمر بمرحلة مضطربة ما بين رئيسين وإدارتين، ومرحلة انتخابات تدفع المرشحين للرئاسة للالتفات إلى الوضع الداخلي أكثر من الخارجي، وتجميد كل المبادرات والفاعليات العسكرية الخارجية إلى الحد الأدنى طالما أنها لا تمسّ بالأمن القومي الأميركي، ولم يكن بالأساس لإدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما أي رغبة بالتورط في الحرب السورية الطاحنة.
  • دول الخليج التي دعمت المعارضة السورية بقوة، وبأكثر من وسيلة، فقد أُسقط في يدها بعد أن صارت روسيا الآمر الناهي عسكريًا في سورية؛ ووسط خذلان الحليف الأميركي، واضطراب العلاقة الخليجية البينية، بدأت تُفكّر في تغيير بعض استراتيجياتها المتعلقة بالمسألة السورية.
  • الأردن استطاع استثمار علاقاته الوثيقة مع واشنطن وموسكو في الوقت نفسه لتأمين حدوده الشمالية، وإحياء اتفاق وقف إطلاق للنار في جنوبي سورية، يضمن الحدود البرية الأردنية الشمالية، وهذا أقصى ما يطمح له الأردن على المدى المنظور.
  • إيران صعد نجمها وهبط، حيث يحاول الروس ترضيتها بإشراكها كوسيط وضامن في اتفاقيات أستانا، واتفاقيات وقف إطلاق النار والهدن. وفي نفس الوقت تسعى موسكو لتحجيم القوة الإيرانية، ووقف التغلغل الإيراني العسكري والسياسي في سورية، لكن هذا المنع مازال يعتمد على مؤشرات وليس على حقائق راسخة يمكن من خلالها التأكد بأن الدور الإيراني في سورية هو دور غير مرغوب بشكل قاطع من قبل روسيا.

خامسًا: ما لم يُنجز

  • استخدم الروس الفيتو في مجلس الأمن الدولي لأول مرة في 4 تشرين الأول/ أكتوبر 2011 ضد قرار يدين النظام السوري، في محاولة لفرض أنفسهم قطبية ثانية في مواجهة الولايات المتحدة، وكرّت السبحة ليصبح استخدام الروس الفيتو ضد أي قرار يمكن أن يدين النظام السوري أمرًا روتينيًا، حتى لو كان الأمر يتعلق بضرورة إيصال مساعدات إنسانية للمحتاجين إليها في سورية.
  • الأمر الذي قد يُقلق روسيا هو اعتقادها بأن الولايات المتحدة لن تبقى على موقفها غير المبالي بما يحدث في سورية على المديين المتوسط والطويل، كذلك يُقلقها احتمال تكبّدها خسائر كبيرة في الأرواح بين جنودها وضباطها وطياريها، لأن المعلن هو مقتل 30 عسكريًا روسيًا فقط، وإن كانت “رويترز” تظن أن العدد أربعة أضعاف هذا الرقم، وهو أمر قد يحصل فيما لو استمر الوضع السوري على ما هو عليه دون حل سياسي واضح وقابل للتطبيق.
  • أغلبية الأهداف الروسية لم تُنجز بعد، فالنظام السوري يبدو أنه “صامد” لكن الخطر لم يزل عنه، وقوته في تآكل مستمر، كذلك لم يستطع الروس تحجيم التدخل الإيراني، خاصة أن السياسة الإيرانية متلونة، وتتغير وفق الظروف، وهي بدأت تنتقل من مرحلة السيطرة العسكرية على الأرض إلى مرحلة السيطرة الاقتصادية والتغلغل في نسيج المجتمع السوري.
  • قد تمتلك روسيا القدرة العسكرية لإدارة حرب معقدة مثل الحرب السورية، لكنها في رأي المعارضة السورية تفتقر إلى الحد الملائم من التخطيط الذي يجعل أهدافها السورية المباشرة قابلة للتحقيق، ولا تملك القدرة السياسية على رسم استراتيجيات سلام بعيدة الأمد، تحقق مصالح الشعب السوري والمصالح الروسية في الوقت نفسه، خاصة عندما يجري الحديث عن كسب روسيا النظام السوري الذي لم يعد مقبولًا دوليًا، مقابل خسارتها صداقة الشعب السوري ودعمه.
  • تستطيع موسكو الآن القول إن لها نفوذًا عند السلطة والمعارضة، لكن هذا الادعاء غير دقيق، فالمعارضة السياسية السورية غير متوافقة مع موسكو، ولا تُنسّق معها، وخاصة ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية والهيئة العليا للمفاوضات، على الرغم من ازدياد الفاعلية الروسية بعد التقارب مع تركيا والسعودية خصوصًا، كما أن الفصائل العسكرية المنخرطة في اتفاقيات أستانا يمكن أن تنقلب عليها لأن أغلبية أمراء هذه الفصائل لا همّ لهم سوى ضمان حصتهم في الترتيبات المقبلة.

سادسًا: خاتمة

  • بعد عامين من تجربة الغزو الروسي لسورية، واستخدام قوة نارية هائلة، يبقى موضوع نجاح روسيا في إحياء دور الأسد أمرًا مشكوكًا فيه، وسيبقى حسابات لا تتطابق مع المنطق ولا التاريخ ولا الواقع، ولابد من أن ينتبه الروس إلى أنه إذا كانت “الامبراطورية” السوفياتية بقوتها وعظمتها انهارت بعد سبعة عقود من تأسيسها، فإن الوجود الذي أحرزوه في سورية التي غدت “مستعمرة” لهم، وفي المنطقة، لن يمنحهم أكسير الحياة، خاصة بوجود شركاء لهم على شاكلة النظام السوري وإيران، وكلاهما مستعد بكل بساطة للتآمر عليهم، والانقلاب على أي تفاهم أو توافق، وأيضًا بوجود ملايين المتضررين من حرب افتعلها النظام ودمّر فيها سورية وقضى على أهميتها الشرق أوسطية لعقود طويلة.

الرابط الأصلي:

https://harmoon.org/archives/7089

النتاج الفكري 20-10-2017

النتاج الفكري 20-10-2017

تقرير يومي يتابع أهم الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث المحلية والعالمية بما يخص المشهد السوري الداخلي مع التوقف على البعدين الإقليمي والدولي وانعكاس ذلك على صناع القرار، كما يعرض مضمون هذه الدراسات بطريقة موجزة ومقتضبة بما يوفر الجهد والوقت على المهتمين والباحثين.

مركز كارنيغي

بقي لبنان مستقراً على رغم الحرب المندلعة في سورية، لكن هل سيتدهور الوضع فيه حين تنحسر هذه الحرب؟

  • بينما تُعتبر سورية واحدة من العديد من المسارح في المعركة بالوكالة المندلعة بين إيران ودول الخليج، وفي الطليعة السعودية، ساهم الطرفان خلال معظم الصراع السوري في استقرار لبنان، كل لأسبابه الخاصة.
  • بالنسبة إلى إيران، كان اتخاذ القرار سهلاً. فحزب الله هو الجوهرة في تاج شبكات طهران للهيمنة والغزو الإقليميين. وربما تأثرّ الحزب سلباً بالتوترات والصراع في لبنان، فيما كان منهمكاً في خوض معركة دموية طويلة، وأحياناً محفوفة بالمخاطر، ووجودية في سورية. لذلك، كان لابدّ من وجهة نظر حزب الله، من القيام بكل مايلزم لضمان أن يكون ظهره محمياً في بلاده، بحيث يمكن أن تكون موارده مكرّسة بالكامل لاتمام مهمته في سورية، المتمثّلة في حماية نظام الأسد ووضع حدّ للانتفاضة.
  • الترجمة اللبنانية للواقع السياسي بعد العام 2011 كانت ما سمُي “بسياسة النأي بالنفس”، وقد سعى لبنان من خلالها إلى البقاء على مسافة متساوية من جميع الأطراف في شرق أوسط مقسّم. وقد اعتُمد هذا النهج خلال ولاية الرئيس ميشال سليمان، وجرى استكمالها، ولو بقناعة أقل، بعد انتخاب ميشال عون رئيساً في العام 2016 وما مثّله ذلك من انتصار سياسي لحزب الله، وبشكل من الأشكال للنظام السوري. وفي الصفقة التي دفعته إلى تأييد انتخاب عون، تفاوض سعد الحريري على الإبقاء على سياسة النأي بالنفس، لكنه كان يعلم أيضاً أن علاقات الدولة اللبنانية كانت قد تغيّرت بشكل جذري خلال الفترة الانتقالية بما لا يصبّ في مصلحته.
  • هذه الاعتبارات على الصعيدين المحلي والإقليمي آخذة في التبدّل الآن. وهي تتغيّر، على وجه التحديد، لأن الحرب في سورية، حتى لو لم تنته بعد، وصلت على الأقل إلى مرحلة يبدو فيها أن نظام الرئيس بشار الأسد سيتمكّن على الأرجح من النجاة. وبما أن الوضع السوري يتجه نحو تخفيف التصعيد، ويأخذ النزاع هناك أبعاداً جديدة، قد تكون المفارقة بأن المخاطر المتعلقة بلبنان قد تتزايد، بينما لم تعد الأسباب التي جعلته في منأى عما يحصل حتى الآن قائمة.
  • إقليمياً، تسعى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة راهناً إلى التعويض عن خسارة سورية التي شكّلت ميداناً لتحدّي إيران واستنزافها. وقد تدفعهما الرغبة المتجدّدة في قلب حظوظهما الإقليمية، إلى استعادة موطئ قدمهما في لبنان. فدول الخليج وإسرائيل والولايات المتحدة لاترغب في أن تجني إيران ثمار الانتصار في سورية، كما أن لبنان هو المكان الوحيد الذي يمكنها فيه العمل على إعادة التوازن إلى العلاقة الإقليمية مع طهران في بلاد الشام، إن شاءت ذلك، على الرغم من المخاطر الكثيرة التي تترافق مع هذا المجهود.
  • ليس أمام حزب الله أي خيار سوى قبول هذا التحدّي، ولاسيما إذا دخلت إسرائيل على الخط، على الرغم من حرصه على عدم المجازفة بملاذه الآمن في لبنان. وسيتحقّق ذلك على وجه الخصوص في حال سعت إسرائيل إلى الانتقام من حزب الله بسبب حربها المُحبِطة ضدّه في العام 2006، لكن أيضاً لأن هذا سيتيح للحزب أن يضع إسرائيل مجدّداً في صلب أولوياته، بعد سنوات من الانخراط الميداني في سورية.
  • ثمة العديد من المسائل التي تشلّ حكومة سعد الحريري، إلا أن مسألة تطبيع العلاقات مع نظام الأسد هي التي قد تقضي على حظوظها بالكامل. ففيما يناشد الوزراء المحسوبون على حزب الله وعون سائر الأفرقاء إلى الوقوف صفّاً واحداً مع دمشق، دُعي الحريري وحلفاؤه إلى السعودية لتعزيز الجبهة التي قد تناوئ حزب الله. وقد يجد الحريري نفسه مضطرّاً للانضمام إلى مثل هذا التحالف كي لا يثير حفيظة رعاته السعوديين.
  • تشكّل الظروف الجيوسياسية الجديدة المتربّصة بلبنان أهم العوامل الدافعة إلى القلق العميق. فأمام إدارة ترامب الشرسة جهاراً، والتي تعمد إلى تشديد العقوبات المفروضة على حزب الله وإيران، يتناهى إلى مسامع بيروت قرع طبول الحرب مع إسرائيل، حيث يعتقد كثر أن نشوب النزاع في السنوات المقبلة أمرٌ لا مفر منه. ويترافق ذلك مع همّ آخر يحمله لبنان، ويتمثّل في وجود حوالي مليون ونصف لاجئ سوري في البلاد، وسيتوارون في غياهب النسيان والحرمان مالم يتم التوصٌل إلى “حل” شافٍ في سورية.

الرابط الأصلي:

http://carnegie-mec.org/diwan/73457?lang=ar

النتاج الفكري 06-10-2017

النتاج الفكري 06-10-2017

تقرير يومي يتابع أهم الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث المحلية والعالمية بما يخص المشهد السوري الداخلي مع التوقف على البعدين الإقليمي والدولي وانعكاس ذلك على صناع القرار، كما يعرض مضمون هذه الدراسات بطريقة موجزة ومقتضبة بما يوفر الجهد والوقت على المهتمين والباحثين.

مركز حرمون

لوحة الصراع في سورية بعد الجولة السادسة لمفاوضات أستانا

مقدمة

  • انتهت الجولة السادسة من مسيرة أستانا ونظرة إلى البيان الختامي الذي صدر عن هذه الجولة تُشير بوضوح إلى العمومية ذاتها التي أدار بها الروس اجتماعات أستانا السابقة ومخرجاتها، والتي تتلخص بالإعلان عن إنجاز ما، وترك كل التفاصيل والمطالبات التي تهم الأطراف المعنية، خاصة فصائل المعارضة، برسم المستقبل والتجربة الواقعية؛ ومن ذلك تجاوز مسألة إطلاق سراح المعتقلين، وتركها لمساع شخصية وعد رئيس الوفد الروسي بالقيام بها لاحقًا. ولعلّ ما كان لافتًا إلى حدِ كبير، ما تضمنه البند الثالث الذي نصَّ على أن “هذا الاتفاق موقّت ومدته من حيث المبدأ ستة أشهر قابلة للتمديد بتوافق الأطراف الضامنة الثلاثة”؛ فهو، عدا عن التجاهل الفظّ لطرفي التفاوض، النظام والمعارضة، يُثير التساؤل حول الحالة المقصودة بالمفردة “موقّت” فيما إذا كانت تخصّ فكرة تخفيف التصعيد في إدلب، وهذا يحوِّل الاتفاق إلى مجرد استراحة محارب، وبعدها يعود الصراع للاحتدام، أم أنها تخصّ توافق الأطراف الضامنة الثلاثة، ما يدلل على هشاشة التوافقات بين هذه الأطراف، التي يريد كل منها ترك الباب خلفه مفتوحًا للتملص من نتائجها واستحقاقاتها.

أولًا: حول ما بقي في جعبة الروس

  • كانت من أهم الدوافع الروسية للتدخل عسكريًا في صراع على هذه الدرجة من التدويل والتعقيد، ومن دون غطاء أممي، التطورات في أوكرانيا والعقوبات الغربية القاصمة للاقتصاد الروسي، ومحاولتهم استخدام سورية ورقة مساومة مع الغرب على كلّ الملفات العالقة معه-وهي كثيرة-، مساومة لا يبدو أنها واردة في الأفق المنظور. وتأمل روسيا في أن تتطابق حسابات الحقل مع حسابات البيدر في هذه المغامرة التي تتحول يومًا بعد آخر إلى مأزق ربما يكلف الروس كثيرًا.
  • منذ أن تدخل الروس عسكريًا في سورية قبل عامين تمامًا، كانوا على قناعة، على ما يبدو، بأن القوة العسكرية المتوحشة التي هم على استعداد لاستخدامها، وجرى استخدامها فعلًا، لن تكون كافية لتحقيق أهدافهم أو بعضها، ولا لقبول الآخرين، محليًّا ودوليًّا، بنتائجها، لذلك يحاولون تحصين وجودهم العسكري بنشاطٍ غير عسكري يأتي في مقدّمه النشاط السياسي، كما حرصت على ألا تتوتر علاقتها مع الدول الإقليمية المتدخلة خاصة دول الخليج، ما خلا التوتر مع تركيا في إثر إسقاط سلاح الجو التركي طائرة روسية، سمحت الاستدارة التركية بتجاوزه بسهولة لم تكن متوقعة.

إن محاولة تتبع السياسة الروسية في سورية تشير إلى مجموعة من المرتكزات التي اعتمدت في سياق التدخل الروسي وهي:

1_على المستوى العسكري

  • منذ بداية التدخل، اتُّخذ مطار حميميم قاعدة أساسية لإدارة النشاط الروسي في سورية بكل أنواعه، وجرى توسيع المطار وتهيئته لاستقبال أحدث طائرات الترسانة الجوية الروسية، ومع تعمق التدخل، وبغية استيعاب عدد أكبر من الطائرات، جرى تمدّد الروس إلى مطار حماه ثم مطار الشعيرات ومطار الضمير، وإبّان قصف حلب استُدعيت حاملة الطائرات الوحيدة التي تملكها روسيا للمشاركة وتدعيم الجهد العسكري، هذا عدا عن عديد البوارج والسفن الحربية الروسية المرابطة في المتوسط لقصف المدن السورية بصواريخها المجنحة، كذلك جرى تعميق وتوسيع القاعدة البحرية في طرطوس التي استُكملت اتفاقات تأجيرها لمدة تسعة وأربعين عامًا.

2_ مسار أستانا

  • ما تفتّقت عنه الإدارة الروسية لصراعها في سورية هو خطة تخفيف التصعيد التي لا تندرج تحت مفهوم وقف إطلاق النار ولا تحت مفهوم الهِدن، وما يمكن أن يُفهم منه هو نوع من تبريد الصراع، خاصة أن المناطق الأربع التي أُخضعت لهذا المفهوم هي مناطق وجود المعارضة التي عجز النظام عن السيطرة عليها حتى الآن. لقد بُدئ العمل باتفاق المدن الأربع ثم اتفاق الجنوب وبعده الغوطة وريف حمص الشمالي، وأخيرًا، في الجلسة السادسة، أصبحت إدلب وبعض مناطق محافظات حلب وحماه واللاذقية هي المنطقة الرابعة، ويجري الحديث عن ضم عفرين إلى هذه المنطقة. هذه المناطق، على الرغم من أن بيان الفصائل التي شاركت في أستانا 6 نصّ على أنها “شهدت انخفاضًا في مستوى العنف بما يقارب الـ 90% عما كان عليه قبل أستانا 4″، إلا أن التجربة الواقعية تُكذب هذا البيان باستثناء اتفاق الجنوب، الذي صمد فيه وقف إطلاق النار إلى حدٍ بعيد، ربما لأن الولايات المتحدة والأردن وإسرائيل أطراف فيه، ومع ذلك خرق النظام هذا الاتفاق في الأيام الأخيرة بصورة واسعة ربما للضغط على فصائل الجنوب لتسليمه معبر نصيب الحدودي، ولا تُستبعد الموافقة الأردنية على هذا التصرف.
  • الضامن الروسي غير مُلتزم بخفض التصعيد الذي يعتمده، وليس أدلّ على ذلك من القصف العنيف الجاري لمناطق في ريف إدلب الجنوبي وريفي حماه واللاذقية المشمولة بالمنطقة الرابعة، والشيء ذاته يجري في الغوطة الشرقية وريف حمص الشمالي، وقبل ذلك في الزبداني، مع الأخذ في الحسبان أن النظام والإيرانيين غير حريصين أبدًا على أيّ خفض للعنف، وهم مستمرون في الحل العسكري.

3_ الهدن والمصالحات المحلية

  • الخط الثاني الذي عمل عليه الروس، هو عقد الهدن والمصالحات المحلية، ليس على مستوى المدن والتجمعات الكبيرة التي كان أغلبها خارج سيطرة النظام، بل على مستوى البلدات والقرى الصغيرة؛ وقد استغل الروس حالة الحصار القاتل وسياسة التجويع التي فرضها النظام على هذه المناطق من أجل إخضاعها. فما هي فلسفة الروس لهذه الهدن المحلية التي يستطيع النظام نقضها متى شاء؟ يبدو أنهم يراهنون بالدرجة الأولى على إخراج أكبر قسم من فعاليات الثورة وحاضنتها الاجتماعية من دائرة الصراع تحت ضغط الحاجة والجوع واليأس، كما يراهنون على التآكل الذاتي لـ “المعارضة المسلحة” والاقتتال فيما بينها للسيطرة على هذه المناطق والمغانم المتولدة عنها من خلال تبادل الخدمات والفساد مع حواجز النظام التي تحاصرها. وقد سهّل الروس والنظام خروج المسلحين الذين يرفضون هذه الهدن والمصالحات من هذه المناطق، وعملوا على تجميعهم في محافظة إدلب، مع تبييت النيّة للتخلص منهم لاحقًا.
  • استفاد الروس كثيرًا من هذه السياسة، وضموا مناطق وأريافًا كانت تُشكّل مُحركًا مهمًا للثورة، كما استفاد النظام الذي يشكو نقص الموارد البشرية من تخفيف العبء العسكري الذي كانت تُشكّله، إضافة إلى تجنيد من وافق على المصالحات من مسلحي هذه المناطق وزجّهم في الخطوط الأمامية للجبهات الساخنة، وجعلهم هدفًا للقتل من الطرف الآخر أو من قبل النظام. وسوف يتابع الروس هذه السياسة بهدف الوصول إلى أوسع مساحة من سورية، لكنها ستبقى تجربة تحتاج إلى أن يبرهن الواقع على نجاعتها، فالواقع متحرك، ومن غير المعروف الشكل الذي سوف يتطور إليه الصراع.

ثانيًا: هل تنقل معركة دير الزور الصراع إلى مستواه الدولي؟

  • جاء تقدّم قوات النظام وحلفائه باتجاه دير الزور من ثلاثة محاور سريعًا، كونه لم يواجَه بمقاومة من قبل (داعش)، كما أن أغلب المناطق التي توغلت فيها هذه القوات هي مناطق خالية أو تكاد؛ وهذا التقدم السريع استدعى تقدمًا على الطرف الآخر، شرقي النهر، في سباق واضح للسيطرة على مناطق دير الزور الواقعة هناك. لقد جرى تثبيت خطوط المواجهة وتأخير الحسم في الرقة والاقتصار على القصف الجوي من قبل طيران التحالف، لإتاحة الفرصة لـ (قوات سورية الديمقراطية) في التوجه صوب دير الزور، حيث احتلت مواقع تبعد بضعة كيلو مترات عن المدينة. غير أن التطور المهم هو احتلال (قوات سورية الديمقراطية) حقل (كونيكو)، أكبر حقول الغاز في سورية، لقطع الطريق أمام قوات النظام التي عبرت النهر باتجاهه. وبعد تبادل الاتهامات بين الروس والأميركيين، والتحذيرات من قصف حلفاء كل طرف للطرف الآخر أكثر من مرة، يبدو أن الأمور تسير، أكثر فأكثر، نحو احتمال المواجهة غير المباشرة بين القوتين الكبريين في ظل إصرار كل طرف على السيطرة على مواقع الثروة في المحافظة.
  • تشير الوقائع إلى أن غموض الإستراتيجية الأميركية في سورية والعراق ستبقى ثابتة حتى تحقيق هزيمة (داعش)، مع استمرارها بتثبيت واقعة وجودها على الأرض، وكسب المزيد من القوات المحلية للقتال وفق هذه الإستراتيجية؛ لا يمنع من ذلك رمي تصريحات متناقضة لمسؤولين أميركيين عسكريين وسياسيين في هذه المناسبة أو تلك. فعلى الرغم من توجهات الإدارة الجديدة بمحاصرة الوجود الإيراني في سورية، وقطع الممر البري الذي تسعى له إيران بغية الوصول إلى المتوسط، وبعد أن اعتبرت قاعدة (التنف) محمية أميركية توجد فيها فصائل (الجيش الحر) العاملة في البادية السورية وقوات بريطانية وفنلندية، يُمنع الاقتراب منها لمسافة 50 كم، وتبعتها بقاعدة (الزكف) التي تبعد عن البوكمال 70 كم، وكانت الغاية منهما السيطرة على الحدود السورية- العراقية وجزء من الحدود الأردنية- السورية لقطع الممر الإيراني، تغيرت الأمور فجأة، حيث ألغيت قاعدة (الزكف)، وانسحب البريطانيون من (التنف)، وقد تُلغى قاعدة (التنف) أيضًا، ثم مُورست الضغوط على فصائل (الجيش الحر) لإخلاء البادية وعدم محاربة قوات النظام، كما صرح قائد قوات التحالف الدولي لمحاربة (داعش)، بأن القوات الأميركية لن تعترض قوات النظام التي تتقدم في البادية، وأخيرًا كُشف النقاب عن تفاهم عراقي- سوري حول الحدود المشتركة البالغة أكثر من 600 كم، ومنح القوات العراقية حق التوغل بعمق عشرة كيلو مترات داخل الأراضي السورية، وبما يقتضي لقاء قوات البلدين في ثلاث نقاط هي عمليًا المعابر الدولية بين البلدين (التنف – البوكمال – ربيعة)، وتُستثنى منها المناطق الواقعة تحت سيطرة القوات الكردية في محافظتي الحسكة ودير الزور. هذه التفاهمات التي أنجزت بعلم ومعرفة الأميركيين، جرت بعد زيارة مستشار الأمن الوطني العراقي ورئيس الهيئة المشرفة على الحشد الشعبي، فالح الفياض، إلى دمشق نهاية آب/ أغسطس الماضي. والآن ترابط ميليشيا النجباء الشيعية في منطقة رأس الوعر جنوبي البوكمال بخمسين كيلو مترًا، ما يوحي وكأن أميركا ليست قلقة من تمدد النظام في الجغرافيا السورية غرب الفرات، إما لأنها لا تعنيها، أو لأنها تريد استنزافه.

ثالثًا: خاتمة

  • في جلسة لمجلس الأمن حول الوضع في سورية أكد المندوب الروسي في مجلس الأمن أن اتفاق أستانا الأخير هو اتفاق موقّت، وأضاف “هناك أطراف دولية تُحاول التشكيك بمسار أستانا ونزع المصداقية عنه”. ربما تكون مناسبة هذا الحديث الانتقادات التي وُجّهت لبلاده على خلفية شنّ الطيران الروسي 6582 غارة على ريف إدلب الجنوبي وريف حماه الغربي وجسر الشغور، وكلها مناطق مشمولة بتخفيف التصعيد الأخير، كما شمل القصف مواقع للفصائل التي وقّعت على الاتفاق، الأمر الذي يعكس تخبطًا روسيًا وضعف ثقة بالمآلات النهائية للصراع التي عجزت عن الوصول إلى الحسم العسكري.

الرابط الأصلي:

https://harmoon.org/archives/6911