Category: النتاج الفكري

النتاج الفكري 09-06-2017

النتاج الفكري 09-06-2017

تقرير يومي يتابع أهم الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث المحلية والعالمية بما يخص المشهد السوري الداخلي مع التوقف على البعدين الإقليمي والدولي وانعكاس ذلك على صناع القرار، كما يعرض مضمون هذه الدراسات بطريقة موجزة ومقتضبة بما يوفر الجهد والوقت على المهتمين والباحثين.

معهد واشنطن

مستقبل “روج آفا”: توضيحٌ لأربعة نماذج محتملة

  • مع اشتداد حدّة الحرب في سوريا، عمد نظام الأسد خلال شهر تموز/يوليو 2012 إلى الانسحاب بشكل كبير من المناطق ذات الغالبية الكردية في الشمال. ولملء الفراغ الناشئ هناك، سارع «حزب الاتحاد الديمقراطي» الكردستاني السوري وميليشيا “وحدات حماية الشعب” التابعة له لملء الفراغ وفرضا سيطرتهما على تلك المناطق وتسببا بتهميش الفصائل الكردية الأخرى. وفي نهاية المطاف أنشأوا منطقة الإدارة الكردية في شمال سوريا أو ما يعرف بـ”روج آفا”، وهي عبارة عن كيان مستقل ذاتي الحكم يمتد عبر معظم الحدود الشمالية. وحتى اليوم، لم تعترف أي حكومة أجنبية بـ”روج آفا” بينما تفتقر الأراضي التابعة لها إلى التجاور اللازم لإرساء حوكمة رشيدة وبقاء اقتصادي. ومع ذلك، يسعى «حزب الاتحاد الديمقراطي» إلى تعزيز استقلاليته الفعلية.

الحلفاء والخصوم

  • تعتبر الولايات المتحدة أن «وحدات حماية الشعب» هي حليف تكتيكي في وجه تنظيم «الدولة الإسلامية»، إلا أن الأكراد يتمتعون أيضاً بعلاقات جيدة مع روسيا التي نشرت مؤخراً جنودها في منطقة عفرين الواقعة في أقصى الغرب من “روج آفا”. وبينما يقتصر التعاون بين واشنطن و«وحدات حماية الشعب» على أماكن تواجد تنظيم «الدولة الإسلامية»، تبدو موسكو مهتمة بالدرجة الكبرى بوقوع “روج آفا” على مقربة من تركيا، مما يشير إلى نظرة روسية أكثر استراتيجيةً تجاه الأكراد باعتبارهم بطاقة مفيدة لروسيا ضد أنقرة.
  • أما في العراق فتملك «حكومة إقليم كردستان» وفصيلها المهيمن، «الحزب الديمقراطي الكردستاني» نظرة عدائية مشابهة تجاه “روج آفا”، ويعزى ذلك أساساً لأن «وحدات حماية الشعب» اضطهدت الفصائل الكردية السورية الأخرى ومن بينها بعض الفصائل المقرّبة من «الحزب الديمقراطي الكردستاني». ترحّب إيران بالروابط الأخيرة بين “روج آفا” والمناطق التي تسيطر عليها الميليشيات الشيعية في العراق، إذ ترى في المنطقة الكردية السورية جزءاً من جسر برّي محتمل نحو «حزب الله» في جنوب لبنان.
  • أما بالنسبة لبشار الأسد، فتحافظ “روج آفا” على علاقات اقتصادية وطيدة مع المناطق السورية الخاضعة لسيطرة النظام، وقد سمحت للجيش السوري بمواصلة فرض سيطرته على مطار رئيسي يقع في قلب الأراضي التابعة لـ «حزب الاتحاد الديمقراطي».
  • من المرجح أن تتبع “روج آفا” إحدى أربعة مسارات في المستقبل، وقد تساهم واشنطن في تحديد أي من هذه السبل اعتماداً على أعمالها الخاصة.

نموذج ترانسنيستريا: تبعية روسية

  • هذا هو السيناريو الأجدر بالاعتبار لـ “روج آفا”، وهو يرسم وضعاً مشابهاً لوضعها الحالي. فترانسنيستريا المنشقّة عن مولدوفا هي منطقة لم تعترف بها أي دولة أجنبية ولكنها تتمتع بحماية قوية من موسكو، تشمل وجود القوات الروسية التي تمنح الكرملين نفوذاً على السياسة المولدوفية. وعلى النحو نفسه، تتمتع “روج آفا” بحماية قوية من الدول الخارجية القوية، وتؤمّن لموسكو النفوذ اللازم لزعزعة الاستقرار في تركيا. بيد أن «حزب الاتحاد الديمقراطي» لن يرضى بنموذج ترانسنيستريا إلى أجلٍ غير مسمى. وقد يكون هذا الترتيب عملياً في الوقت الحالي، ولكنه ينمّ عن حالة نبذ في القوانين الدولية فضلاً عن التبعية لروسيا، في حين يطمح «حزب الاتحاد الدیمقراطي» إلى كسب دعمٍ أكبر واعتراف دولي شرعي باستقلالية “روج آفا”.

نموذج كوسوفو: اعتراف جزئي

  • هذا هو السيناريو المثالي الذي تحلم به “روج آفا”، ولكنه أيضاً أقل منطقيةً. فقد انفصلت كوسوفو عن صربيا بفضل قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي عام 1999 أتاح للقوات الأمريكية والدولية التمركز داخل الأراضي الكوسوفية، ومهّد الطريق في نهاية المطاف لإعلان استقلال كوسوفو عام 2008. ومنذ ذلك الحين، نالت كوسوفو اعتراف 111 من أصل 193 دولة عضو في الأمم المتحدة – مع استثناء ملفت هو روسيا.
  • غير أن تطبيق هذا النموذج على “روج آفا” يستوجب قطيعة تامة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والولايات المتحدة التي يُعتبر صوتها ضرورياً في أي قرار يصدر عن مجلس الأمن بهذا الشأن. ويقيناً، أن إمكانية حصول مثل هذا الانفصال أصبحت اليوم أكبر من أي وقت مضى بسبب العداء المتزايد الذي تظهره قاعدة أردوغان تجاه الولايات المتحدة. ولكنها لا تزال تبدو مستبعدة لأن أردوغان بحاجة إلى علاقات أمنية مع واشنطن من أجل التصدي لروسيا.

نموذج «حكومة إقليم كردستان»: حماية تركية

  • يكاد هذا النموذج أن يذهب في الاتجاه المعاكس لمسار كوسوفو، على الأقل من حيث خدمة مصالح أنقرة بدلاً من الإضرار بها. فقد عززت «حكومة إقليم كردستان» استقلاليتها عن الحكومة المركزية منذ حرب العراق، بينما أقام «الحزب الديمقراطي الكردستاني» روابط جيدة مع أنقرة كقوة موازنة في وجه بغداد. وعلى الرغم من القتال الدائر اليوم بين تركيا والمنظمة الأم لـ «حزب الاتحاد الديمقراطي» ، أي «حزب العمال الكردستاني»، إلا أنه ينبغي أن نتذكر أنهما كانا يعقدان محادثات سلام موضوعية منذ فترة غير بعيدة تعود إلى عام 2015، وأن وفود «حزب الاتحاد الديمقراطي» كانت تقوم بزيارات منتظمة إلى أنقرة. ولذلك فإن استئناف هذه المحادثات

سيعيد تطبيع العلاقات بين تركيا وأكراد سوريا بشكلٍ تلقائي، لتأتي فرص الاستثمار التي توفرها “روج آفا” للشركات التركية لتزيد من حسنات هذه الصفقة.

نموذج الجزائر لعام 1975: إعادة دمج قسرية

  • في اتفاقية السلام الموقعة بين بغداد والأكراد عام 1970، وافق صدام حسين بعد الضغوط التي تعرض لها على منح الأكراد حكماً ذاتياً وافراً، وقد احترم ذاك الاتفاق نوعاً ما لبضع سنوات بينما عزز مكانته في العراق في مرحلة ما بعد الانقلاب. ولكن في عام 1975 أنهى العراق وإيران خلافاتهما الحدودية ووقّعا على “اتفاقية الجزائر”، مما دفع طهران إلى وقف دعمها للجماعات الكردية العراقية. وسرعان ما عمل صدام على إنهاء الحكم الذاتي الكردي بالقوة متسبباً بحملة قمع قاسية، وإبادة جماعية في نهاية المطاف.
  • ومن المرجح أن تكون السياسية الأمريكية لمعارضة مثل هذه الاستراتيجية محدودة. وفي هذه الحالة، ستكون المحصلة النهائية تفسير الأسد وإيران وروسيا لسقوط “روج آفا” كانتصار على أمريكا، والمجاهرة بأنهم هزموا جميع الذين تلقوا المساعدات الأمريكية، ومن بينهم «حزب الاتحاد الديمقراطي» و «وحدات حماية الشعب».

الرابط الأصلي:

http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/rojavas-future-four-models-explained

النتاج الفكري 08-06-2017

النتاج الفكري 08-06-2017

تقرير يومي يتابع أهم الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث المحلية والعالمية بما يخص المشهد السوري الداخلي مع التوقف على البعدين الإقليمي والدولي وانعكاس ذلك على صناع القرار، كما يعرض مضمون هذه الدراسات بطريقة موجزة ومقتضبة بما يوفر الجهد والوقت على المهتمين والباحثين.

معهد واشنطن

كيف سترد إيران على الهجمات الإرهابية في قلب الجمهورية الإسلامية؟

  • في 7 حزيران/يونيو، وقع هجومان إرهابيان منسقان استهدفا معلمين بارزين في إيران هما ضريح آية الله روح الله الخمينى جنوب طهران ومبنى البرلمان في قلب العاصمة. واستخدم مرتكبو الجريمتين أحزمة انتحارية ناسفة وبنادق كلاشنكوف لقتل وجرح العشرات من الناس. وأعلن موقع تنظيم «الدولة الإسلامية» مسؤوليته عن الهجومين.
  • وردّ المرشد الأعلى علي خامنئي بسرعة على الحادثتين، وتعهّد بالقضاء على المسؤولين عن القيام بهما. وبالمثل، وعد رئيس استخبارات «الحرس الثوري الإسلامي»، الجنرال محمد حسين نجاة، باتخاذ إجراءات ضد أي شخص كان ضالعاً في تلك الخطة، فضلاً عن الدول التي يفترض أنها أمرت بالقيام بها.
  • وعلى الرغم من عدم تمكن المهاجمين من الوصول إلى هدفيهما الرئيسيين، إلا أنهم دخلوا أرض مبنى البرلمان وقبر الأب المؤسس للجمهورية الإسلامية في ذكرى وفاته -مما يشكل ضربة شديدة لصورة الأمن والاستقرار التي سعى النظام لإظهارها منذ فترة طويلة. وقد تكون لهذين الهجومين أيضاً تداعيات كبيرة على سياسات إيران الإقليمية. وعلى الفور نشر «الحرس الثوري الإسلامي» بياناً ربط الهجومين بالزيارة التي قام بها الرئيس ترامب مؤخراً إلى المملكة العربية السعودية واجتمع خلالها مع زعماء الخليج، وألقى «الحرس» اللوم على الرياض لارتكابها الهجومين بصورة غير مباشرة من خلال دعمها لـ تنظيم «الدولة الإسلامية» وتعهّدَ بالانتقام.
  • وفي الماضي، نفى السعوديون مراراً التدخل في الشؤون الداخلية لإيران أو زرع خلايا إرهابية داخل حدودها، إلا أن تصريحات الرياض الأخيرة تركتها معرضة لاتهامات طهران. ففي 2 أيار/مايو، على سبيل المثال، تحدث نائب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ضد الحملة الإيرانية المتصوَّرة للسيطرة على المدن المقدسة في المملكة. ثم هدد بإعادة هذه المعركة إلى إيران، وهو تحذير أخذته طهران بجدية بالغة في ذلك الوقت.
  • وفي حين من المرجح استمرار تبادل اللوم العلني، إلا أن إيران ربما تتجنب أي تصعيد علني مع السعودية، وبدلاً من ذلك سوف تزيد من دعمها السري للأنشطة العسكرية الشيعية في المملكة وفي دولة البحرين المجاورة. ويمكن أن يشمل ذلك الضغط على الوكلاء المحليين للقيام بشن هجمات جريئة ضد المدن الكبرى والمنشآت الحكومية. وبالفعل، يشعر السعوديون وغيرهم من قادة الخليج بالتوتر الشديد إزاء أي احتمال لتدخل إيران في خلافهم الدبلوماسي الحالي مع قطر، كما يتضح من تقارير وسائل الإعلام العربية غير المؤكدة التي أفادت بأن «الحرس الثوري» الإيراني يوفر الآن حماية شخصية للأمير القطري.
  • ويمكن أن تتجلى عواقب إضافية إذا ثبت أن المهاجمين ينحدرون من مقاطعة في جنوب شرق إيران ذات أغلبية سنية، كما يتضح من لهجاتهم في شريط فيديو تم بثه على الانترنت ونُشر من قبل تنظيم «الدولة الإسلامية» خلال الهجوم. وفي هذه الحالة، يمكن للمرء أن يتوقع اتخاذ النظام نهجاً قاسياً من “الترغيب والترهيب” في تلك المقاطعة، مما يزيد من الضغط على العناصر العرقية السنية التي تعيش هناك لكي تنأى بنفسها عن أي أنشطة تمردية.
  • ويسيطر «الحرس الثوري» الإيراني حالياً على جنوب شرق إيران عبر “مقر قطاع القدس” و”فيلق مقاطعة سلمان”، الذي يضم “اللواء 110 من قوات سلمان للعمليات الخاصة” في زاهدان و “لواء علي أكبر” في زابول، وكلاهما يقع في مقاطعة سيستان وبلوشستان. ويتمتع أعضاء هذه الوحدات بخبرة واسعة في محاربة المتمردين في سوريا. واذا قررت طهران شن غارات على باكستان للبحث عن مخابئ للمقاتلين التابعين لـ تنظيم «الدولة الإسلامية»، فمن الممكن دعم هذه الوحدات فى جنوب شرق البلاد بأعضاء “لواء جهروم الـ 33 المحمول جواً” التابع لـ «الحرس الثوري». وبدلاً من ذلك، بإمكانهم استخدام خيار أقل خطورة وهو: شن هجمات بالصواريخ والمدفعية مع طائرات بدون طيار تعمل كمراقبة عِلويّة. وفي نيسان/أبريل، زُعم أن نيران قناصة أُطلقت من باكستان أدت إلى مقتل عشرة عناصر من حرس الحدود الإيرانيين. واتهمت إيران جماعات مسلحة سنية بشن ذلك الهجوم وحذرتها من القيام بأي أنشطة إرهابية أخرى عبر الحدود وهددت باستهداف قواعدها في عمق باكستان. وفي ذلك الوقت، أعلنت جماعة المتمردين البلوشيين الإيرانيين “جيش العدل” مسؤوليتها عن الحادث. وفي مثل هذه الحالات، عادة ما تلوم إيران السعودية بتمويل الجماعات السنية الإيرانية وتسليحها.
  • قد تقرر طهران استخدام الهجومين الأخيرين كذريعة لزيادة وجودها العسكري في سوريا والعراق. وقد ساور القادة الإيرانيون قلقاً بالغاً إزاء الانشطة المتزايدة التي تقودها الولايات المتحدة في شرقي سوريا وجنوبها والتي تعرقل حرية الحركة من جانب الميليشيات التي تدعمها إيران عبر الحدود السورية -العراقية. وحيث أن طهران مصممة على فتح طريق بري لحلفائها في سوريا ولبنان، فبإمكانها أن تحاول استباق التحالف من خلال تكريسها المزيد من الموارد إلى سوريا والمطالبة بدور في استعادة الرقة من تنظيم «الدولة الإسلامية».

الرابط الأصلي:

http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/how-will-iran-respond-to-terrorist-attacks-in-the-heart-of-the-islamic-repu

النتاج الفكري 07-06-2017

النتاج الفكري 07-06-2017

تقرير يومي يتابع أهم الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث المحلية والعالمية بما يخص المشهد السوري الداخلي مع التوقف على البعدين الإقليمي والدولي وانعكاس ذلك على صناع القرار، كما يعرض مضمون هذه الدراسات بطريقة موجزة ومقتضبة بما يوفر الجهد والوقت على المهتمين والباحثين.

معهد واشنطن

الصراع على شرق سوريا

مقدمة:

  • انطلقت المنافسة على حكم شرق سوريا بعد دحر تنظيم «الدولة الإسلامية». في 18 أيار/مايو، دمرت الولايات المتحدة قافلةً عسكرية تابعة لحلفاء الرئيس السوري بشار الأسد بعد تجاهلها تحذيرات متكررة لوقف تقدّمها باتجاه قاعدة التنف، الواقعة قرب حدود سوريا مع الأردن والتي تضم القوات الخاصة الأمريكية والبريطانية على تلك الحدود. وجاء ذلك بعد مرور أيام قليلة على إعلان القاعدة الروسية في حميميم أن قواتها الجوية، إلى جانب مستشارين عسكريين إيرانيين، ستدعم جنود الأسد في محاولتهم التوغل شرقاً، من أجل تطهير الطريق من دمشق إلى بغداد ومنع تشكّل منطقة عازلة مدعومة من الولايات المتحدة في شرق سوريا. وقد تخضع الاتفاقات الأمريكية-الروسية المتعلقة بتجنب وقوع صدامات في سوريا قريباً للاختبار، مما يزيد من احتمال وقوع حوادث في أحسن الأحوال. ويتنامى اليوم خطر جرّ الولايات المتحدة وحلفائها إلى مواجهة عسكرية مباشرة ليس مع الأسد فحسب، بل مع داعميه الروس والإيرانيين أيضاً -وهو خطر حدّت منه في السابق حاجة الطرفين لمحاربة تنظيم الدولة وحرصاً على أن يبقى خطر المواجهة العسكرية تحت السيطرة، يجب أن تتفق الولايات المتحدة وروسيا على معالم منطقة تخفيف حدة التصعيد في جنوب سوريا من شأنها إبقاء التركيز منصباً على تنظيم «داعش» واحتواء طموحات إيران بإقامة جسر بري عبر سوريا وصولاً إلى البحر المتوسط.

اللعبة الكبرى

  • ويأتي قرار روسيا وإيران بتشجيع الحكومة السورية على التقدم شرقاً في أعقاب خطوتين بارزتين أقدمت عليهما الولايات المتحدة. وتمثّلت الأولى بتوجيه ضربة صاروخية ضد نظام الأسد في نيسان/أبريل رداً على الاستخدام المزعوم لغاز السارين الذي يضرب الأعصاب -في انتهاك للقانون الدولي أما الخطوة الثانية، فكانت قرار واشنطن الأخير بزيادة دعمها لـ «قوات سوريا الديمقراطية» التي يقودها الأكراد في جهودها لتحرير الرقة.
  • وأشارت هذه التحركات معاً إلى ازدياد الانخراط الأمريكي في الحرب السورية. وتقوم خطة الأمريكيين الرامية إلى محاربة تنظيم الدولة في سوريا، التي جرى وضعها في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، على دعم «وحدات حماية الشعب» الكردية، وقد صنفت وزارة الخارجية الأمريكية هذا الأخير رسمياً تنظيماً إرهابياً، كما أنه عدو حليفة واشنطن في حلف “الناتو” تركيا. ولحلّ هذه المعضلة، أسّست الولايات المتحدة منظمة جامعة حول «وحدات حماية الشعب» – «قوات سوريا الديمقراطية» – التي شجعت الجماعات غير الكردية على مساعدة الأكراد في حربهم ضد تنظيم «داعش» في شرق سوريا ووادي الفرات مقابل الدعم الأمريكي.
  • وتكللت الخطة بالنجاح على الصعيد العسكري، إذ تمكّنت «قوات سوريا الديمقراطية» من خفض عدد الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم «الدولة الإسلامية» بشكل كبير وحاصرت الرقة، كما نالت تقدير المستشارين العسكريين الأمريكيين. أما على الصعيد السياسي، فلا يزال الأكراد يهيمنون على «قوات سوريا الديمقراطية». ورغم انضمام بعض المقاتلين العرب إليها، تبدو فرص نجاح الأكراد في الحفاظ على الرقة وباقي وادي الفرات ضئيلة.
  • وتدرك روسيا وإيران أنه نظراً إلى قدرة «قوات سوريا الديمقراطية» المحدودة في المحافظة على الأراضي، يمثل انهيار تنظيم «الدولة الإسلامية» في شرق سوريا فرصةً لنظام الأسد لاستعادة الأراضي التي خسرها. ونتيجةّ لذلك، كانت موسكو وطهران تدعمان على مدار الأشهر القليلة الماضية جهود الفيلق الخامس الجديد الذي أنشأته الحكومة، للتوجه شرقاً من حلب إلى منبج في شمال-وسط سوريا -قاطعاً بالتالي المنطقة العازلة التي فرضتها تركيا شمالي حلب -ومن ثم شق طريقه جنوباً وشرقاً على طول الضفة الغربية من نهر الفرات باتجاه الرقة. ويمنح هذا التحرك روسيا عدة خيارات: فيمكنها أن تقدّم النظام للعرب السنّة في وادي الفرات على أنه بديل موثوق لـ «قوات سوريا الديمقراطية» مع ترك المجال مفتوحاً في الوقت نفسه أمام دعم «وحدات حماية الشعب» في حال تعاون الولايات المتحدة بشكل أكبر مع تركيا، خصم هذه الوحدات. كما أن هذا التحرك يمكّن روسيا من أداء دور مفسد لخطط الولايات المتحدة في المنطقة.

الدخول إلى المنطقة

  • لا شكّ في أن الخطة الروسية-الإيرانية طموحة، لكنها تحتوي على ثغرة مهمة: فالقوة البشرية المستنزفة لدى نظام الأسد تعني أنه لا يمكنه احتلال أي قطعة من الأراضي من دون الانكشاف في منطقة أخرى. فعلى سبيل المثال، خلال تقدم الفيلق الخامس شرقاً على مدى الأشهر القليلة الماضية، بدأت الحكومة تفقد بسرعة أراضي شمالي حماه، مما أثار مخاوف خسارته المدينة برمتها. ورغم استعمال الأسد المتكرر لغاز الكلور منذ اتفاق عام 2013، لم تلجأ قواته إلى غاز السارين الأكثر فتكاً بكثير إلا بعد تكبدها هذه الخسائر الأخيرة.
  • وبعد إدراكهما أن النظام لا يملك الموارد الكافية للقتال على عدة جبهات، اقترحت موسكو وطهران في أوائل أيار/مايو إقامة عدة “مناطق لتخفيف حدة التصعيد” أو مناطق لا يهاجمها النظام، مقابل عمل القوات الروسية والإيرانية كـ “ضامنين” يشرفون على انتهاكات وقف إطلاق النار. وكان من شأن مثل هذا الترتيب أن يسمح لروسيا وإيران بقبول تقسيم فعلي للبلاد من دون التنازل عن السيطرة على هذه المناطق لصالح دول مجاورة، لا سيما الأردن وتركيا، التي تدعم المعارضة في تلك المناطق.

الموقع ثم الموقع ثم الموقع

  • لا تزال نتيجة التقدّم المدعوم من روسيا وإيران نحو الشرق غير واضحة المعالم. فخلال الأيام القليلة الماضية، كانت القوات الموالية للنظام والميليشيات الشيعية الحليفة – التي يتردد أنها ترفع الأعلام الروسية في مقدمة صفوفها – تنتزع أراضيَ من تنظيم «الدولة الإسلامية» في البادية، وهي المنطقة الواقعة شرق دمشق في جنوب سوريا. ومع ذلك، سيتطلب الاستحواذ على مناطق أقرب من وادي الفرات والمحافظة عليها المزيد من الجنود، مما يسلّط الضوء على نقص القوى البشرية للنظام ويختبر استعداد روسيا وإيران للتصعيد.
  • إن أفضل طريقة بالنسبة لواشنطن للتعامل مع هذا الوضع هي السماح للنظام باستنفاد طاقته محاولاً التقدّم باتجاه الفرات في الوقت الذي تستعد فيه إلى توقف هذا التقدّم، وهو ما يبدو مرجحاً. ويتطلب ذلك الالتزام باتفاقات تجنب وقوع الصدامات الأمريكية-الروسية من أجل حماية التنف، بينما تقوّي الجماعات المعارضة في المنطقة، التي تضمّ الكثير منها عرباً سنّة وهي بذلك أكثر قبولاً من الناحية السياسية في أوساط السكان المحليين. وتدلّ المؤشرات الأولية من مصادر سورية وروسية على أن الأسد يعتزم السيطرة على معقل تنظيم الدولة في دير الزور وسط وادي الفرات، مما يمنح الولايات المتحدة الوقت لدعم قوات المعارضة جنوباً باتجاه البوكمال على الحدود العراقية. ومن شأن هذه المبادرة أن توفّر خيارات أفضل للولايات المتحدة في جنوب سوريا وتساعد أبرز حليفتين لها الأردن وإسرائيل وتقوّض خطط إيران للسيطرة على طريق بغداد-دمشق. كما ستمنح الولايات المتحدة دعماً سياسياً من العرب السنّة هي بأمس الحاجة إليه -أو بديلاً -لـ «قوات سوريا الديمقراطية» ذات الأغلبية الكردية في شرق سوريا.

الرابط الأصلي:

http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/the-scramble-for-eastern-syria

النتاج الفكري 06-06-2017

النتاج الفكري 06-06-2017

تقرير يومي يتابع أهم الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث المحلية والعالمية بما يخص المشهد السوري الداخلي مع التوقف على البعدين الإقليمي والدولي وانعكاس ذلك على صناع القرار، كما يعرض مضمون هذه الدراسات بطريقة موجزة ومقتضبة بما يوفر الجهد والوقت على المهتمين والباحثين.

مركز حرمون

جنوب سورية عندما يتأهّب لصيف حار

مقدمة

  • لم تغيّر الإنجازات الروسية في حلب في نهاية العام الفائت تغييرًا نوعيًا في المعادلات الاستراتيجية للصراع متعدد الأطراف والمستويات الذي يدور على الأرض السورية منذ ستّ سنوات ونيّف، لكنها على ما يبدو، دفعت هذا الصراع عدّة خطوات نحو مرتسماته النهائية. فقد عجز الروس حتى الآن عن تسويق رؤيتهم لحلّ الصراع، ولم تسلّم الأطراف المعنية، محليًا أو إقليميًا، ولا دوليًا، لهم بهذا الإنجاز الذي كان سيكلّف أكثر كثيرًا، لولا الاستدارة التركية نحو موسكو قُبيل ذلك، وما رافقها من مقايضات وتوافقات تبدو حتى الآن عابرة، وتفتقر إلى أسس وحوافز ترقى بها إلى مستوى التحالفات الاستراتيجية. المتغيّر الثاني، كان انتخاب إدارة أميركية جديدة، انقلبت كليًا أو تكاد، على نهج الإدارة السابقة وسياساتها التي اعتمدت سياسة الإدارة من الخلف، وما خلّفته من كوارث على الوضع المتفجّر في سورية وعموم الشرق الأوسط.

أولًا: حزب الله وقلق الاقتراب من نهاية الدور

  • منذ أشهر، بات حزب الله – دورًا ووجودًا – تحت المجهر الدولي؛ فالولايات المتحدة تزيد عقوباتها الاقتصادية عليه وعلى داعميه، وهي ماضية بهمّة مع حلفاء آخرين كثر اجتمعوا مؤخرًا في كندا لملاحقة حركة أموال الحزب وتجارته بالمخدرات، لتجفيف منابع تمويله، ومحاصرة نشاطه في العالم. أما “إسرائيل”، فإن إعلامها يُكثر الحديث، إما عن تسليح حزب الله وتقدّم قدراته العسكرية وسلاحه الصاروخي وخطره المزعوم عليها، وإما عن التهديد بعمل عسكري واضح ضدّ الحزب.
  • في آخر خطاب لحسن نصر الله قائد حزب الله في 11 أيار/ مايو الجاري، فاجأ حاضنته ومتابعيه بجملة من القرارات المتناقضة التي تمثل دليلًا إضافيًا على الحالة التي يعيشها الحزب، فقد أعلن سحب قواته من جرود القلمون والحدود الشرقية اللبنانية، وتسليم مواقعه هناك للجيش اللبناني كي يقوم بواجبه (في حماية الحدود)، في مستوى آخر، وفي الخطاب ذاته، قال: إن ذهابه إلى سورية كان لمساعدة الرئيس السوري في مواجهة القوى التكفيرية، وأن ليس له مطلب آخر هناك، وأنه يلتزم ما يقرره الرئيس السوري وبخاصة بشأن وقف إطلاق النار.
  • تنتشر ميليشيا حزب الله في الجنوب السوري من القنيطرة حتى درعا، وكانت إيران تهدف من وراء هذا الوجود – على مقربة من الحدود الشمالية لإسرائيل، بدعوى المقاومة – إلى فتح باب المساومة مع “إسرائيل” حول النفوذ في سورية ولبنان، هذا الأمر الذي يبدو أن “إسرائيل” ليست مضطرة إليه، بحكم توازن القوى القائم والمائل لمصلحتها، وهو أحد أسباب الخلاف بين بوتين ونيتنياهو في آخر زيارة له إلى موسكو إذ طلب حينها من بوتين أن يعمل على مغادرة ميليشيا الحزب والميليشيات الأخرى التابعة لإيران تلك المنطقة، لكن بوتين رفض أو أنه تلكأ كعادته بالمراوغة.

ثانيًا: البادية السورية مسرحًا جديدًا لصراع ذي طابع استراتيجي

  • تشهد البادية السورية في هذه الأيام تحضيرات سريعة من الأطراف السورية كافة، لحرب يبدو أنها ستمتدّ إلى جنوب سورية، وربما بالتزامن، إلى جنوب لبنان. هذه التحضيرات ليست وليدة ساعتها، فكما هو معروف أن قوات التحالف دَرّبت في مدى سنوات فصائل كثيرة في الأردن، منها أسود الشرقية ومغاوير الثورة وجيش العشائر وبعض فصائل الجيش الحر والضباط المنشقين في الجبهة الجنوبية، بدعم لوجستي أردني، وتنسيق وتمويل من غرفة الموك المنبثقة – وشقيقتها الموم في تركيا – من النواة الصلبة من مجموعة أصدقاء الشعب السوري. حاول الأردن، الذي استقبل – على قلّة موارده – أكثر من مليوني لاجئ سوري، ألا ينفعل بالصراع الدائر في سورية، بل ساير أطرافه كلها بما فيها النظام، واستقبل أكثر من مرّة مسؤولين كبارًا في الاستخبارات السورية، ولم يُمانع من التنسيق المحدود أمنيًا مع النظام في المستوى الاستخباري.
  • يضع التحالف الدولي لمحاربة داعش الذي تقوده الولايات المتحدة، في حسبانه أن فلول داعش المنسحبة من الموصل التي تشارف معاركها على الانتهاء، أو من الرقة التي توشك معاركها على الانطلاق، قد تتسرب إلى الباديتين السورية والعراقية الواسعتين لإعادة تجميع قواتها تَحيّنًا لوضع أفضل، أوقد تَعبر إلى الأردن، وهو ما يثير مخاوفه. إن التحالف الدولي، والولايات المتحدة التي أخذت على عاتقها ترتيب الأدوار والمعارك والنتائج في المنطقة الشرقية، يريد لفصائل الجيش الحرّ في المنطقة الجنوبية، وبخاصة مغاوير الثورة، احتلال القسم الأكبر من البادية في طريقها إلى دير الزور لتأمين خطوط إمداداتها عندما تبدأ معركة دير الزور. الاستراتيجية الأميركية في عهد الإدارة الجديدة، في مواجهتها الدورَ الإيراني، أنها تريد قطع الطريق الذي تسعى له إيران ويصل طهران بالبحر المتوسط من ضمن استراتيجيتها التوسعية.

ثالثًا: هل دخل الشرق الأوسط مرحلة ترتيب النظام الإقليمي؟

  • بالترافق مع هذا التغير في العلاقات العربية الأميركية، تعلو مجددًا نغمة حلّ القضية الفلسطينية، التي تراجعت في المستويين الدولي والإقليمي بحكم المآسي التي خلّفتها الصراعات الدائرة في المنطقة (سورية – العراق – اليمن) خصوصًا، هذا الأمر أكده ترامب في خطابه أمام القمة العربية الإسلامية – الأميركية، ثم أعاد تأكيده في مؤتمره الصحافي مع نتنياهو في القدس، محطته الثانية في جولته، إذ قال: (لقد سمعت من قادة العرب كلامًا طيبًا تجاه إسرائيل، وهناك إجماع على أن إيران خطر مشترك، وهناك فرصة نادرة للسلام يجب أن نستغلّها، وهي لا تتحقق إلا بالعمل المشترك).
  • والمعطيات الميدانية المستجدّة في كلّ من سورية والعراق، وإلى حدّ ما في اليمن، يُشيران إلى أمرين مهمّين يتعلقان بالمنطقة وآفاق استقراها؛ أولهما، الزيادة المتواترة في الانخراط الأميركي في صراعات المنطقة على عكس الإدارة السابقة وثانيهما، أن مآلات الصراع لا بدّ أن تُفضي إلى صوغ نظام إقليميّ جديد يؤمّن استقرارها ويضبط متغيّراتها، طبعًا من منظور الدول الراعية والضامنة له.

رابعًا: خاتمة

  • يبدو أن التغيرات في الصراع السوري تتسارع بوتيرة عالية، والمعادلات والقواعد التي حكمته أو تحكّمت به ستصبح من الماضي، وأشدّها سوءًا تلك التي حوّلته إلى محض استنزاف لأطرافه جميعًا، وكلّفت السوريين مئات آلاف الضحايا، وخرابًا عميمًا، ألا وهي قاعدة أوباما سيئة الصيت (أن لا حلّ عسكريًا للصراع). فالحشود العسكرية للأطراف كلها تتدفّق إلى البادية السورية وتتدافع لاحتلال المواقع الاستراتيجية فيها، وتتالى البيانات عن الفعاليات العسكرية هناك، وآخرها إطلاق فصائل الجيش الحرّ معركةَ بركان البادية لاسترجاع المواقع التي تقدّمت إليها قوات النظام والميليشيات الحليفة لها في الأيام الأخيرة؛ كذلك البيان السعودي – الأميركي المشترك عقب زيارة ترامب الذي تطرّق تطرقًا لافتًا إلى نيتهما في مساعدة لبنان والجيش اللبناني بحيث يكون الطرف الوحيد الذي يحقّ له امتلاك السلاح، في إشارة إلى سلاح حزب الله. وإذا صحّت التسريبات عن التحذير الذي نقله العاهل الأردني إلى مسؤولين لبنانيين بـ (أن الولايات المتحدة وحلفاءها ينوون توجيه ضربة خاطفة وواسعة لحزب الله)، وذلك من ضمن التوجّه الأميركي بتحجيم إيران ودورها في المنطقة، يصبح من المنطقي التكهّن بأن البادية السورية والجنوب السوري، وربما اللبناني، ستكون، وبالتزامن مع الحرب على داعش، مسرحًا لمعارك طاحنة يترتب عليها نتائج استراتيجية فاصلة في المستوىين المحلّي والإقليمي.

الرابط الأصلي:

http://harmoon.org/archives/4893

النتاج الفكري 05-06-2017

النتاج الفكري 05-06-2017

تقرير يومي يتابع أهم الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث المحلية والعالمية بما يخص المشهد السوري الداخلي مع التوقف على البعدين الإقليمي والدولي وانعكاس ذلك على صناع القرار، كما يعرض مضمون هذه الدراسات بطريقة موجزة ومقتضبة بما يوفر الجهد والوقت على المهتمين والباحثين.

مركز الجزيرة

استراتيجيات التغيير الديمغرافي في سوريا

مقدمة

  • مسألة التغيير الديمغرافي في سوريا كانت مصدرًا للجدال بين المحلِّلين ودوائر المعارضة. وفقًا لهذا الجدال، فإن نظام الأسد يحاول تقليص نسبة السُّنَّة العرب الذين من الممكن أن يشكِّلوا خطرًا على حكمه، واستبدال جماعات دينية أخرى، خاصة من الأجانب و/أو المحليين من الشيعة بسكان المناطق ذات الغالبية السنية.

حجم التغيير الديمغرافي والتهجير القسري للسكان

  • منذ بدء الانتفاضة، في مارس/آذار من العام 2011، كانت ديناميات القمع، واستراتيجيات استخدام العنف، والمجازر المرتكبة من قبل قوات النظام والميليشيات التابعة له أو الشبِّيحة، تلعب دورًا رئيسيًّا في عملية الشرخ الطائفي، في القرى والأحياء الفقيرة ذات الأغلبية السُّنيَّة، وفي أقاليم مختلطة، بشكل خاص في محافظتي حمص وحماة والمناطق الساحلية التي يعيش فيها السكان من الطائفتين السُّنِّية والعَلَوية جنبًا إلى جنب. على الجانب الآخر، قام النظام بتكييف استراتيجياته ووسائل قمعه وفقًا للمناطق وتركيباتها الطائفية، مستخدمًا، على سبيل المثال، مجموعات الشبيحة المحليين في المناطق المأهولة بالأقليات لقمع المظاهرات، كما في مدينتي السَلَمية والسويداء.
  • مع عسكرة وتعميق الحرب، استخدم النظام على نحو متزايدٍ استراتيجية الاتفاقيات المحلية مع المدن و/أو الأحياء المحاصَرة التي تتعرض للقصف المستمر من قِبله، لإجبار السكان المحليين المعارضين للنظام على ترك منازلهم، والنزوح من المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام، إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة.
  • في نفس الوقت، كانت هناك أيضًا اتهامات بالتغيير الديمغرافي في بعض المناطق التي شهدت حملات عسكرية كبيرة على حساب السكان السُّنَّة. في حمص، سكان حي بابا عمرو، الذين كانوا في معظمهم مهجَّرين سُنَّة من المناطق الريفية القريبة من المدينة، بعد أن أصبح الحي مركزًا رمزيًّا للانتفاضة السورية إلى أن تم سحقه من جانب قوات النظام، تم تقريبًا التخلص منهم، إمَّا أثناء حملات القصف من قِبل النظام وإما بعد قيام الأخير باحتلال الحي.
  • إلى جانب كل هذا، وُجِّهَت أيضًا اتهامات للنظام الإيراني بالمشاركة بفعالية في مخطط التغيير الديمغرافي في بعض المناطق، مع تزايد تأثيره بشكلٍ كبير من خلال إنشاء الميليشيات والمؤسسات التي تروِّج أيديولوجيته. بعد موجة عمليات الشراء التي قام بها تجار إيرانيون لمساحات كبيرة من العقارات السورية في عدد من المدن، بالدرجة الأولى في وسط العاصمة دمشق ووسط مدينة حمص.

مسألة إعادة الإعمار: تغيير ديمغرافي أيضًا؟

  • أُدرِجَت كذلك مسألة إعادة الإعمار ضمن اتهامات التغيير الديمغرافي الموجهة للنظام. في سبتمبر/أيلول من العام 2012، وقَّع بشار الأسد المرسوم التشريعي رقم 66 القاضي بـ”تنظيم وتحديث مناطق السكن العشوائي وغير المصرَّح به”، بكلمات أخرى، توفير الأسس القانونية والمالية لمشروع إعادة الإعمار(10). على أساس هذا المرسوم، أعلن النظام قراره بتدمير ومصادرة منطقتين كبيرتين في العاصمة دمشق، معروفتين بمناصرتهما للمعارضة، الأولى خلف مستشفى الرازي على الطريق الرئيسي لأوتوستراد المزة، والثانية على الضفة الجنوبية من العاصمة السورية بجانب حي القدم. خطة إعادة الإعمار ستوفر 12,000 وحدة سكنية لحوالي 60,000 شخص. سيكون هناك مدارس ومطاعم، وأماكن للعبادة، وحتى مواقف سيارات متعددة الطوابق ومركز للتسوق. الجهات المسؤولة في دمشق برَّرت قرارها مدعية أن الهدف منه هو تحسين نوعية السكن، وأن المناطق الأخرى ستتبع نفس الخطوات لتحديث مناطق السكن العشوائي في كل البلاد.

ما هي استراتيجية النظام؟

  • ليس هناك ما يدعو للشك بارتكاب قوات النظام وحلفائه لمذابح طائفية وتهجير قسري ضد السكان السنَّة الأشد فقرًا، سواء الذين شاركوا في الانتفاضة أو الذين أبدوا تعاطفًا معها في مناطق عدَّة. وعلى نحوٍ مماثل، فالميليشيات الإسلامية الشيعية الطائفية، المحلية و/أو الأجنبية، وأحيانًا عائلاتهم، انتقلوا إلى مناطق تعتبر حساسة لأسباب أمنية وسياسية، في حين أن إيران توسِّع باستمرار عمليات شراء الأراضي. التغيير الديمغرافي في مناطق محددة هو واقعٌ ملموس من هذا المنظور، ولكنه ليس استراتيجية وسياسة منظمة على مستوى وطني. غير أن هدف النظام الاستراتيجي، من خلال إجراءات قمعه، لم يكن إحداث التغيير الديمغرافي بل كان لإسكات الاحتجاجات وإنهاء كل أشكال المعارضة، وتقسيم الناس وفقًا لهويات بدائية وبث الخوف بينهم بهدف كسر رسالة الحركة الشعبية الشاملة والديمقراطية في بداية الانتفاضة. هذا لا يعني أن تهجير السكان السنَّة الفقراء لم يكن مشمولًا في هذا الإطار لبلوغ هذا الهدف، ولكنه يختلف عن القول بأنه سياسة منظمة ووطنية.

خاتمة

  • في النهاية، فإن التغيير الديمغرافي الناتج عن قوات النظام وحلفائه أمرٌ واقعي في بعض مناطق سوريا، ولكنه ليس استراتيجية منظمة لتغيير الديمغرافية العامة في البلد الذي يمثل السنَّة العرب فيه أكثر من 70% من عدد السكان لا يمكننا أن ننسى أن الحركات الإسلامية المقاتلة قد شاركت في التغيير الديمغرافي وفي ارتكاب مجازر طائفية في بعض المناطق، فإن النظام لا يعادي السكان السنَّة، أو هوية سُنِّيَّة معينة، بل يعادي الجماهير المعارضة له، التي كانت بأغلبيتها من خلفيات شعبية سُنيَّة.
النتاج الفكري 03-06-2017

النتاج الفكري 03-06-2017

تقرير يومي يتابع أهم الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث المحلية والعالمية بما يخص المشهد السوري الداخلي مع التوقف على البعدين الإقليمي والدولي وانعكاس ذلك على صناع القرار، كما يعرض مضمون هذه الدراسات بطريقة موجزة ومقتضبة بما يوفر الجهد والوقت على المهتمين والباحثين.

معهد واشنطن

احتواء إيران؟ حسناً، ولكن يجب الإجابة على هذه الأسئلة أولاً

مقدمة:

  • خلال اجتماعاته الأخيرة مع القادة العرب في الرياض، التزم الرئيس ترامب بمخطط هدفه التصدي للنفوذ الإيراني في جميع أنحاء المنطقة. إلّا أنّ البيانات المشتركة بين الجانبين الأمريكي والعربي بشأن مكافحة التهديدات الإيرانية ليست بالظاهرة الجديدة؛ فقد سبق للرئيس أوباما أن تبنّى اثنين منها مع «مجلس التعاون الخليجي» بعد التوصل إلى الاتفاق النووي مع إيران، على الرغم من أنه لم يبدُ مؤمناً بتلك المهمة أو مواظباً على تحقيقها. لكن الزمن تغيّر الآن، فقد اتخذت إدارة ترامب موقفاً أكثر عدائيةً بكثير تجاه إيران، بينما بدأ مصدر الخطر الرئيسي في المنطقة، أي تنظيم «الدولة الإسلامية»، بالتراجع، وفي حين كان تركيز ترامب كمرشّح رئاسي قد انصبّ بالدرجة الكبرى على تنظيم «الدولة الإسلامية» وعلى الاتفاق النووي، يبدو أنّ ترامب الرئيس على توافق مع الكثير من كبار مستشاريه العسكريين بشأن اتخاذ موقف أكثر صرامةً تجاه أنشطة طهران المزعزعة للاستقرار في المنطقة – وهي طريقة تفكير تستند على التجارب المريرة التي مر بها هؤلاء المستشارين في التعامل مع العنف الذي ترعاه إيران في العراق ودول أخرى.

من هو العدو؟

  • تَمثل أحد الأهداف الرئيسية للمملكة العربية السعودية من عقد مؤتمرات القمة في الرياض في إقناع المشاركين بأن إيران تشكل التهديد الأكبر في المنطقة -ليس كدولة فحسب، وإنما كتيار شيعي “خبيث” في منطقة الشرق الأوسط السنّية إلى حد كبير. ولم يكن هذا الأمر مفاجئاً، إذ لطالما صوّر السعوديون منافستهم مع إيران من منطلق ديني. ومع ذلك، فكلما ازداد تبني هذه الصيغة، كلما ازداد طابع المنافسة المطلق، وقلّ احتمال “تقديم” إيران أي تنازلات (حيث لا يمكنها ببساطة التنازل عن جوهرها الديني) وازداد التردد بين الحلفاء.

ما دور «خطة العمل المشتركة الشاملة»؟

  • منذ توليه منصبه، يلتزم الرئيس الأمريكي الصمت إلى حد كبير بشأن «خطة العمل المشتركة الشاملة»، وهي الوثيقة التي وضعت شروط الاتفاق النووي. وعلى الرغم من أن إدارته احترمت الالتزامات التي نص عليها الاتفاق، إلا أنه لم يتراجع عن الوعد الذي قطعه خلال حملته الرئاسية بإلغاء «خطة العمل المشتركة الشاملة».
  • وإذا حدث وقام الرئيس الأمريكي بإبطال هذه الخطة، سوف تُلام الولايات المتحدة على نكث صفقة يعتبرها العالم بمعظمه منطقية. إن الفكرة القائلة أن بإمكان واشنطن التفاوض على اتفاق أشد صرامة مع روسيا والصين وأوروبا هي نظرة تفتقر ببساطة إلى المنطق والواقعية. والنتيجة هي أن إيران ستصبح حرة بالتوجه نحو [تطوير] أسلحة نووية، وأن العقبة الوحيدة التي ستواجهها هي التهديد العسكري الأمريكي المباشر. وإذا أصبح هذا الإجراء ضرورياً، فقد يفوق ذلك الذي شوهد خلال الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق. والحل البديل هو أنه بإمكان الرئيس ترامب أن يعترف رسمياً بـ «خطة العمل المشتركة الشاملة»، فيكتسب بذلك أصدقاء له في بعض الأوساط، ولكن ذلك قد يشجع إيران على تجاهل إنذاراته غير المتعلقة بالشأن النووي. ومن شأن هذا النهج أن يقلق أيضاً السعودية وإسرائيل.

كيف يجب التعامل مع إيران في سوريا والعراق؟

  • وتعود أهمية هذه الجبهة إلى أسبابٍ أخرى أيضاً. فقد أنشأت الولايات المتحدة وحلفاؤها مراكز لها في شمال سوريا، وعلى طول الحدود الأردنية، وفي كردستان العراق، لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» في المقام الأول. وما أن يتم هزيمة التنظيم، سوف تضطر واشنطن إما إلى ترك هذه المراكز أو التمسك بها في وجه عاصفةٍ حتمية من الهجمات المدعومة من إيران التي تهدف إلى إخراج القوات الأمريكية. إن البقاء في المنطقة إلى أجل غير مسمى سيتطلب ترتيبات سياسية معقّدة مع تركيا والأردن وبغداد ومختلف الفصائل الكردية والعربية السنية، وربما مع إيران وروسيا أيضاً. وأياً كانت الترتيبات التي سيتم التوصل إليها، ستحتاج إدارة ترامب أن تكون واضحة حول المخاطر: إذا لا توقف أمريكا الإيرانيين على هذه الجبهة، فسيظهرون قريباً كقوة مهيمنة في المنطقة، معادين للغاية للولايات المتحدة وحلفائها.

كيف يجب التصرف عندما تقوم إيران بالرد على ضربة؟

  • إذا كان التاريخ دليلاً، فإن أي جهد أمريكي لمواجهة طهران سيولّد هجمات على المصالح الأمريكية. فمنذ عام 1979، عمل النظام على ضرب أهداف أمريكية مباشرة أو من خلال وكلاء في مناسبات متعددة، من الكويت ولبنان واليمن وإلى المؤامرة التي تم إحباطها في جورج تاون

هل يجب على واشنطن التواصل مع طهران؟

  • أعطى وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون إجابة مثيرة للاهتمام على هذا السؤال بينما كان في الرياض، ورفض استبعاد (قيام مثل هذا التواصل).

ما هو الهدف النهائي مع إيران؟

  • يجب على الولايات المتحدة أن تحدد أهدافاً نهائية واضحة لكي تنجح في أي سياسة تجاه إيران. هل تريد فقط التصدي لعدوان طهران الإقليمي، كما فعلت مع سلوبودان ميلوسوفيتش في تسعينيات القرن الماضي؟ أم أنها تسعى إلى تحقيق سياسة احتواء طويلة الأمد لإحداث تغييرات أساسية في السياسة في إيران (بمعنى آخر، الصيغة الأولية لجورج كينان في مرحلة ما بعد الحرب الباردة)، أو حتى تغيير النظام؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن تنفيذ هذه السياسة من الناحية العملية؟ إن الخبراء المختصين في شؤون إيران في الولايات المتحدة منقسمون حول ما إذا كان إسقاط النظام أو استمرار سياسة التقارب التي اتبعها أوباما هي أفضل طريقة لإحداث تغيير في إيران؛ كما أن حلفاء واشنطن الدوليين المحتملين منقسمون حول هذه القضية أيضاً. ولذلك إذا كانت الإدارة الأمريكية تريد تعظيم فرصها لكسب المؤيدين في الداخل والخارج فسيكون توضيحها حاسم الأهمية [في تحديد سياستها تجاه إيران].

الرابط الأصلي:

http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/contain-iran-fine-but-answer-these-questions-first

النتاج الفكري 02-06-2017

النتاج الفكري 02-06-2017

تقرير يومي يتابع أهم الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث المحلية والعالمية بما يخص المشهد السوري الداخلي مع التوقف على البعدين الإقليمي والدولي وانعكاس ذلك على صناع القرار، كما يعرض مضمون هذه الدراسات بطريقة موجزة ومقتضبة بما يوفر الجهد والوقت على المهتمين والباحثين.

معهد واشنطن

تفادي الاقتتال بين الحلفاء في المناطق العراقية المتنازع عليها

مقدمة

  • يتزايد التوتر بين قوات الأمن الكردية والعراقية في الأراضي المتنازع عليها من البلاد، مع مطالبة كل من حكومة بغداد و «حكومة إقليم كردستان» بالسيادة على عددٍ كبير منها. ففي أعقاب المواجهات المسلحة السابقة التي وقعت في طوز خورماتو ومحافظة ديالى الشمالية، يشهد غرب الموصل اليوم سباقاً متعاظماً بين قوات البشمركة و«قوات الحشد الشعبي» المكوّنة بمعظمها من متطوعين شيعة مسلحين استعانت بهم الدولة العراقية لزيادة قواتها العسكرية. وحتى الآن، فرضت «قوات الحشد الشعبي» سيطرتها على مجموعة من البلدات اليزيدية على طول الحدود السورية، علماً أنّ مهام حفظ الأمن والنظام في هذه البلدات التي تطالب بها بغداد كانت في يد الأكراد قبل الهجوم الذي شنه تنظيم «الدولة الإسلامية» عام 2014.

نزاع متأجج

  • تمتد “الحدود الداخلية المتنازع عليها” في العراق بين الحدود السورية والإيرانية وتشمل خمسين قضاءً من الأقضية العراقية المائة. وتقع جميع هذه المناطق المتنازع عليها جنوب ما يعرف بـ “الخط الأخضر”، أي الحدود القائمة بعد عام 1991 بين الأقسام الخاضعة للحكومة العراقية في عهد صدام حسين وتلك الخاضعة لـ «حكومة إقليم كردستان». وفي كل حالة، يدّعي الأكراد وغيرهم من الأقليات غير العربية أنهم تعرضوا للتشريد والتمييز المجحفين. ولكن منذ سقوط صدام عام 2003، تسابقت أربيل وبغداد لاكتساب الأفضلية في عددٍ كبير من هذه المناطق، ولا سيما في كركوك الغنية بالنفط، بيد أنّ الأكراد كانوا يفوزون عادةً في مجال الأمن والإدارة المحليين.

تنظيم الدولة الإسلامية يستغل الوضع

  • في تموز/يوليو 2016، توسّط التحالف في اتفاق لتخفيف حدة التوتر بين قوات الأمن العراقية و قوات «حكومة إقليم كردستان» خلال المرحلة التي سبقت معركة الموصل. إلّا أنّ الاتفاق كان مبهماً للغاية، إذ اعتقد الأكراد أنه منحهم الإذن بالعودة إلى أي مناطق محررة كانت خاضعة لسيطرتهم قبل عام 2014، في حين اعتبرت بغداد أنه سيجمّد الخطوط الأمامية الكردية حالما تنتهي مشاركة «حكومة إقليم كردستان» في معركة الموصل (الأمر الذي صادف وقوعه في تشرين الأول/أكتوبر 2016).
  • غير أن هذا الاختلاف في تفسير الاتفاق يزداد أهميةً مع استحواذ «قوات الحشد الشعبي» على القحطانية وغيرها من البلدات اليزيدية التي كانت خاضعة فيما مضى لإدارة الأكراد الأمنية. ففي 12 أيار/مايو، شنّ «الحشد الشعبي» هجوماً طال انتظاره على الأراضي الخاضعة لـ تنظيم «الدولة الإسلامية» غرب الموصل على مقربة من الحدود السورية. ويبدو أن قادة الهجوم الذين يخضعون لإمرة الوكيل الإيراني المصنف على لائحة الإرهاب الأمريكية أبو مهدي المهندس قد باشروا بالعملية بمعرفة مسبقة من الحكومة العراقية ولكنهم لم يعطوا «حكومة إقليم كردستان» أي تحذير.

جهود بناء الثقة بقيادة الولايات المتحدة

  • إذا أرادت إدارة الرئيس ترامب أن تحقق هدفها المتمثل بدحر تنظيم «الدولة الإسلامية» كلياً، لا بد لها من إعادة النظر في طريقة إدارتها للتوترات العراقية الكردية. وعلى المستوى الاستراتيجي، يجب على “مجلس الأمن القومي” الأمريكي أن يولي تركيزاً حقيقياً ويكرّس موارد فعلية خلال المراجعة الحالية التي يجريها للسياسة تجاه العراق من أجل المساعدة في إرساء الاستقرار ضمن الأقضية العربية السنية وتلك المتعددة الأعراق ضمن “الحدود الداخلية المتنازع عليها”. وفي هذا السياق، ينبغي إعادة توصيات “بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق” إلى الواجهة وإعادة النظر فيها في ضوء التغيرات الأخيرة، ومن ضمنها ظهور استعداد جديد لدى الكثير من المجتمعات العربية السنية المحررة بافتراض حسن نية القوات العراقية والكردية ومحاولة وضع ثقتها بها. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن إشراك عناصر «الحشد الشعبي» الذين تم تجنيدهم من أهالي تلك المناطق والذين يجسدون المزيج الأهلي من الأعراق والطوائف والقبائل المختلفة، في المساعي المبذولة لمنع تمرد آخر من قبل تنظيم «الدولة الإسلامية». إلا أنه من الضروري جداً عزل هذه القوات شبه العسكرية عن تأثير الوكلاء الإيرانيين مثل المهندس.
  • وفي غياب أي جهود مماثلة، من الممكن أن يندلع نزاع مسلح بين حلفاء واشنطن العراقيين والأكراد بما يخدم مصلحة تنظيم «الدولة الإسلامية». ومن شأن مثل هذا الاقتتال أن يفسح المجال أمام إيران أيضاً إلى إثارة التوتر بين بغداد وأربيل، وتعزيز الصورة الشعبية للميليشيات العراقية الوكيلة لها، فضلاً عن تعقيد الحملة التي تقوم بها «حكومة إقليم كردستان» لتحقيق مزيد من السيادة. ونظراً للعواقب المترتبة عن عدم التحرك، لا يعتبر استئناف العملية المدعومة دولياً لإيجاد حل دائم لمسألة “الحدود الداخلية المتنازع عليها” مجرد هدف جانبي “مستحب” من أهداف السياسة الأمريكية في العراق، بل هو منحى جوهري من أي استراتيجية آيلة إلى هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية» بشكل دائم وعدم منحه أي فسحة مهملة يمكنه التجدد من خلالها.

الرابط الأصلي:

http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/preventing-allies-from-fighting-each-other-in-iraqs-disputed-areas

النتاج الفكري 01-06-2017

النتاج الفكري 01-06-2017

تقرير يومي يتابع أهم الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث المحلية والعالمية بما يخص المشهد السوري الداخلي مع التوقف على البعدين الإقليمي والدولي وانعكاس ذلك على صناع القرار، كما يعرض مضمون هذه الدراسات بطريقة موجزة ومقتضبة بما يوفر الجهد والوقت على المهتمين والباحثين.

مركز كارنيغي

نزاع التخوم

  • تُظهر التطوّرات التي شهدها الشطر الشرقي من سورية في الآونة الأخيرة أننا على أبواب مرحلة جديدة من النزاع في البلاد. ففي حين يعزّز نظام الرئيس بشار الأسد وجوده العسكري في غرب سورية، ويواجه تنظيم الدولة الإسلامية هجوماً وشيكاً في الرقة، تتحوّل الأنظار الآن نحو المنطقة الحدودية الطويلة المتنازع عليها التي تربط سورية بالعراق. هذا ليس مفاجئاً البتّة. فلطالما تمتّع شرق سورية بأهمية ملحوظة بالنسبة إلى نظام آل الأسد، لأنه متاخم لمنافسين إقليميين رئيسين للبلاد، هما العراق وتركيا. كما أنه موطن لتكتل سكاني كردي كبير تربطه منذ فترة طويلة علاقات مضطربة بالعاصمة دمشق.
  • يبدو أن العديد من الأطراف الفاعلة الخارجية، التي تترقّب هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في الرقة ومحيطها، تستعد للاستفادة من الوضع بعد ذلك. ففي حال فقد التنظيم سيطرته على المدينة، سيتجه محط الاهتمام نحو آخر معاقله في جنوب شرقي البلاد، في منطقة دير الزور والميادين والبوكمال. وأياً كانت الجهة القادرة على إلحاق الهزيمة بالتنظيم في هذه المنطقة، فإنها ستسيطر على جزء كبير من الحدود العراقية-السورية. يولي نظام الأسد وحلفاؤه الإيرانيون والروس السيطرة على هذه المنطقة أولوية استراتيجية. فمحافظة دير الزور غنيّة بالنفط، الذي يُعدّ عاملاً حيوياً بالنسبة إلى الحكومة السورية المتعثّرة مادياً. لكن من شأن استعادة السيطرة على المنطقة الحدودية أن تشكّل أيضاً حدثاً رمزياً للغاية بالنسبة إلى الأسد، إذ سيبدو حينها أنه يعيد تدريجياً بناء سورية ما قبل العام 2011، التي ورثها عن والده.
  • بالنسبة إلى إيران، سيُحدّد من يسيطر على الحدود مع العراق مدى سهولة إمكانية قيام الجمهورية الإسلامية بدعم وإعادة تزويد حلفائها في سورية ولبنان بالإمدادات ودعمهم، ولاسيما في المرحلة التي تسعى خلالها إلى تعزيز قدرتها على الردع حول إسرائيل. في هذا السياق، تُعتبر الحدود نقطة مفصلية أساسية في الجهود التي تبذلها إيران للحفاظ على نفوذها في جميع أنحاء المشرق.
  • ويبدو أن قوّة عسكرية تابعة للنظام السوري، ضمّت مقاتلين من حزب الله وآخرين من العراقيين الشيعة، أخذت هذه الاعتبارات في الحسبان حين أقدمت مؤخراً على التوجّه إلى معبر التنف الحدودي بين سورية والعراق المتاخم للحدود الأردنية، حيث تقوم القوات الخاصة الأميركية بتدريب المتمردين السوريين. وعندما اقتربت القوّة من المعبر ودخلت إلى دائرة نصف قطرها 25 كيلومتراً كانت حدّدتها الولايات المتحدة على أنها منطقة محظورة لحماية قوّاتها، استهدفتها الطائرات الأميركية.
  • جماعات سورية متمرّدة في جنوب سورية تلّقت أسلحة من البنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية. وتقول مصادر المتمرّدين السوريين إن هذه الأسلحة أُرسلت لمساعدتها على التصدي لمحاولات النظام السوري وحلفائه فتح الطريق الذي يربط العراق بسورية، ويمرّ عبر التنف. مع ذلك، يمكن لهذا المعبر أن يلعب دوراً آخر، حيث أنه يمثّل نقطة انطلاق قد تستخدمها القوات للتحرّك باتجاه استعادة المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية في محافظة دير الزور.
  • ما يمكن استنتاجه من رد فعل الولايات المتحدة إزاء الأحداث المحيطة بالتنف، هو أنها تريد على مايبدو أن تضطلع بدور في أي هجوم يُنفّذ في نهاية المطاف ضد الدولة الإسلامية في دير الزور، لكنها ترغب أيضاً في إبقاء عينها ساهرة على نشاطات إيران في جنوب شرق سورية، وهذان الهدفان مترابطان. كما تقوم الولايات المتحدة بتدريب شبان من دير الزور في التنف للاستعانة بهم في العمليات المستقبلية ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وهذا يشير إلى أنها تسعى إلى توسيع رقعة نفوذها على طول الحدود السورية-العراقية، ما سيُعتبر أمراً غير مقبول بالنسبة إلى إيران. وفي الواقع، لا يمكن فهم المواجهة في جنوب شرق سورية، إلا إذا افترضنا أن واشنطن تعتزم عرقلة الخطوات الإيرانية ومراكمة النفوذ الذي قد يسمح لها بالتأثير على خواتيم نهاية سياسية للصراع.
  • لهذا السبب تبدو روسيا قلقة جداً إزاء الوضع في التنف. وفي 31 أيار/مايو، استهدفت الطائرات الروسية المتمردين المدعومين أميركياً الذين كانوا يتقدّمون نحو مواقع الميليشيات الموالية لإيران عند حاجز ظاظا شمال غرب التنف على الطريق السريع الممتد بين دمشق وبغداد. وقد جاء ذلك في خضم صدور تقارير عن وصول رتل من الآليات العسكرية التي ترفع العلم الروسي إلى مدينة درعا. كما يمكن أن يُفسِّر ذلك لمَ تبدو موسكو على وشك إبرام اتّفاق مع إيران من أجل استخدام قاعدة جوية إيرانية في محافظة همدان من قبل طائرات روسية. وإذا حدث ذلك، لن يسمح فقط للطائرات الروسية بالتحرّك في شرق سورية، بل سيُطلق أيضاً رسالة قوية اللهجة مفادها أن روسيا وإيران (وكذلك العراق) تتفقان في رفضهما السماح بتدخّل خارجي، ولاسيما أميركي، في تحديد الحل السياسي في سورية.
  • حتى الآن، كانت تصريحات إدارة ترامب حول رغبتها في تحجيم دور إيران في سورية عامة. وتعزّز الأحداث في جنوب شرق سورية هذا الالتزام. مع ذلك، ونظراً إلى تحالفات إيران المتعدّدة، لاتميل الدفّة لصالح الولايات المتحدة. أخيراً، تتمثّل ربما المفارقة الأكبر، التي لن يأتي أحد في واشنطن على ذكرها، في أن الأميركيين- في خضم اللعبة الأكبر بين إيران والولايات المتحدة- لايريدون أن يكون لأحد غيرهم الفضل في هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في دير الزور، وبالتأكيد ليس حلفاء طهران.

الرابط الأصلي:

http://carnegie-mec.org/diwan/70137

النتاج الفكري 31-05-2017

النتاج الفكري 31-05-2017

تقرير يومي يتابع أهم الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث المحلية والعالمية بما يخص المشهد السوري الداخلي مع التوقف على البعدين الإقليمي والدولي وانعكاس ذلك على صناع القرار، كما يعرض مضمون هذه الدراسات بطريقة موجزة ومقتضبة بما يوفر الجهد والوقت على المهتمين والباحثين.

معهد واشنطن

إيران تناور على الخلافات بين دول الخليج وقطر

  • أدت اللغة الإستفزازية التي تبناها المرشد الأعلى الإيراني إلى تفاقم الخلافات الدبلوماسية في الخليج، وتهدد بتفكيك مظهر الوحدة التي حققها الرئيس ترامب ومضيفوه السعوديون في مؤتمرات القمة الإسلامية وخلال اتصال هاتفي أُجري قال الرئيس الايراني المنتخب حديثاً حسن روحاني لأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني “نحن نريد أن يخطو العالم الإسلامي الذي يعاني من التفرقة صوب السلام والأخوة، وفي هذا الإطار مستعدون لإجراء المفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاق حقيقي”. ومع ذلك، فقد تم تقويض تأثير هذا الشعور على الفور من خلال تعليق أدلى به آية الله علي خامنئي، صاحب السلطة الحقيقية في الجمهورية الإسلامية فقد أعلن المرشد الأعلى أن المملكة العربية السعودية تواجه كارثة في جهودها لمكافحة المتمردين المدعومين من إيران في اليمن: “يجب ألا تخدع المظاهر أحداً. [السعوديون] في طريقهم للمغادرة، ولا شك في ذلك”.
  • وفي 28 أيار/مايو، وفي تغريدة لوزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي أنور قرقاش، كتب الوزير: “إن دول «مجلس التعاون الخليجي» تمر بأزمة حادة جديدة تحمل في طياتها خطراً جسيماً. إن درء الفتنة يكمن في تغيير السلوك وبناء الثقة واستعادة المصداقية”. وعلى الرغم من الصياغة الغامضة، كان من الواضح أن التعليق موجه إلى قطر، التي هي في قلب صراع وسائل الإعلام الجارية. وكانت وكالة الانباء القطرية قد نقلت عن الأمير تميم قوله في 24 أيار/مايو، “لا حكمة في عداء العرب لايران”. وأدى ذلك إلى رد فعل غاضب من الرياض وأبو ظبي، الأمر الذي ردت عليه قطر بادعائها أنه قد تم اختراق موقع وكالة أنبائها الرسمية وأن التقرير كان كاذباً. وقد قوبل هذا العذر بالارتياب والشك من قبل السعودية والإمارات، اللتان حجبتا المواقع القطرية، وهو الأمر الذي فعلته مصر والبحرين.
  • ويبدو أن هذه الأحداث هي أحدث تطور في السياسة الخارجية القطرية، التي تشتهر بالتباينات (والتناقضات). على سبيل المثال، كانت الدوحة قد أغضبت الرياض سابقاً بعد استضافتها مكتباً دبلوماسياً إسرائيلياً، ولكنها قامت في وقت لاحق بطرد أعضاء البعثة وضم «حماس» في كنفها وتقديم رعاية مالية ودبلوماسية كبيرة للحركة. كما دعمت قطر الجهاديين في سوريا الذين يقاتلون نظام الأسد الذي تدعمه إيران. بل إنها تدعم بعض الشخصيات في جماعة «الإخوان المسلمين»، على الرغم من أن المشيخات الوراثية تُعتبر محرومة وفقاً لتعاليم «الجماعة». وفي الوقت نفسه، فإن عدم اتخاذها أي إجراء حول قضايا تمويل الإرهابيين لا يزال يغضب واشنطن.
  • ويبدو أن سلوك الدوحة الحالي يعكس الرغبة في تجنب مواجهة إيران التي استُهدفت أنشطتها المزعزعة للاستقرار في المنطقة بإدانتها في الخطاب الذي ألقاه الرئيس ترامب في الرياض. [وتتميز قطر] بوجود قاعدة العُديد الجوية على مسافة قصيرة بالسيارة خارج العاصمة؛ ويستخدمها الجيش الأمريكي كمنشأة رئيسية للعمليات والقيادة منذ عام 2003. وبعد أن طلبت الرياض من القوات الأمريكية مغادرة السعودية في أعقاب هجمات 11 أيلول/سبتمبر، أصبحت العُديد القاعدة الرئيسية للطائرات الحليفة العاملة فوق أفغانستان والعراق.
  • وإذا زادت حدة الشجار الخليجي الحالي، فمن الممكن أن يؤدي إلى تكرار صدى الأزمات الدبلوماسية السابقة. ففي عام 2014، سحبت السعودية ودولة الإمارات والبحرين سفرائها من قطر عندما رفضت الدوحة السير وفقاً لطريق دول «مجلس التعاون الخليجي» في مختلف قضايا السياسة الخارجية. وقبل عقدين من ذلك الوقت، تغازل زعماء الخليج حول القيام بتدخل مباشر هناك، بعد أن أطاح أمير قطر السابق بوالده. وفي ذلك الوقت، كانت الرياض وأبو ظبي غاضبتان على ما اعتبرتاه سابقة مؤسفة لقاعدة وراثية خليجية.
  • وتشمل التقلبات الاضافية تقارير خليجية مفادها أن مسؤولين قطريين اجتمعوا مع قائد «قوة القدس» التابعة لـ «فيلق الحرس الثوري الإسلامي» قاسم سليماني. بالإضافة إلى ذلك، حاولت وسائل الإعلام السعودية مؤخراً تقويض مزاعم الدوحة بأن أسرة آل ثاني الحاكمة تنحدر مباشرة من محمد بن عبد الوهاب، عالم الدين السني من القرن الثامن عشر الذي أسس فرع الوهابية للإسلام الذي يمارَس في السعودية وقطر. ومع ذلك، يمكن أن تكون الدوحة قد أظهرت بادرة حل وسط تجاه الرياض في 28 أيار/مايو، عندما سلّمت مطلوباً سعودياً كان قد هرب إلى قطر على أمل الحصول على اللجوء في أوروبا.
  • وبالنسبة لواشنطن، يجب أن تكون الأولوية احتواء الخلافات وصَوْن وحدة دول «مجلس التعاون الخليجي». وبالإضافة إلى الحفاظ على النوايا الدبلوماسية الحسنة التي تحققت في مؤتمرات قمة الرياض، يمكن أن تساعد هذه الجهود في منع المزيد من التصعيد الدبلوماسي، الذي لن يؤدي سوى إلى تمكين إيران. وهذا الحادث أيضاً هو تذكير بأن عدم رغبة الدوحة في تخطي طهران قد يضعف في النهاية استعدادها لاستضافة وجود عسكري أمريكي كبير؛ وبناء على ذلك، يجب على واشنطن إعادة النظر في البدائل الحالية لقاعدة العُديد.

الرابط الأصلي:

http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/iran-tweaks-gulf-qatar-rift

النتاج الفكري 30-05-2017

النتاج الفكري 30-05-2017

تقرير يومي يتابع أهم الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث المحلية والعالمية بما يخص المشهد السوري الداخلي مع التوقف على البعدين الإقليمي والدولي وانعكاس ذلك على صناع القرار، كما يعرض مضمون هذه الدراسات بطريقة موجزة ومقتضبة بما يوفر الجهد والوقت على المهتمين والباحثين.

مركز كارنيغي

حيّة لكن تُحتضَر؟

  • في 23 أيار/مايو، وفيما كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يقف بمحاذاة الرئيس الفلسطيني محمود عباس في بيت لحم، أكّد من جديد اهتمامه بالإنجاز الأكثر مراوغةً بين كل الإنجازات الدبلوماسية– التوصّل إلى تسوية للنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني عن طريق التفاوض. قال ترامب: “أنا ملتزم بمحاولة التوصّل إلى اتفاق سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وأنوي فعل كل ما يلزم لمساعدتهم على تحقيق هذا الهدف”.
  • حتى الآن، لم يتم إعطاء تفاصيل عن مبادرة ترامب، وتحديداً حول هيكلية المفاوضات المحتملة، أو الدور الذي ستؤدّيه الولايات المتحدة أو أطراف ثالثة أخرى، أو حول ما إذا كانت إدارة ترامب ستضع شروطاً مرجعية. لكن يبدو على الأرجح أنه ما مِن تفاصيل أصلاً. فقد صرّح ترامب في شباط/فبراير الماضي، خلال مؤتمر صحافي في واشنطن مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قائلاً: “أنظر إلى دولتَين ودولة واحدة، ويعجبني ما يعجب الفريقَين من بينهما… يمكنني التعايش مع أي من الأمرَين”.
  • تُسجَّل بعض المعطيات التي تصب في مصلحة إدارة ترامب. فالاستقبال شديد الحفاوة الذي حظي به في إسرائيل، والذي يتناقض بشدّة مع مشاعر الريبة التي كانت تراود عدداً كبيراً من الإسرائيليين بشأن باراك أوباما، قد يجعل من الصعب على نتنياهو مقاومة الضغوط التي تمارسها واشنطن لتقديم تنازلات. ويمكن أن يضخّ الالتقاء الاستراتيجي بين إسرائيل والسعودية، الموحّدتَين في معارضتهما لإيران.
  • لدى المؤسسة الفلسطينية في رام الله أسبابها الخاصة للشعور بالحبور. فقد تبيّن أن أسوأ مخاوفها – قيام إدارة ترامب بـنقل السفارة الأميركية إلى القدس، وتقديم دعم علني أو ضمني لتوسيع المستوطنات الإسرائيلية – لا أساس لها. كما شعر القادة الفلسطينيون بالحماسة مع تلقّي عباس دعوة مبكرة لزيارة واشنطن، وردّ الزيارة من جانب ترامب الذي توجّه إلى بيت لحم الأسبوع الماضي خلال جولته الأولى خارج الولايات المتحدة. وهكذا، وبعد المخاوف التي راودت الفلسطينيين إبّان الانتخابات الأميركية وخشيتهم من عدم اكتراث واشنطن بهم، منح كلام ترامب المُتكرر عن مفاوضات السلام، رام الله أملاً بأن الفلسطينيين سيؤخَذون في الاعتبار في الحسابات السياسية للبيت الأبيض.
  • سوف يجد المستشارون السياسيون الفلسطينيون، شأنهم في ذلك شأن نظرائهم الإسرائيليين والأميركيين، أموراً كثيرة تُفرِحهم في صور الزيارة التي قام بها ترامب إلى الأراضي المقدّسة والتي استمرت يومَين. إلا أن هناك أسباباً للتشكيك في آفاق تحقيق تقدّم مجدٍ، بدءاً من سجل المفاوضات السابقة وتركيبة حكومة نتنياهو، مروراً بالفضائح السياسية المستفحِلة التي يواجهها البيت الأبيض، وصولاً إلى غياب الاهتمام نسبياً لدى الدول العربية في خضم الأزمات الإقليمية المتعاقبة.
  • فيما يُنظَر إلى المسارات التي تقود إلى الدولة الفلسطينية بأنها تصبح أقل قابلية للحياة بصورة مطّردة– يعتبر ثلاثة أخماس المُستطلعة آراؤهم أن حل الدولتَين لم يعد قابلاً للتطبيق– يبدو أن المسار الحالي في الضفة الغربية وغزة على السواء سيقود على الأرجح إلى استمرار الاحتلال، وتوسُّع المستوطنات، وتزايد الانقسامات الداخلية. بيد أن البديل الاستراتيجي– بدءاً من المقاومة الشعبية (أو حتى العنفية) وصولاً إلى تبنّي خيار الدولة الواحدة– يقتضي تصعيد المواجهة ضد إسرائيل بطرق من شأنها زيادة الضغوط الاقتصادية-الاجتماعية على الشعب الفلسطيني، من دون أن يكون النجاح مضموناً.
  • مما لا شك فيه أن الفلسطينيين يعتقدون بغالبيتهم الساحقة أن النشاط الاستيطاني الإسرائيلي وطبيعة الاحتلال في ذاته هما العائقان الأكبر أمام حل الدولتَين. وقد لفت اختصاصي فلسطيني في العلوم الاجتماعية، في مقابلة أجريت معه في إطار التقرير المذكور، قوله: “يقضي توسيع المستوطنات عملياً على أي [آفاق] مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية”.
  • مع إلغاء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بصورة متكررة منذ العام 2006، اشتكى عدد كبير من المُشاركين في الاستطلاع من أن معظم المؤسسات الوطنية الفلسطينية لم تعد تملك صفة تمثيلية وباتت تعاني من الركود، ومن أنها غائبة في بعض الأحيان. في هذا السياق، قال محلل سياسي فلسطيني مقيم في عمان: “لا أعتقد أن هناك راهناً حركة فلسطينية تمثّل الشعب الفلسطيني كما يجب، وقادرة على خوض نضال فعّال من أجل تقرير المصير”.
  • تَظهر بعض مؤشرات الديناميكية على المستوى المحلي. فقد ساهمت النقابات والمجموعات الطالبية وممثّلو المجتمع المدني في خلق روابط بين القادة والناخبين، وأتاحت لبعض القادة الشباب، الذين جرى إقصاؤهم من السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح، دخول النظام السياسي. ووسط الاهتمام الكبير الذي يُتوقَّع أن تحظى به مقاربة ترامب للعلاقات الإسرائيلية-الفلسطينية في الأسابيع والأشهر المقبلة، لا بدّ من التساؤل عما إذا كان بإمكان جيل جديد من القادة الفلسطينيين الذين يستعدّون لتسلّم مقاليد السلطة، بثّ حياة جديدة في حركتهم الوطنية.

الرابط الأصلي:

http://carnegie-mec.org/diwan/70104