Category: وحدة الترجمة

ملخص كتاب (رجل بلا وجه: النهوض غير المحتمل لفلاديمير بوتين)

ملخص كتاب (رجل بلا وجه: النهوض غير المحتمل لفلاديمير بوتين)

ملخص كتاب (رجل بلا وجه: النهوض غير المحتمل لفلاديمير بوتين)

The Man Without A Face: The Unlikely Rise Of Vladimir Putin

الكاتب: ماشا غيسين Masha Gessen

لنكتشف كيف استطاع رجل روسيا فلاديمير بوتين توطيد سلطته بطرق ملتوية

لم يكن أبدا لفلاديمير بوتين أن يقود روسيا، فقد كان لفترة طويلة من حياته يخدم كموظف مكتبي وبيروقراطي مجهول بين الآلاف في شبكة الجاسوسية الروسية الهائلة، حتى عندما تم تعيينه رئيسا لم يكن أغلب الساسة الروس يملكون أدنى فكرة حول من يكون.

أما اليوم فإن بوتين يتعدى الشهرة الواسعة إلى كونه صاحب هيبة واسعة، ليس فقط في روسيا ولكن في العالم، فبينما تمتع في البداية بوجه مضاد للفساد، إلا أنّه تطوّر ليصبح سياسيا جشعا شائنا صدم العالم بانتهاكاته الفاضحة ضدّ الديمقراطية وبإسكاته المعارضين.

بقراءة هذه المقتطفات سنكتشف الآني:

-كيف أصبح بوتين رئيسا بالصدفة؟

-كم من الأدلة تثبت استخدام بوتين للهجمات الإرهابية لتحقيق أهدافه من ورائها؟

-وكيف أن ميول بوتين للسرقة وهوسه بها ضبطه بالجرم المشهود يسرق خاتم المونديال الوطني (سوبر بول)؟

فلاديمير بوتين الشاب كان مقاتلا، سريع الغضب، ولكنه حلم بأن يصبح جاسوسا

تبدأ قصة فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين في سنوات الضياع التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث كانت لينينغراد (سان بطرسبورغ اليوم) كأنّها قذيفة منفجرة، يتساوى جميع سكانها بالدمار، من هذه البيئة الكئيبة تتجذر عدوانية بوتين وميوله للعنف.

عانت عائلة بوتين خلال الحرب، كان لوالد بوتين ساقان مشوهتان معطوبتان وطفلان ميتان، ولحسن الحظ لا يزال لديهم مكان يعيشون به، وهذه رفاهية غير مألوفة في ذلك الوقت.

ولد فلاديمير بوتين عام 1952، عاشت العائلة في غرفة صغيرة بمساحة 20 متر مربع، لها موقد شعبي في رواقها ولها خلاء استعاري في بيت الدرج، وكان بوتين يسمي هذا المكان منزلا إلى أن أصبح في الخامسة والعشرين من عمره.

وكطفل، كان بوتين سريع الغضب، وقد وظف عدوانيته هذه في تعلم فن السامبو (نوع من القتال القريب) ومع ذلك انهمك بالمشاجرات بشكل متكرر، ونتيجة ذلك تم طرده من منظمة الشباب الشيوعية المسماة “المتطوعون الشباب”.

لم تكن حياة بوتين في صغره تسودها المصاعب فقط، فرغم مكانهم المعيشي المحدود كان لديهم هاتف وتلفاز وحتى مصطبة صيفية، فكيف استطاعوا تأمين هذه الكماليات؟

عندما خدم والد بوتين جنديا في الحرب العالمية الثانية، كان له روابط مع الشرطة السرية للدولة آنذاك المسماة (NKVD) وبعد الحرب بقي في الخدمة الاحتياطية، واحتفظ أيضا بعمله في المصنع، ومقابل ما كان يعطي من المعلومات للشرطة السرية كان يحظى بأجور إضافية.

في تلك الآونة اهتم بوتين أيضا بعمل الجاسوسية، عندما بلغ السادسة عشرة من عمره، خاطب وكالة الاستخبارات السوفيتية (KGB) طالبا العمل معهم.

لكن تم إخباره أنه قبل الانضمام عليه أن يحوز شهادة جامعية أو خبرة في الجيش، لذا تقدم بوتين إلى جامعة لينينغراد وتم قبوله رغم أنّه لم يكن طالبا مثاليا.

كان بوتين ضجرا بعمله كبيروقراطي مع (KGB) إلا أنّه شاهد انهيار (الجدار) بأمّ عينه

بعد تخرجه من جامعة لينينغراد عام 1975، أصبح حلم بوتين في العمل بالخدمة السرية محققا، ولكن أكثر خدمته مع (KGB) كانت في المكاتب والورقيات ولم يكن جاسوسا.

أمضى 4 سنوات في ثمانينات القرن الماضي يعمل لصالح (KGB) في ألمانيا الشرقية، والأكثر من ذلك أنّه أرسل إلى (درسدن) لا إلى برلين، واشتمل عمله على جمع قصاصات الجرائد وكتابة التقارير.

في (درسدن) جاور بوتين وزوجته ضبّاطا آخرين تابعين ل (KGB) وربما لوطأة تلك الحالة عليه اكتسب وزنا جراء إسرافه في شرب البيرة، وكان إنجازه المهني الأكثر أهمية هو شراؤه لكتيّب عن (الجيش الأمريكي) من طالب هناك بثمن 800 مارك ألماني.

وفي أواخر الثمانينات بدأت الأمور بالتغير، ورغم أن حركات المقاومة الشيوعية بدأت تترسخ عبر شرق أوروبا إلا أنّ بوتين حافظ على ولائه للاتحاد السوفييتي ولـ (KGB).

في عام 1989 كانت أعمال الشغب والاحتجاجات التي اندلعت في ألمانيا الشرقية مؤشرا على بداية انهيار الصرح الشيوعي، فالألمان الشرقيون في (درسدن) وجدوا طريقهم إلى الحرية، وكون الحدود فتحت قفزوا فوق القطارات الذاهبة إلى (براغ) و (وارسو) لكي يصلوا هناك إلى سفارات ألمانيا الغربية.

كسقوط جدار برلين، كان سقوط (الستاسي) التنظيم السري العملاق الذي تم تأسيسه لضبط مواطني ألمانيا الشرقية، تجمهر المتظاهرون فوق المقار الرئيسية لـ (الستاسي) في المدن الكبرى، وعندما اقتربوا من المكاتب في (درسدن) حيث يعمل بوتين، زعم الأخير أنّه تحدّث إلى المتظاهرين بنفسه.

ولعلمه بحجم التهديد عاد بوتين إلى المكاتب لحرق الوثائق الحساسة بينما كان يتوسل المساعدة، وبعد أن وصل الجيش الحكومي مؤخرا للدفاع عن المبنى علم بوتين أن موسكو لن تفعل شيئا، الدولة التي كرس بوتين حياته لها تركته بلا حصانة في ألمانيا الشرقية.

وفي غاية غضبه وارتباكه من الأحداث التي تلت السقوط ومن تدخل ألمانيا الشرقية في شؤون السوفييت وأعماله، عاد بوتين وزوجته حالا إلى بيت والديه في لينينغراد.

بتفتت الاتحاد السوفييتي، لعب بوتين أوراقه بما يتناسب مع من سيخرج منتصرا

عندما عاد بوتين إلى روسيا وجد بلدا يتغير بسرعة وبشكل جذري، وكانت ذروة ذلك عندما حاولت (KGB) بالتنسيق مع المتشددين من الحكومة بعمل انقلاب ضد ميخائيل غرباتشوف.

غرباتشوف، كجزء معتمد من برنامجه الإصلاحي المسمى (الانفتاح)، أطلق المساجين المنشقين وألغى السياسات المتشددة التي وضِعت تحت حكم ستالين، وسمح للروس بتعاطي الكتب الممنوعة سابقا والاستماع للمذياع الغربي.

في عام 1989 مع موجة الانفتاح انتُخِب عدد من الساسة المؤيدين للديمقراطية للبرلمان، وكان من بينهم البروفيسور في القانون “أناتولي سوبتشاك”، بعد درسدن، كان بوتين لا يزال عضوا في (KGB) ومع ذلك أصبح مستشارا لـ”سوبتشاك” عندما كان يعمل في جامعته الأم في لينينغراد.

ولتطويق السلطة الشاملة ل (KGB)أنشأ غرباتشوف لجنة المراقبة الدستورية، ورغم ذلك لم تسهم كثيرا في الحدّ من جاسوسية الـ (KGB) على الساسة الديمقراطيين.

وفي أغسطس عام 1991 مضت الـ (KGB) بالتنسيق مع مجموعة من الساسة في انقلابهم واضعين غرباتشوف تحت الإقامة الجبرية في بيت جانب البحر الأسود، تأمل بوتين خياراته، وفي محاولة منه لحماية نفسه في حال فشل الانقلاب؛ حاول إقصاء نفسه عن (KGB) بقوله إنّه سلمهم رسالة الاستقالة قبل الانقلاب ولكنّهم أضاعوا الرسالة.

وبالشراكة مع سوبتشاك الذي لم يكن مؤيدا للديمقراطية كما زعم في البداية، بقي بوتين قريبا من دوائر السياسة ولعب دورا أساسيا مع كلا جانبي الانقلاب، فبينما ناضل المتظاهرون لحماية الساسة الحقيقيين المؤيدين للديمقراطية استمر بوتين وسوبتشاك بتنصيب نفسيهما وادعاء الديمقراطية، وادعى بوتين أنّه أرسل رسالة استقالة أخرى إلى (KGB) بينما خطب سوبتشاك في العامة وشجع المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية بمواصلة النضال (وكانت طغمة الانقلاب قبل ذلك تبرهن على صدق خطابات سوبتشاك!).

وكان سوبتشاك وبوتين أثناء محاولة الانقلاب الفعلية يختبئان في قبو تحت أحد المصانع حتى اطمأنّا للظهور بعد يومين حيث كانت محاولة الانقلاب قد فشلت.

في فوضى التسعينات عانى الروس العاديون، بينما ضخّم بوتين وشركاؤه ثرواتهم الصغيرة

بعد فشل الانقلاب استغل بوتين وسوبتشاك الظروف السياسية والمالية المتردية في روسيا لملء جيوبهم الشخصية؛ في أيار 1991 عانت روسيا من نقص في الغذاء ففاوض بوتين شركة ألمانية لاستيراد اللحم لروسيا، وبالمقابل وافق على تصدير موارد طبيعية بما قيمته 92 مليون دولار لكون روسيا لا تملك النقود آنذاك.

وفي الظاهر كانت وثيقة الصفقة غامضة بما فيه الكفاية، فإنّ السلع التي تم تصديرها للخارج تبلغ قيمتها مليار دولار، وبينما كانت عقود التفاوض التي أبرمها بوتين باطلة قانونيا إلا أنّه استفاد من دفعة رشاوى بقيمة حوالي 34 مليون دولار، وكانت كفيلة بطرده لولا أن تواجد سوبتشاك بجانبه وقام بحمايته.

في 1993 تماما بعد أن قام الرئيس بوريس يلتسن بتفكيك البرلمان وقبل أن يؤسس دستورا جديدا، أقنعه سوبتشاك بتفكيك مجلس مدينة بطرسبورغ (لينينغراد لاحقا) ثم قاد سوبتشاك المدينة بنفسه حتى الانتخابات في العام التالي، وفي المحصلة منح سوبتشاك أصدقاءه وعائلته شققا فارهة، فيما كانت البنية التحتية للمدينة منكوبة وعاش 75 بالمئة من السكان تحت خط الفقر، حاول سوبتشاك في الوقت ذاته أن يرشي الصحافة لتلميع صورته العامة، ومع ذلك عندما لهث وراء الترشح للمنصب عام 1996 (مع إدارة بوتين لحملته الانتخابية) فشل.

اعتُقِل سوبتشاك حالا بتهم الفساد ووقع في المرض وتم وضعه في المشفى، ساعده بوتين في الهروب والذهاب إلى باريس، ثم توجه بوتين إلى موسكو ليصبح نائبا في الإدارة الرئاسية، تحولت ثروة بوتين للأفضل في موسكو وأصبح عام 1998 رئيسا لجهاز (FSB) الذي خلف جهاز (KGB)، وبعد عام واحد استطاع إسقاط كامل تهم الفساد بحق سوبتشاك.

وفيما بعد، تكلم سوبتشاك بلهفة إلى الصحافة وكانت معظم روايته تتعاكس مع ذكريات بوتين عن تلك الحقبة، بعد لقائه بوتين عام 2000 يبدو أن سوبتشاك نفي إلى كالينينغراد، حيث توفي هناك وكان السبب الرسمي لوفاته نوبة قلبية، رغم أنّ الناس المعاصرين لذلك الوقت راودتهم الشكوك حول تسمم طويل الأمد.

رأى الرئيس يلتسن في بوتين قائدا مخلصا نشيطا  متحمسا، وقرّبه ليكون خَلَفَه

حالما انتهت الشيوعية، تعكرت آمال الجماهير الروسية التي بنوها على الرئيس يلتسن بسرعة، فرغم أنّ الحياة تحسنت بعض الشيء فاستطاع الناس السفر إلى الخارج وشراء المزيد من المنتجات والاستمتاع بحرية الصحافة، إلا أنّ الحالة الاقتصادية كانت بائسة، واتسعت فجوة عدم المساواة بشكل هائل، ومع حلول عام 1998 تخلفت روسيا عن سداد ديونها الخارجية.

في ذلك الوقت لم يكن للرئيس يلتسن إلا القليل من الحلفاء السياسيين، وبشكل رئيسي كان خوفه من معارضيه في البرلمان، إذ لو وصل حزب “روسيا وطن الأسلاف” إلى السلطة فسرعان ما سيحاكمه، وبغية حماية نفسه التمس يلتسن خلفا له من دوائره السياسية المقربة، كانت الزمرة السياسية الصغيرة ليلتسن، والمسماة “العائلة” قررت أن بوتين هو المرشح المثالي، على غرار ما كان يظن به أن يكون آمنا مطواعا.

كان الأوليكارشي بيريزوفسكي أيضا أداة ساعدت بوتين في النهوض، استغل بيريزوفسكي التضخم الاقتصادي لتمويل مصالحه في تصنيع السيارات وفي الخدمات ثم استخدم ثروته الضخمة فيما بعد للاستثمار في البنوك والصناعات النفطية بالإضافة لشراء شبكة تليفزيونية.

أعجب بيريزوفسكي بنمط حياة بوتين الذي بدا متواضعا وبمقاومته للرشوة، وكونه من صناع الملك، استطاع بيريزوفسكي إقناع يلتسن بجعل بوتين رئيسا للوزراء، رأى يلتسن في بوتين القائد المخلص النشيط المتحمس، وبفضل بيريزوفسكي استطاع بوتين آنذاك أن يترأس “الوحدة” وهي حزب سياسي جديد بدون أيديولوجية خاصة به، ساعد بيريزوفسكي أيضا في تكوين صورة بوتين الإيجابية وحتى في تمويل السيرة الشخصية للقائد الوشيك.

في آخر يوم من القرن العشرين، أعلن يلتسن استقالته بشكل غير متوقع وعين بوتين الذي لم يمتلك إلى جانبه أيّ خبرة كسياسي، فضلا عن تقلّده رئاسة روسيا.

وفي يناير عام 2000 استفسر الحضور في المنتدى الاقتصادي العالمي من كبار الساسة الروس حول من يكون بوتين بالضبط، فلم يستطيعوا تقديم أي جواب لهم.

أمسك بوتين بأعنّة السلطة، فكيف أعاد تشغيل السياسة والاقتصاد والشعب الروسي؟

تهديد الإرهاب الشيشاني صبّ في مصلحة بوتين واستمد منه المزيد من السلطات

سلسلة من التفجيرات الإرهابية أعطت بوتين الفرصة لتعزيز أوراق اعتماده الرئاسية من خلال الرد بلا رأفة وبقوة قاتلة؛ في عام 1999 قضى مئات الروس في سلسلة تفجيرات بشقق سكنية، وألقي اللوم على الشيشانيين الذين كانوا يطلبون استقلالهم عن الوطن الأم روسيا.

وذات ليلة في مدينة “ريازان” رأى أحد سائقي الحافلات أشخاصا يحملون أكياسا إلى قبو بناء ما، تم إخلاء البناء ليكتشفوا أن الأكياس كانت تحتوي على معدات تفجير، زعم قائد جهاز الخدمة الروسية السرية (FSB) أن هذا كان جزءا من برنامج تدريبي، بينما ساد الاعتقاد أن جهاز (FSB) كان مسؤولا عن تفجير الشقق السكنية بهدف دب الرعب بين الجماهير ومعاقبة الشيشان بالحرب.

سيكون الروس بحاجة قائد قوي يقودهم، وانطلاقا من هذا ترك بوتين جهاز (FSB) قبل أسابيع فقط من هذه الحوادث.

واستمرت الأزمة الشيشانية؛ في عام 2002 احتجز القوميون الشيشان مئات الرهائن في مسرح بموسكو، وبعد ثلاثة أيام قامت القوات الخاصة الروسية بتسريب الغاز عبر نظام التهوية إلى الداخل لإنهاء الحصار، ما أسفر عن موت حوالي 129 رهينة، كثير منهم نتيجة عدم إعلام الأطباء المسعفين بطبيعة الغاز المستخدم، بغض النظر عن ذلك، يعتبر استخدام الغاز غير قانوني حسب القانون الروسي والعالمي.

وفي عام 2004 استولى الثوار الشيشان على مدرسة في “بيسلان” الواقعة في جنوب غرب روسيا، فوضعت القوات الفيدرالية المبنى تحت الحصار لمدة ثلاثة أيام، ليقتلوا 334 شخصا، من بينهم 186 طفلا، وفيما بعد أفشى الناجي الوحيد من محتجزي الرهائن أن القوات الفيدرالية استخدمت قاذفات اللهب وقاذفات القنابل اليدوية والدبابات لطرد المهاجمين للخارج، كانت التغطية النارية متوحشة جدا لدرجة أنّ محتجزي الرهائن حاولوا تحصين الرهائن من محاولات الإنقاذ.

عقب الحصار أعلن بوتين أنّ روسيا بحاجة لتصبح أقوى، وأن على المحافظين ومجلس النواب ورؤساء البلديات أن يتم تعيينهم لا انتخابهم، وعلى الأصوات أن تُعطى للأحزاب لا للمرشحين، وأن يُعاد النظر في جميع الفواتير من قِبل غرفة خاصة من النواب منتقاة من قبل بوتين.

مناخ الرعب البوتيني أخرس المعارضة، ومع ذلك حاول البعض مناوئته

خلقت سياسات بوتين مناخا من الخوف؛ فقد استطاع بعض المتعهدين استغلال الأرباح وسط حالة الخصخصة، لكن كل الذين اختلفوا مع بوتين أنهي أمرهم ففقدوا ثرواتهم أو حرياتهم، حتى أنّ البعض فقدوا أرواحهم.

أنشأ المتعهد فلاديمير جوسينسكي إمبراطورية إعلامية، مؤسسا بذلك أول قناة تلفزيونية روسية مستقلة، ولكن جوسينسكي لم يدعم حملة بوتين الانتخابية الرئاسية وبث برنامجا يتضمن تورط الشرطة السرية عام 1999 بتفجير الشقق السكنية، وفي اليوم الثاني لبوتين رئيسا، غزا مسلحون شركة جوسينسكي الإعلامية آخذين وثائق معهم، وكان قرار اعتقال قد صدر بحق جوسينسكي بتهم الاحتيال ولكنه ذهب إلى المنفى، وفيما بعد أذاعت وثيقة مسربة أن جيوسينسكي قايض بإمبراطورتيه الإعلامية مقابل حريته.

الأشخاص الذين عملوا مع بوتين أو لعبوا دورا في نهوضه سرعان ما لاحظوا جانبه العنفي وانتقده بعضهم على الملأ، بيريزوفسكي – الصديق القديم لبوتين – انتقد تعديلات بوتين المناهضة للديمقراطية، اتُهم على إثرها بيريزوفسكي بالاحتيال وبالنتيجة قرر أن يبقى مشردا وراء البحار، أما ممتلكاته فإمّا سلبت منه أو بيعت قسرا عنه بأسعار متدنية.

تحقيقٌ أعمق حول حصار المسرح في موسكو يفشي المزيد من التفاصيل؛ حيث علم الضابط الروسي السابق في الخدمة السرية والمقيم في لندن، ألكسندر ليتفينينكو، أنّ أحد محتجزي الرهائن المدعو، خان باشا تركيبايوف، خرج من المسرح آمنا بعد نهاية الحصار القاتلة، أعطى ليتفينيكو المعلومة للسياسي الديمقراطي سيرغي يوشينكوف وللصحفية آنا بوليتكوفسكايا، أما يوشنكوف فقد لقي مصرعه بطلق ناري بعد ذلك بأسبوعين فقط، وأما بوليتكوفسكايا فقد أجرت مقابلة مع تركيبايوف الذي شاع عنه حبّه للتفاخر وانتقاصه للرشد، فقال إنّه عمل لصالح موسكو وجهاز (FSB) الذي كان بوتين رئيسه السابق، لم يمض على هذه التسريبات الكثير حتى مات تركيبايوف بتحطم سيارة عام 2003، فيما قضى ليتفينينكو بحالة غريبة من التسمم الإشعاعي في لندن عام 2006.

تمادى أصدقاء بوتين في التحكم بثروات روسيا، بينما وجد أعداؤه أنفسهم بالسجون

عندما دخل بوتين أوساط السياسة للمرة الأولى في تسعينات القرن الماضي تم تصويره على أنه غير قابل للفساد، هذا الانطباع الأولي سرعان ما تغير بشكل جذري؛ يملك بوتين ممتلكات تقدر بـ 4ـ مليار دولار بما فيها قصر على البحر الأسود يبلغ ثمنه مليار دولار، كل هذا تراكم من خلال لصوصية وقحة وصفقات تجارية مبهمة، ولكن كيف أنجزها؟

بعض من ثروته يمكن إرجاعه إلى الحسومات التي فرضها على تبرعات المتطوعين الأوليكارش الذين دعموا المرافق الطبية والمشافي بمعدات طبية.

على مقاس أصغر، شوهد بوتين يسرق على الملأ بغرابة؛ على سبيل المثال عندما قابل روبرت كرافت، صاحب منتدى نيو إنغلاند الوطني، طلب منه أن يجرب خاتم الكأس الوطني المصنوع من الماس ثم استأثر به ولم يرجعه له!

على أولئك الساعين لتعرية بوتين أن يتوخوا الحذر لئلا يفقدوا كل شيء بهذه العملية، وقصة ميخائيل خودوركوفسكي خير شاهد على ذلك.

أصبح خودوركوفسكي أوليكارشيا من خلال القروض الحكومية ثم بتحكمه لاحقا بالشركة النفطية الروسية الضخمة “يوكوس”، وكمحب للخير أنشأ لاحقا المؤسسة الروسية المفتوحة، التي ساعدت في تمويل المنظمات غير الحكومية ومشاريع اجتماعية أخرى.

حتى أنه استأجر شركات تدقيق عالمية مثل شركة “ماكينزي” و “برايس ووترهاوس كوبرز” من أجل تقييم شركاته، وكان عليه أن يتحدث على الملأ ويوجه كلامه لبوتين مباشرة حول الفساد الذي كان يدمر روسيا؛ عندما ساءل خودوركوفسكي الرئيس عن قانونية دمج الشركة النفطية الحكومية روسنفت، قاطعه بوتين موبخا إيّاه على آرائه، بعد ذلك بمدة قصيرة اعتقل خودوركوفسكي بتهم التهرب الضريبي والاحتيال؛ وبعد عرضه للمحاكمة شكليا تم إرساله إلى مستعمرة جنائية، حيث اعتبرته منظمة العفو الدولية سجين الضمير – الذي قلما يتواجد عند ملياردير أوليكارشي، وكالمتوقع تم طرح شركة خودوركوفسكي النفطية إلى المزاد لتشتريها شركة يديرها أحد أصدقاء بوتين.

الناشطون وكل من عارض حكم بوتين أُسكتوا أو أُزيحوا من الطريق

يمكن القول إنّه فقط في تسعينات القرن الماضي كانت روسيا دولة شبه ديمقراطية، وبمجيء بوتين إلى السلطة حطم التطور الديمقراطي ووضع القيود على حرية الإعلام.

في مارس 2000 انتخب بوتين رئيسا بنسبة تصويت بلغت 53 بالمئة وبدون حملة انتخابية، وخلال أشهر قام بتغيير مجلس النواب الأعلى ليكون الأعضاء معينين لا منتخبين، وقابلين للإبعاد على خلفية أي شيء، وخلال عام دانت كل قنوات التلفزة الفيدرالية لسلطة الدولة.

في الانتخابات الرئاسية لعام 2004 فاز بوتين بنسبة 71 بالمئة من الأصوات، وفي نهاية دورته الثانية والأخيرة عام 2008 اختار ديمتري مدفيديف رئيسا وأصبح بوتين رئيسا للوزراء، والدور المناط برئيس الوزراء ليس قويا بالعادة، لكن بوتين، كرئيس وزراء، مارس من السلطة من وراء الكواليس أكثر مما فعله مدفيديف كرئيس للبلاد، وتم تمديد الدورة الرئاسية أيضا إلى ستة أعوام.

اضطهد وهدد بوتين وحكومته جميع الإصلاحيين والناشطين وكل من تحدى حكمه السياسي، ففي عام 2005 حاول رائد الشطرنج، غاري كاسباروف، أن يقوم بحملة ضد بوتين، وفجأة أغلقت في وجهه المنصات التي كان قرر الخطابة عليها لأسباب تافهة، وتوقف الإعلام الذي تسيطر عليه الدولة عن نشر أي شيء بخصوص خطبه.

في عام 2011 أحضر بوتين حزبين سياسيين وهميين معا ليمثل وجهة نظر يسارية وأخرى يمينية مناوئتين لحزبه السياسي الخاص، واختار ميخائيل بروخوروف، أحد أغنى الرجال في روسيا، ليترأس اليميني، وعندما رفض بروخوروف المشاركة طُرِد لاحقا من حزبه الخاص، ومضى حزب بوتين ليحصد 49 بالمئة من الأصوات في الانتخابات البرلمانية لعام 2011، إلا أنّ مراقبين مستقلين شاهدوا انتهاكات كبيرة في 134 دائرة انتخابية من أصل 170 واحدة في موسكو.

في عام 2012 منع البرلمان الروسي الدعم الأجنبي للمنظمات غير الحكومية وجعل قوانين التجسس والخيانة قابلة للتطبيق على الجميع بلا حصانة، في نفس العام تم سجن مجموعة “بوسي ريوت” لمدة عامين بسبب عزفهم أغنية مناوئة لبوتين في أحد الكاتدرائيات.

القلة الذين رأوا ما وراء قناع بوتين وجدوا سياسيا نرجسيا عديم الشفقة

لا يمكن أن تكون فاتتك مشاهد بوتين وهو يصارع الطبيعة بركوبه عاري الصدر على ظهر حصان، شيء أساسي له أن يظهر قويا ونشيطا كلّ الوقت.

في مشاهد أخرى كان بوتين يدجن الحيوانات البرية كنمور سيبريا والدببة القطبية، إلا أنّ الوثائقيين أو السكان المحليين هناك أفادوا أن هذه الحيوانات أُخذت من حدائق حيوانات أو تم أسرها قبل أيام.

تلقى بوتين أيضا تغطية إعلامية وهو يغوص في أعماق البحر الأسود ويكتشف الجرار الإغريقية القديمة، إلا أن هذا كمثيلاته من المشاهد كان عرضا بهلوانيا على الملأ للقائد القوي.

ذات مرة أعلن بوتين لأحد أصدقائه أنّه خبير بالعلاقات الإنسانية! لكن من الواضح أنّ بوتين يفتقر للاجتماعية وينقصه العطف.

في عام 2000 وبعد أشهر من افتتاح حقبته الرئاسية، انفجرت بعض الطوربيدات (القذائف) التي لحق بها الصدأ على ظهر غواصة نووية روسية كانت تناور في بحر البارنت، على متنها طاقم يتكون من 118 شخصا تقطعت بهم السبل، عرضت بريطانيا والنرويج المساعدة فرفضت روسيا لدواعٍ أمنية، وبعد خمسة أيام من الحادث غيرت روسيا رأيها وطلبت المساعدة بعد مضي أسبوع كامل على الكارثة، استطاع طاقم نرويجي أن ينقذ الغواصة حيث لم ينجُ أحد، وعندما وصلت أخبار الغواصة لبوتين اختار أن يبقى عدة أيام أخرى في عطلة له قضاها في بيته على البحر الأسود، وفيما بعد قام بزيارة البلدة التي رست فيها الغواصة.

إلا أنه بدا أكثر اهتماما بخسارة المعدات من أرواح الضباط، وهكذا فقد بوتين توازنه أمام الجمهور عندما حاول تمويه فشله الواضح.

لاحقا أجرت مقدمة برنامج الحوار الأمريكية، لاري كينغ لايف، مقابلة مع بوتين؛ وعندما سألته عما حدث للغواصة قال بكل بساطة: لقد غرقت.

خلاصة القول في هذا الكتاب:

في أفضل الأحوال كان بوتين قوميا متطرفا طيلة حياته، وهو يعمل ما بوسعه ليستعيد روسيا كقوة كبرى في العالم من خلال تأثيره على الأشخاص الذين يمسكون بزمام السلطة، وفي أسوأ الأحوال قام بوتين بمحو خصومه وكان طرفا في زهق مئات الأرواح البريئة مجانا، وهكذا فالقصص عنه ترسم صورة قائد يسوده الانتقام والجشع والعجب بالنفس.

ملخص كتاب (صناعة دونالد ترامب)

ملخص كتاب (صناعة دونالد ترامب)

صناعة دونالد ترامب

لنختلس النظر لما وراء صورة ترامب الظاهرة للملأ

الكاتب: ديفيد كاي جونستون

في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، دونالد ترامب هو أكثر رئيس غير خليق بمنصبه ولا هو أهلٌ له، إنّه دخيل تماما على سلسلة الحكم وعقبة كؤود فيها، ولا يعدو كونه نجما تلفزيونيا يخلو من أيّ خبرة سياسية أو دبلوماسية، إلا أنّه جعل من حالته – كمنافس ضعيف – ورقة رابحة فحصد أصوات أولئك الذين يخافون من المؤسسات واللوبيات السياسية، فهو يعكس القوة والدهاء ويبدو للكثيرين من نوع الفتى القادر على إنجاز المهمة.

إن كان ترامب يخطط لإدارة الولايات المتحدة كعمل تجاري، فمن المهم أن نحقق في تاريخ ترامب كرجل أعمال، كيف يختار أحلافه؟ وكيف يتعامل مع أعدائه؟

بعد الغوص في أغوار الموضوع، هذه المقتطفات تعطينا أجوبة غير يقينية وقلقة نوعا ما.

وسوف تكتشف أيضا:

-لماذا كانت جامعة ترامب تشبه كل شي إلا الجامعات؟

-العلاقة بين مزاج ترامب وحقيقته.

-وكيف سحب ترامب دعم الرعاية الطبية من حفيد أخيه المصاب بمرض عضال؟

استثمر دونالد ترامب الإعلام لصناعة رؤية خيالية عن نفسه

إذا كنت تتساءل عن كيفية اجتذاب ترامب للمصوتين عام 2016، فمن المهم أن تنظر إلى الصورة العامة التي شكّلها، فقد نصّب نفسه على أنّه المخلّص، أو أنه “ميداس*” جديد يستطيع أن يخطو داخل أيّ مشروع ويحوله إلى ذهب.

يملك ترامب فهماً عميقاً لأعمال الإعلام ونقاط ضعفه والجوانب المفضّلة له، وانطلاقا من هذا الفهم كان قادرا على صياغة صورة عامة له مكنته من أسر خيال العامة.

يعمل الكثير من الإعلاميين ضمن حدود ضيقة لا تسمح لهم بالبحث في الصميم، وترامب يدرك تماما نقطة الضعف هذه، وهي سبب تزويده الإعلام بالقصص الكاملة الجاهزة للطباعة، والتي تكون مصحوبة بصور تدعم أجندته، لديه سنوات طويلة من التدريب على هذا، والقصص التي يسلّمها غالبا ما تغصّ بالخداع.

في سبعينات القرن الماضي مثلا، وافق ترامب على تسوية قضائية أجبرته على القبول بالمستأجرين من غير البيض في شققه السكنية في نيويورك، لكنّه عندما تحدث إلى الصحافة في هذا الشأن حَبَكَ القصة بالتركيز على أنه لا يريد أن يقترف إثماً في هذه التسوية الثانوية بالنسبة له.

وفي حزيران 2015، عندما أعلن ترامب انطلاق حملته الانتخابية الرئاسية كانت تبدو مسبقا وكأنّ النجاح محقق، فالقاعة في “برج ترامب” كانت مليئة بالشباب الذين يهتفون بحماس، ومع ذلك فقد تمت مَسرحَةُ هذا الحدث بعناية على الصحافة، فالكثير من المشاركين كانوا عبارة عن كومبارس إضافي تم استئجار الواحد منهم بخمسين دولارا ليقوم بالابتسام والتصفيق.

ويتضمن تاريخ ترامب الحافل بالخداع الإعلامي أيضا تنكّرَه بزيّ أشخاص وهميين يعملون في منظمته، وهذا خلال مقابلات هاتفية لزرع قصص مفضلة تبعث عن ترامب بعض الأشعة الإيجابية.

ففي عام 1990، اتصل بصحيفة نيويورك تايمز متظاهرا أنه “جون بارون” نائب رئيس منظمة دونالد ترامب، حاول خلال ذلك نفي الإشاعات حول فقدان أحد الأعمال الفنية النفيسة في أحد مواقع البناء التابعة لترامب، على أمل أن يمنع انتشار الفضيحة.

وبعد أعوام، وهذه المرة مع جريدة “الناس” ادّعى ترامب أنّه معاون اسمه “جون ميلر”، وباسم ميلر، أخبر ترامب المحرر أن مديره – الذي هو دونالد ترامب – لم يكن قادراً على تلبية المقابلة الهاتفية نظرا لتنافس الكثير من الفنانات الجميلات على كسب اهتمامه، من أمثال مادونا وكيم باسينجر.

دونالد ترامب يشوه الحقيقة ويستخدم أساليب التهديد للحفاظ على صورته

إن الحفاظ على الصورة الشعبية لرجل أعمال قوي ومثالي صعب للغاية، وبما أنّ نجاح ترامب يعتمد بالجزء الأكبر على الزيف، فعلى الأغلب أنّه سيفعل أيّ شيء بغية الدفاع عنه.

هذا الدفاع غالبا ما تضمن مقاضاة أو التهديد بمقاضاة أيّ صحفي ينشر أو ينوي نشر أيّ شيء يثير الجدل حول المصداقية في ادّعاءات ترامب أو الحكمة من أفعاله.

حتى لو كان يعلم أنه لا يستطيع أن يربح دعوى معينة، إلا أن تهديد شخصٍ ما يخيف العديد من المروجين والصحفيين الذين إما يفتقرون للأموال للتعامل مع الرسوم القانونية اللازمة، أو أنهم يخشون حتى من التفكير بسنين طويلة من المحاكمات.

يدافع ترامب خصوصا عن سمعة ثروته الواسعة، لهذا قام بمقاضاة “تيموثي أوبرين”، مؤلف كتاب “مملكة ترامب” حيث يريد ترامب من الإعلام أن يصدّق أنّ ثروته تُثمَّن بالمليارات، ولكنّها جميعا ترتكز على وثائق هو شخصيا أظهرها لـ “أوبرين”، إلا أن هذه الوثائق قد تبلغ بالحقيقة ثمنا يتراوح ما بين 150 و250 مليون دولار حسب ما يرى “أوبرين”.

وبقي “أوبرين” غائصا في هذه الدعوى القضائية لسنوات طويلة، حتى تم رفضها أخيرا، إلا أنّ ترامب لم يكن منزعجا من المحصلة، حتى أنّه اعترف أنّ الهدف الحقيقي من الدعوى هو أن يجعل حياة “أوبرين” تعيسة، وبهذا الاعتبار كانت الدعوى ناجحة بالنسبة لترامب.

أصبح ترامب عَلَما في تشتيت الحقائق التي تتناقض مع الصورة التي ينشئها، وإليك مثالا جيدا على ذلك: خلال حملته للرئاسة، في ظهور له على NBC ببرنامج “عرض اليوم”، سُئل ترامب عن شهادته في المحكمة عام 1991 عندما أقر أنه تنكّر بأسماء جون بارون وجون ميلر.

في البداية كذب ترامب ببساطة وقال أنّه للمرة الأولى بحياته يسمع بهذا الشيء، فعندما ألحّ عليه مضيف البرنامج بهذا الموضوع، تملّص ترامب من الاستفسار بحنكة سائلا المذيع عن أحقيته في هذا الطرح، وأضاف أنّ مجرد السؤال عن حدث مضى منذ 25 عاما هو أمر مشين بحق الصحفي.

وكما نرى، فإن لترامب طريقة رصينة في معالجة الحقائق، وهذا ما سنكتشفه لاحقا في المقتطفات القادمة.

يحاول ترامب تورية الثغرات المعرفية الكبيرة لديه بمَكيجة حقائقه

جزءٌ آخر من صورة ترامب عمل على إنشائه بعناية، هو نسب الفكر الخارق له زورا، حيث يحاول أن يضفي على الناس انطباعا أن ترامب لديه جواب لكل سؤال، ولكن بقدر ما يحاول ترامب الحفاظ على مظهر التفوق الفكري لديه، يتضح لنا وجود الفجوات المعرفية لديه.

عندما التقى مؤلف هذا الكتاب للمرة الأولى بترامب في ثمانينات القرن الماضي تحدثا عن ملهى ترامب “مدينة أطلنطة”، وعندما بدا واضحا جهلُ ترامب بلعبة القمار اصطنع المؤلف قوانين زائفة للعبة الكريب (إحدى أنواع القمار)، ابتلع ترامب الطعم وبدأ يتعاطى مع هذه القوانين التي فصّلها المؤلف ويعمل وكأنه يعرف ما يتحدث عنه.

يتجلى هذا أيضا في سيرة الحملة الانتخابية الرئاسية للحزب الجمهوري عام 2015 أيضا، عندما سُئل ترامب عن أفكاره عن “الثلاثية النووية” ــ وهي القدرة على شن هجمات نووية بالطائرات الحربية والصواريخ الأرضية والغواصات ــ ولجهله التام بهذه الثلاثية خرج ترامب عن الموضوع بعيدا إلى الحديث عن الطاقة النووية ومعارضته للحرب على العراق عام 2003، وعندما جُوبِهَ بالسؤال بإلحاح كان جوابه الهرائي قوله: “أعتقد، أظن، بالنسبة لي، النووي وحده هو القوة، الدمار مهم جدا بالنسبة لي”.

وعلاوة على افتقاره للمعرفة، هناك ظاهرة فاجعة وهي رفض ترامب رؤية الحقائق بموضوعية، وبدلا من ذلك، تقبله للحقائق يبدو غالبا وظيفة مزاجية عنده، بدا هذا واضحا في دعواه القضائية ضد “تيموثي أوبرين”؛ عندما سئل تحت القسم عن القيمة الصافية لثروته فلم يستطع أن يعطي أي’ حقائق أو أرقام صلبة، بدلا من ذلك قال إن هذا المقدار يتقلب بين مليارات الدولارات ويعتمد على طبيعة تحسسه للاقتصاد يوميا.

لذا، بالنسبة لترامب، لا يمكن تقدير ثروة شخص ما برقم واضح، ولكن الأمر مفتوح على التفسير حسب المشاعر والمزاج والظروف الخارجية.

سنرى في المقتطفات القادمة كيف أن رؤيته هذه للحقائق تؤثر على أخلاقه التجارية.

لدى ترامب تاريخ حافل بالممارسات التجارية الغير شرعية

أحد مقومات نجاح ترامب الأساسية هي طُرقه المنحرفة في العمل، والتي سمحت له بتتبّع فرص أموال ضخمة حتى لو لم تكن قانونية تماما.

كما هو الحال عام 1980، عندما كان ترامب يخطط لبناء “برج ترامب”، كانت هناك مشكلة؛ أن بناء آخر يعترض طريقه؛ ولتجنب دفع الأجور النقابية وما يتبعها من الأنظمة، شكل ترامب طاقما بولنديا مخالفا ليقوم بالهدم، عمل الطاقم بنظام الأسبوعيات – 84 ساعة في الأسبوع – لقاء كل ساعة أربعة أو خمسة دولارات، بدون ارتداء خوذ ولا كمامات ولا أي وقاية من الاسمنت.

خلال النهار كان يتواجد 50 عامل في موقع البناء، ولكن في الليل حين تنعدم المراقبة يتواجد 200 عامل هناك، وهو رقم عالٍ وخطير، وأسوأ ما في الأمر أنّ الكثير من العمال لم تُدفع لهم أجورهم، وكان عليهم أن يقاضوا ترامب الذي زعم أنّه لا يعرف أيّ شيء عن الترتيب، وإذاً قد يستغرقون في محاكمته 18 عاما حتى يحصلوا على فلس واحد.

جامعة ترامب – أحد أكثر شركات ترامب احتيالا – نتج عنها المزيد من الدعاوى القضائية؛ حتى الاسم مضلل، حيث أنها لم تكن جامعة على الإطلاق، بل مجرد شركة تقدم برامجاً لتَعلُّم العمل العقاري، ومع ذلك، غيرُ قانوني أن تَستخدم شركة غير مرخصة اسم “جامعة”، والمسؤولون في نيويورك أمروا ترامب أن يتوقف عن استخدامه ولكنه نجح في تجاهلهم لخمسة سنوات.

لم يكن هذا كل ما تجاهله ترامب، فقد وعد الطلاب بأنه سيختار بيده كادرا محترفا من المعلمين لهذه الجامعة، ولكنه خلال إدلاء شهادته في المحكمة لم يستطع أن يسمي معلما واحدا، ليتضح بعد ذلك أنهم لم يكونوا معلمين، بل باعةً لا يملك كثير منهم أي خبرة في العقار.

على المرء أن يتساءل: لماذا تبلغ تكلفة الندوة البحثية لمدة ثلاثة أيام قرابة 1500 دولار، خصوصا أن المستهلكين هم من المحتالين الذين يؤكدون أنّ المادة التي يتم تعليمها منتهية الصلاحية وخالية من أي قيمة عملية؟

يعود الفضل في مرابح ترامب لمساعدة مجرمين مشاهير وشركاء غوغائيين له

باعتبار أن ترامب يفتقر إلى الأخلاق في العمل، فلن تصدمك حقيقة عمولته مع مجرمين مشاهير؛ وقد لا تدرك أنّ من بين شركاء العمل هؤلاء عَلَماً له ارتباطات عميقة بالمافيا وهو بمثابة الناصح الأمين لترامب، هذا الناصح هو الحقوقي “روي كوهن” الذي لعب دورا أساسيا في مشروع برج ترامب.

عندما أراد ترامب اختصار النفقات في بناء البرج بلغ به القرار أن يستخدم الخرسانة الجاهزة – خَيار رخيص وخطر نسبيا وتحتاج صبها بسرعة، وهذا ما جعل عملية البناء ضعيفة أمام العقوبات النقابية المستمرة في ذلك الوقت، ولكن مع وجود كوهن بجانبه، فقد أمسك ترامب بزمام وحوش وغوغاء نيويورك جميعا، كان هؤلاء الغوغاء من أكبر زبائن كوهن وضمنوا معا استمرار عملية بناء برج ترامب حتى خلال إضراب عمال الإنشاءات عام 1982.

شريك آخر من شركاء ترامب المغمورين هو جوزيف ويتشلباوم، مهرب مخدرات كبير، وكان سابقا قد أُدين بالسرقة والاختلاس ووضع اسمه على أجهزة الإنذار والتعقب، عندما بدأت علاقتهما معا عام 1982.

في ذلك العام، طلب ترامب من ويتشلباوم أن يساعده في شحونات بالطيران المروحي إلى ملهى “المدينة الأطلسية” التابع له، والذي يرتاده الزبائن رفيعو المستوى، ولمّا كان شائعا عن كبار المنفقين أن يحصلوا على ما يرغبون، بما في ذلك المخدرات، فيُعتقد أن توفيرها جزء من مهام ويتشلباوم.

في عام 1985، أثيرت تُهَمُ تهريب المخدرات ضد ويتشلباوم مجددا، ولكن القضية تحولت في ظروف غامضة إلى نيوجرسي، حيث تم تعيين قاضي جديد، وللصدفة أنه الأخت الأكبر لترامب، حيث انتهى الأمر باستقالتها من هذه القضية، لكن ترامب أسدى معروفا خاصا لـ ويتشلباوم بكتابة رسالة شخصية يطلب فيها من القاضي الجديد التساهل، ويبدو أنها آتت أؤكلها، فقد قضى ويتشلباوم في السجن 18 عاما فقط، فيما يتلقى الآخرون المتورطون بنفس القضية أحكاما بالسجن عشرين عاما، وحالما أُطلق سراح ويتشلباوم حصل على شقة في برج ترامب واستمر الإثنان بالعمل سوية.

ترامب ليس فاعل خير كما يدّعي

رأينا كيف أن كثيرا من أعمال ترامب تكون بدافع الجشع واختصار أكبر ما يمكنه من النفقات، ومع ذلك فإن جزءا مهما من صورته العامة أنه رجل محب للخير، أو كما يقول هو: “فاعل خير متحمس”، ولكنّ نظرةً إلى سجله الخيري تروي لنا قصة شخص يصنع وعودا كبيرة ولكنه لا يعطي شيئا.

في عام 1987، صرح ترامب على الملأ أن عائدات النشر لكتابه الأخير “فن الصفقات” سيتبرع بها إلى ثلاث مجموعات من الناس؛ المشردين، قدامى المحاربين في الحرب الفيتنامية، وأصحاب الأمراض القاتلة، وبالنظر إلى المبيعات الأولية كانت تقدر التبرعات بحوالي 4 مليون دولار، ولكن التوقيع الوحيد على صك خيري كان بمقدار 2 مليون تم منحه لمؤسسة دونالد ترامب التي لم يثبت أبدا أنها نفعت الناس الذين وعدهم.

في فبراير 2016 خلال تجمع انتخابي في (أيوا) صدر عنه تصريح خيري آخر، وقال إنّه سيرصد 6 مليون دولار للمحاربين القدامى، أبقت الواشنطن بوست عينها مفتوحة على هذا الأمر في الشهور التالية ولم تجد أثرا لأيّة أموال تم التبرع بها إلى جمعية تخص المحاربين القدامى، وعندما اكتشف ترامب أنّ الواشنطن بوست على وشك أن تنشر القصة أجرى حوالة بقيمة 5.6 مليون دولار بين عشية وضحاها إلى مجموعات المحاربين القدامى.

تستطيع أن تتلمس تجنب ترامب للإنفاق الخيري من خلاله تهربه الضريبي؛ رغم ادّعاء ترامب أنّه ملياردير ميسور إلا أنّه يعد المكائد والخطط لتجنب دفع ضريبة الدخل، يفعل ذلك مستغلا الثغرة الضريبية التي تسمح لمستثمري العقار أن يُرفقوا جميع الخسائر وانخفاض القيمة التي ممكن أن تكون أبنيتهم تعرضت لها مع الدخل الكلي، وباللعب على هذه الأرقام وملاءمتها يمكن لدخل ترامب أن يبدو سلبيا، فيما يستمر بكسب الملايين ويستمتع بنمط معاشي مترف.

اعترف ترامب فخورا أنّه لم يدفع قط ضريبة دخل، لا أحد متأكد كم له على هذا الحال، ولكنه لم يدفع أيّة ضرائب عام 1978 و1979، وزعم عام 1995 خسارته 916 مليون دولار، والتي سمحت له بتجنب ضرائب الدخل لمدة 18 عاما.

الانتقام يلعب دورا هاما من عمل ترامب وحياته العائلية

دونالد ترامب يصنف الجميع في إحدى فئتين، صديق أو عدو، ولن تنتابك الحيرة في حظك بعد أن يصنفك، حيث يميل إلى عدم الرحمة مع أصحاب التصنيف الثاني، الانتقام أصبح جزءا نظاميا من إدارة الأعمال عند ترامب، حتى أنه خصص له فصلا في كتابه “فَكر بشكل أكبر”.

في هذا الفصل، يصف ترامب كيف طرد أحد موظفاته التي رفضت أن تطلب من صديق لها يعمل مديرا لأحد البنوك أن يقدم معروفا لترامب، لكنه لم يكتفِ بطردها فحسب، بل كتب رسائل توصية سيئة بها، وسرّه سماع خبر إفلاس شركتها وبالتالي قد تفقد بيتها وزوجها.

للأسف أن ذوق الانتقام عند ترامب لا يقتصر على عالم العمل؛ في عام 2000 رُفعت دعوى قضائية عندما حاول ترامب أن يمنع عائلة أخيه “فريد جنيور” أن يرثوا من أموال فريد ومن أموال والد ترامب أيضا “فريد ترامب”، عندما قاضت العائلة ترامب اتهموه بالتأثير على العقل الخرف لوالده المسن بشكل غير منصف، ولكن هذا زاد الطين بلة فقط؛ فقد سحب ترامب على إثر ذلك كل ميزات العناية الطبية من العائلة، ما عرض حياة الرضيع ويليام ترامب – حفيد فريد جنيور – للخطر ، وقد كان يعاني من مرض عضال، كان حفيد شقيق ترامب يعاني من نوبات مرضية منذ الولادة وكان معتمدا بشكل خاص على الرعاية الطبية، واحتاج الأمر محاكمة ليتراجع ترامب عن قراره والاستمرار بتقديم الرعاية للطفل.

عندما طٌلب من ترامب الكف عن اللامبالاة في أفعاله، أجاب أنّه لم يستطع فعل ذلك،

ترامب هو من هو، ولكن حقائقه وسجلات آلاف المعارك القانونية تظهر لنا كم هو مختلف بحقيقة الأمر عن الصورة المصطنعة التي كونها عن نفسه.

خلاصة الكتاب

لقد قضى دونالد ترامب عقودا في الأضواء العامة وتمكن ببراعة من تكوين صورة عامة تختلف تماما عن الرجل الذي وراءها، دونالد ترامب الحقيقي تفصح عنه آلاف الدعاوى القضائية التي تظهر كم أنّه رجل تافه ومنحط وانتقامي، يكسر القانون ويجازف بأرواح الآخرين لتوفير المال أو حتى للحصول عليه.

ملخص كتاب (دليل الثورات)

ملخص كتاب (دليل الثورات)

إنّ حركات الاحتجاج مبنيّة على رؤى رصينة لمستقبل يستطيع عامة الناس أن يؤمنوا به ويعملوا لأجله، إذا أردت تغيير العالم، فلك أن تفعل هذا بدون عنف؛ اقتَرحْ مسارا مقنعا إلى الأمام، اعمَلْ بإبداع، واخرُج إلى الطرقات لتجعله يحصل.

ملخص كتاب (دليل الثورات)

Blueprint For Revolution

الكتّاب: سيردجا بوبوفيتشي  –  ماثيو ميلر

الرسالة الأم في هذا الكتاب: أنّ حركات الاحتجاج مبنيّة على رؤى رصينة لمستقبل يستطيع عامة الناس أن يؤمنوا به ويعملوا لأجله، إذا أردت تغيير العالم، فلك أن تفعل هذا بدون عنف؛ اقتَرحْ مسارا مقنعا إلى الأمام، اعمَلْ بإبداع، واخرُج إلى الطرقات لتجعله يحصل.

ماذا تستخلص من هذا الكتاب؟

تعرف على طرق سلمية مجربة لإحداث التغيير الثوري

إنّ كلّمة “ثورة” عادةً ما توحي بالمتاريس والصراع المسلح، ولكن لا ينبغي لها أن تتخذ هذا المدلول، فمنذ كفاح “غاندي” الناجح ضد البريطانيين إلى سقوط الدكتاتور الصربي سلوبودان ميلوشيفيتش، أثبتت الحركات الثورية السلمية تأثيرها في تغيير العالم نحو الأفضل.

هذه المقتطفات ستأخذنا في رحلة خلال الاستراتيجيات السلمية الناجحة التي استخدمها ناشطون سياسيون مثل “سيردجا بوبوفيتش” في إسقاط الطغاة، وارتقاء السلطات ومحاربة الاضطهاد، لا يهم فيما لو كنت مواطنا؛ فالطرق المفصلة هنا صالحة للاستخدام في كلّ زمان ومكان ومن قِبل أي شخص بغية التغيير الديمقراطي.

ستتعلم في هذه المقتطفات الآتي:

-ما هي دعائم القوة وكيف تهزها؟

-كيف تستخدم الفكاهة كأداة ثورية؟

-لماذا الأعمال السلمية دائما أكثر تأثيرا من نظيرتها العنفيّة؟

اِبدأ الثورة باختيار معركة تستطيع الانتصار بها

خلال طفولتها، تكون الثورات مجهولة نسبيا للعامة، ما يجعل كسب الأتباع صعباً عليها، وهذا سبب حاجة الثورات لاتخاذ أسماء لها قبل أن تنتشر في العامة، وأكثر الاستراتيجيات تأثيرا هو اختيار المعارك الصغيرة القابلة للربح.

بعض من الحركات الثورية السلمية في العصر الحديث حصل بهذه الطريقة، خذ مثلا مسيرة “غاندي” الطويلة لاستقلال الهند، بدأت برحلة أصغر ثم ما لبثت أن أطلق عليها اسم ثورة الملح عام 1930 م.

وكانت ردّة فعل على الضرائب الباهظة التي كانت تفرضها الامبراطورية البريطانية، ولعلمه أن الملح ضرورة لكلّ شخص، بدأ غاندي مسيرة امتدت شهرا ليصل إلى البحر، حيث يفترض في نهاية المسيرة أن يستخرج الملح من البحر.

وبمجرد ما وصلت رحلته غايتها كان قد انضم لغاندي اثنا عشر ألف شخص آخرين، وأُجبر البريطانيون ـ الذين أُخذوا على حين غرة ـ على إلغاء ضريبة الملح، إن خوض الحركة بهذه الطريقة أعطى غاندي الزخم الشعبي والشهرة التي مكنته من ربح الجولات تباعا بخطى راسخة.

لذلك فالانتصارات الصغيرة أساسية، ولكن ماذا عن الخُطب؟ رغم اعتقاد الكثيرين بضرورة الخُطب الرنانة للتأثير والتغيير، إلا أن الأمر أبعد من ذلك، لنأخذ مثلا “هارفي ميلك” السياسي الأمريكي، وأول مِثليٍّ صريح ينتخب للمكتب العام للولايات المتحدة.

عندما بدأ مهنته السياسية، ظن “ميلك” أنّ طريقة استجلاب الأتباع هي أن يلقي الخُطب عن الأشياء المتعلقة به، إلا أن هذه الاستراتيجية لم تكن موفقة وخسر طورين من الانتخابات.

وبالتعلم من إخفاقاته، راجع “ميلك” استراتيجيته وبدأ حملة حول أمر يهم الجميع في موطنه بمدينة سان فرانسيسكو: وهو روث الكلاب الذي تعاني منه حدائق المدينة، وفي النهاية نجحت الحملة بإحكام، وصنع “ميلك” اسما لنفسه، وانتُخب للحكومة المحلية في عام 1977 م.

الحركات السياسية الناجحة تستخدم رؤى ملهِمة واعدة بمستقبل أفضل

تقام الحركات لتلهم العمل، وبالطبع فإنّ القول أهون من الفعل، ولتحريك الناس فعليّاً تحتاج رؤية للمستقبل يستطيع أتباعك دعمها، في حركة المقاومة الصربية “الأوتبور” ركز هذا الحلم على الانفتاح إلى العالم، وهو أمل قوي قاد إلى سقوط ديكتاتور البلاد “سلوبودان ميلوشيفيتش”، وإليك القصة:

بعد سقوط يوغوسلافيا الشيوعية ارتقى “ميلوشيفيتش” إلى السلطة في صربيا مؤسساً نظاماً استبداديّاً، حظرت الديكتاتورية كلّ أنواع الموسيقا الأجنبية وبدأت حملة إعلامية ضد جيران صربيا، نشأت “الأوتبور” في هذه الظروف الهوجاء وتولى الجماعةَ أعضاؤها الشبابُ بحكم قدرتهم على استكشاف حضارات البلدان الأخرى وتذوقها والاستمتاع بها كما كان عليه الحال خلال فترة الحكم الشيوعي، وحلموا بصربيا منفتحة على العالم.

وبينما لم تمتلك حركتهم مكتبا سياسيا يمثلها، إلا أنهم تمكنوا من إسقاط “ميلوشيفيتش” عام 2000 م، ونتيجة ذلك أصبحت صربيا المكان الأكثر انفتاحا.

يمكن أن نجد في جزر المالديف جنوب آسيا مثالا مشابها، حيث كانت رؤية المعارضة سحب المواطنين أصحاب الدخل المتدني من تحت خط الفقر، ما أعطاها الدعم اللازم لارتقاء السلطة.

في عام 2008 م، عندما كانت المالديف تحضّر لأوّل انتخابات ديمقراطية منذ ثلاثين عاما، كان الحزب المناهض للديكتاتور المالديفي “مأمون عبد القيوم” يبحث عن رؤية تجذب المصوتين، ولضمانة تصور أفضل لهذه الرؤية ذهب “عمران زاهر – أحد أعضاء هذه المجموعة” رحلة خلال البلاد، وخلال تنقلاته مرّ بعدد من الجزر النائية التي يقطنها أهلها كبار السن، وليس لديهم ما يفعلونه إلا التحديق مليّاً بالمحيط، لم يكن لديهم أعمال وكان اعتمادهم الكامل على أطفالهم من أجل الطعام والدواء.

اتضح له حالا أنهم بحاجة للمعونة المالية والعناية الطبية، وفي النهاية شُنتْ حملةٌ تدعو إلى مالديف أفضل بنظام وفير الرواتب والعناية الطبية، ولدى تقديم هذه الرؤية التي ترافقت مع خدمة “حلوى الرز” المجانية، انتصرت المعارضة في انتخابات عام 2008 م.

لإسقاط ديكتاتور ما، قم بتحديد الهيكلّيات التي تدعمه ثم تقويضها

في عام 1973 ابتكر البروفيسور في العلوم السياسية، جيني شارب، نظرية حديثة، حيث افترض جيني أنّ كلّ نظام يقوم على حفنة من الداعمين، أو ما سماهم دعائم السلطة، إذا طبّقتَ الضغط الكافي على واحدة أو أكثر من هذه الدعائم سيسقط النظام.

ذات المنطق ينطبق على أيّ مؤسسة، خذ على سبيل المثال الشركات الضخمة، دعائم السلطة فيها هم المساهمون والأبواق الإعلامية التي تؤثر على أسعار الأسهم بما تنشره من تقارير، أو تأمل قرية أفريقية صغيرة، حيث يمكن أن تكون دعائم السلطة فيها هم شيوخ القبائل.

المؤسسات – كالأحزاب السياسية – لها دعائم سلطة متعددة من قادة ملهمين ومن مصادر إعلامية صديقة،

أما في حالة الطغاة، فعمود السلطة الأكثر أهمية هو الاقتصاد، ففي النهاية يحتاج كلّ مستبد للأموال التي يحشد بها جيوشه وينشر دعايته، عندما ينضُب المصرف يعجز الديكتاتور عن الدفاع عن نظامه ويمسي هشاً قابلا للانهيار.

لذا على كلّ حركة أن تفعل أوّل ما تفعله بتحديد مصادر الدعم المالي التي يستند إليها الديكتاتور وتقوم بتحييدها، الديكتاتور السوري بشار الأسد مثلا يحصل على غالبية أمواله من الاستثمارات الأجنبية، لو استطاعت حركة ما أن تجبر الشركات على إغلاق أعمالها في سوريا لأصبح الأسد ضعيفا.

وقد حاولت بعض المجموعات الناشطة سلميا في سوريا أن تفضح التنسيق القائم بين هذه الشركات والنظام بمحاولة منها لإضفاء بعض السمعة السيئة عليها بما يؤثر على أرباحها، وأملاً من هؤلاء النشطاء أن تصل هذه الشركات إلى قناعة مفادها أنّ التعامل المالي مع سوريا سيجلب لها من الأضرار أكثر مما يضيف من المنفعة إلى رأسمالها، ولكن لسوء الحظ، ذهبت هذه الجهود هباء باندلاع الحرب الأهلية الضروس.

الفكاهة أداة قوية

كلّ من يستمتع بالضحك يعلم أنّ الفكاهة أقرب ما تكون لقوة سحرية، ولذلك يستخدم الناشطون الكوميديا لإنشاء المقاومة.

كيف ذلك؟

باستعراض الفكاهة بشكلّ ذكي، يستطيع الناشطون أن يسخروا من النظام، كتصرف مضاد للخوف الذي يغرسه في قلوب موطنيه، خذ على سبيل المثال الطرفة الشهيرة التي قامت بها جماعة “الأوتبور” عندما أحضروا مضربا لكرة التنس وبرميل وقود قديم مرسوم عليه وجه “ميلوشيفيتش” إلى وسط الحشود في الشارع، وجانب العرض لافتة مكتوب عليها: “الصفعة بدينار – فئة نقدية متدنية من العملة المحلية”.

ولم يستغرق الأمر طويلا حتى اصطف الناس في طابور لهم ليقوم كلّ واحد منهم بصفعه دورا، ولكن القسم الأفضل من الطرفة ما كان ليحدث إلا مؤخرا بعد وصول الشرطة؛ كانت عادة رجال الشرطة أن يعتقلوا المنظمين القائمين على النشاط، إلا أنهم لم يعثروا عليهم في أيّ مكان، فكان الشرطة أمام خيارين: إمّا أن يعتقلوا الناس الأبرياء الذين يضربون البرميل ويتسببوا بغضب عارم، أو أن يعتقلوا البرميل نفسه، وفي النهاية اختاروا الثانية ليتفاجؤوا باليوم التالي وإذا بجدران العاصمة بلغراد مغطاة بصور شرطيين يعتقلان برميل وقود قديم، وهكذا فجأة سقطت هيبة شرطة “ميلوشيفيتش” المخيفة من قلوب الناس.

ولكن ما السر في قوة أداء الفكاهة؟

الجواب بالدرجة الأولى، لأن الأنظمة لا يمكنها أن تتفاعل مع المزاح!

في أكتوبر 1987 احتفلت حكومة بولندا الشيوعية بالذكرى السبعين للثورة الروسية، فقررت جماعة “التضامن” البولندية المعارضة أن يصنعوا تكتلا خلال العرض وأن يسخروا من النظام الشيوعي من خلال استعراض محبتهم للشيوعية بشكلّ جنوني، وسرعان ما امتلأت الشوارع بالناس الذين يرتدون الثياب الحمراء ويحملون اللافتات التي كتب عليها عبارات شيوعية منمّقة، بالطبيعة أثار هذا غضب السلطات، ولكنهم حاروا كيف يتصرفون تجاه هذا، في النهاية لا يمكنهم اعتقال أشخاص يحتفلون بالشيوعية.

أو تأمل بلدة بارناول الروسية، حيث أقام المواطنون احتجاجا في مركز المدينة مستخدمين المكعبات والمجسمات، فحملت الألعاب إشارات صغيرة تمجد أهداف الاحتجاج وحظيت هذه الفعالية باهتمام كبير لوسائل الإعلام.

التدابير القمعية تعطي مفعولا عكسيا

غالبا ما تحاول أنظمة الاستبداد فرض الالتزام بأهدافها بنظام، ولكن سواء وضعت عقوبات على عصيان الأوامر أو قامت بخطوات محسوبة بغية التخويف فقط، فهناك أوقات ينعكس استخدام القوة المفرطة على صاحبها.

تأمل مثلا ثورة الزعفران “السافرون” في بورما حيث اندلعت عقب عمل وحشي قام به النظام العسكري القمعي.

في 19 سبتمبر 2007 قام أربعمئة راهب بورمي بمسيرة احتجاجية ضد حكومة بورما العسكرية، ورغم أن الاحتجاج كان ممنوعا في بورما، إلا أنه لم يكن بحسبان أحد أن يقمع الجيش الرهبان بالعنف بحكم أنّهم كانوا السلطة الأخلاقية العليا في البلاد بأكملها.

ولسوء الحظ فقد خاب ظنهم، وفتح الجيش النار على الرهبان ليقتل منهم العشرات ويعتقل أعدادا كبيرة ويحيل الآلاف إلى المحاكم.

عُرف النظام البورمي من قبل بالعنف، لكنه هذه المرة تجاوز الحد بشكل صريح، فتحفز الشعب البورمي للعمل ونهضوا سويا ليفجروا ثورة الزعفران، وعلى رغم القمع العنيف الذي لقيَتْه إلا أنّها مهدت الطريق للانتخابات بعد ثمانية سنوات.

أو تأمل مثلا البلدة الصربية الصغيرة “سوبوتيتسا” حيث حرض الناشطون المجتمع على مضطهدهم فأطاحوا به من السلطة، حصل هذا في ذروة حكم “ميلوشيفيتش” عندما كان يحكم سوبوتيتسا ضابط يسمى إيفان.

 إيفان الذي كان يشبه جسمه مصارعا في الأولمبياد ذاع عنه ضربه المبرح لأيّ عضو يصادفه من جماعة “الأوتبور”، ويوما ما وضع أعضاءٌ من الجماعة ملصقات لوجه إيفان على جدران البلدة وقد كتب عليها: “إن هذا الرجل بلطجي! خاطبوه في شأن أولادنا واسألوه لماذا يضربهم”.

فيما خلا كان الجميع في البلدة، حتى أقرب المقربين لإيفان، يجتنبون الضابط وامرأته وأولاده بحذر، ولكنهم أصبحوا منبوذين بشدّة، وتوقف أذاهم فورا وفي الحال، وانتهى بذلك عهد إيفان المرعب بفضل حفنة من الملصقات المصنوعة منزليا.

الثورات السلمية أكثر تأثيرا من العنفيّة بشكل دائم

أغلب الناس عندما يسمعون كلمة “ثورة” يتخيلونها مجرد حمام دم – وهي اللحظة التي يصبح فيها العنف محتّما وضروريا، ولكن ميراثا كبيرا من المعلومات وثروة من المعرفة التاريخية تظهر لنا أن الثورات السلمية أجدى نفعاً وأكثر تأثيراً من حيث تحقيق التغيير الإيجابي.

ذلك لأنّ الثورات السلمية أكثر قابلية لخلق ديمقراطيات حيّة، خذ مثلا الدراسة التي قامت بها إيريكا شينويت وماريا ستيفان عام 2011 والتي شملت إحصائيات من 323 ثورة ما بين عامي 1900 و2006.

اكتشفت الدراسة أنّ فرص نجاح الثورات السلمية مضاعفة قياسا لتلك التي تلجأ إلى العنف، وأن البلدان التي اعتمدت أشكال المقاومة السلمية كانت لها فرصة 40 بالمئة أن تبقى ديمقراطية لمدة خمسة أعوام بعد انتهاء الصراع، أما دول الثورات العنفيّة فقد هبطت النسبة إلى 5 بالمئة.

علاوة على ذلك، كان احتمال نشوب الحرب الأهلية في البلدان الثائرة سلمياً لا يتعدى 28 بالمئة لمدّة عقد من الثورة، بينما تعلو النسبة في بلدان الثورات المسلحة لتصبح 43 بالمئة.

ليست فقط هذه الأرقام تغري بالثورات السلمية وتجعلها مرغوبة، ولكن لما لها من قدرة رصينة في توجيه الأداء وانهماك عدد كبير من الناس بها، في النهاية لن تتأتى الثقة من الثورات المسلحة برشاشاتها الضخمة ومظاهرها الشبيهة بقطاع الطرق، فالشعوب أكثر قابلية للانضمام إلى جماعة عادية مرحة من الناس الذين يحاربون لأجل حقوقهم من الانضمام إلى مجموعة مسلحة عازمة على خوض الصراعات المسلحة مهما كان الثمن.

إضافة لذلك، وبينما لا يمكن أن ينضم للثورات المسلحة إلا الناس الأقوياء الأصحاء اللائقون، فغالبا ما يستطيع الجميع المشاركة في الحملات السلمية بما فيهم الشيوخ والأطفال، لهذه الأسباب تستطيع الثورات السلمية أن تحشد أتباعاً أكثر بكثير من نظيرتها العنيفة وتكتسب طاقة هائلة من الدعم الشعبي.

سجل روسيا المثير للجدل ضد الإرهاب

سجل روسيا المثير للجدل ضد الإرهاب

سجل روسيا  المثير للجدل  ضد الإرهاب

لماذا موسكو شريك غير ثقة بالنسبة للغرب

نظرياً، تتخذ كل من روسيا والولايات المتحدة نفس الموقف من الإرهاب، كِلا الدولتين عانتا من هجمات الإسلاميين المتشددين على ترابهما، وكلاهما تعارضان الدولة الإسلامية (داعش) إلا أنّ هذا التفاؤل في العمل مع روسيا ضدّ الإرهاب زائف للغاية، فما فعله بوتين من أفغانستان إلى سوريا شجع الإرهاب أكثر مما حاربه، من خلال حفاظ روسيا على ارتباطاتها مع جماعات إرهابية مثل حزب الله وطالبان، فسِجل روسيا يوحي بأنّها لن تكون أبدا وسيطاً نزيهاً أو شريكاً ثقة للغرب في محاربة الإرهاب.

الرئيس السابق للولايات المتحدة، باراك أوباما، طالما صرح أنّه جاهز للعمل مع روسيا في سوريا، وفي حزيران 2016 اقترح شراكة عسكرية معها، وخلفه الرئيس دونالد ترامب أعرب عن رضاه بمساعدة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضدّ داعش، وفي الحادي عشر من نوفمبر أكّد ترامب وبوتين عزمهما على هزيمة داعش في سوريا بتصريح مشترك، وبعد عشرة أيام منها تناقشا التنسيق ضدّ الإرهاب هاتفيا.

استراتيجية موسكو في سوريا:

لاستيعاب مدى حماقة الوصف لروسيا على أنّها حليف ضدّ الإرهاب لا نحتاج أكثر من إلقاء الضوء على سوريا، حيث تجسد الهدف الروسي منذ البدايات عام 2011 بدعم نظام بشار الأسد، هذا هو هدف تدخل موسكو العسكري في سوريا في سبتمبر 2015، ليس قتال “داعش” ولا أيّ مجموعة إرهابية أخرى.

تأمل حقيقة التسليح الهائل الذي حشدته روسيا إلى سوريا، لم تكن كفاءته لقتال داعش، فالدفاعات الجوية المتطورة والوحدات البحرية التي حشدتها روسيا سمحت لها بتوسعة حضورها وعرض قوتها، ودلّت على أنّ هدفها الحقيقي هو الحدّ من قدرة الغرب على المناورة في المنطقة، تقارير هائلة أشارت أنّ معظم الضربات الروسية وقت خارج مناطق سيطرة “داعش”، وبالدرجة الأولى استهدفت التيار الأساسي في المعارضة السورية، بل ساعدت هذه الضربات أحيانا في تقوية “داعش”.

علاوة على ذلك، لن تتردد روسيا في التحالف مع الجماعات الإرهابية إذا رأت في هذا العمل خدمة لمصالحها، فقد نُمي أنّ روسيا وحزب الله أسسا غرفة عمليات مشتركة في اللاذقية ودمشق حالا بعد تدخل بوتين في سوريا، وفي نوفمبر 2015 بدأت موسكو العمل رسميا مع حزب الله في البلاد لتأسيس قنوات اتصال وربما تنسيق عسكري مشترك رغم أنّ أوّل وفد من حزب الله كان قد زار موسكو قديما في أكتوبر 2011، وتشير التقارير الأحدث أنّ حزب الله كان يقاتل جنبا إلى جنب مع القوات الروسية في سوريا، وحسب التقرير الصادر في يناير 2017 عن مؤسسة كارنيغي للسلام العالمي أنّ أحد قادة حزب الله المتمركزين في حلب قال: “علاقتنا بالروس أكثر من ممتازة”

لعبة مضاعفة في أفغانستان:

إنّ قِلّة الثقة الروسية ضدّ الإرهاب لا تكاد تقتصر على سوريا، لننظر إلى أفغانستان أيضا، حيث فتحت موسكو في أواخر عام 2007 خط تواصل مع طالبان، وقد أشار مسؤول كبير في طالبان بتقرير عن هذه التواصلات القديمة فقال: “كان لدينا عدو مشترك … وكنا بحاجة الدعم للتخلص من الولايات المتحدة وحلفائها، وروسيا أيضا أرادت أن تغادر جميع القوات الأجنبية أفغانستان بأسرع ما يمكن”.

وللحقيقة، فقد استمر بوتين بدعم جهود الولايات المتحدة بينما كان يتواصل مع طالبان، ففي بداية 2009 ساعدت موسكو في إنشاء شبكة توزيع الشمال، وهي عبارة عن طريق إمداد يصل شرق أوروبا بالحدود الأفغانية مع أوزباكستان، وهو ما ضمن للولايات المتحدة تمرير إمدادات الأسلحة الفتاكة إلى أفغانستان، ولكن موسكو لم توافق على هذا إلا بعد ضغطها على قرغيزستان لإغلاق قاعدة ميناس الجوية التي كانت تؤجرها للولايات المتحدة.

إلا أنّ التقارير هذا العام أشارت إلى أنّ دعم موسكو لطالبان تجاوز حدود الدبلوماسية على حدّ وصف مسؤولين عسكريين غربيين كبار مثل الجنرال في الجيش الأمريكي والقائد الأعلى لحلف الناتو كورتيس سكاباروتي ما زال يتحدث عن تسليح موسكو لطالبان منذ فبراير من هذا العام على أقل تقدير، وقال وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيرلسون في أبريل: “لدرجة أنّ روسيا تزود طالبان بالأسلحة، وهذا خرق واضح للمواثيق الدولية وخرق لمواثيق الأمم المتحدة ومجلس الأمن”.

يشير بعض المحللين إلى احتمال أن تكون طالبان ببساطة قد وضعت يدها على مخازن كبيرة من الأسلحة الروسية المتبقية في أفغانستان في أعقاب الاحتلال السوفييتي، وهذا بلا شك جزء من الصورة، فقد علمتُ من مسؤول أفغاني خلال رحلة سابقة لي إلى البلد أن الحكومة الأفغانية صادرت معدات عسكرية روسية حديثة من طالبان، تم تصنيعها تماما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، ويبقى احتمال أن تكون طالبان تلقت هذه الأسحلة مباشرة من موسكو غامضا، (موسكو على خلاف واشنطن لا تشجع مبيعات الأسلحة المنسقة) ولكن بغض النظر، فهذه الأسلحة تثير الشكوك أكثر حول قلّة الثقة بموسكو كشريك ضدّ الإرهاب.

تنكر موسكو تسليحها لطالبان وتدّعي أنّ من الضرورة الحفاظ على قنوات الاتصال مع طالبان ضدّ عدوهم المشترك الأكبر “داعش”، فعلى سبيل المثال، في فبراير 2016، ذكر المبعوث الروسي الخاص إلى أفغانستان زامير قابولوف داعش في قوله: “إنّ مصالح طالبان تتقاطع مع مصالحنا” ولكن عندما تواصلت موسكو مع طالبان للمرة الأولى في 2007 لم تكن داعش موجودة آنذاك، وفي الأمس القريب، قال مسؤولون أفغان أنّه لم يكن بوسع طالبان السيطرة على مركز محافظة كوندوز في ربيع العام الجاري لولا مساعدة موسكو لها، على أنّ داعش لا تتمركز في كوندوز.

في الواقع، داعش صغيرة للغاية في أفغانستان وهي عبارة عن خليط غير متجانس من مجموعات غير مرتبطة بداعش الأم في العراق وسوريا، تصادمت طالبان مع داعش أحيانا، إلا أنّهما في كثير من الأحوال اتفقتا على هدن وحتى أنهما عملتا معا، وقد تبنت المجموعتان عملية مشتركة في أغسطس من هذا العام في محافظة سار بأول، وقد أفادت التقارير أن خمسين مدنيا قتلوا خلالها، بينما يسهم التواصل المستمر لروسيا مع طالبان في إضفاء الشرعية على طالبان والتي لم تكن لتمتلكها لولا التواصل مع موسكو.

على الأقل منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 قدم بوتين نفسه كشريك لا غنى عنه ضدّ الإرهاب وشارك في تعويض الخسائر، وظن الكثيرون منذ بداية الأحداث في سوريا أنّ الأزمة السورية عصيّة عن الحل بدون موسكو، وربما كانت نظرتهم خائبة، إنّ أولويّة بوتين هي أن يضعف الغرب ويفككه وسوف يعمل مع أيّ جماعة تساعده في تحقيق هدفه، إذ يؤمن الغرب بسيناريو الربح المشترك، بينما يؤمن بوتين بالعداء الصفري؛ بالنسبة له حتى يربح يجب أن يخسر الغرب، يجب أن يدرك الساسة الغربيون نوايا موسكو الحقيقة ويدينوا دعمها للجماعات الإرهابية، ويجب أن يعملوا على استعادة دورهم القيادي في مناطق حساسة كالشرق الأوسط، وأن يضغطوا على موسكو لتغيير سلوكها، الصمت عن موسكو لن يقود إلى استقرار حقيقي دائم، على العكس، سيعزز الصراعات المسلحة لسنوات قادمة.

ملخص كتاب (التعامل مع الصين)

ملخص كتاب (التعامل مع الصين)

من خلال التعرف على المبادئ الاقتصادية الغربية، ومن خلال الإصلاحات المتسارعة، ومن خلال الانفتاح على سوق التجارة العالمية، نهضت الصين لتصبح قوة دولية جديدة، ومن أجل استمرارية النمو فقد توجب أن تضمن معالجة وتلافي قضايا ارتفاع الديون والتلوث البيئي، وأن من أولى اهتمامات الولايات المتحدة الأمريكية أن تعمل على التقارب مع الصين حتى تتمكن كلا الدولتين من مواجهة هذه التحديات العالمية سوية.

ملخص كتاب (التعامل مع الصين)

DEALING WITH CHINA

الكاتب هنري بولسون

يكشف هذا الكتاب مسيرة الصين التي سلكتها تصبح من مصاف الدول الاقتصادية العظمى كما هو حالها اليوم، وتشرح هذه المقتطفات محاسن ومساوئ هذا النمو المتسارع، وتقدم بعض الرؤى عن وجوب العمل المشترك بين أمريكا والصين لمواجهة التحديات العالمية الراهنة.

الرسالة الأم في هذا الكتاب:

من خلال التعرف على المبادئ الاقتصادية الغربية، ومن خلال الإصلاحات المتسارعة، ومن خلال الانفتاح على سوق التجارة العالمية، نهضت الصين لتصبح قوة دولية جديدة، ومن أجل استمرارية النمو فقد توجب أن تضمن معالجة وتلافي قضايا ارتفاع الديون والتلوث البيئي، وأن من أولى اهتمامات الولايات المتحدة الأمريكية أن تعمل على التقارب مع الصين حتى تتمكن كلا الدولتين من مواجهة هذه التحديات العالمية سوية.

التعامل مع الصين:

لنكتشف كيف أصبحت الصين بيت الطاقة والاقتصاد، وماذا يعني هذا لأمريكا.

إذا أردت أن تتذكر كيف نمت الصين هذا النمو السريع فخذ باعتبارك ما يلي: عندما بدأت الصين نهضتها كان الانترنت لا يزال في طور الأداة الهاتفية (المودم)، ومع هذا، ففي غضون ثلاثين عاما فقط استطاعت الصين تطوير قطاعها الاقتصادي ليصبح ثاني أضخم اقتصاد في العالم.

فكيف حصل هذا؟ وماذا يعني هذا لبقية دول العالم؟

هذه المقتطفات تشرح لنا التدابير التي اتخذتها الصين لتحويل مجتمعها الذي تغب عليه الاشتراكية، وكيف غيرت أمريكا إستراتيجية تواصلها باتجاه الصين، ولماذا لا يمكننا أن نغض النظر عن المشاكل الداخلية في الصين، وكيف أن نهضة الصين الصاعقة واجهت بعض المطبات.

سنتعلم من هذه المقتطفات ما يلي:

-لماذا لم تستطع الجامعات الصينية انتاج خبراء مجيدين في إدارة الأعمال

-كيف يعتمد ساحل كاليفورنيا على الصين

-ماذا فعلت الصين لتجعل من بنوكها وشركاتها النفطية الاكثر تنافسا في العالم

يعتمد نمو الصين الذي لا يشق له غبار على إصلاحات كاسحة:

لو توقعتَ أواخر سبعينات القرن الماضي أن الاقتصاد الصيني سينمو ليكون أحد الأنظمة الاقتصادية الاضخم في العالم، لربما قليل من الناس يصدقك، إلا أن هذا الأمر بات اليوم حقيقة، فإذا ما هو السر وراء النهضة الغير متوقعة والحراك غير المرتبك للاقتصاد الصيني؟

لقد كان هذا بعد دخول الأفكار الاقتصادية الغربية إبان موت صاحب العرش (Mao Zedong’s) عام 1976م، وتسلم السلطة (Deng Xiaoping) الذي طور عدة مبادرات اقتصادية، وكان الهدف من هذه المبادرات أن تسهم في انفتاح الصين على السوق العالمية، وكانت نتائج هذه المبادرات خارقة، فخلال سنوات قليلة نهض مئات ملايين الصينيين من تحت خط الفقر، وفي أوائل الثمانينات من القرن ذاته، بلغ متوسط نمو الناتج الإجمالي الصيني عشرة بالمئة.

في جوهر هذا النشاط الاقتصادي المتفجر تكمن سياسة واحدة: وهي منح المزيد من السلطة للشركات الحكومية، فعلى الرغم أنه لا يزال عليها تقديم الحصة المقررة من قبل الحكومة المركزية، إلا أن الشركات الحكومية الآن صار بمقدورها بيع بضاعتها وعرض خدماتها في السوق العالمي بأسعار أكثر مرونة.

وكان الجانب الأجدى في خطة (Deng Xiaoping) هو خلق بؤر اقتصادية خاصة، وهذا ساهم في إضرام الروح في مجال الأعمال الحرة الخامدة في الصين، وذلك بضمان نسب أقل من الضرائب للشركات الأجنبية والصينية، والتقليل من القيود على الاستيراد والتصدير وتسهيل الوصول للاستثمارات الأجنبية، حيث تواجدت في هذه الحقبة شركة (Lenovo) وشركة (Hangzhou Wahaha Group).

ساهمت البؤر الاقتصادية كمخابر لتقوم فيها الصين بتجارب على الأنشطة الاقتصادية القادمة من الغرب مثل عقود البناء التنافسية أو دفع الحوافز للعمال.

قبل هذه المبادرات الاقتصادية كان من النادر أن يستطيع الناس أصحاب العقل التجاري ورجال الأعمال أن يوظفوا قدراتهم بشكل أفضل في الأعمال التي كانت يزاولونها، ولكن الإصلاحات قادت إلى تشكيل المزيد من الشركات، حتى أصبح بمقدورك أن تبدأ بمفردك، وحالما أصبح رجال الأعمال الشبان يظهرون فجأة كالفطر من هنا وهناك.

كانت إعادة إنشاء صناعة الاتصالات خطوة لافتة في مسيرة تحديث الاقتصاد الصيني:

بينما شجعت هذه المبادرات العمل في الصين، فإن تأثير الأحداث الاقتصادية حول العالم ألهم رجال الأعمال الصينيين أيضا، كان أحد هذه الأحداث الرفع العام للقيود وموجة الخصخصة التي تزعمها مارغريت تاتشر في الولايات المتحدة بين عامي 1985 و1990.

أثبتت الخصخصة في الصين أنها هبة من الله جاءت لتعطيل الشركات الحكومية التي يديرها أشخاص قليلو الخبرة والمعرفة بالأنشطة الاقتصادية الحديثة، جعلوا هذه الشركات مثقلة بالدين في منتصف تسعينات القرن الماضي، ببيع أسهم من هذه الشركات للشركات العامة والعالمية فقد نهض رأس المال وتحسنت الشركات الحكومية، لأنه بات عليها أن تتبنى أنظمة المحاسبة العالمية، وكان اول قطاع خضع للخصخصة هو قطاع الاتصالات الذي كانت ترأسه الشركة الحكومية (China Telecom).

ما بين عامي 1992 و1996، صرفت الصين ما يزيد عن 35 مليار دولار على البنية التحتية للاتصالات، ما ساهم برفع عدد المشتركين بخط الهاتف الأرضي بشكل ناري مباغت من 11.5 إلى 55 مليون مشترك. ولكن لم يكن هذا النظام بأي وسيلة كافٍ اقتصاديا، ففي النصف الثاني من التسعينات أصبحت البنية التحتية للاتصالات تستنزف من رأس المال أكثر مما يمكن للشركة العامة للاتصالات أن تنتج بمفردها، وباستخدام شركة الاتصالات الخاصة (Deutsche Telekom) 1996 التي طرحت 14 مليار دولار كرأس مال، إلا أن حاجة (China Telecom) من الخصخصة معها كان فقط 2 مليار دولار، ولكن الصناعة الصينية للاتصالات كانت معقدة أكثر بكثير من الألمانية، حيث استغرق الأمر تفرغ ما يفوق 350 محاسبا لاستيعاب الحالة، وعلى الرغم من ذلك عندما طرحت الشركة أخيرا أسهما من خلال اكتتاب عام في أكتوبر 1997، فقد فاقت التوقعات بالضعف لترتفع فوق 4.5 مليار دولار.

هذه الخصخصة الناجحة لـ((China Telecom) فتحت باب التنافس في قطاع الاتصالات، ومع العام 2008، فقد أصبح للاقتصاد الصيني ثلاثة دعائم وطنية متنافسة، وبهذه الطريقة تم خصخصة الصناعة كاملة، ففي حين توقفت شركة واحدة أصبحت هناك شركات عدة تتنافس فيما بينها.

تُظهر إعادة هيكلة القطاع النفطي أن الصعود الاقتصادي للبلاد لم يكن سلسا بالكامل:

حققت خصخصة قطاع الاتصالات نجاحا كاسحا، فلماذا التوقف هنا؟ الخطوة القادمة هي النفط، هذا القطاع بحاجة ماسة للإصلاح.

عندما شارفت تسعينات القرن الماضي على نهايتها كان القطاع النفطي يعاني من العطالة بشكل كبير ويتوسل الإصلاح وإعادة الهيكلة، وعلى الرغم من المحاولات السابقة لتحسين المواد، إلا أن الشركة الوطنية النفطية الصينية (CNPC) كانت متخلفة عن ركب مثيلاتها من الشركات المنافسة الغربية، وكان أحد أعظم تحديات الشركة النفطية الوطنية ارتفاع تكاليف موظفيها، قبل إصلاحات (Deng Xiaoping) كان العمال الصينيون يتعينون في ورشات العمل لأجل لقمة العيش، كانت الشركات تقدم السكن والعناية الصحية، فلزم العمال شركاتهم وهي بدورها لم تطرد أحدا، هذا كان حال أغلب الشركات الحكومية في الصين، وخصوصا في الشركة النفطية الوطنية، ومع العام 1999 بلغ عدد موظفيها مليون ونصف، وهو رقم مذهل إذا قيس بالثمانين ألف موظف في شركة (BP ) العملاقة آنذاك.

إذا لن يكون مفاجئا أن عملية إعادة الهيكلة ستكون بغاية التعقيد والتكلفة، وبينما عانت خصخصة الاتصالات بعض المصاعب، إلا أن تحويل شركة (CNPC) إلى شركة منافسة في السوق العالمية هو حالة فريدة نادرة.

لسبب ما كانت الملاحة صعبة في البيئة الاقتصادية العامة، حيث أن الأزمة المالية الآسيوية خفضت الطلب على النفط فانحدرت أسعار النفط حول العالم إلى أدنى مستوياتها منذ عام 1973.

عندما تم إدخال الشركة الوطنية النفطية أخيرا إلى السوق العالمية باسم النفطية الصينية (PetroChina) تم تسريح حوالي ثلثي عمالها دفعة واحدة لجعلها أكثر فائدة وجاذبية للمستثمرين في السوق العالمي، لم يجد أغلبية العمال المقالين عملا آخر بعد تسريحهم الذي بدا ظالما، ما قاد إلى احتجاجات واسعة في الصين وحتى في الولايات المتحدة الأمريكية.

ولسوء الحظ فقد عكس هؤلاء المتظاهرون المقالون شائعة أوسع عن حداثة الاقتصاد الصيني، ففي عام 2004 قدر صندوق النقد الدولي أن الصين قامت بإلغاء ما يزيد عن أربعين مليون شاغر عمل ما بين عامي 1990 و2001.

إصلاح البنوك ونظام التعليم في الصين جعلها أيضا أكثر انسجاما مع السوق العالمية:

بين كل هذه التحولات السريعة في الصين كانت هناك مشكلة صارخة لا يمكن تجاهلها، ففي مجالي البنوك والتعليم لم تكن الصين مطلقا منسجمة مع السوق العالمية، فكيف تم التعامل مع هذا؟

في التسعينات لم يكن أمام الجامعات الصينية عائق لتخريج مهندسين رائعين، أما حين يحتاج الأمر منها إنتاج مدراء أعمال مقتدرين فقد تخلفت عن ركب الجامعات الغربية كثيرا، أدرك هذا الرائد الصيني (Zhu Rongji) فقرر أن القسم التعليمي المختص بإدارة الأعمال في جامعة (Tsinghua) يحتاج إلى إصلاح، وطلب من المؤلف تقييم المدرسة المعروفة ب (MIT of China) وطرح برنامجا تنفيذيا جديدا.

عندما حضر المؤلف في مدرسة إدارة الأعمال في هارفارد، لم يكن هناك أي إجابات صح وخطأ، يجب أن تفكر بنفسك، وهذه مهارة ضرورية لكل من يتطلع إلى أن يكون مدير ناجحا، وكان إحضار هذه النبذة هو هدف البرنامج التنفيذي الجديد في جامعة (Tsinghua)،

كيف ذلك؟ طبعا بالتحول إلى التعليم الذي يرتكز على دراسة الحالة والتركيز بشكل أقل على الجانب النظري.

في 2001 تم إطلاق البرنامج الأول “الإدارة في عصر النت” وسرعان ما انضم ما يزيد عن خمسين ألف طالب للبرامج التنفيذي في جامعة (Tsinghua). احتاج القطاع المصرفي أيضا إلى إصلاحات جذرية لكي يتماشى مع السوق العالمية، ولكن كيف؟ في البداية تم إنشاء أربع مصارف حكومية لتتنافس فيما بينها بما يجعل القطاع أكثر فاعلية، ولكن جرت الرياح عكس الاتجاه ولم توافق هذه البنوك الخطة المرسومة لها، حيث بدأت بتمويل شركات حكومية بقروض غير مناسبة مما جعلها تخرج عن السيطرة سريعا متسببة بالتضخم ومهددة اقتصاد البلاد بالكامل، استمرت القروض السيئة للمصارف الأربعة بالتراكم فتطلب الأمر حلا عاجلا.

كانت الحكومة مصممة على إنهاء هذا العبث من خلال سلسلة من إعادة الهيكلة وتسريح العمال، نجح المصرف الصيني الأكبر (ICBC) بالتخلص من 135 مليار دولار من مستحقات القروض السيئة خلال ست سنوات فقط ليجعل القطاع المصرفي في النهاية أكثر تنافسا.

تحتاج الصين أيضا إصلاحا سياسيا واسعا لتتمكن من بناء اقتصاد أكثر ديمومة:

رأينا في البداية كيف أن تحولا اقتصاديا واسع النطاق في الصين ترك انطباعا واسعا متساويا على كل البلد. أما اليوم، كرائدة في السوق العالمية، فإن للصين القدرة على التأثير على العالم كاملا، وإلى درجة مخيفة أيضا.

من التطورات اللافتة التي يحتمل أن يكون لها أصداء واسعة في كل أنحاء العالم هي الديون الصينية، إذا لم يتم التحكم بارتفاع الديون فقد تواجه الصين انهيارا اقتصاديا يدمر اقتصاد العالم، فقد ارتفعت نسبة الديون في الاقتصاد الصيني من 130 بالمئة من حجم الناتج المحلي في 2008 إلى 206 بالمئة في 2014، وفوق ذلك، فالديون في الواقع تنمو بشكل أسرع بكثير من الناتج المحلي، بمعنى آخر، نحن أمام أزمة تامة.

في نيسان 2014 أبدى صندوق النقد الدولي قلقه حيال الأمر، داعيا الصين لمزيد من الضبط لمستويات ائتمانها المتضخمة.

كيف استطاعت الصين تجنب مثل هذا الانهيار؟ حسنا، الخطوة الأولى كانت بتفويض المزيد من السلطة للشركات الحكومية، في الوقت الحالي يسيطر الحزب الاشتراكي (أحد الأجسام السياسية) على مهمة التوظيف والطرد في الأقسام التنفيذية للشركات الحكومية، ولجعل الشركات أكثر إيجابية في التعامل مع الديون، فعليها أن تعمل تجاريا، وهكذا يسمح لها بالتنافس في السوق.

وهناك قطاع آخر يدعو إلى الإصلاح وهو البيئة، النمو الاقتصادي الصيني ترك انطباعا هائلا على البيئة، فقد بلغ التلوث في بكين مستويات أكثر مما تعتبره وكالة حماية البيئة الأمريكية هيستيريّا، هناك تدني في منسوب المياه الجوفية في الأجزاء الشمالية من البلاد، بينما تلوثت الأنهار والبحيرات لدرجة أن الماء فيها أصبح غير صالح للشرب.

ولمقاومة التدهور البيئي، يتعين على الصين أن تستثمر في تقنية كفاءة الطاقة، وهذه ميزة ليست بالسهلة، لذا على الولايات المتحدة الأمريكية وباقي الدول أن تساعد الصين في التحول إلى نظام اقتصادي أكثر ديمومة.

جاء معهد باولسون مصمَّما لهذا الهدف، فأقام دورات لرؤساء البلديات في الصين حول كيفية الحفاظ على الديمومة العمرانية الحضارية ورسم خرائط توضح التنوع البيولوجي في الصين وتعزز حماية البيئة في الأراضي الرطبة منها.

تواصل أقوى ساهم بتقوية العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين:

في أي علاقة جيدة يكون التواصل المفتوح أساسيا في حل المشاكل المعقدة، وهو أهم عندما يكون بين دولتين ذوات قوة كبيرة. باكرا من بداية القرن الواحد والعشرين لم يكن الحوار مستقرا بين أمريكا والصين، فكيف تحسنت الأمور؟

في 2006 اتفق الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش مع الرئيس الصيني هو جين تاو على إطلاق مشروع الحوار الاقتصادي الاستراتيجي (SED) وهو عبارة عن سلسلة من اللقاءات لتقريب وجهات النظر بين الصين وأمريكا حول القضايا الاقتصادية، وقبل انطلاقة مشروع الحوار التقى عدد من المسؤولين الصينيين رفيعي المستوى مع أعضاء في الخزانة الأمريكية لمناقشة بعض القضايا.

 ولأن هؤلاء الأعضاء كانوا يعلمون أفكار متنوعة عن الأهداف الأمريكية، فقد كانت الحكومة الصينية ستتلقى منهم رسائل متضاربة وغير منسجمة، لذا ولضمانة أن يتكلم أعضاء الخزانة الأمريكية بصوت واحد ولضرورة أن يغردوا في سرب واحد، تم تشكيل منصب لتنسيق تبادل الآراء بين أعضاء الخزانة الأمريكية والصين، هذا التسلسل الهرمي ناسب الصينيين الذين اعتادوا في نظامهم على الهرمية الضيقة، ورشح بوش الشخص الذي اقترح هذا المنصب ليكون أول من يملؤه.

جرى الحوار الاقتصادي الاستراتيجي الأول في بكين في 14 و15 ديسمبر من عام 2006، وساهم بنقلة مهمة في العلاقات الأمريكية الصينية، على سبيل المثال، وافقت الصين لبورصة ناسداك ولشركة التبادل المالي في نيويورك (NYST) على فتح مكاتب عمل في الصين، كما وافقت على استئناف المفاوضات المتوقفة المتعلقة بتوسيع عمل طيران النقل الأمريكي ليشمل الصين ذهابا وإيابا، وتغيير آخر اقتضى تسهيلات في التمويل لدعم الصادرات الأمريكية إلى الصين، وحيث كانت التجارة بين الدولتين ملفا شائكا، إلا أن هذا الحوار أسهم في انطلاقة حية لها.

يجب على الصين وأمريكا العمل سوية لمواجهة القضايا العالمية:

الجميع يعلم أن أمريكا والصين تتشاركان علاقة استراتيجية منذ عدة سنوات، وتعود هذه العلاقة إلى سبعينات القرن الماضي، قاعدة هذه العلاقة أن أمريكا تستفيد من الواردات الصينية قليلة التكلفة وأن الصين تستفيد من شراء الأمريكيين للبضائع الاستهلاكية الرخيصة، والآن بينما نمت الصين حتى أصبحت من ببن الأنظمة الاقتصادية الأقوى في العالم، فلماذا نساعد منافسا؟ يتساءل أمريكيون.

الجواب بسيط: لأن القضايا الصينية قضايا عالمية تؤثر على الولايات المتحدة أيضا، وفي هذا الصدد نشرت دراسة أمريكية في الأكاديمية الوطنية للعلوم عام 2014 أن ما يقارب ربع التلوث الحاصل على الشاطئ الغربي للولايات المتحدة سببه المعامل الصينية وتحمله الرياح عبر المحيط الهادي، ومن الواضح أن دعم الصين في هدفها إلى اقتصاد أكثر استقرارا هو استثمار في المستقبل الأمريكي أيضا.

وعلاوة على ذلك، فالعلاقة الاستثمارية المتبادلة بين الجانبين هي فائدة متبادلة لكل منهما، بينما ينمو الاستثمار الأمريكي في الصين، يتزايد الاستثمار الصيني في أمريكا أيضا، بل إن الاستثمار الصيني تضاعف في أمريكا ما بين عامي 2012 و2013 ليصل إلى 14 مليار دولار بمجموع عدد من القطاعات، من الأعمال الزراعية للعقارات، وعلى الرغم من كراهية بعض الأمريكان لاستملاك الشركات الأمريكية من قبل مالكين أجانب، إلا أن عليهم أن يثمنوا الكم الهائل الذي يحدثونه في تعزيز النمو والعمالة. خذ على سبيل المثال مجموعة (Wanxiang Group)، أكبر ورشة تصنيع صينية لقطع غيار السيارات، بإيرادات 23.5 مليار دولار توظف حوالي 6000 أمريكي في 14 ولاية. خلال الأزمة المالية، استثمرت (Wanxiang Group) بشكل كبير في شراء معامل قطع الغيار الكادحة، فأسهمت بإنقاذ 3500 فرصة عمل.

لذلك وبالنظر للأمام فإن هناك الكثير من المنفعة بالعمل مع الصين وليس بالعمل ضدها. وهكذا فإن تطوير علاقة متماسكة مع الصين مع فهم صحيح للمصالح الصينية له دور أساسي إذا كنا نريد الإمساك بدفة التحديات العالمية المستقبلية.

“ماذا قال ترامب؟”

“ماذا قال ترامب؟”

ماذا قال ترامب؟

كيف يمكن للفوضى التركية الكردية السورية أن تنفع الولايات المتحدة

 

“لا ينبغي أن ننفق ثروة كبيرة على إضعاف التأثير الإيراني في سوريا” هذا ما يمكن استخلاصه من مكالمة ترامب المتلعثمة.

كانت مكالمة الرئيس ترامب مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان الأسبوع الفائت دليلا على أن (الإخوة ماركس) هم مجموعة أكثر تناسقا من ترامب مع أولئك الذين يديرون معه ملف السياسة الخارجية في الإدارة الحالية، هذا التعثر والتلعثم يعكس فريقا ما زال ينتقص الاستراتيجية الصلبة تجاه سوريا.

أكد الرئيس مجددا لنظيره التركي أن الولايات المتحدة ستوقف الدعم العسكري عن الميليشيات الكردية، ذاتها القوى التي تعتمد عليها الإدارة الأمريكية مع قوتها الجوية لهزيمة دولة الخلافة الإسلامية في العراق وسوريا، وكانت تبني عليها الأمل في الضغط على النظام السوري واحتواء إيران في سوريا، ولكن تركيا طالما ضغطت على واشنطن لإيقاف الدعم عن الميليشيات الكردية شمال سوريا، والتي هي بنظر تركيا متحالفة مع حزب العمال الكردستاني الإرهابي (PKK ) لزعزعة الاستقرار الداخلي في تركيا وتهديد أمنها على طول الحدود مع سوريا، وقد أكد البيت الأبيض يوم الجمعة الفائت أن ترامب أذعن لهذا الطلب، تاركا بذلك الوزارة الخارجية ومؤتمر الأمن القومي في حيرة يتخبطون لتأويل ما فعله الرئيس ترامب ولتجاوز تبعاته.

وكان مسؤولون سابقون في الإدارة الأمريكية قبل هذا التصريح بنهار واحد قد أعربوا على منصات إعلامية عن نية الولايات المتحدة استخدام القوات الكردية المدعومة أمريكيا للضغط على نظام الأسد وداعميه الإيرانيين للركون إلى الحل السياسي، في مسعى من واشنطن حسب ما صرحوا للتحول من حملتهم ضد داعش إلى الظهور بمظهر الساعي إلى استقرار البلاد وبذل الجهود للدفع إلى العملية السياسية.

وكان وزير الدفاع جيمس ماتيس قد صرح في لقاء صحفي أن القوات الأمريكية ستبقى في سوريا إلى حين التوصل للحل السياسي، وقال: “لن نغادر الآن وقد تصدعت عملية جنيف”.

من الصعب أن نتخيل أن توقيت كلمة الرئيس ترامب وما جاء فيها منتقى بعناية ومُعدٌّ بشكل دقيق، حسب الوزير الخارجي التركي، فإن ترامب أخبر أردوغان أن هذه المهزلة (تسليح الأكراد) ينبغي أن تكون متوقفة منذ زمن بعيد، حيث لا يوجد علم مسبق لدى الأكراد عن شيء كهذا، ولا عن معالجة الإدارة الأمريكية لقرار مثل هذا من قبل.

ما فعله الرئيس ترامب بالأصل هو سحب البساط من تحت أحلاف أمريكا الأكراد، محبطا بذلك سياسة إدارته الساعية إلى تقوية موقفها ضد إيران، وبذلك يكون قد أبطل التأثير الأمريكي على ساحة المعركة وعلى محادثات السلام تباعا.

قد يكون الرئيس ترامب استنتج أن تركيا حليف قيّم أكثر من الأكراد في حقبة ما بعد داعش، وأنه قد تلقى ضمانات من الرئيس أردوغان بدعمه للنفوذ الأمريكي، إلا أن الأتراك ليس لديهم الكثير ليقدموه في ساحة المعركة ولا على طاولة المفاوضات، حتما إذا قيسوا بالقوات الفعلية في سوريا، وحتى الآن لم يتضح للإدارة الأمريكية كيف ستطبق إيقاف تسليح الأكراد، وبالنظر إلى ما حدث، سيترك هذا القرار تأثيرا إما كبيرا أو ثانويا على القدرات القتالية للميليشيات الكردية، أو سيزيد من العداوة التركية لأمريكا إذا تراجعت الأخيرة عن التزامها.

بالمختصر، كل ما في الأمر أننا أمام إدارة ما تزال في حيرة من أمرها في سوريا، ولا تعلم كثيرا كيف تتعامل مع الوسط ما بعد داعش، وأنها بظاهر قرارها قد جردت نفسها من خيار تسليح الأكراد، وهذا ليس له أي منفعة حقيقية في جعلها رائدة في الحلبة المسيطر عليها روسيا وإيرانيا.

ومن باب السخرية، حتى لو تلعثم ترامب بالمكالمة، إلا أنه بالنتيجة جر نفعا للمصالح الأمريكية، ذلك لأن الولايات المتحدة ليس لها مصالح حيوية في سوريا تبرر لها إنفاق الموارد الكبيرة التي يتطلبها تهميش النفوذ الإيراني في هناك.

الصراع في سوريا لا يؤثر على تدفق النفط من الشرق الأوسط، والولايات المتحدة وشركاؤها في التحالف أنجزوا نجاحا باهرا في تحييد واحتواء الجهاديين في سوريا، وعليه فإن أي هجمة إرهابية محتملة في الولايات المتحدة ستكون على الأغلب ناشئة من البلد نفسه وناجمة عن شخص بمفرده (عملية الذئب الوحيد) أكثر من احتمال كونها منظمة ومخططا لها ومدعومة من مركز تنظيم داعش، وطالما بقي الاتفاق النووي مع إيران ساريا فعلى الأقل لن تهيمن إيران على المنطقة بسلاح نووي، ولدى الإسرائيليين القدرة وزيادة على تدبر أمنهم في الجوار.

وحيال كوريا الشمالية، فقد أسفرت التصريحات المنفصمة والغير متناغمة للرئيس ومستشاريه عن شيطنة المشكلة وجعلها عصية على التعامل، على خلاف ذلك، في سوريا كانت نتيجة المكالمة لحسن الحظ أقل ضررا وربما خرجت بنتيجة موفقة.

 

المصدر: أمريكا اليوم USA TODAY

الكاتب: آرون ديفيد ميلر وريتشارد سوكولسكي

“مواجهة التوسع الإيراني في سوريا”

“مواجهة التوسع الإيراني في سوريا”

مواجهة التوسع الإيراني في سوريا

Countering Iranian Expansion in Syria

المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي الأمريكي (JINSA)

ملخص تنفيذي

أكّد ترامب في كلمته الشهر الفائت أن خطة العمل الشاملة المشتركة ((JCPOA باتت غير مقبولة، وأن استراتيجية شاملة يجب أن تتبع للحد من عدوان إيران المتنامي إقليمياً، وبعيداً عن الخوض في الاتفاق النووي، هل يتم إلغاؤه أم لا؟ فإنّ الساسة الأمريكيين يركزون أولاً على إعادة بناء مرتكزات قوة لهم، وذلك بمواجهتهم للنفوذ الإيراني الصاعد في الشرق الأوسط.

والأكثر إلحاحاً الآن، وهو ما يتوافق مع النية الأمريكية المعتمدة بالتصدي لسلوك إيران الخبيث في المنطقة، فإنّ على الولايات المتحدة أن تضع العراقيل الحقيقية في وجه المساعي الإيرانية لتحقيق النصر التام في سوريا عبر نظام الأسد، الوقت هو جوهر المسألة؛ فباستعادة القوات المدعومة إيرانيا لما يقارب غالبية البلاد، ومع استئثارها بكثير من المناطق التي تم تحريرها من الدولة الإسلامية (داعش) من قبل التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، فإن هذه المكاسب الإستراتيجية وسواها تهدد بإحكام القبضة الإيرانية على سوريا ما بعد الحرب، وتمهد الطريق للسيطرة على الجسر البري الذي يربط إيران بلبنان وحزب الله مباشرة.

تحتاج الولايات المتحدة استراتيجية متماسكة وحضورا قويا للنظر فيما وراء السقوط الوشيك لـ “داعش”، لردع الأهداف الإيرانية الرامية لزعزعة الاستقرار في سوريا، ولإعادة التأثير الأمريكي ضد إيران، وإن إيران، على رغم النجاحات الأخيرة التي أحرزتها مؤخرا، إلا أنها أنهكت نفسها في سوريا؛ فمن خلال إعادة الاستحواذ بالقوة على البلاد كاملة لصالح الأسد، باتت القوات الإيرانية والميليشيات المدعومة إيرانيا مستنزفة ومعتمدة على الدعم الجوي الروسي لتحقيق حتى أهدافها التكتيكية ضد بقية القوى الثورية، بالإضافة إلى أن الدعم الإيراني للأسد تقاطع مع غياب أمريكا عن حلفائها في المنطقة خلال السنوات السابقة، وبهذه الحالة فقد كرست إيران نفسها لبقاء الأسد بالسلطة واسترجاع البلاد كاملة لصالحه.

إنّ تكاليف التراخي باهظة، فالقوات المدعومة أمريكيا تكمل عملها الصعب باسترداد آخر معاقل “داعش” السورية بالقوة، تاركة المجال لإيران ووكلائها باستراق التقدم والاندفاع عبر دير الزور والفرات باتجاه الحدود العراقية، هذا الهجوم للميليشيات الإيرانية سيقتطع أرضاً ثمينة في حساب الصراع ما بعد الحرب، هذه المقاطعة تصل الفجوة بين هذه القوات وتلك التي تقاتل ضد داعش والأكراد شمال العراق في مسعى منها للوصول إلى الحدود السورية، وقد صرح مسؤولون إيرانيون مع بداية هذا الشهر أن الرقة وباقي المناطق التي تم انتزاعها من قبل القوات المدعومة أمريكيا سيتم تحريرها أيضا.

إن انتصار الأسد التام الذي سهلته روسيا وإيران سوف يقوض مصداقية الولايات المتحدة وتعهداتها في المنطقة، ويوطد المكانة الإيرانية لتكون القوة الأولى المسيطرة على الطرق الحيوية الدولية في الشرق الأوسط، وبشكل متزايد، تتجلى نتائج النفوذ الإيراني المتنامي في المنطقة، بدءا بلبنان الذي صرح فيه رئيس الوزراء أن سبب استقالته هو النفوذ الإيراني في البلد، وانتهاء باليمن حيث شنت القوات الحوثية المدعومة من إيران أوقح هجماتها الصاروخية على المملكة العربية السعودية، ومع ذلك فإنّ الساسة الأمريكيين ليس لديهم هدف معلن في سوريا غير تدمير داعش، مع بعض التعهدات الضئيلة منهم بلعب دور دائم في البلد.

لتجنب هذه النتيجة التي ستقلب الموازين الجيوسياسية الإقليمية، على الولايات المتحدة اتخاذ استراتيجية تمنع روسيا وإيران أن تصبحا حاكما لا يُضاهى لمستقبل سوريا السياسي، وأن تؤسسا لتواجد عسكري دائم على طول الطريق من طهران إلى المتوسط -التهديد الغير مقبول بتاتا لحلفاء أمريكا الأساسيين وخصوصا إسرائيل والأردن.

وهذا سيتطلب من الولايات المتحدة وشركائها في المنطقة ما يلي:

1-تبني سياسة واضحة معلنة في سوريا:

أ   يجب على الولايات المتحدة وشركائها في التحالف أن يحافظوا على تواجد عسكري مستمر على الأرض وفي الأجواء السورية من أجل تحقيق الأمن لإعادة الإعمار، ولأجل منع كلاً من ظهور داعش مجددا وعودة السيطرة الكاملة للأسد على البلاد.

ب   على الولايات المتحدة وحلفائها ووكلائها أن يدافعوا عن أنفسهم بشكل حاسم إذا تمت مهاجمتهم.

2-الاستمرار بدعم المجموعات المناوئة للنظام وتطوير قدراتها ومساعدتها في الحفاظ على البقاع الاستراتيجية التي تم تحريرها من داعش. وهذا يتطلب تدريبا أميركيا واسعا مستمرا وتقديم المشورة والمعدات والمعونة وبذل الدعم الناري في سوريا.

3-العمل مع الحلفاء الإقليميين ضد تزايد التسليح الإيراني في سوريا.

خلفية استراتيجية

أي استراتيجية صلبة لسوريا ما بعد داعش يجب أن تضع في حسبانها وينعكس عنها ثلاثة ميزات بارزة، والمحددة للطبيعة الحالية لصراع الأعوام الستة.

1-ازدياد التصادم الأمريكي الإيراني

يبدو أن خدمة نهر الفرات كشريط فاصل بين القوات المدعومة أمريكيا عن تلك المدعومة إيرانيا باتت تفقد مفعولها بتسارع؛ فالنهر يقسم بين القضاء الشمالي الشرقي الذي يشكل ثلث سوريا بخليط سكاني متناثر من عرب وكرد عن القضاء الأساسي الغربي المكتظ سكانيا، ويشمل الأخير الأرض المنشأ للنظام العلوي (الساحل) مع الحدود السورية الأردنية فلبنان والجولان ويضم أغلب المدن الكبرى كدمشق وحمص وحماة وإدلب وحلب، وقد اندلع أكثر القتال حدة وأكثره كلفة على النظام والثوار والمدنيين على حد سواء غرب النهر، حيث تشكل هذه المنطقة مراكز الثقل العسكري للتدخل الخارجي من إيران وحزب الله وروسيا وتركيا.

بعد مرور قرابة العام على اندلاع الحرب الأهلية في سوريا عام 2011، أعادت أكثر قوات النظام شرق الفرات انتشارها ضد تركيز الثوار الأساسي في قلب الأرض السورية غربا، وعلى الفور بدأ التنافس بين الميليشيات الكردية و”داعش” لملء الثغرة الأمنية الحاصلة، ما نتج من التمدد المتسارع لـ “داعش” جرّ الولايات المتحدة مع أحلافها حالا للحرب، ما شجع ظهور قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكيا ذات القيادة الكردية عام 2015، لتكمل هذه القوات فيما بعد العبء الأكبر من القتال ضد “داعش” في سوريا.

حتى وقت متأخر جدا، كان هذان الصراعان – قوات سوريا الديمقراطية مع وحدات الدعم الأمريكية ضد داعش في الشرق، واكتساح إيران للمدن غربا – كانا قد حدثا بمعزل عن بعضهما البعض، وهو ما منح الولايات المتحدة هامشا مهما للمناورة ولتطويق داعش على طول الضفة اليسرى للفرات، ولكنه بنفس الوقت أجهض أي محاولة لكبح جماح إيران وحزب الله على الحدود السورية مع إسرائيل والأردن.

حتى اليوم لا يزال الفرات الحدّ الرئيسي الفاصل، ولكن مع هجوم النظام الأخير باتجاه دير الزور فقد أصبح جنوده وحلفاؤه يمشطون الضفة اليمنى للفرات، وفي حال لم تتم إعاقة هذا التقدم الآني لهم، فإنّ طهران ووكلاءها سوف تحدّ أيّ تقدّم لاحق لقوات سوريا الديمقراطية باتجاه محافظة ديرالزور الغنية بالموارد والتي تنشطر حول النهر، وبنفس الضربة تكون طهران قد سيطرت على أكثر الطريق البرية حيوية، من إيران مرورا بالعراق إلى قلب سوريا ومنها إلى لبنان والجولان، والسماح لطهران بتحقيق هذا الهدف يزيد من الاحتمالية المتوقعة مسبقا حول تبادل إطلاق النار بين القوات الأمريكية والإيرانية أو الوكلاء عنهما.

2-تأثير أمريكي غير كاف

العامل الثاني الأبرز الذي يجب أن تضعه استراتيجية الولايات المتحدة في حسبانها هو قلّة مصداقيتها في أعين أصدقائها وخصومها على حدّ سواء، فالانسحاب السريع للولايات المتحدة من العراق عام 2011، والذي تلاه تطهير حكومة بغداد الشيعية للسنة من قيادة البلاد، لا تزال أصداؤه إلى الآن تثير شكوك الحلفاء الحاليين حول انسحاب متهور لأمريكا من سوريا بعد سقوط “داعش” متخلية عن مفاتيح البلاد لإيران وتاركة قوات سوريا الديمقراطية لتواجه مصيرا ليس أفضل حالا من مصير سنة العراق، حيث أسفر انعدام التأثير الأمريكي في البلد نفسه عن هجوم بغداد المدعوم أمريكيا لاسترداد كركوك من الأكراد الذين دافعوا عن هذه المدينة الاستراتيجية لسنوات ضد “داعش”.

فشل الإدارة الأمريكية بالتمسك بخطوطها الحمراء إبّان استخدام نظام الأسد للسلاح الكيماوي عام 2013 – بعد أن أخبرت إيران دبلوماسيين أمريكان أنّها ستنسحب من محادثات الاتفاق النووي الحديثة العهد فيما لو فرضت الإدارة الأمريكية عقوبتها – زاد من ضعف الموثوقية الأمريكية بإمساك زمام المنطقة وفرض ضرائب على اعتداءات إيران ووكلائها، هذه المحادثات النووية ونتيجتها التي تمخضت عام 2015 – خطة العمل الشاملة المشتركة – أضعفت أكثر فأكثر المصداقية الأمريكية عندما خففت العقوبات عن إيران بشكل صريح غير مبدية أيّ نوع من المقاومة لسلوك إيران الرامي لزعزعة الاستقرار خارج الشأن النووي.

سارعت كل من إيران وروسيا وتركيا لاستغلال الفراغ الحاصل، فطوّرت الدول الثلاث ووسّعت أذرعها العسكرية في سوريا إبّان خطة العمل المشتركة (JCPOA ) والخط الأحمر الأمريكي عام 2013، والذي بقي عالقا، دسّت إيران المزيد من قواتها الخاصة ووكلائها الشيعة إلى سوريا، وبشكل سريع أمسكت بزمام المجموعات التي تقاتل على الأرض نيابة عن النظام وتحكمت بها، فيما بدأت روسيا عملياتها القتالية عام 2015، والآن لديها عقود بإقامة قواعد عسكرية لها تستمر طويلا لمرحلة ما بعد الصراع الحالي، ومع بداية العام 2016، تدخلت تركيا مباشرة ضدّ قوات سوريا الديمقراطية غير آبهة بنظرة زملائها في حلف الناتو تجاه هذه الخطوة.

ولتأكيد بصمتها الجديدة، قادت هذه الدول الثلاث ذاتها مبادرات تفاوض حول مصير سوريا بعد الحرب بمعزل عن الأمم المتحدة، وبذلك ليتم تهميش الولايات المتحدة ومعارضي النظام بشكل صارخ، الرسالة واضحة: واشنطن غير متوقع لها البقاء في سوريا حاليا، لذلك لن يكون لها كلمة في مستقبل البلد.

3-نقاط الضعف الإيرانية

ربما أسأنا تقدير الاستنزاف الإيراني في الصراع السوري، والذي يرجح أن يكون الميزة الثالثة الأبرز في حسبان أي استراتيجية أمريكية، إذا كان خسران أمريكا لمصداقيتها جعل التدخل العلني لروسيا وحزب الله وإيران ممكنا، فإنّ الاستنزاف الحاد في القوات المسلحة السورية جعلت التدخل ضروريا، فبينما لا يزال النظام يمتلك رأسا علويا ثقيلا، إلا أن قواته في الأراضي السنية الواسعة عانت خسائر عالية وانشقاقات جماعية منذ البداية تباعا، جاعلة النظام على شفى حفرة عام 2015.

ليحافظوا على سوريا تدور في فلكهم، كان على إيران وحزب الله أن يحلّوا محلّ القوات السورية على الأرض لا أن يبقوا مجرد قوات رديفة، روسيا عملت بطريقة مماثلة بما يخص قواته الجوية بتقديم الدعم الجوي لها، حشدت إيران آلاف الرجال من الميليشيات الشيعية جاءت بهم من كلّ دول الشرق الأوسط لتستخدمهم كمرتزقة لتبديل النوبات، ويقودهم على الخطوط الأمامية حزب الله والحرس الثوري الإيراني، وحيث وجدت نفسها مستنزفة في معاركها الوحشية لاستعادة قلب البلد، ومنهمكة في معركة الدمار الشامل لاستعادة حلب شبرا بعد شبر نهاية العام الماضي، فقد صرحت طهران بخسارة أكثر من 2100 عنصر من هذه القوات بما فيهم مئات من عناصر الحرس الثوري قتلوا في سوريا والعراق، وبضم هذه الخسائر للخسائر الثقيلة في صفوف قوات النظام السوري، فقد جعلت الحصيلة إيران أكثر اعتمادا على الدعم الجوي الروسي لاستمرارها بحملات جديدة، خاصة وأنّ كثافة انتشارها تضمحل مع كلّ ميل مربع تستعيده.

خسر حلفاء الأسد الكثير من الأصدقاء بعملهم هذا، حيث سعى نظام الأقلية العلوية لمحو الأغلبية السنية من مدن سوريا الكبرى وبقية بقاع التمرد، وبالدعم الجوي الروسي تمّ له الأمر باستخدام قوة نارية غير متكافئة لا تميز ولا ترى حدّا فارقا بين المدنيين والثوار.

مع ذلك، تجتهد طهران بتعزيز دورها في سوريا، فهذا قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني يقوم بزيارات لافتة لمدن تم تحويلها مؤخرا إلى ركام من قبل القوات الإيرانية، ويترافق ذلك عادة مع موجات من اللاجئين يتدفقون بعكس الاتجاه، والمسؤولون الإيرانيون يبثون الدعاية عن دور دولتهم في حلب والمعارك المشابهة لها بتحويل المكان إلى أرض محروقة ثم يسوقونها على أنّها عملية سلام، ليبقى ما يفعله النظام السوري ورعاته مقتصرا على مفاقمة الأسباب الأساسية للثورة.

إنّ نتائج التدخل الإيراني المكلف على سوريا المستقبلية جليّة، لسنين عدّة كان الحرس الثوري الإيراني يغتنم فرصة الخسائر الهائلة التي تلحق بالنظام ليقوم بردم الهوّة الأمنية والوزارية للبلد مستخدما موظفين تابعين له، منذ سقوط حلب – والذي يرمز لصعود إيران كقوة بارزة على أرض سوريا – بات الحرس الثوري وشركاته الوهمية يمول الاستثمارات الإيرانية الأسدية الهامة، وهذا يتضمن تنازلات كبيرة في جوهرها ضمان السيطرة الإيرانية على إعادة الإعمار في سوريا واحتكارا وشيكا لقطاعات الطاقة المربحة والمالية والبناء والمعادن والاتصالات، وتحاول طهران أيضا استصدار حقوق التمركز الدائم لقواتها البرية والبحرية والجوية.

تواجه الولايات المتحدة مع شركائها السوريين معضلات أقلّ تأثيرا على الأرض، حيث تعمل القوات الأمريكية مع ذراع عسكري صغير متركز في المساحات المأهولة بأعداد أقلّ من الأكراد ومن العرب السنة في محافظتي الرقة ودير الزور، وتعكس البنية النسيجية لقوات سوريا الديمقراطية الذوبان العرقي والمناطقي، وعلى العكس تماما من إيران، فقد صرّح الضباط الأمريكيّون ألّا نيّة لديهم للتغيير الديموغرافي بعد تأمين قوات سوريا الديمقراطية للمناطق التي تحت سيطرة “داعش”.

الولايات المتحدة بحاجة لاستراتيجية سورية

كسابقه، وضع الرئيس ترامب لنفسه أولويّة تدمير “داعش” والخلافة التي زعمتها، حتى الأمس القريب، كان الفاعلون في سوريا راضين بما تفعله أمريكا تاركين لها ولقوات سوريا الديمقراطية تحمّل هذا العبء، ومع استلام الأسد وداعميه زمام المبادرة في الغرب، وعجز “داعش” عن التهديد مزيدا بالهجوم، إلّا أنّ الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية فجأة تواجهتا بالقوات المصطفة مع إيران تتسلل لتسرق ثمرة النصر وتخطف أرضاً كانت أمريكا قديماً انسحبت منها بتهوّر.

من وجهة نظر الساسة والمخططين الأمريكيين، فإنّ هذا يخلّ بالتوازن الاستراتيجي في سوريا، فما كان مجرد تصادمات عرضية فبالصحاري الواسعة الخاوية التي تحتلها “داعش”، يصبح الآن ساحة معركة محتقنة على جانبي الفرات، الأمر الذي يهدّد بالحدّ من حريّة المناورة للقوّات المدعومة أمريكيا.

على المستوى الاستراتيجي، ستكون مناورة الأسد لاستعادة البلاد كاملة غير منطقيّة في حال اعتقد الروس والإيرانيون والنظام السوري أنّ أمريكا لن تنسحب من المحاصصة بعد هزيمة “داعش”، وعلى المستوى العملياتي، سيفكرون مرّتين قبل أن يقحموا أنفسهم في مواجهة مع منطقة تواجد أمريكي في حال تلقوا ردعا حاسما حيال عمل كهذا، وهذا لا خلاف عليه لأنّ النظام ورعاته ابتعدوا عن خطوط الإمداد وأرهقوا قوّاتهم في التوسع من ناحية رئتهم الشرقيّة باتجاه الفرات.

يجب على الولايات المتحدة أنّ تطوّر استراتيجية صلبة في سوريا تنعكس عنها هذه الحقائق، مسترشدة بأولويّة جديدة، وهي منع الهيمنة الإيرانية على البلد، وبينما ورثت إدارة ترامب خططا ناجعة من سابقتها، فقليل ما فعلته لترقى إلى مستوى الحالة الاستراتيجية الراهنة، وللملاحظة، فالضربة الصاروخية من طراز كروز، التي أتت ردّا على استخدام النظام السوري للسلاح الكيماوي في نيسان لم يتم توثيقها بأيّ تصريح سياسي يخص مستقبل سوريا.

لخلق المستندات لمحصلة مقبولة لهذا الصراع الضيق الخيارات، يتوجب على الولايات المتحدة ما يلي:

تبني سياسة واضح معلنة حيال سوريا

ربّما كانت العقبة الأكبر على سياسة الولايات المتحدة هي، ببساطة، الاعتقاد السائد من كلّ الأطراف أنّ الولايات المتحدة ستعاود مجددا فعلها القديم بإزالة نفسها وأيّ تأثير لها من الوسط بعد الإعلان عن هزيمة “داعش”.

الرئيس ترامب قال مؤخرا: “سنعمل مع كلّ حلفائنا لمواجهة زعزعة النظام للاستقرار ودعمه لوكلاء الإرهاب في المنطقة” ولكنه لم يقدم خطة سوى المزيد من العقوبات، ولم يأت على ذكر إيران أو الأسد خلال حديثه عن عمليات ما بعد “داعش” في سوريا، فيما وضع وزير الخارجية تيرلسون في أغسطس معيارين لسوريا مستقبلية مقبولة، زوال الأسد من السلطة وانسحاب جميع المجموعات العسكرية الحليفة لإيران خارج البلد، إلا أنّه لم يفصح عن كيفية النيّة الأمريكية لإنجاز هذه المخرجات.

لضمان هذه الشروط، وربما غيرها، على الساسة الأمريكيين تأكيد أنّ:

1-الولايات المتحدة وحلفاءها سيبقون على التواجد العسكري في أرض وأجواء سوريا لتأمين عملية إعادة الإعمار ومنع كلا من ظهور داعش مجددا واستعادة الأسد للبلاد كاملة.

2-الولايات المتحدة وحلفاءها ووكلاءها السوريين سيدافعون عن أنفسهم بضراوة إذا هوجموا.

مساعدة الوكلاء السوريين في الحفاظ على المناطق الاستراتيجية المحررة من “داعش”

الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية هم من تحمّل المعركة ضدّ “داعش”، ليس إيران ولا الأسد ولا حزب الله ولا روسيا ولا تركيا، إكمال هذه المهمة، وبقدر ما هو حيويّ، إلّا أنّه ليس نهاية بحدّ ذاته، بل يجب أن يضفي تأثيرا حيّا على مصير الولايات المتحدة ووكلائها في مرحلة ما بعد الحرب، وعلى وجه الخصوص قوّات سوريا الديمقراطية التي عارضت مسبقا دخول الميليشيات الإيرانية إلى مناطقهم، وعليها أيضا نصب عراقيل واضحة لمنع الجسر الإيراني البرّيّ.

على خلاف داعمي نظام الأسد، تمتلك الولايات المتحدة مواقع قويّة لدعم حلفائها على الأرض من أجل الاستحواذ على آخر ما تبقى من معاقل “داعش” على طول الفرات والحدود العراقية، هناك توترات قائمة بين العرب والكرد في تشكيل قوات سوريا الديمقراطية، وهذا ما يتوجب على أمريكا وحلفائها أن يدركوه ويتعاملوا معه، لكن على الرغم من ذلك، لم تولّد أمريكا و”قسد” شيئا من الحقد مقابل ما فعلته حملات النظام من التطهير العرقيّ، وخصوصا أنّ العرب والأكراد الذين لا يزالون يرزحون تحت حكم “داعش” – وهم محل طمع النظام ورعاته بسبب حقول النفط والمعابر مع العراق – لا يثقون بالنظام العلوي الحاكم لسوريا، وعليه فإنّ تصريحا من الولايات المتحدة يؤكّد عزمها حماية هذه المنطقة من النظام ومن أيّ ظهور جديد لـ “داعش” سيساعد في تعزيز سلطة “قسد” عليها.

وبالتزامن مع هذا، يتوجب على الولايات المتحدة دعم تواجدها وخطط تدريبها وجهود المساعدة والمشورة والجاهزيّة في سوريا، ستكون هذه الخطوات ضرورية لتجنب تضاؤل قدرات “قسد” بينما يستعيدون الأرض ولدعم سياسة أمريكا المعلنة ضد نظام الأسد وقواته الرديفة.

العمل مع الحلفاء الإقليميين ضد تنامي التسليح الإيراني في سوريا

شحنت إيران مسبقاً أسلحة هامة إلى سوريا ومن خلالها بصيغة تهريب غير شرعية عبر البحر، ولديها النيّة أيضا في إنتاج صواريخ ومعدات عسكرية أخرى في سوريا لدعم قدرات حزب الله الهجومية ولترسيخ موطئ قدم لها.

على الولايات المتحدة التنسيق المباشر مع الحلفاء الإقليميين، إسرائيل والأردن ومصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وعليها التنسيق ضمنيّاً مع دول أخرى لقطع الطريق على شحن سفن الأسلحة من إيران إلى سوريا، سيتطلب هذا مراقبة للنقل البحري والقيام بجهود الحظر والتنسيق بدءا من الخليج الفارسي مرورا بالبحر الأحمر وانتهاء بالبحر المتوسط، بالإضافة إلى جهود لحظر استخدام إيران للطائرات المدنية في شحن معدات وطواقم عسكرية إلى سوريا، بالتزامن مع سياسية حثيثة لقطع الطرق البرّيّة خلال العراق وسوريا، هذه المعايير ستحدّ من قدرة إيران على إبقاء قوّة معتبرة في سوريا وإمداد وكلائها.

وفي نفس الوقت، على الولايات المتحدة السعي مع كل هؤلاء الحلفاء لدمج القوة الدفاعية الصاروخية ضد الاعتداءات المسلحة التي تشنها إيران في المنطقة، والأكثر إثارة للقلق استمرارها في شحن الصواريخ المتطورة لحزب الله ليؤسس لنفسه قدرات إنتاجيّة خاصة في سوريا ولبنان.

كلّ هذه التوصيات للسياسة الأمريكية في سوريا تمّ تصميمها لإعادة التأثير ضد إيران، حيث المحاصصة الاستراتيجية على أشدّها وحيث الضغط المضاد لإيران بات هشّا، ومع ذلك، فالأمريكان بمفردهم سيكونون غير كافين للنهوض الكامل بالدور الأمريكي والقيادة الإقليمية المتردّيَيْن نسبيا مقابل إيران، وكما جاء في كلمة الرئيس ترامب في 13 أكتوبر: أنّ الولايات المتحدة تستطيع فقط تصحيح المسار باستراتيجية شاملة ضدّ التهديدات الإيرانية واسعة الطيف.

المصدر: http://www.jinsa.org/publications/countering-iranian-expansion-syria

ملخص كتاب (النظام العالمي)

ملخص كتاب (النظام العالمي)

ترجمة ملخص كتاب (النظام العالمي)

الكاتب هنري كيسنجر

الرسالة الأم في هذا الكتاب:

إن الأنظمة العالمية المختلفة لدى الدول، والتي هي عبارة عن سلسلة من المعتقدات تمثل نظرة دولة ما تجاه حكم وتنظيم الشأن العالمي، هي اللبنات في بناء العلاقات العالمية.

فبينما تقوم بعض الأنظمة الدولية على الاحترام المتبادل لسيادة كل دولة، كالنظام الأوروبي الذي طور في القرن السابع عشر بعد عقود من الحرب، إلا أنه ليست كل وجهات النظر العالمية مزودة بنفس المرونة لدرء الصراعات.

نصيحة قيمة:

أظهر الاحترام لخصومك، عندما تدخل يوما في نقاش حاد مع أقرانك فضع في حسبانك أن تظهر لهم الاحترام، حتى لو كان بإيماءات وتعابير كلامية أثناء التحية لكل واحد، فهذا يخلق انطباعا رائعا عنك.

على سبيل المثال، خلال مؤتمر السلام الذي عقد في ويستفاليا، عومل كل الدبلوماسيين سواسية بغض النظر عن حجم قوة الدولة التي يمثلها كل منهم، وبالنتيجة، فقد ساعد هذا على تسهيل العقبات وتخفيف التوتر وتحقيق اتفاق واسع الطيف.

عليك أن تفهم منطق الصراعات والتحالفات العالمية:

إن محاولة تفهم الكواليس والتعقيدات السياسية قد يكون أمرا مجهدا، هل تساءلت لماذا تستمر الصراعات بين الأمم وتطول أكثر فأكثر رغم المفاوضات المضنية وجهود الوساطة من قبل اللاعبين الدوليين الكبار ومئات الساعات من اللقاءات ومحاورات السلام؟

هذه المقتطفات تمنحك إضاءات ملهمة داخل أوساط السياسات الدولية والتي ترتكز جميعا على مبدأ واحد، وهو باختصار، أن الصراعات تنبع من معتقدات دولية عنيدة تختلف كل واحدة منها عما سواها في نظرتها لطريقة حكم العالم وتقسيمه.

من خلال ملاحظات هينري كيسينجر، السكرتير الأسبق في الولايات المتحدة الأمريكية، سنفهم كيف تؤثر هذه المعتقدات على سياسة الدول الخارجية وكيف ساهمت في تشكل التاريخ.

ستكتشف من هذه المقتطفات ما يلي:

  • كيف ساهمت حرب مدمرة في بتحسين العلاقات الدبلوماسية ضمن أوروبا.
  • كيف تؤثر نشأة (طفولة) سياسي بمفرده على مصير دول برمتها.
  • كيف أن غزوا منغوليا قديم الأمد يؤثر على السياسة الروسية في الوقت الحاضر.

النظام العالمي هو مجموعة من المعتقدات تشرح كيف ينبغي أن يكون العالم، وهي خريطة الطريق للسياسة الخارجية لأي دولة:

هل تسمع نقاشا حول الصراعات التاريخية كالحرب الباردة أو كالأحداث المعاصرة مثل الأزمات العديدة في الشرق الأوسط، وهل تتساءل أي الظروف التاريخية هي التي تسببت بهذه الصراعات؟ حسنا، نقطة البدء في هذه الصراعات هو تاريخ النظام العالمي.

النظام العالمي أساسا، هو ترابط عدد من الأفكار والمعتقدات المعتنقة من قبل مجتمع ضخم، المجتمعات الضخمة -كالأقاليم أو الحضارات-تطور أفكارا واعتقادات حول الطريقة التي ينبغي أن يعمل وفقها العالم ومن يحق له أن يمتلك القوة من بين الحضارات.

لنأخذ الدول الأوروبية على سبيل المثال، جميعها يتفق أن الحكومات ينبغي أن يتم اختيارها بانتخابات حرة ديمقراطية، ولكن هذا الاعتقاد لا ينطبق فقط على دولهم، بل يرغبونه لدول العالم قاطبة.

والآن، كونك عرفت ما هو النظام العالمي، فما الذي يجعله في غاية الأهمية؟

حسنا، إن الأفكار الكبرى والمعتقدات الوثيقة عن النظام العالمي لكل دولة لا بد أن تحدث انطباعا كبيرا على العالم الخارجي، وفي الواقع، فقد شنت عدة حروب نتيجة اختلاف وجهات النظر حول طبيعة النظام العالمي.

إضافة لذلك، فالأنظمة العالمية تحدد منصة الخطاب السياسي الخارجي لكل دولة وتحدد استراتيجياتها بعيدة المدى، تتمثل الأنظمة العالمية بقرارات السياسة الخارجية، والتي تأتي في طليعة الأجندة السياسية لأي دولة، وتهيئ هذه الأفكار العظمى ركيزة آمنة لانطلاق الاستراتيجيات المستقبلية والتخطيط القوي.

مثلا، يعتنق السياسي الموهوب برينس كليمينس فون ميترنيش شعارا، أن الحفاظ على علاقة دولية مستقرة يقتضي إلمامك بالمصالح الحقيقية لللاعبين جميعا، لا بمصالح دولتك فقط.

قد يكون توازن القوى أساسيا للحفاظ على النظام العالمي:

في أعقاب الحرب العالمي الثانية، بدأ التنافس بين العالم الغربي الرأسمالي وخصوصا أمريكا، وبين الاتحاد السوفييتي الاشتراكي للسيطرة على السياسات العالمية، مما مهد لولادة الصراع المشتهر بالحرب الباردة، وهي عبارة عن معركة إيديولوجية امتدت لعقود بقي خلالها مواطنو العالم في ترقب حذر مستمر.

ولكن خلال هذه الأعوام المشحونة المتوترة، لم تندلع حرب حقيقية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، فلماذا لم يتعمق الصراع أكثر؟

كان ذلك لأن كلا الدولتين كانتا متقاربتين جدا من حيث القوة، فشعرت كل واحدة منهما أنها مهددة من عدوها بقدر ما تشكل تهديدا له، في هذه الحالة، رأينا أن توازن القوى سبب حالة سياسية مستقرة.

وقد يبدو مفاجئا أن القوى المتوازنة تتسبب باستقرار تام ينتج عنه التطور والنمو، وفي الواقع فإن القوى المتوازنة تماما تمنع الناس من حركات العنف، لكون جميع الأطراف واعية لحجم القوة المقاومة التي سيجهزها الفريق الآخر إذا تمت مهاجمته، ولذلك لن يحصل أحد على مصلحة مقنعة.

وعلى كل حال، تصبح هذه الحالة مرغوبة لأنها تمنح الوقت للاعبين الآخرين للتخطيط ولحضور القضايا الهامة، لذلك يرحب كثير من السياسيين بحالة توازن القوى شريطة ألا تكون هناك سيادة واضحة لأحد.

طيلة الحرب الباردة، لم تستطع أي دولة أن تكسب أرضا حقيقية لأن الدول الأخرى ستكون لها بالمرصاد، ولا استطاعت أي جهة أن تبادر بعمل عسكري ضد الأخرى لأن النتائج المتوقعة ستكون مدمرة.

وفي الواقع، لم تنته حالة الترقب الباردة حتى انهار الاتحاد السوفييتي رأسا على عقب مخربا بذلك توازن القوة، فقد كان مخزون السلاح النووي لكل طرف يجعل الحالة حساسة والبشرية تتهرب من رصاصة توقد الحرب.

فإن كانت الحرب الباردة فترة تاريخية مزعجة لبعض الأسباب، إلا أنها تشكر لمنعها أي طرف من استخدامه لسلاحه النووي، وببساطة، فقد احترم كل طرف قدرات الطرف الآخر، وهذا لوحده منع قيام حرب نووية شاملة.

أحد أكثر الأنظمة العالمية رواجا نشأ في أوروبا:

لم يحصل البتة أن نظاما عالميا ساد المعمورة كاملة وشمل الكوكب كله، إلا أن واحدا على وجه الخصوص قارب ذلك إلى حد بعيد، لقد تشكل هذا النظام في أوروبا حيث وضع مؤتمر السلام في ويستفاليا له ركيزة النهوض لنشوء طريقة جديدة من السلوك السياسي. وإليك ما حصل:

ما بين عامي 1618 و 1648، كانت أوروبا منهكة بحرب الثلاثين عاما، بدأ الصراع بخلاف ديني بين دول الكلثوليك ودول البروتستانت ولكنه سرعان ما تدحرج إلى سلسلة لا نهاية لها من المعارك الدموية التي حصدت ملايين الأرواح، وبالنتيجة فقد أجرى دبلوماسيو الدول والأحلاف لقاء في إقليم ويستفاليا الألماني ليتفقوا على معاهدات سلام وليضعوا ترتيبات للتفاعل البيني مستقبلا، فقد قرروا أن كل دولة بغض النظر عن حجمها لها حق السيادة الخاص وصناعة القرار وأن على باقي الدول أن تحترم هذه الحقوق، واتفق السادة على ألا تعم حقيقة بمفردها كل الدول وألا يسود اعتقاد واحد، وأقرت الاتفاقية بينهم أن كل المعتقدات المتواجدة في أوروبا متساوية.

وكنتيجة للمبادئ التي تبلورت في مؤتمر السلام في ويستفاليا، فقد تشكل نظام عالمي جديد منح أوروبا الاستقرار، وبينما لا تبدو النقاط الرئيسية في هذا الاتفاق لافتة للنظر اليوم، إلا أنه في ذلك الوقت كان احترام سيادة الدول بندا يحكى عنه في الأحلام ولذلك كان أساسيا في اتفاقية ويستفاليا.

في الواقع، كانت الاتفاقية ناجحة جدا لدرجة أن منحت أوروبا نظاما مستقرا نسبيا حتى القرن العشرين، وخلال ذلك استمرت المعارك الصغيرة بالحدوث ولكن ليست بنفس مستوى الكارثية والتدمير لحروب الثلاثين عاما الضخمة.

وبسبب نجاح هذه الاتفاقية، فإن المبادئ الرئيسية فيها أعيدت مرارا وتكرارا وظلت جزءا من النظام العالمي الأوروبي إلى يومنا هذا، ولكن لماذا كان النظام العالمي الأوروبي على وجه التحديد ناجحا جدا؟

المرونة هي مكون رئيسي في النظام العالمي الأوروبي:

إذا، توازن القوى يضفي الاستقرار على النظام العالمي، أما في أوروبا فإن مكونا جديدا طفى على السطح، ألا وهو المرونة.

خلال حرب الثلاثين عاما، كان بإمكان أي دولة أن تتحالف مع غيرها كعملية دفاع عن نفسها ضد دولة أخرى صاعدة القوة، بعد الحرب أصبحت نظام التحالفات الأوروبية أكثر مرونة بكثير مما كان عليه، فقد قامت التحالفات بمجرد ما وجد الفرقاء أنفسهم مستفيدين من ذلك استراتيجيا، حتى لو تم ذلك عبر الدهاليز الدينية.

لذلك، لم يكن باستطاعة دولة بمفردها أن تسيطر على الأخريات، فلو حاولت إحداهن أن تفعل لوقفت جميع الدول الأوروبية معا لهزيمتها.

ولنعتبر من هزيمة الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت في أوائل القرن التاسع عشر، فقد انطلق ليغزو أوروبا كاملة، وأوشك أن يفعل لولا أن اصطفت بقية أوروبا معا لهزيمته في معركة الدول قرب ليبزيك.

ولكن المرونة في أوروبا نجمت عن عدة عوامل، فخلال حرب الثلاثين عاما، كانت عدة دول تغير مواقفها تاركة حلفاءها السابقين وراء ظهرها، ولذلك لم يكن منطقيا لأي دولة أن تعتمد بشكل كلي على حليف واحد، وهذا بدوره عزز المرونة، ولكن، حالما تعطلت هذه المرونة، انحدرت أوروبا إلى الفوضى والحرب.

في أعقاب الحرب الفرنسية الألمانية التي نشبت بين عامي 1870 و71، أسس القادة الألمان المنتصرون دولة لهم على شاطئ فيرسيليا الفرنسي، كان هذا إهانة عظيمة للفرنسيين، وأبرم اتفاق بين طرفي الطاولة آنذاك، إلا أنه بدل المرونة فقد صنعت أوروبا جبهات جامدة بينها الآن، وأصبحت التحالفات الجديدة التي تقيمها أوروبا تميل إلى القسوة، ويتعهد فيها كلا طرفي التحالف بالصمود والدعم المستمر.

لذلك، عندما شنت الامبراطورية الاسترالية الهنكارية حربا على صربيا إثر اغتيال آركديوك فرانز فرديناند، فقد ولعوا شرارة لسلسلة من ردات الفعل التي نشطت كل التحالفات في أوروبا فنجم عن ذلك الحرب العالمية الأولى.

لعبت ألمانيا دورا مهما في الحفاظ على توازن القوى الأوروبية:

قد يكون مفاجئا لك إذا علمت أن الدولة التي كانت تجعل النظام العالمي الأوروبي محتملا ومستمرا هي الدولة التي لم تنسجم مع أوروبا عبر التاريخ مطلقا، ألا وهي ألمانيا.

حتى عام 1871، لم تكن ألمانيا دولة موحدة، بل عبارة عن تحالف من دول صغيرة ومقاطعات كانت تجمعها اللغة الألمانية، كان هذا من أساسيات سيادة النظام العالمي الأوروبي، لأن تحالف الدويلات هذا لم يكن ليشكل تهديدا، وعلى النقيض، ألمانيا موحدة كانت ستصبح كبيرة جدا وبالغة القوة، دولة قوية مزدحمة كهذه لا بد أنها كانت ستتسبب بخراب التوازن الحساس للقوى الأوروبية آنذاك.

ومن جانب آخر، كانت الدويلات الألمانية الصغيرة متحالفة عبر كثير من المصالح المشتركة، وفي حال أي تهديد خارجي، كان بإمكانها مجتمعة أن تحرك جيشا معتبرا، ولذلك كانت الدول الأوروبية تحذر من إثارة الدويلات الناطقة بالألمانية.

علاوة على ذلك، ساعد موقع ألمانيا في قلب أوروبا على إحداث توازن القوى، بتموضعها بين أكثر الدول، كانت الدويلات الألمانية قادرة على الوصول إلى حدود أي واحدة من الدول الأوروبية خلال مدة وجيزة، وهذا ما ثبط أي دولة أوروبية عن مهاجمة الدويلات الألمانية وإثارتها وعن مهاجمة أي دولة أوروبية أخرى سعيا وراء تنافس القوة.

وعلى كل حال، فإن دور ألمانيا الأساسي في توازن القوى الأوروبية كان يعني أنه حالما تغيرت ألمانيا فإن أوروبا بالكامل سيعاد النظر فيها.

لذلك، عندما توحدت الدويلات الألمانية جميعا تحت حكم بسمارك عام 1871، فقد وضعت ركيزة للحروب العالمية التي ستنهك أوروبا في القرن المقبل، كانت ألمانيا، الدولة الموحدة حديثا، كبيرة جدا وقوية عسكريا لدرجة أنها دمرت التوازن الحساس لقوى القارة.

بعد انضمامها معا، ذهب ألمانيا الجديدة في طلب القوة، وبغزوها بلجيكا أشعلت فتيل الحرب العالمية الأولى، وفي الواقع، لو نظرنا لما مرت به أوروبا، فإنه لا يصدق أن يكون لها تواجد وظهور اليوم.

في مجال السياسة، تتأثر الأمم والأفراد بقوة بتاريخهم وأصولهم:

لماذا علينا أن نهتم بجذور القادة ومنشأهم كالرئيس الأمريكي باراك أوباما أو المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل؟

الناس وتصرفاتهم السياسية يتأثرون بعمق بطبيعة تربيتهم والسياق الذي ترعرعوا فيه، خذ على سبيل المثال السياسي فون ميترينك والمستشار بسمارك، كاثنين من عظماء السياسيين والدبلوماسيين في عهدهما:

نشأ ميترينك في ألمانيا بالقرب من الحدود الفرنسية ومضى ليصبح وزير خارجية الإمبراطورية الأسترالية، وكونه نشأ في مناخات متعددة الحضارات، فقد اخذ لحسبانه دائما مصالح كل قومية خلال حياته ضمن الحدود الأسترالية، كان الهدف الأسمى للسياسة بالنسبة له هو التعايش الآمن.

أما بسمارك الذي عاش في بيت النبلاء البروسي، فعلى خلاف ميتيرينك كان يرى أن السياسات وسيلة إلى غاية، وكان يتبنى بعمق الرأي أن الدبلوماسية خلقت فقط لتخدم مصالح دولة ما.

وعلى كل حال، ليس الأفراد فقط من تتأثر تصرفاتهم بتاريخهم، بل يتعدى ذلك إلى دول كاملة.

خذ على سبيل المثال روسيا، التي عبر تاريخها عانت كثيرا من الغزو في كل وقت تخلت فيه عن عسكرتها، حدث الغزو المنغولي الغاشم في القرن الثالث عشر وكثير من الاجتياحات التي قادت روسيا إلى “أوقات الفوضى” في القرن السادس عشر، حدثت هذه جميعا في الوقت الذي قلصت فيه روسيا من دفاعاتها العسكرية، ونتيجة لذلك فالروس اليوم لا ينظرون بعين الارتياح لكل من يشجعهم على تقليل قواتهم المسلحة.

على النقيض، تأمل الدول الأوروبية التي أمضت عقودا من المعاناة في حروب دموية، هذا التاريخ المؤلم علم القارة أن التعايش الآمن هو من أساسيات الازدهار المتبادل، ولذلك نراهم عملوا بجد لعقد التحالفات وحل النزاعات بالطرق الدبلوماسية أكثر منها بالعمل العسكري.

لذلك فكل إنسان وكل أمة متأثر بعمق بتجاربه السابقة، وهذه الحالة متأصلة بشكل خاص في الشرق الأوسط، حيث تختلف الحضارات المتنوعة وتتناطح القوميات.

الكثير من الصراعات العالمية هي نتيجة تضارب الأنظمة العالمية:

من الواضح أنه عندما تتقابل عدة قوميات، فإن خطر الصراعات يزداد، لأن الأنظمة العالمية المختلفة تميل إلى عدم التطابق.

وهذا له ارتباط وثيق بحقيقة أن كل نظام عالمي يزعم أنه قابل للتطبيق كونيا، كما يخفق كل نظام في إيجاد البديل وفي استيعاب الأنظمة المختلفة عنه تماما وبالنتيجة ليس مصمما للتطبيق على باقي الأنظمة.

على سبيل المثال، سنرى لاحقا في المزيد من التفصيل أن نظاما عالميا يرتكز على تفسير أرثوذوكسي(متشدد) للقرآن الكريم يجعله على خلاف مع كل الأنظمة المتبقية.

ولكن حتى الحرب الباردة مثال عظيم على حرب الأنظمة المختلفة، فإن أس الصراع تمثل جوهريا في أنظمة عالمية مختلفة، فالولايات المتحدة الأمريكية طورت نظام الرأسمالية والسوق الحرة، بينما تصلب الاتحاد السوفييتي على نظام الاشتراكية.

وبالنتيجة فالصراعات المسلحة التي نتجت كإرهاصات للحرب الباردة، كالحرب الكورية، خيضت كلها بالوكالة للدفاع عن النظامين العالميين العملاقين، وغالبا كان توتر القوتين الكبيرتين ينفجر في دول أقل قوة منهما، فكانت تخاض الصراعات بين هذه الدول بدافع الانتماء إلى أحد المعسكرين الاشتراكي أو الرأسمالي، وكانت تجبر بموجبها الدول الخاسرة على تغيير نظامها السياسي.

عدد من الصراعات التي حدثت وما تزال في الشرق الأوسط يمكن أيضا إرجاعها إلى تضاد الأنظمة، الدول العربية شديدة التفاوت، وممتلئة بكل أصناف الشعوب التي تتبنى أنظمة عالمية مختلفة تماما، وهذا ما ولد حروبا هائلة بسبب اختلاف الرؤى والمنظورات حول النظام العالمي، كل ينطلق إلى رؤيته من تفسير مختلف للإسلام.

الأنظمة العالمية التي ترتكز على الإسلام المتشدد هي الأخطر من حيث الاختلاف مع البقية:

كما نعلم، فإن الأنظمة العالمية تحتوي غالبا مفاهيما بعيدة المدى لها عدة تأويلات، وبالنتيجة فمن الصعوبة بمكان حل التناقضات فيما بينها، ولكن هل يعقل أن يتواجد نظام عالمي لا يتطابق جملة وتفصيلا مع جميع الأنظمة البقية؟

على وجه الخصوص، الأنظمة العالمية التي ترتكز على التفسير الضيق للقرآن الكريم ليس لديها سعة للآخرين ولا تقبل لهم، بحسب تفسير أرثوذكسي للقرآن الكريم، فإن العالم ينقسم إلى قسمين:

تأتي في البداية الدول التي تعيش تحت قيادة مسلمة ويحكمها قانون إسلامي، حسب المتطرفين، ينبغي أن تتواجد جميع هذه الدول تحت قيادة حاكم مسلم واحد، وكل هذه الدول تحت حكمه هي بمثابة ولايات، ويشار لها جميعا على أنها دار الإسلام.

وتأتي بالمنزلة الثانية جميع الدول التي لا تخضع لحكم الإسلام، أي جميع الدول المتبقية، يقول التفسير الأرثوذكسي أن الواجب المقدس على كل المسلمين أن يضمنوا يوما ما دخول هذه الدول تحت حكم الإسلام، ومسموح للمسلمين أن يحاولوا أي وسيلة لتحقيق هذه الغاية، لذلك فإن هذه الدول كلها يشار لها على أنها دار الحرب.

لذلك، من السهل أن تعلم لماذا هذه المناظير الضيقة التي تتبجح بحكم العالم بأسره تبقى غير متطابقة مع بقية أنظمة الحكم العالمية، بينما لا يختلف المفهوم الويستفالي لنظام العالم إلا مع هذه الأنظمة التي تعتمد التفاسير المتشددة للقرآن الكريم.

وفقا للمفهوم الستيفالي للنظام، فإن كل دولة لها الحق في اتخاذ قراراتها الخاصة طالما لا يتعارض ذلك مع مجموعة النظم وقواعد الاحترام المتبادل للسيادة الدولية، وهذا يختلف جليا عن الحملة لإنشاء دولة مسلمة عالمية واحدة.

على سبيل المثال، بالمفهوم الستيفالي لكل دولة الحق في إقامة شعائرها الدينية، وهذه ثمرة مهمة لحرب الثلاثين عاما، بينما نظام عالمي يرتكز على المعتقدات الإسلامية المتشددة لن يرى خيار الحرية الدينية مطروحا للنقاش.

الولايات المتحدة الأمريكية تستخدم وتطور نظاما عالميا يرتكز على المفهوم الستيفالي لتوازن القوى:

الآن كونك أصبحت على اطلاع بآلية عمل النظام العالمي، دعنا نلقي نظرة على تطبيق واضح ملموس لنظام عالمي: هو النظام العالمي الأمريكي.

بداية، الولايات المتحدة استفادت دائما من التفاصيل المدرجة في النظام الأوروبي لصالحها، لفترة طويلة، كان المنافسون الثلاثة الأعظم لأمريكا هم روسيا والصين واليابان، وباستخدام طريقة مماثلة للطريقة الستيفالية، فقد عمد القادة الأمريكان لتسليط أعدائهم على بعضهم بما يوازن قوتهم، وكان الهدف من ذلك ضمانة أن يوازن الأنداد بعضهم بعضا فلا يتسنى لأحدهم مهاجمة الولايات المتحدة مباشرة.

على سبيل المثال، عندما كانت قوة اليابان تتصاعد بسرعة في أوائل القرن العشرين، عمد الرئيس الأمريكي آنذاك تيودور روزفلت إلى استعراض القوة البحرية الأمريكية، فقام باستعراض حملة مؤلفة من ستة عشر سفينة عرفت بالأسطول الأبيض في رحلة عالمية، وأجرت هذه الحملة عدة وقفات في اليابان.

كان الشعار الرسمي للرحلة أنها حملة تدريبية عبر العالم، ولكن كان واضحا أيضا أن الولايات المتحدة كانت تقوم باستعراض لقوة وحجم أسطولها الملاحي، بهذا الاستعراض، وبدون اللجوء لأي هجمات صريحة أو ضغوطات، كانت أمريكا منسجمة مع النظام العالمي الأوروبي.

ولكن الولايات المتحدة لم تكن تكتفي باستخدام مفاهيم النظام العالمي الأوروبي فحسب، بل ربطتها دائما مع مزاعمها أنها الراعية والمدافعة عن النظام العالمي، وفي الواقع، أجزاء من النظام العالمي الستيفالي استخدمت المرة تلو المرة من قبل أمريكا لتبرير الصراعات والحروب المسلحة.

فقط تأمل كم مرة شنت هذه الدولة حروبا ضد دول قوية وخربت بذلك توازن القوى العالمية والسيادة الدولية، كما حدث عندما هاجمت ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية.

 

رابط الكتاب:

https://www.amazon.com/World-Order-Henry-Kissinger/dp/0143127713

صحيفة نيوز ديبلي: تحليل الفيلق الخامس ووضع الجيش السوري

صحيفة نيوز ديبلي: تحليل الفيلق الخامس ووضع الجيش السوري

تحليل الفيلق الخامس ووضع الجيش السوري

NEWS DEEPLY_ مقال مترجم عن صحيفة نيوز ديبلي

ترجمة : عبد الرحمن الكيلاني

في 22 نوفمبر، أعلنت القيادة العامة للجيش السوري تشكيل أول قوة قائمة على التطوع العسكري الرسمي، وهي الفيلق الخامس “اقتحام”. ووصف بيان رسمي أنه قوة كوماندوس تهدف إلى “مكافحة الإرهاب”، والتي سيتم نشرها جنبا إلى جنب مع وحدات الجيش الأخرى وقوات التحالف الأجنبية (ولكن لم يحدد أين). من بين السكان المستهدفين للتجنيد المدنيون، الذين لم يتم سحبهم بالفعل للخدمة العسكرية، والفارين من الجيش وموظفي الحكومة.

الفيلق الخامس يعرض على المجندين مرتبات شهرية وتسوية لوضع الفارين، ممن سبق وتركوا مواقعهم العسكرية. إذ سيتم إعطاء المتطوعين من موظفي الحكومة عقودا لمدة سنة، وسيستمرون في تلقي أجور حكومتهم مع فوائد أخرى، بالإضافة إلى راتب الفيلق الخامس. صفحة الفيسبوك تدعي أنها الصفحة الرسمية للفيلق تحت اسم: “الجيش السوري العربي -الفيلق الخامس”، والتي لديها بالفعل أكثر من 8،000 لايك، حيث تذكر أرقام هواتف المجندين المحتملين للدعوة والتعرف على فوائد الانضمام.

تشكيل الفيلق الخامس وتكتيكات التجنيد لم يسبق له مثيل وهو يسلط الضوء على تعقيد الوضع العسكري للنظام في سوريا. مع إنشاء قوة جديدة، فإن النظام يحاول معالجة مسألتين رئيسيتين: النقص في اليد العاملة المحلية مقارنة مع وجود ضخم للأجانب المؤيدين للأسد، والحاجة إلى مأسسة القوات المساعدة في الجيش. كيف سيكون تطبيق هذا على أرض الواقع هو الذي سيحدد مستقبل الجيش السوري وكذلك العلاقات الروسية الإيرانية، وقدرتهم على التعاون ومواقعهم في مرحلة سوريا ما بعد الحرب.

الوضع الحالي لجيش الأسد

على مدى السنوات الخمس الماضية، فقد النظام السوري قوى عاملة كبيرة. في يوليو 2015، وقبل شهرين فقط من التدخل العسكري الروسي، قال الرئيس بشار الأسد أن جيشه يواجه “نقصا في القدرات البشرية”. وأن القوات الروسية قادرة على سد هذه الثغرة، وبفضل المساعدة الكثيفة لقوات النظام التي تقاتل المعارضة وخلال مدة سنة تغير ميزان القوة على الأرض.

قبل الحرب، كان يقدر الجيش السوري بحوالي 300000 جندي، معظمهم من الشباب المجندين إلزامياً، واعتبارا من أكتوبر عام 2015، قدرت هذه القوات بين 80،000 و100،000. هذا الانخفاض الكبير هو نتيجة لانشقاق كتلة (بعد أن أمرت قوات الجيش بمهاجمة المتظاهرين السلميين في عام 2011)، وارتفاع عدد القتلى والمنشقين. مع هذه الأرقام، فإن قوات الأسد لن تكون قادرة على البقاء على قيد الحياة في حرب دون دعم من الميليشيات المحلية والأجنبية، فضلا عن مساهمات عسكرية من إيران وروسيا.

ويجري حاليا استخدام ثلاث أسماء اصطلاحية في وسائل الإعلام الرسمية للنظام باللغة العربية لوصف القوات الموالية للأسد على الأرض: “القوات المسلحة” إشارة إلى الجيش القائم على التجنيد، و”القوات الرديفة” -إشارة إلى الميليشيات المحلية القائمة على التطوع مثل قوات الدفاع الوطني (الجبهة)؛ و”قوات التحالف” -إشارة إلى القوات الأجنبية، مثل حزب الله اللبناني والقوات الإيرانية، والعراقية والشيعية والروسية.

تم تأسيس ميليشيات محلية لتعمل في المقام الأول في المجتمعات التي تسيطر عليها والتي تعد هامة للنظام، مثل اللاذقية، طرطوس، حمص، حماة والعاصمة دمشق. وعلاوة على ذلك، فإن معظم هذه الميليشيات لا تندرج بالضرورة تحت سيطرة النظام مباشرة والكثير من تمويلها يأتي من رجال الأعمال المتمولين الموالين للنظام، مع التوظيف على خلفيات طائفية. وبالنظر إلى الدوافع الدينية وراء هذه الجماعات، من المعروف أن غالبية تعمل تحت قيادة فيلق الحرس الثوري الإيراني (الحرس الثوري الإيراني) وحزب الله في لبنان. وبالإضافة إلى ذلك، فمن المتوقع أن تقاتل في المناطق القريبة من مسقط رأسهم، والحد من انتشارها، والسماح للنظام للحفاظ على السيطرة، وإن كان ذلك من خلال وكلاء، من قاعدة دعم الأسد في المناطق الساحلية والغربية.

الزواج المضطرب بين روسيا وإيران

يقوم الأسد حالياً بمحاربة المعارضة مع عدد قليل من قواته. ومنذ أن دخلت روسيا في النزاع السوري في سبتمبر/أيلول عام 2015، كانت موسكو قلقة من إدارة التخطيط والتنسيق العسكري في مشهد فوضوي، حيث أن الميليشيات تسيطر عليها إيران. وقد ذكر القادة الروس أنهم يفضلون العمل مع مؤسسات الدولة السورية الرسمية. واستجابةً للضغوط الروسية، وبعد شهر من دخول موسكو إلى سوريا، أنشأ النظام ما يسمى “الفيلق الرابع”، وجمع بين جبهة الدفاع الوطني والجماعات شبه العسكرية الأخرى.

وقد كتبت ميسون يوسف، وهي كاتبة موالية للنظام، في صحيفة الوطن، أن إنشاء الفيلق الرابع يثبت أن الجيش السوري هو “عقد السلطة والسيطرة، وقادر على إعادة تنظيم وإنشاء وحدات” مطمئنة “الصديق [روسيا] على قدرته للسيطرة على … الأوضاع”. وأضافت أن النظام بهذا يساعد مؤيديه الروس. وبعد إنشائه، أحرز الفيلق الرابع تقدماً ضد المعارضة في مدينة حماة مع الدعم الجوي الروسي الملحوظ. ومع ذلك، بالرغم من أن المجموعات المساعدة مثل جبهة الدفاع الوطني لا تزال نشطة على ما يزيد من سنة بعد تأسيس الفيلق الرابع فلم تندمج معه، وهذا يدل على أن التنسيق الكامل بين روسيا وإيران لم يكن ناجحا، على الأقل حتى الآن، وأن الجيش السوري غير قادر على التأثير على كل القوات غير الحكومية لتتماشى مع الأهداف الاستراتيجية الأوسع.

حاجة الأسد لقوات سورية محلية

إن إنشاء قوة عسكرية من المتطوعين تحت قيادة وزارة الدفاع يشير إلى أن النظام يحاول كسب بعض السيطرة على القوات المحلية. وقد ذكرت عدة وسائل إعلام موالية للنظام أن حزب الله وروسيا يتوليان الأدوار القيادية في تمويل الفيلق الخامس، وهذا يعني أن محاولة أخرى جارية من جانب روسيا وإيران لإضفاء الطابع المؤسسي على القوات المحلية. وبصفة عامة، فشل الفيلق الرابع في هذا الهدف، لكنه قام بإيجاد نوع من الرقابة من قبل الجيش الرسمي على المجموعات المساعدة في اللاذقية وحماة. ويبذل نظام الأسد جهودا كبيرة للحصول على متطوعين جدد للانضمام إلى الفيلق الخامس، وهو الأمر الذي لم يكن جزءا من خطة الفيلق الرابع الذي كان تركيزه محصوراً فقط على المجموعات المساعدة التي قد أنشئت قبل.

إن النظام يوظف تقريباً جميع الوسائل لجذب مجندين جدد. وبالإضافة إلى الراتب المذكور -وهو عرض رائع للشباب السوري الذي يواجه ارتفاع معدلات البطالة -فإن الحكومة أيضاً تستخدم الدعوة الدينية لتحريضهم على الانضمام لصفوف الفيلق. فقد أمرت وزارة الأوقاف أئمة المساجد الرئيسية في مناطق سيطرة النظام تعبئة الشباب للانضمام إلى الفيلق الخامس. وفي 20 ديسمبر/كانون الأول، وفي صلاة الجمعة المبثوثة عبر التلفاز، حض إمام المسجد الأموي الكبير في دمشق الشباب السوري علناً للانضمام إلى الفيلق الخامس. وقد وضعت منشورات تروج للقوة الجديدة في أكياس الخبز التي تنتجها الحكومة، وكذلك ظهرت إعلانات على التلفاز وفي الصحف. يدل هذا على أن النظام يريد المزيد من القوات فقط، وإنما يحتاج إلى قوات سورية على وجه الخصوص.

يبقى من غير الواضح كيف سيكون نجاح الفيلق الخامس، وهل بإمكانه التغلب على الخلافات الروسية-الإيرانية؛ لكن هذا يشير إلى أن الوضع الحالي للجيش السوري ينذر بالخطر على مستويات عدة. إن مستقبل القوات الدفاعية للبلاد سيبقى مدعوماً من قبل جهات أجنبية على المدى الطويل. إن الأسد يمنح روسيا وإيران عقوداً طويلة الأجل للسيطرة على ما تبقى من الجيش، والتي قد تعيق إصلاحات ما بعد الحرب لمؤسسات هذه الدولة.

ما هو أكثر من ذلك، خلال العام الماضي، أن نظام الأسد قد عمق الانقسامات الطائفية في الجيش السوري، وإن إضافة قوة مثل الفيلق الخامس للجيش وإضفاء الطابع المؤسسي بشكل فعال على الجماعات الطائفية المساعدة ما هو إلا تأكيد الطبيعة الطائفية للجيش، وهو خطوة مماثلة تماما لتلك التي قررها العراق لإضفاء الشرعية على وحدات التعبئة الشعبية التي يقودها الشيعة.

من الواضح، في هذه المرحلة أن جيش الدولة في سوريا سوف تؤثر عليه القوى الأجنبية على المدى الطويل، وهذه النتيجة لن تعرقل فقط عملية السلام بين السوريين، ولكن أيضا الاستقرار الإقليمي، كما أنه من المرجح أن تستمر سوريا في أن تكون مجال المنافسة بين القوى الإقليمية والدولية.